Al-AlusiAli 'Imran · 3:81–83

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:81–83

3:81Page 60

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١

And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُخاطَبٍ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيِ اُذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، واخْتارَ السَّمِينُ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِ (أقْرَرْتُمْ) الآتِي، وضَعَّفَهُ عَبْدُ الباقِي بِأنَّ خِطابَ ﴿أقْرَرْتُمْ﴾ بَعْدَ تَحَقُّقِ أخْذِ المِيثاقِ، وفِيهِ تَرَدُّدٌ، وعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ بَعِيدٌ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنَ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّها عَلى ظاهِرِها ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: ”لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ في مُحَمَّدٍ ﷺ، لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، ويَأْمُرُهُ فَيَأْخُذُ العَهْدَ عَلى قَوْمِهِ“ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وعَدَمُ ذِكْرِ الأُمَمِ فِيها حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّهم مَعْلُومُونَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى أوْ لِأنَّهُ اِسْتَغْنى بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَفي الآيَةِ اِكْتِفاءٌ ولَيْسَ فِيها الجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ.

وقِيلَ: إنَّ إضافَةَ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَةٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ النَّبِيُّونَ عَلى أُمَمِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْتُكُمْ) الخ، ونَحْنُ نَقْرَأُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، وأشارَ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَما تُوُهِّمَ حَتّى ظُنَّ أنَّ ذَلِكَ مَنشَأُ قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ أنَّ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ خَطَأٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّ الآيَةَ كَما قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ وحْدَهُ مَنشَأٌ وإلّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ بَلِ المَنشَأُ لِذَلِكَ إنْ صَحَّ، ولا أظُنُّ ما يُعْلَمُ بَعْدَ التَّأمُّلِ فِيما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّماتِ وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في «اَلْأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ».

وقِيلَ: المُرادُ أُمَمُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ وقِيلَ: المُضافُ المَحْذُوفُ أوْلادٌ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى الصَّحِيحِ بَنُو إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ أوْلادِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، وأنَّ السِّياقَ في شَأْنِهِمْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ المُشارِ إلَيْها، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقًا مِثْلَ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ أيْ مِيثاقًا غَلِيظًا عَلى الأُمَمِ، ثُمَّ جَعَلَ مِيثاقَهم نَفْسَ مِيثاقِهِمْ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ النَّبِيِّينَ بَنُو إسْرائِيلَ وسَمّاهم بِذَلِكَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلَ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَنِ اِئْتَمَنتَهُ عَلى شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ ثُمَّ زَعَمَ الأمانَةَ: يا أمِينُ ماذا صَنَعْتَ بِأمانَتِي؟! وتَعَقَّبَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لا قَرِينَةَ تُبَيِّنُ ذَلِكَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ لَعَلَّهُ

صفحة 210

اَتَّخَذَ مَقالَهُمُ المَذْكُورَ قَرِينَةً حالِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِلتَّعْلِيلِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النّاسِ لِأجْلِ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ الخ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، وقالَ الشِّهابُ: لَمْ نَرَ مَن ذَكَرَ أنَّ الإضافَةَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ في غَيْرِ كَلامِ هَذا القائِلِ.

واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَوْلَ الأوَّلَ، وأخْذُ المِيثاقِ مِنَ النَّبِيِّينَ لَهُ ﷺ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ وقْتَهُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِما فِيهِ مَعَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ ﷺ والتَّفْخِيمِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ والتَّنْوِيهِ بِالذِّكْرِ ما لا يَنْبَغِي إلّا لِذَلِكَ الجَنابِ، وتَعْظُمُ الفائِدَةُ إذا كانَ ذَلِكَ الأخْذُ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ لا في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّهُ بَعِيدٌ كَبُعْدِ ذَلِكَ الزَّمانِ كَما عَلَيْهِ البَعْضُ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأخْذِ المِيثاقِ مِنَ الأنْبِياءِ المُوجِبِ لِإيمانِ مَن أدْرَكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم بِهِ ما أخْرَجَهُ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا فَإمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، وإمّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإنَّهُ واَللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتْبَعَنِي“،» وفي مَعْناهُ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ وهي تُؤَيِّدُ بِظاهِرِها ما قُلْنا، ومِن هُنا ذَهَبَ العارِفُونَ إلى أنَّهُ ﷺ هو النَّبِيُّ المُطْلَقُ والرَّسُولُ الحَقِيقِيُّ والمُشَرِّعُ الِاسْتِقْلالِيُّ، وأنَّ مَن سِواهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ ﷺ.

وهَذا وقَدْ عَدُّوا هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ إعْرابًا وقَدْ غاصَ النَّحْوِيُّونَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ وشَقُّوا الشِّعْرَ فِيهِ، ولْنَذْكُرْ بَعْضَ الكَلامِ في ذَلِكَ، فَنَقُولُ: قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اللّامُ في ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والتَّخْفِيفِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُسَهِّلُ تَفَهُّمَ الجَوابِ عَلى السّامِعِ، وعَرَّفَها النُّحاةُ كَما قالَ الشِّهابُ: بِأنَّها اللّامُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الشَّرْطِ سَواءٌ إنَّ وغَيْرُها لَكِنَّها غَلَبَتْ في إنَّ بَعْدَ تَقَدُّمِ القَسَمِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا لِتُؤْذِنَ أنَّ الجَوابَ لَهُ لا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: لَئِنْ أكْرَمْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، ولَوْ قُلْتَ: أُكْرِمُكَ، أوْ فَإنِّي أُكْرِمُكَ، أوْ ما أشْبَهَهُ مِمّا يُجابُ بِهِ الشَّرْطُ، لَمْ يَجُزْ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الحاجِبِ وخالَفَهُ الفَرّاءُ فِيهِ فَجَوَّزَ أنْ يُجابَ الشَّرْطُ مَعَ تَقَدُّمِ القَسَمِ عَلَيْهِ لَكِنَّ الأوَّلَ هو المُصَحَّحُ، وكَوْنُها يَجِبُ دُخُولُها عَلى الشَّرْطِ هو المَشْهُورُ وخالَفَ فِيهِ بَعْضُ النُّحاةِ، قالَ: يَجُوزُ دُخُولُها عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ إمّا مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ مُشابَهَتِهِ لِلشَّرْطِ كَما المَوْصُولَةُ دُونَ الزّائِدَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ هُودٍ: إنَّهُ لا يَجِبُ دُخُولُها عَلى كَلِمِ المُجازاةِ، ونَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ عَنِ الأخْفَشِ، وذَكَرَ أنَّ ثَعْلَبًا غَلَّطَهُ فِيهِ فالمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ.

وما شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (آتَيْتُ) والمَفْعُولُ الثّانِي ضَمِيرُ المُخاطَبِ، و(مِن) بَيانٌ لِما واعْتُرِضَ بِأنَّ حَمْلَ (مِن) عَلى البَيانِ شائِعٌ بَعْدَ المَوْصُولَةِ، وأمّا بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ فَيَحْتاجُ إلى النَّقْلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ القَوْلِ بِزِيادَتِها لِأنَّ زِيادَتَها بَعْدَ المَوْصُولَةِ أيْضًا كَزِيادَتِها بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ مُحْتاجٌ لِما ذُكِرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ السَّمِينَ نَقَلَ ما يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ عِنْدَ الأئِمَّةِ، وفي «جَنْيِ الدّانِي»: ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ (مِن) تُزادُ بِالشُّرُوطِ في غَيْرِ بابِ التَّمْيِيزِ، وأمّا فِيهِ فَتُزادُ وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ نَحْوَ لِلَّهِ دَرُّكَ مِن رَجُلٍ، ومِن هُنا قالَ مَوْلانا عَبْدُ الباقِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ ذُكِرَتْ لِبَيانِ (ما) الشَّرْطِيَّةِ، أوْ زائِدَةٌ داخِلَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جَوابُ القَسَمِ وحْدَهُ عَلى الصَّحِيحِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ واتِّحادِ مَعْناهُما تَسامَحَ بَعْضُهم فَجَعَلَهُ سادًّا مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّهُ جَوابُ القِسْمِ وجَوابُ الشَّرْطِ لِتَنافِيهِما مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ: لا مَحَلَّ لَهُ، والثّانِي: لَهُ مَحَلٌّ، والقَوْلُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الواحِدَةَ قَدْ يُحْكَمُ عَلَيْها بِالأمْرَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ اِلْتِزامٌ لِما لا يَلْزَمُ، وجَوَّزُوا كَوْنَ (ما) مَوْصُولَةً واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْها حِينَئِذٍ لامُ الِابْتِداءِ، ويُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ أنَّ اللّامَ بَعْدُ مُوَطِّئَةٌ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن جَوَّزَ دُخُولَ المُوَطِّئَةِ عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ مِنَ النُّحاةِ كَما مَرَّ وهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ

صفحة 211

إمّا مُقَدَّرٌ أوْ جُمْلَةُ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ مَعَ القَسَمِ المُقَدَّرِ، والكَلامُ في مِثْلِهِ شَهِيرٌ.

وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) إنْ عادَ عَلى المُبْتَدَأِ عَلى ما هو الظّاهِرُ كانَ المِيثاقُ هو إيمانَهم بِما آتاهُمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ ﷺ ونَصَّرَتْهُ، وإنْ عادَ عَلى الرَّسُولِ كالضَّمِيرِ الثّانِي المَنصُوبِ العائِدِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا دَفْعًا لِلُزُومِ التَّفْكِيكِ خَلَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي خَبَرٌ عَنِ العائِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ لَمّا كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى ما هو بِمَعْنى المُبْتَدَأِ المَوْصُولِ، ولِذَلِكَ اِسْتَغْنى عَنْ ضَمِيرِهِ فِيها مَعَ لُزُومِهِ في الصِّلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في المَشْهُورِ وكانَ ضَمِيرُ (بِهِ) راجِعًا لِلرَّسُولِ مَعَ مُلاحَظَةِ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى (ما) اِكْتَفى بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ عَنْ ضَمِيرٍ في خَبَرِها لِارْتِباطِ الكَلامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الإمامِ السُّهَيْلِيِّ في «اَلرَّوْضِ الأُنُفِ»، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَبْنِيٌّ عَلى اِتِّحادِ ما أُوتُوهُ، وما هو مَعَهُمْ، وفي ذَلِكَ إشْكالٌ لِأنَّ آتَيْناكم وجاءَكم إنْ كانَ كِلاهُما مُسْتَقْبَلَيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِما آتَيْناكُمُ القُرْآنُ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤْتُوهُ في المُسْتَقْبَلِ بِاعْتِبارِ إيتائِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي كُلِّفُوا بِاتِّباعِهِ وبِما مَعَهُمُ الكُتُبِ الَّتِي أُوتُوها، وحَمْلُهُ عَلى القُرْآنِ يَأْباهُ الذَّوْقُ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا يَظْهَرُ حُسْنٌ لِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِلْقُرْآنِ وهو لازِمٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وإنَّ كانا ماضِيَيْنِ ظَهَرَ الفَسادُ مِن جِهَةِ أنَّ هَذا الرَّسُولَ الَّذِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الإيمانَ بِهِ ونُصْرَتَهُ لَمْ يَجِئْ إذْ ذاكَ، وإنْ كانَ الفِعْلُ الأوَّلُ ماضِيًا، والثّانِي مُسْتَقْبَلًا جاءَ عَدَمُ التَّناسُبِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ وهُما ماضِيانِ لَفْظًا، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ، ولَعَلَّ المُجِيبَ يَخْتارُ هَذا الشَّقَّ ويَتَحَمَّلُ هَذا البُعْدَ لِما أنَّ ثُمَّ مَعَ كَوْنِهِ لا يُعْبَأُ بِمِثْلِهِ لِضَعْفِهِ تُهَوِّنُ أمْرَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَوْنَ الخَبَرِ ﴿مِن كِتابٍ﴾ أيِ الَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ مِنَ الكِتابِ، وجَعَلَ النَّكِرَةَ هُنا كالمَعْرِفَةِ وسَوَّغَ كَوْنَ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ مِنَ المَعْطُوفِ مَحْذُوفًا أيْ جاءَكم بِهِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ شُرُوطِ حَذْفِ مِثْلَ هَذا الضَّمِيرِ عِنْدَ الجُمْهُورِ بَلْ مَعَ خَلَلٍ في المَعْنى لِأنَّ المُؤْتى كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمانِ بَعْثَتِهِ وشَرِيعَتِهِ؛ والجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو القُرْآنُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ المُؤْتى القُرْآنَ أيْضًا كَما يَقْتَضِيهِ حَمْلُ الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِقْبالِ يُرَدُّ أنَّهُ لا مَعْنى لِمَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ بَعْدَ إيتائِهِمُ القُرْآنَ بِمُهْلَةٍ، والعَطْفُ بِ ثُمَّ كالنَّصِّ بِهَذا المَعْنى، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ الجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو كِتابَ كُلِّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ التَّكَلُّفِ يَكُونُ وصْفُ الرَّسُولِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم كالمُسْتَغْنِي عَنْهُ، فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ (لِما آتَيْتُكُمْ) بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنْ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ واللّامُ جارَّةٌ أجَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِ لَتُؤْمِنُنَّ، أيْ لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ ثُمَّ مَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَهُ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إعْمالُ (ما) بَعْدَ لامِ القَسَمِ فِيما قَبْلَها وهو لا يَجُوزُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإنَّ ظاهِرَ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِجَوازِهِ ولَعَلَّ مَن يَمْنَعُهُ يَخُصُّهُ بِما إذا لَمْ يَكُنِ المَعْمُولُ المُتَقَدِّمُ ظَرْفًا لِأنَّ ذاكَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، نَعَمِ الأوْلى حَسْمًا لِلنِّزاعِ تَعَلُّقُهُ بِ أُقْسِمُ المَحْذُوفِ، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ (ما) في هَذِهِ القِراءَةِ مَوْصُولَةً أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ أخَذَ.

ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ (لَمّا آتَيْتُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، وفِيها اِحْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى حِينَ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ خِلافًا لِسِيبَوَيْهِ، وجَوابُها مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ لَمّا آتَيْتُكم بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ وجَبَ عَلَيْكُمُ الإيمانُ بِهِ ونُصْرَتُهُ، وقَدَّرَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَها أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ النّاسِ وأماثِلِهِمْ أُخِذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقُ، وكَذا وقَعَ في «تَفْسِيرِ الزَّجّاجِ»، ومَآلُ مَعْناها التَّعْلِيلُ، الثّانِي: أنَّ أصْلَها مِن (ما) فَأُبْدِلَتِ

صفحة 212

النُّونُ مِيمًا لِمُشابَهَتِها إيّاها فَتَوالَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ لِضَعْفِها بِكَوْنِها بَدَلًا وحُصُولِ التَّكْرِيرِ بِها، ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ في «اَلْبَحْرِ».

وزَعَمَ اِبْنُ جِنِّيٍّ أنَّها الأوْلى، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ، و(مِن) إمّا مَزِيدَةٌ في الإيجابِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وإمّا تَعْلِيلِيَّةٌ عَلى ما اِخْتارَهُ اِبْنُ جِنِّيٍّ، قِيلَ: وهو الأصَحُّ لِاتِّضاحِ المَعْنى عَلَيْهِ ومُوافَقَتِهِ لِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واللّامُ إمّا زائِدَةٌ أوْ مُوَطِّئَةٌ بِناءً عَلى عَدَمِ اِشْتِراطِ دُخُولِها عَلى أداةِ الشَّرْطِ.

وقَرَأ نافِعٌ (آتَيْناكُمْ) عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ، والباقُونَ (آتَيْتُكُمْ) عَلى التَّوْحِيدِ، ولِكُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ حُسْنٌ مِن جِهَةٍ، فافْهَمْ ذاكَ، فَبَعِيدٌ أنْ تَظْفَرَ بِمِثْلِهِ يَداكَ.

(قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّينَ وهو بَيانٌ لَأخْذِ المِيثاقِ، أوْ مَقُولٌ بَعْدَهُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿أقْرَرْتُمْ﴾ بِذَلِكَ المَذْكُورِ ﴿وأخَذْتُمْ﴾ أيْ قَبِلْتُمْ عَلى حَدِّ ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾، وقِيلَ: مَعْناهُ هَلْ أخَذْتُمْ ﴿عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ عَلى الأُمَمِ، والإصْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ العَهْدُ، كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ، وأصْلُهُ مِنَ الإصارِ وهو ما يُعْقَدُ بِهِ ويُشَدُّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّي العَهْدُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ كَ عُبْرٍ وعُبَّرٍ في قَوْلِهِمْ ناقَةٌ عُبْرُ أسْفارٍ أوْ هو بِالضَّمِّ جَمْعُ إصارٍ اُسْتُعِيرَ لِلْعَهْدِ، وجُمِعَ إمّا لِتَعَدُّدِ المُعاهِدِينَ وهو الظّاهِرُ أوْ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿قالُوا﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿أقْرَرْنا﴾، وكانَ الظّاهِرُ في الجَوابِ أقْرَرْنا عَلى ذَلِكَ إصْرَكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثّانِيَ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، (قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لَهم ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ الإقْرارِ، فاعْتَبَرَ المُقِرَّ بَعْضًا والشّاهِدَ بَعْضًا آخَرَ، لِئَلّا يَتَّحِدُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ والشّاهِدُ، وقِيلَ: الخِطابُ فِيهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَطْ أُمِرُوا بِالشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ ونُسِبَ إلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [ 81 ] أيْ عَلى إقْرارِكم وتَشاهُدِكم عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَعْنى لِأنَّهُ لا بُدَّ في الشَّهادَةِ مِن مَشْهُودٍ عَلَيْهِ. وهُنا ما ذَكَرْناهُ لِلْمَقامِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ اِعْلَمُوا وأنا مَعَكم أعْلَمُ.

وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فِيهِ تَوْكِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَظِيمٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ أنا و﴿مَعَكُمْ﴾ حالٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿فاشْهَدُوا﴾ .

3:82Page 60

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٨٢

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

﴿فَمَن تَوَلّى﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ونُصْرَتِهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المِيثاقِ والإقْرارِ والتَّوْكِيدِ بِالشَّهادَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) مُراعًى مَعْناهُ كَما رُوعِيَ مِن قَبْلُ لَفْظُها ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [ 82 ] أيِ الخارِجُونَ في الكُفْرِ إلى أفْحَشِ مَراتِبِهِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ دُخُولِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، أوْ ما هي في حُكْمِها لِأنَّهم أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ يُتَصَوَّرَ في حَقِّهِمْ ثُبُوتُ المُقَدَّمِ لِيَتَّصِفُوا، وحاشاهم بِما تَضَمَّنَهُ التّالِي بَلْ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى أتْباعِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ العُمُومَ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ .

3:83Page 60

أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣

So is it other than the religion of Allāh they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ ذَكَرَ الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ «”اِخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابَيْنِ إلى رَسُولِ اللَّهِ

صفحة 213

ﷺ فِيما اِخْتَلَفُوا بَيْنَهم مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ فِرْقَةٍ زَعَمَتْ أنَّها أوْلى بِدِينِهِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: كِلًا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ فَغَضِبُوا وقالُوا: واَللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» والجُمْلَةُ في النَّظْمِ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقِيلَ: عَلى الجَزاءِ فَقَطْ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ مُغْتَفَرٌ هُنا عِنْدَ المانِعِينَ، والهَمْزَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْإنْكارِ، وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ أيَتَوَلَّوْنَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، قالَ اِبْنُ هِشامٍ: والأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَواضِعَ، وجَوَّزَ الثّانِيَ في بَعْضٍ ويُضَعِّفُهُ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، أمّا الأوَّلُ: فَلِدَعْوى حَذْفِ الجُمْلَةِ فَإنْ قُوبِلَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْطُوفِ فَقَدْ يُقالُ إنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ لِأنَّ المُتَجَوِّزَ فِيهِ عَلى قَوْلِهِمْ أقَلُّ لَفْظًا مَعَ أنَّ في هَذا التَّجَوُّزِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَةِ شَيْءٍ في شَيْءٍ، أيْ أصالَةِ الهَمْزَةِ في التَّصَدُّرِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ في نَحْوِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ اِنْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ الشَّمْسُ بْنُ الصّائِغِ بِأنَّهُ أيُّ مانِعٍ مِن تَقْدِيرِ ألا مُدَبِّرٌ لِلْمَوْجُوداتِ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المَقْصُودِ بِهِ تَقْرِيرَ ثُبُوتِ الصّانِعِ، والمَعْنى أيَنْتَفِي المُدَبِّرُ، فَلا أحَدَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، لا يُمْكِنُ ذَلِكَ، بَلِ المُدَبِّرُ مَوْجُودٌ فالقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ هو وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ البَدْرِ اِبْنِ الدَّمامِينِيِّ أهم ضالُّونَ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ، وجَعْلُهُ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ وعَلى العِلّاتِ يُوشِكُ أنَّ يَكُونَ التَّفْصِيلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أوْلى بِأنْ يُقالَ: إنِ اِنْساقَ ذَلِكَ المُقَدَّرُ لِلذِّهْنِ قِيلَ: بِالتَّقْدِيرِ، وإلّا قِيلَ: بِما قالَهُ الجَماعَةُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ لا لِلْحَصْرِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ المُنْكَرَ اِتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ رَبًّا ولَوْ مَعَهُ، ودَعْوى أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ دِينَ غَيْرِ اللَّهِ لا يُجامِعُ دِينَهُ في الطَّلَبِ، فالتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ - والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ أيْ أيَخُصُّونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ بِالطَّلَبِ - تَكَلُّفٌ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ تَعْلِيلَ التَّقْدِيمِ بِما تَقَدَّمَ لا تَحْقِيقَ فِيهِ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فاَلَّذِي أنْكَرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ مِن بابِ الِاتِّساعِ، ولِشَبَهِ ﴿يَبْغُونَ﴾ بِالفاصِلَةِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ تَوَجُّهَ الإنْكارِ إلى الذَّواتِ، كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ لِحَفْصٍ ويَعْقُوبُ يَبْغُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى مَعْنى أتَتَوَلَّوْنَ أوْ أتَفْسُقُونَ وتَكْفُرُونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ اِلْتِفاتٌ فَعِنْدَهُ لا تَقْدِيرَ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّقْدِيرِ يَجِيءُ قَصْدُ الإنْكارِ فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ ولا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ.

﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ أيْ كَيْفَ يَبْغُونَ ويَطْلُبُونَ غَيْرَ دِينِهِ، والحالَةُ هَذِهِ ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ طائِعِينَ وكارِهِينَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِمَعْنى اِنْقادَ وأطاعَ قِيلَ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ ظاهِرٌ في ﴿طَوْعًا﴾ لِمُوافَقَةِ مَعْناهُ ما قَبْلَهُ لا في ”كَرْهًا“ والقَوْلُ بِأنْ يُغْتَفَرَ في الثَّوانِي ما لا يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ غَيْرُ نافِعٍ، وقَدْ يُدْفَعُ بِأنَّ الكُرْهَ فِيهِ اِنْقِيادٌ أيْضًا، والطَّوْعُ مَصْدَرُ طاعَ يَطُوعُ، كالإطاعَةِ مَصْدَرُ أطاعَ يُطِيعُ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما، وقِيلَ: طاعَهُ يَطُوعُهُ اِنْقادَ لَهُ، وأطاعَهُ يُطِيعُهُ بِمَعْنى مَضى لِأمْرِهِ، وطاوَعَهُ بِمَعْنى وافَقَهُ.

وفِي مَعْنى الآيَةِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإسْلامِ بِالطَّوْعِ الإسْلامُ النّاشِئُ عَنِ العِلْمِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ حاصِلًا لِلِاسْتِدْلالِ كَما في الكَثِيرِ مِنّا، أوْ بِدُونِ اِسْتِدْلالٍ وإعْمالِ فِكْرٍ كَما في المَلائِكَةِ ومِنَ الإسْلامِ بِالكُرْهِ ما كانَ حاصِلًا بِالسَّيْفِ ومُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ اِنْقادُوا لَهُ تَعالى مُخْتارِينَ لِأمْرِهِ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ لِإرادَتِهِ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم مُسَخَّرُونَ لِإرادَةِ كُفْرِهِمْ

صفحة 214

إذْ لا يَقَعُ ما لا يُرِيدُهُ تَعالى، وهَذا لا يُنافِي عَلى ما قِيلَ: الجُزْءُ الِاخْتِيارِيُّ حَتّى لا يَكُونَ لَهُمُ اِخْتِيارٌ في الجُمْلَةِ فَيَكُونُ قَوْلًا بِمَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ، ولا يَسْتَدْعِي عَدَمَ تَوَجُّهِ تَعْذِيبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ولا عَدَمَ الفَرْقِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِناءً عَلى أنَّ الجَمِيعَ لا يَفْعَلُونَ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ كَما وُهِمَ.

الثّالِثُ: ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ أنَّ الإسْلامَ طَوْعًا هو الِانْقِيادُ والِامْتِثالُ لِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ مُعارَضَةِ ظُلْمَةٍ نَفْسانِيَّةٍ وحَيْلُولَةُ حُجُبِ الأنانِيَّةِ، والإسْلامُ كَرْهًا هو الِانْقِيادُ مَعَ تَوَسُّطِ المُعارَضاتِ والوَساوِسِ وحَيْلُولَةُ الحُجُبِ والتَّعَلُّقُ بِالوَسائِطِ، والأوَّلُ: مِثْلَ إسْلامِ المَلائِكَةِ وبَعْضِ مَن في الأرْضِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ، والثّانِي: مِثْلَ إسْلامِ الكَثِيرِ مِمَّنْ تُقَلِّبُهُ الشُّكُوكُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ حَتّى غَدا يَقُولُ:

لِقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المَعاهِدِ كُلِّها وسَرَّحْتُ طَرَفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ

فَلَمْ أرَ إلّا واضِعًا كَفَّ حائِرٍ ∗∗∗ عَلى ذَقَنٍ أوْ قارِعًا سِنِّ نادِمِ

والكُفّارُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم أثْبَتُوا صانِعًا أيْضًا إلّا أنَّ ظَلَمَةَ أنْفُسِهِمْ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الوُقُوفِ عَلى الحَقِّ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ آدَمِيٍّ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَبِّي وأنا عَبْدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى العُبُودِيَّةَ فَهو الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا، وقَرَأ الأعْمَشُ (كُرْهًا) بِالضَّمِّ.

﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [ 83 ] أيْ إلى جَزائِهِ تَصِيرُونَ عَلى المَشْهُورِ فَبادِرُوا إلى دِينِهِ، ولا تُخالِفُوا الإسْلامَ، وجَوَّزُوا في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِلْإخْبارِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ فَهي حالِيَّةٌ أيْضًا، وقَرَأ عاصِمٌ بِياءِ الغِيبَةِ، والضَّمِيرُ لِمَن أوْ لِمَن عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿يَبْغُونَ﴾ فَإنْ قُرِئَ بِالخِطابِ فَهو اِلْتِفاتٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالخِطابِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ لِمَن عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿يَبْغُونَ﴾ فَعَلى الغَيْبَةِ فِيهِ اِلْتِفاتٌ أيْضًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском