Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:8–12
3:8Page 50
رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨
[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ مَقالَةِ الرّاسِخِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّعْلِيمِ، أيْ قُولُوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ إلى اِتِّباعِ المُتَشابِهِ بِتَأْوِيلٍ لا تَرْتَضِيهِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى مَعالِمِ الحَقِّ مِنَ التَّفْوِيضِ في المُتَشابِهِ أوِ الإيمانِ بِالقَسَمَيْنِ أوِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى لا تُضِلَّنا بَعْدَ الهِدايَةِ لِأنَّ زَيْغَ القُلُوبِ في مُقابَلَةِ الهِدايَةِ ومُقابَلَةَ الهِدايَةِ الإضْلالُ، وصِحَّةُ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في أفْعالِ العِبادِ ظاهِرَةٌ، والمُعْتَزِلَةِ يُؤَوِّلُونَ ذَلِكَ بِنَحْوِ لا تُبْلِنا بِبَلايا تَزِيغُ بِسَبَبِها قُلُوبُنا ولا تَمْنَعْنا ألِطافَكَ بَعْدَ أنْ لَطَفْتَ بِنا، وإنَّما دَعَوْا بِذَلِكَ أوْ أُمِرُوا بِالدُّعاءِ بِهِ لِأنَّ القُلُوبَ لا تَتَقَلَّبُ، فَفي «اَلصَّحِيحِ» عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يَدْعُو ”يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أكْثَرَ ما تَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ؟ فَقالَ: لَيْسَ مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ“».
صفحة 90
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما الإيمانُ بِمَنزِلَةِ القَمِيصِ مَرَّةً تَتَقَمَّصُهُ ومَرَّةً تَنْزِعُهُ» والرِّواياتُ بِمَعْنى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وهي تَدُلُّ عَلى جَوازِ عُرُوضِ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِطُرُوءِ الشَّكِّ مَثَلًا والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى، وفي كَلامِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي عَطّافٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ أيْ رَبِّ لا أزْنِيَنَّ أيْ رَبِّ لا أسْرِقَنَّ أيْ رَبِّ لا أكْفُرَنَّ، قِيلَ لَهُ: أوَ تَخافُ؟ قالَ: آمَنتُ بِمُحَرِّفِ القُلُوبِ، ثَلاثًا.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إذا لَقِيَنِي قالَ: اِجْلِسْ يا عُوَيْمِرُ فَلْنُؤْمِن ساعَةً فَنَجْلِسُ فَنَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى عَلى ما يَشاءُ، ثُمَّ قالَ: يا عُوَيْمِرُ هَذِهِ مَجالِسُ الإيمانِ إنَّ مَثَلَ الإيمانِ ومَثَلَكَ كَمَثَلِ قَمِيصِكَ بَيْنا أنْتَ قَدْ نَزَعْتَهُ إذْ لَبِسْتَهُ وبَيْنا أنْتَ قَدْ لَبِسْتَهُ إذْ نَزَعْتَهُ، يا عُوَيْمِرُ لَلْقَلْبُ أسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ القِدْرِ إذا اِسْتَجْمَعَتْ غَلَيانًا».
وعَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ «لَيَأْتِيَنَّ عَلى الرَّجُلِ أحايِينُ وما في جِلْدِهِ مَوْضِعُ إبْرَةٍ مِنَ النِّفاقِ ولَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ أحايِينُ وما في جِلْدِهِ مَوْضِعُ إبْرَةٍ مِن إيمانٍ».
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ الغَيْرِ الكامِلِ وما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا مِنَ الطَّرِيقِ، وأمّا بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ الكامِلِ والتَّصْدِيقِ الجازِمِ والعِلْمِ الثّابِتِ المُطابِقِ فَلا يُتَصَوَّرُ رَجْعَةٌ وكُفْرٌ أصْلًا لِئَلّا يَلْزَمَ اِنْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والتُزِمَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ مِمّا يَكادُ يَجُرُّ إلى الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى والتِزامِ تَأْوِيلِ النُّصُوصِ لِشُبْهَةٍ اِخْتَلَجَتْ في الصَّدْرِ هي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ في التَّحْقِيقِ مِمّا لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ كَما لا يَخْفى، فَتَدَبَّرْ.
و(بَعْدَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ (تُزِغْ)، و(إذْ) مُضافٌ إلَيْهِ وهي مُتَصَرِّفَةٌ كَما ذَكَرَهُ أجِلَّةُ النَّحْوِيِّينَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى بَعْدَ هِدايَتِنا فَمِمّا ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ في «إعْرابِ القُرْآنِ» ولَمْ يُرَ لِغَيْرِهِ، والمَذْكُورُ في النَّحْوِ أنَّها تَكُونُ حَرْفَ تَعْلِيلٍ فَتُؤَوَّلُ مَعَ ما بَعْدَها بِالمَصْدَرِ نَحْوَ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أيْ لِظُلْمِكم فَإنْ كانَ أُخِذَ مِن هَذا فَهو كَما تَرى، وقُرِئَ (لا تُزِغْ) بِالياءِ والتّاءِ ورَفْعِ (اَلْقُلُوبِ).
﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِ (هَبْ) وتَقْدِيمُ الأوَّلِ اِعْتِناءً بِهِ وتَشْوِيقًا إلى الثّانِي، ويَجُوزُ تَعَلُّقُ الثّانِي بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ كائِنَةً مِن لَدُنْكَ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ المَجازِيَّةِ، و(لَدُنْ) ظَرْفٌ، وهي لِأوَّلِ غايَةِ زَمانٍ أوْ مَكانٍ أوْ غَيْرِهِما مِنَ الذَّواتِ نَحْوَ مِن لَدُنْ زَيْدٍ ولَيْسَتْ مُرادِفَةً لِ (عِنْدَ) بَلْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْناها، وبَعْضُهم يُقَيِّدُها بِظَرْفِ المَكانِ وهي مُلازِمَةٌ لِلْإضافَةِ فَلا تَنْفَكُّ عَنْها بِحالٍ، فَتارَةً تُضافُ إلى المُفْرَدِ، وتارَةً إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أوِ الفِعْلِيَّةِ، وقَلَّما تَخْلُو عَنْ (مِن)، وفِيها لُغَتانِ، الإعْرابُ وهي لُغَةُ قَيْسٍ، والبِناءُ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ وسَبَبُهُ شَبَهُها بِالحَرْفِ في لُزُومِ اِسْتِعْمالِ واحِدٍ وامْتِناعِ الإخْبارِ بِها بِخِلافِ عِنْدَ، ولَدَيَّ فَإنَّهُما لا يَلْزَمانِ اِسْتِعْمالًا واحِدًا إذْ يَكُونانِ فَضْلَةً وعُمْدَةً وغايَةً وغَيْرَ غايَةٍ، قِيلَ: ولِقُوَّةِ هَذا الشَّبَهِ لا تُعْرَبُ إذا أُضِيفَتْ في المَشْهُورِ، واللُّغَتانِ المَذْكُورَتانِ مِنَ الإعْرابِ والبِناءِ مُخْتَصّانِ بِ (لَدُنْ) المَفْتُوحَةِ اللّامِ المَضْمُومَةِ الدّالِ الواقِعِ آخِرَها نُونٌ، وأمّا بَقِيَّةُ لُغاتِها فَإنَّها فِيها مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ وفِيها لُغاتٌ المَشْهُورَةُ مِنها ما تَقَدَّمَ و(لَدُنْ) بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها و(لَدُنْ) بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّها مَعَ سُكُونِ الدّالِ و(لَدُنْ) بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الدّالِ وبِإبْدالِ الدّالِ تاءً ساكِنَةً، ومَتى أُضِيفَتِ المَحْذُوفَةُ النُّونِ إلى ضَمِيرٍ وجَبَ رَدُّ النُّونِ.
﴿رَحْمَةً﴾ مَفْعُولٌ لِ (هَبْ) وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ الإحْسانُ والإنْعامُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الإنْعامُ المَخْصُوصُ وهو التَّوْفِيقُ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ، وفي سُؤالِ ذَلِكَ بِلَفْظِ الهِبَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى تَفَضُّلٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ شائِبَةٍ وُجُوبٌ عَلَيْهِ عِزَّ شَأْنُهُ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ
صفحة 91
الصَّرِيحِ لِلتَّشْوِيقِ.
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [ 8 ] تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ أوْ لِإعْطاءِ المَسْؤُولِ، و(أنْتَ) إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ فَصْلٌ أوْ تَأْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ وحُذِفَ المَعْمُولُ لِإفادَةِ العُمُومِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ عَلى فَعّالٍ قِيلَ: لِمُناسَبَةِ رُؤُوسِ الآيِ.
3:9Page 50
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩
Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾ المُكُلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ لِحِسابِ يَوْمٍ، أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ تَهْوِيلًا لِما يَقَعُ فِيهِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ جامِعُهم في القُبُورِ إلى يَوْمٍ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْحُكْمِ أيْ لا رَيْبَ في هَذا الحُكْمِ، فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِيَوْمٍ، وعَلى الثّانِي لِتَأْكِيدِ الحُكْمِ، ومَقْصُودُهم مِن هَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَرْضُ كَمالِ اِفْتِقارِهِمْ إلى الرَّحْمَةِ وأنَّها المَقْصِدُ الأسْنى عِنْدَهُمْ، والتَّأْكِيدُ لِإظْهارِ ما هم عَلَيْهِ مِن كَمالِ الطُّمَأْنِينَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ في اِسْتِنْزالِ طائِرِ الإجابَةِ، وقُرِئَ (جامِعٌ النّاسِ) بِالتَّنْوِينِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [ 9 ] تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ أوْ لِانْتِفاءِ الرَّيْبِ، وقِيلَ: تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ لِلْحُكْمِ السّابِقِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ الِالتِفاتِ لِلْإشارَةِ إلى تَعْظِيمِ المَوْعُودِ والإجْلالِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ المَهِيبِ الهائِلِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإخْلافِ؛ وهَذا بِخِلافِ ما في آخِرِ السُّورَةِ حَيْثُ أتى بِلَفْظِ الخِطابِ فِيهِ لِما أنَّ مَقامَهُ مَقامُ طَلَبِ الإنْعامِ، وقالَ الكَرْخِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ ما هُنا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ اِتِّصالًا لَفْظِيًّا فَقَطْ وما في الآخِرَةِ مُتَّصِلٌ اِتِّصالًا مَعْنَوِيًّا ولَفْظِيًّا لِتَقَدُّمِ لَفْظِ الوَعْدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِهِ تَعالى لِتَقْرِيرِ قَوْلِ الرّاسِخِينَ لا مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ فَلا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ، قالَ السَّفاقِسِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
و(اَلْمِيعادَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الحَدَثِ لا بِمَعْنى الزَّمانِ والمَكانِ وهو اللّائِقُ بِمَفْعُولِيَّةِ يُخْلِفُ وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، واسْتَدَلَّ بِها الوَعِيدِيَّةِ عَلى وُجُوبِ العِقابِ لِلْعاصِي عَلَيْهِ تَعالى وإلّا يَلْزَمُ الخُلْفُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ وعِيدَ الفُسّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ بِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وِفاقًا؛ وقِيلَ: هو إنْشاءٌ فَلا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ في تَخَلُّفِهِ، وقِيلَ: ما في الآيَةِ لَيْسَ مَحَلًّا لِلنِّزاعِ لِأنَّ المِيعادَ فِيهِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوَعْدِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ خُلْفِ الوَعْدِ عَدَمُ خُلْفِ الوَعِيدِ لِأنَّ الأوَّلَ مُقْتَضى الكَرَمِ كَما قالَ:
وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعِيدَ الَّذِي هو مَحَلُّ النِّزاعِ داخِلٌ تَحْتِ الوَعْدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الدُّخُولَ، والآيَةُ مِن بابِ التَّهَكُّمِ فَهي عَلى حَدِّ ”فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ“ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ كَوْنَ الخُلْفِ في الإيعادِ مُقْتَضى الكَرَمِ لا يَجُوزُ الخُلْفُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ صِحَّةُ أنْ يُسَمّى اللَّهُ تَعالى مُكَذِّبَ نَفْسِهِ وهو مِمّا لا يُقَدِمُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِما تَرْكُهُ أصْوَبُ مِن ذِكْرِهِ فالحَقُّ الرُّجُوعُ إلى الجَوابِ الأوَّلِ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿الم﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، وذَكَرَ بَعْضُ ساداتِنا فِيهِ أنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إلى كُلِّ الوُجُودِ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ لِأنَّ (أ) إشارَةٌ إلى الذّاتِ الَّذِي هو أوَّلُ الوُجُودِ وهو مَرْتَبَةُ الإطْلاقِ، و(ل) إلى العَقْلِ المُسَمّى بِجِبْرِيلَ الَّذِي هو وسَطُ الوُجُودِ الَّذِي يَسْتَفِيضُ مِنَ المَبْدَأِ ويَفِيضُ إلى المُنْتَهى، و(م) إلى مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هو آخِرُ الوُجُودِ، وبِهِ تَتِمُّ دائِرَتُهُ ولِهَذا كانَ الخَتْمُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ (ل) رُكِّبَتْ مِن ألِفَيْنِ أيْ وُضِعَتْ بِإزاءِ الذّاتِ مَعَ صِفَةِ العِلْمِ اللَّذَيْنِ هُما عالَمانِ مِنَ العَوالِمِ الثَّلاثَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي أشَرْنا
صفحة 92
إلَيْها فَهو اِسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأمّا (م) فَهي إشارَةٌ إلى الذّاتِ مَعَ جَمِيعِ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي اِحْتَجَبَتْ بِها في صُورَةِ المُحَمَّدِيَّةِ الَّتِي هي اِسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها إلّا مَن يَعْرِفُها، ألا تَرى أنَّ (أ) الَّتِي هي لِصُورَةِ الذّاتِ كَيْفَ اِحْتَجَبَتْ فِيها فَإنَّ المِيمَ فِيها الياءُ وفي الياءِ ألِفٌ ولِتَضَمُّنِ (الم) الإشارَةَ إلى مَراتِبِ الوُجُودِ والحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ناسَبَ أنْ تُفْتَتَحَ بِها هَذِهِ الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى الَّذِينَ أخْطَأُوا في التَّوْحِيدِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ عَلى وجْهِهِ، ولِهَذا أرْدَفَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ في سائِرِ العَوالِمِ حَقِيقَةً إلّا هو إذْ لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى جَلَّ جَلالُهُ ﴿الحَيُّ﴾ أيِ المُتَّصِفُ بِالحَياةِ الكامِلَةِ عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِذاتِهِ ﴿القَيُّومُ﴾ القائِمُ بِتَدْبِيرِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ بِظُهُورِهِ فِيها حَسَبَ اِسْتِعْدادِها الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ.
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ وهو العِلْمُ المُفِيدُ لِمَقامِ الجَمْعِ وهو التَّوْحِيدُ الَّذِي تَفْنى فِيهِ الكَثْرَةُ ولا يُشاهَدُ فِيهِ التَّعَدُّدُ مُتَلَبِّسًا ﴿بِالحَقِّ﴾ وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ تَغَيُّرٌ في ذاتِهِ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ الأوَّلِ الأزَلِيِّ السّابِقِ المَعْلُومِ في العَهْدِ الأوَّلِ المَخْزُونِ في غَيْبِ الِاسْتِعْدادِ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ إلى مَعالِمِ التَّوْحِيدِ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ وهو التَّوْحِيدُ التَّفْصِيلِيُّ الَّذِي هو الحَقُّ بِاعْتِبارِ الفَرْقِ وهو مَنشَأُ الِاسْتِقامَةِ ومَبْدَأُ الدَّعْوَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اِحْتَجَبُوا عَنْ هَذَيْنَ التَّوْحِيدَيْنِ بِالمَظاهِرِ والأكْوانِ ورُؤْيَةِ الأغْيارِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَعالى الدّالَّةِ عَلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ رُتْبَةَ الإطْلاقِ ولَهُ الظُّهُورَ والتَّجَلِّيَ بِما شاءَ ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ في البُعْدِ والحِرْمانِ عَنْ حَظائِرِ العِرْفانِ، ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ قاهِرٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ شَدِيدٌ بِمُقْتَضى صِفاتِهِ الجَلالِيَّةِ.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ في أرْحامِ الوُجُودِ ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ لِأنَّكُمُ المَظاهِرُ لِأسْمائِهِ والمَجْلى لِذاتِهِ ﴿لا إلَهَ﴾ في الوُجُودِ ﴿إلا هو العَزِيزُ﴾ القاهِرُ لِلْأعْيانِ الثّابِتَةِ فَلا تُشَمُّ رائِحَةُ الوُجُودِ بِنَفْسِها أبَدًا، ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يُظْهَرُها بِوُجُودِهِ الحَقِّ ويَتَجَلّى بِها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ مُتَنَوِّعًا في الظُّهُورِ ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ أُحْكِمَتْ مِن أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْها الِاحْتِمالُ والِاشْتِباهُ فَلا تَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ والأصْلُ ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأكْثَرَ ويَقَعُ فِيها الِاشْتِباهُ، وذَلِكَ أنَّ الحَقَّ تَعالى لَهُ وجْهٌ واحِدٌ وهو المُطْلَقُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ لا يَحْتَمِلُ التَّكَثُّرَ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ ولَهُ وُجُوهٌ مُتَكَثِّرَةٌ بِحَسَبِ المَرايا والمَظاهِرِ، بِها يَقَعُ الِاشْتِباهُ فَوَرَدَ التَّنْزِيلُ كَذَلِكَ ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أيْ مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ ويَعْلَمُهُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الَّذِينَ لَمْ يَحْتَجِبُوا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ بِعِلْمِهِ الَّذِي مَنَحُوهُ بِواسِطَةِ قُرْبِ النَّوافِلِ لا بِالعِلْمِ الفِكْرِيِّ الحاصِلِ بِواسِطَةِ الأقْيِسَةِ المَنطِقِيَّةِ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الوَقْفِ عَلى ﴿إلا اللَّهُ﴾ والوَقْفِ عَلى ﴿الرّاسِخُونَ﴾ .
﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ بِذَلِكَ العِلْمِ الواحِدِ المُفَصَّلِ في التَّفاصِيلِ المُتَشابِهَةِ المُتَكَثِّرَةِ ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ الَّذِينَ صَفَتْ عُقُولُهم بِنُورِ الهِدايَةِ وتَجَرَّدَتْ عَنْ قِشْرِ الهَوى والعادَةِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ بِالنَّظَرِ إلى الأكْوانِ والِاحْتِجابِ بِها عَنْ مُكَوِّنِها ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ بِنُورِكَ إلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ ومُشاهَدَتِكَ في مَراتِبِ الوُجُودِ والمَرايا المُتَعَدِّدَةِ ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ خاصَّةً تَمْحُو صِفاتِنا بِصِفاتِكَ وظُلُماتِنا بِأنْوارِكَ ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ المُعْطِي لِلْقَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾ عَلى اِخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهو يَوْمُ الجَمْعِ الَّذِي هو الوُصُولُ إلى مَقامِ الوَحْدَةِ عِنْدَ كَشْفِ اِلْغَطا وطُلُوعِ شَمْسِ العِيانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ لِتَظْهَرَ صِفاتُهُ الجَمالِيَّةُ والجَلالِيَّةُ ولِذَلِكَ خَلَقَ الخَلْقَ وتَجَلّى لِلْأعْيانِ فَأظْهَرَها كَيْفَ شاءَ.
هَذا ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانِهِ الدِّينَ الحَقَّ والتَّوْحِيدَ وذَكَرَ أحْوالَ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِهِ
صفحة 93
وشَرَحَ حالَ القُرْآنِ العَظِيمِ وكَيْفِيَّةَ إيمانِ الرّاسِخِينَ بِهِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ:
3:10Page 51
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. And it is they who are fuel for the Fire.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ جِنْسُ الكَفَرَةِ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأصْنافِ، وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ، أوِ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ لَنْ تَنْفَعَهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ وسُكُونِ الياءِ وهو مِنَ الجِدِّ في اِسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ عَلى حُرُوفِ اللِّينِ، ﴿أمْوالُهُمْ﴾ الَّتِي أعَدُّوها لِدَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَصالِحِ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ الَّذِينَ يَتَناصَرُونَ بِهِمْ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ ويُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ في المُلِمّاتِ المُدْلَهِمَّةِ، وتَأْخِيرُهم عَنِ الأمْوالِ مَعَ تَوْسِيطِ حَرْفِ النَّفْيِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ إمّا لِعَراقَتِهِمْ في كَشْفِ الكُرُوبِ أوْ لِأنَّ الأمْوالَ أوَّلُ عِدَّةٍ يُفْزَعُ إلَيْها عِنْدَ نُزُولِ الخُطُوبِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن عَذابِهِ تَعالى فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ كَما قالَ المُبَرِّدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِما في (أغْنى) مِن مَعْنى الدَّفْعِ و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ إلّا أنَّها قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ حالًا، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى أغْنى عَنْهُ كَفاهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (مِن) هُنا بِمَعْنى عِنْدَ وهو ضَعِيفٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي بَدَلِيَّةٌ مِثْلَها في قَوْلِهِ:
فَلَيْتَ لَنا (مِن) ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةٌ باتَتْ عَلى طَهَيانِ
ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «ولا يَنْفَعُ ذا الجِدِّ مِنكَ الجِدُّ» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ والمَعْنى لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم بَدَلَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بَدَلَ طاعَتِهِ سُبْحانَهُ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ، ونَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّ اِحْتِمالَ سَدِّ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِمّا يَبْعُدُ بَلْ لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ - إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدْ ألْهَتْهم أمْوالُهم وأوْلادُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى والنَّظَرِ فِيما يَنْبَغِي لَهُ إلى حَيْثُ يُخَيَّلُ لِلرّائِي أنَّهم مِمَّنْ يُعْتَقَدُ أنَّها تَسُدُّ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ. وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّ أكْثَرَ النُّحاةِ كَما في «اَلْبَحْرِ» يُنْكِرُونَ إثْباتَ البَدَلِيَّةِ لِمَن، مَعَ أنَّ الأوَّلَ هو الألْيَقُ في الظّاهِرِ بِتَهْوِيلِ أمْرِ الكَفَرَةِ والأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [ 10 ] كَذا بِما بَعُدَ.
والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ الحَطَبُ أيْ أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِالكُفْرِ المُبْعَدُونَ عَنْ عِزِّ الحُضُورِ حَطَبُ النّارِ الَّتِي تُسَعَّرُ بِهِمْ لِكُفْرِهِمْ، وقِيلَ: الوَقُودُ بِالفَتْحِ لُغَةً في الوُقُودِ بِالضَّمِّ وبِهِ قَرَأ الحَسَنُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإيقادِ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ أيْ أهْلُ وقُودِها، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الأمْرِ وتُقَرِّرِهِ، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِيقَةَ حالِهِمْ ذَلِكَ وأنَّهم في حالِ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وقُودَ النّارِ بِأعْيانِهِمْ، وهي إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرَّرَةٌ لِعَدَمِ الإغْناءِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى الواقِعَةِ خَبَرًا لِأنَّ، و(هُمْ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا.
3:11Page 51
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allāh seized them for their sins. And Allāh is severe in penalty.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الدَّأْبُ العادَةُ والشَّأْنُ، وأصْلُهُ مِن دَأبَ في الشَّيْءِ دَأْبًا ودُءُوبًا إذا اِجْتَهَدَ فِيهِ وبالَغَ أيْ حالُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُنْفَصِلَةٌ عَمّا قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ اِسْتِئْنافًا بَيانِيًّا بِتَقْدِيرِ ما سَبَبُ هَذا عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ ﴿تُغْنِيَ﴾ أيْ إغْناءً كائِنًا كَعَدَمِ إغْناءٍ،
صفحة 94
أوْ بِوَقُودٍ أيْ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِأُولَئِكَ ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ أمّا الأوَّلُ: فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ، و(أُولَئِكَ) الخ إذا قُدِّرَتْ مَعْطُوفَةً، فَإنْ قُدِّرَتِ اِسْتِئْنافِيَّةً وهو بَعِيدٌ جازَ.
وأمّا الثّانِي: فَقَدِ اِعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الوَقُودَ عَلى المَشْهُورِ الأظْهَرِ فِيهِ اِسْمٌ لِما يُوقَدُ بِهِ وإذا كانَ اِسْمًا فَلا عَمَلَ لَهُ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ صَحَّ لَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وأُورِدَ عَلَيْهِما مَعًا أنَّهُما خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ المَذْكُورَ في تَفْسِيرِ الدَّأْبِ إنَّما هو التَّكْذِيبُ والأخْذُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ الإغْناءِ لا سِيَّما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (مَن) بَدَلِيَّةً ولا لِإيقادِ النّارِ، فَلْيُفْهَمْ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ فالضَّمِيرُ لِآلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: لِلَّذِينِ كَفَرُوا، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، والمُرادُ بِالآياتِ إمّا المَتْلُوَّةُ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أوِ العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وصِدْقِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلَ بِهِمْ أيْ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَجِدُوا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى مَحِيصًا، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿كَذَّبُوا﴾ الخ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ بِإضْمارِ قَدْ، ويَجُوزُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ عَنِ (اَلَّذِينَ)، والِالتِفاتُ لِلتَّكَلُّمِ أوَّلًا: في آياتِنا لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإلى الغَيْبَةِ، ثانِيًا: بِإظْهارِ الجَلالَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِها أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِها غَيْرَ تائِبِينَ، والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى الأوَّلِ: التَّكْذِيبُ بِالآياتِ المُتَعَدِّدَةِ، وجِيءَ بِالسَّبَبِيَّةِ تَأْكِيدًا لِما تُفِيدُهُ الفاءُ، وعَلى الثّانِي: سائِرُ الذُّنُوبِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ لَهم ذُنُوبًا أُخَرَ، وأصْلُ الذَّنْبِ التِّلْوُ والتّابِعُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الجَرِيمَةِ لِأنَّها يَتْلُو أيْ يَتْبَعُ عِقابُها فاعِلَها ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [ 11 ] ولِمَن كَفَرَ بِآياتِهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الأخْذِ.
3:12Page 51
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢
Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ قالُوا لَمّا هَزَمَ اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذا واَللَّهِ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَجِدُهُ في كِتابِنا بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ وأنَّهُ لا يُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، وأرادُوا تَصْدِيقَهُ واتِّباعَهُ ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تُعَجِّلُوا حَتّى تَنْظُرُوا إلى وقْعَةٍ لَهُ أُخْرى فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ ونُكِبَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَكَوْا وقالُوا: لا واَللَّهِ ما هو بِهِ، وغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءُ فَلَمْ يُسَلِّمُوا، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَنَقَضُوا ذَلِكَ العَهْدَ وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أهْلِ مَكَّةَ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ فَوافَقُوهم وأجْمَعُوا أمْرَهم وقالُوا: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً ثُمَّ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ».
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا: «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أصابَ ما أصابَ مِن بَدْرٍ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ وقالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما أصابَ قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرُّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ إنَّكَ واَللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وأنَّكَ لَمْ تَكُنْ مِثْلَنا“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾».
فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ اليَهُودُ، والسِّينُ لِقُرْبِ الوُقُوعِ أيْ تَغْلِبُونَ عَنْ قَرِيبٍ وأُرِيدَ مِنهُ في الدُّنْيا، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ رَسُولَهُ ﷺ
صفحة 95
فَقَتَلَ كَما قِيلَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ في يَوْمٍ واحِدٍ سِتُّمِائَةٍ جَمَعَهم في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ وأمَرَ السَّيّافَ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ وأمَرَ بِحَفْرِ حُفَيْرَةٍ ورَمْيِهِمْ فِيها وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ وفَتَحَ خَيْبَرَ وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وهَذا مِن أوْضَحِ شَواهِدِ النُّبُوَّةِ.
﴿وتُحْشَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ والمُرادُ في الآخِرَةِ ﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ وهي غايَةُ حَشْرِهِمْ ومُنْتَهاهُ فَإلى عَلى مَعْناها المُتَبادِرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى فِي، والمَعْنى أنَّهم يُجْمَعُونَ فِيها، والآيَةُ كالتَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها فَإنَّ الغَلَبَةَ تَحْصُلُ بِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، والحَشْرُ إلى جَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ وقُودًا لَها، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ عاصِمٍ (سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ) بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ، وفُرِّقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ بِأنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تاءِ الخِطابِ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ حَتّى لَوْ كَذَّبُوا كانَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلَيْهِ، وعَلى تَقْدِيرِ ياءِ الغَيْبَةِ أمَرَهُ بِأنْ يُؤَدِّيَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الحُكْمِ بِأنَّهم سَيُغْلَبُونَ بِحَيْثُ لَوْ كَذَّبُوا كانَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ [ 12 ] إمّا مِن تَمامِ ما يُقالُ لَهم أوِ اِسْتِئْنافٌ لِتَهْوِيلِ جَهَنَّمَ وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، ومِهادٌ كَفِراشٍ لَفْظًا ومَعْنًى، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مُقَدَّرٌ وهو جَهَنَّمُ، أوْ ما مَهَّدُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences