Al-AlusiAr‑Rum · 30:38–42

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:38–42

30:38Page 408

فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨

So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.

﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مِنَ الصِّلَةِ، والصَّدَقَةِ، وسائِرِ المَبَرّاتِ، ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ ما يَسْتَحِقّانِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَقْصُودُ أصالَةً، وغَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَبَعًا، وقالَ الحَسَنُ:

صفحة 44

هُوَ خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ لِمَن بُسِطَ لَهُ الرِّزْقُ، ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الأمْرِ بِما قَبْلَهُ واقْتِرانُهُ بِالفاءِ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ السَّيِّئَةَ أصابَتْهم بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ، وما يَجِبُ أنْ يُتْرَكَ، وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ امْتِثالَ أوامِرِهِ تَعالى مَجْلَبَةُ رِضاهُ، والحَياةَ الطَّيِّبَةَ تَتْبَعُهُ، كَما أنَّ عِصْيانَهُ سُبْحانَهُ مَجْلَبَةُ سُخْطِهِ، والجَدْبَ والضِّيقَةَ مِن رَوادِفِهِ، فَإذا اسْتَبانَ ذَلِكَ فَآتِ يا مُحَمَّدُ ومَن تَبِعَهُ، أوْ فَآتِ يا مَن بُسِطَ لَهُ الرِّزْقُ ذا القُرْبى حَقَّهُ إلَخْ، وذَكَرَ الإمامُ وجْهًا آخَرَ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ الأمْرَ مُتَفَرِّعٌ عَلى حَدِيثِ البَسْطِ والقَدْرِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْسُطُ ويَقْدِرُ أمَرَ جَلَّ وعَلا بِالإنْفاقِ إيذانًا بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ الإنْسانُ في الإحْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا بَسَطَ الرِّزْقَ لا يَنْقُصُ بِالإنْفاقِ، وإذا قَدَرَ لا يَزْدادُ بِالإمْساكِ، كَما قِيلَ:

إذْ جادَتِ الدُّنْيا عَلَيْكَ فَجُدْ بِها عَلى النّاسِ طُرًّا إنَّها تَتَقَلَّبُ

فَلا الجُودُ يُفْنِيها إذا هي أقْبَلَتْ ∗∗∗ ولا البُخْلُ يُبْقِيها إذا هي تَذْهَبُ

قالَ صاحِبُ الكَشْفِ رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ لِتَتْمِيمِ الإنْكارِ عَلى مَن فَرِحَ بِالنِّعْمَةِ عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ، ويَئِسَ عِنْدَ زَوالِها عَنْهُ، والظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ الحَقُّ المالِيُّ، وكَذا المُرادُ بِهِ في جانِبِ المِسْكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ، وحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والزَّكاةَ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، واسْتِثْناءُ هَذِهِ الآيَةِ ودَعْوى أنَّها مَدَنِيَّةٌ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وسَبْقُ النُّزُولِ عَلى الحُكْمِ بَعِيدٌ، ولِذا لَمْ يُذْكَرْ هُنا بَقِيَّةُ الأصْنافِ، وحُكِيَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، إذا كانَ فَقِيرًا أوْ عاجِزًا عَنِ الكَسْبِ، ووُجِّهَ بِأنَّ (آتِ) أمْرٌ لِلْوُجُوبِ، والظّاهِرُ مِنَ الحَقِّ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ أنَّهُ مالِيٌّ، ولَوْ كانَ المُرادُ الزَّكاةَ لَمْ يُقَدِّمْ حَقَّ ذَوِي القُرْبى، إذِ الظّاهِرُ مِن تَقْدِيمِهِ المُغايَرَةُ، والشّافِعِيَّةُ أنْكَرُوا وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلى مَن ذُكِرَ، وقالُوا: لا نَفَقَةَ بِالقَرابَةِ إلّا عَلى الوَلَدِ والوالِدَيْنِ عَلى ما بُيِّنَ في الفِقْهِ، والمُرادُ بِالحَقِّ المُصَرَّحِ بِهِ في ذِي القُرْبى صِلَةُ الرَّحِمِ بِأنْواعِها، وبِالحَقِّ المُعْتَبَرِ في جانِبِ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةٌ كانَتْ مَفْرُوضَةً قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، أوِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ أوْ مَكِّيَّةٌ، والنُّزُولُ سابِقٌ عَلى الحُكْمِ. واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّهُ إذا فُسِّرَ حَقُّ الأخِيرَيْنِ بِالزَّكاةِ وجَبَ تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِالنَّفَقَةِ الواجِبَةِ لِئَلّا يَكُونَ لَفْظُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ والنَّدْبِ، ولِذا اسْتَدَلَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِالآيَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وفِيهِ بَحْثٌ.

وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ رادًّا عَلى الِاسْتِدْلالِ: إنَّهُ كَيْفَ يَتِمُّ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِإيتاءِ الصَّدَقَةِ أيْضًا بِدَلِيلِ ما تَلاهُ، ثُمَّ إنَّ ( ذا القُرْبى ) مُجْمَلٌ عِنْدَ المُسْتَدِلِّ، ومِن أيْنَ لَهُ أنَّهُ بُيِّنَ بِذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ( حَقَّهُ )، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ أنَّهُ أمَرَ بِتَوْفِيرِ حَقِّهِ مِنَ الصِّلَةِ لا خُصُوصِ النَّفَقَةِ، وصِلَةُ الرَّحِمِ مِنَ الواجِباتِ المُؤَكَّدَةِ انْتَهى، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، ودَلِيلُ الإمامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَيْسَ هَذا وحْدَهُ كَما لا يَخْفى عَلى عُلَماءِ مَذْهَبِهِ.

وخَصَّ بَعْضٌ الخِطابَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: المُرادُ بِذِي القُرْبى بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُؤْتِيَهم حَقَّهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ لِلطَّبَرْسِيِّ مِنَ الشِّيعَةِ: المَعْنى: وآتِ يا مُحَمَّدُ ذَوِي قَرابَتِكَ حُقُوقَهُمُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الأخْماسِ.

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أعْطى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَدَكًا، وسَلَّمَهُ إلَيْها،» وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ، انْتَهى.

وفِيهِ أنَّ هَذا يُنافِي ما اشْتُهِرَ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ مِن أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها

صفحة 45

ادَّعَتْ فَدَكًا بِطَرِيقِ الإرْثِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها ادَّعَتِ الهِبَةَ، وأتَتْ عَلى ذَلِكَ بِعَلِيٍّ والحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وبِأُمِّ أيْمَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنها لِمَكانِ الزَّوْجِيَّةِ والبُنُوَّةِ، وعَدَمِ كِفايَةِ المَرْأةِ الواحِدَةِ في الشَّهادَةِ في هَذا البابِ، فادَّعَتِ الإرْثَ، فَكانَ ما كانَ، وهَذا البَحْثُ مَذْكُورٌ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في التُّحْفَةِ، إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ ( ابْنَ السَّبِيلِ ) بِالضَّيْفِ وحَقِّهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِ إلى أنْ يَرْتَحِلَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ المُنْقَطِعُ عَنْ مالِهِ، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ عُمُومٌ مِن وجْهٍ، وقُدِّمَ ذُو القُرْبى اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى العَطْفِ، والعُدُولِ عَنْ: وآتِ ذا القُرْبى والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ حَقَّهُمْ، وعَبَّرَ عَنِ القَرِيبِ بِذِي القُرْبى في جَمِيعِ المَواضِعِ، ولَمْ يُعَبِّرْ عَنِ المِسْكِينِ بِذِي المَسْكَنَةِ، لِأنَّ القَرابَةَ ثابِتَةٌ لا تَتَجَدَّدُ، وذُو كَذا، لا يُقالُ في الأغْلَبِ إلّا في الثّابِتِ، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ لِمَن تَكَرَّرَ مِنهُ الرَّأْيُ الصّائِبُ: فُلانٌ ذُو رَأْيٍ، ويَكادُ لا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ لِمَن أصابَ مَرَّةً في رَأْيِهِ كَذَلِكَ، وكَذا نَظائِرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ذُو جاهٍ وفُلانٌ ذُو إقْدامٍ، والمَسْكَنَةُ لِكَوْنِها مِمّا تَطْرَأُ وتَزُولُ لَمْ يُقَلْ في المِسْكِينِ ذُو مَسْكَنَةٍ، كَذا قالَ الإمامُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإيتاءُ المَفْهُومُ مِنَ الأمْرِ ﴿خَيْرٌ﴾ في نَفْسِهِ أوْ خَيْرٌ مَن غَيْرِهِ، ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ ذاتَهُ سُبْحانَهُ، أيْ يَقْصِدُونَهُ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْرُوفِهِمْ خالِصًا، أوْ جِهَتَهُ تَعالى، أيْ يَقْصِدُونَ جِهَةَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا جِهَةً أُخْرى، والمَعْنَيانِ كَما في الكَشْفِ مُتَقارِبانِ، ولَكِنَّ الطَّرِيقَةَ مُخْتَلِفَةٌ.

﴿وأُولَئِكَ﴾ المُتَّصِفُونَ بِالإيتاءِ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ حَيْثُ حَصَّلُوا بِإنْفاقِ ما يَفْنى النَّعِيمَ المُقِيمَ، والحَصْرُ إضافِيٌّ عَلى ما قِيلَ: أيْ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ، لا الَّذِينَ بَخِلُوا بِما لَهُمْ، ولَمْ يُنْفِقُوا مِنهُ شَيْئًا.

وقِيلَ: هو حَقِيقِيٌّ عَلى أنَّ المُتَّصِفِينَ بِالإيتاءِ المَذْكُورِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وأنابُوا إلَيْهِ تَعالى، واتَّقَوْهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ هَذا الحَصْرِ والحَصْرِ المَذْكُورِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَتَأمَّلْ.

30:39Page 408

وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩

And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3

﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الزِّيادَةُ المَعْرُوفَةُ في المُعامَلَةِ الَّتِي حَرَّمَها الشّارِعُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ويَشْهَدُ لَهُ ما رُوِيَ عَنُ السُّدِّيِّ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يُرْبُونَ، وكَذا كانَتْ قُرَيْشٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وطاوُسٍ، وغَيْرِهِمْ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ العَطِيَّةُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ، وعَلَيْهِ فَتَسْمِيَتُها رِبًا مَجازٌ، لِأنَّها سَبَبٌ لِلزِّيادَةِ، وقِيلَ: لِأنَّها فَضْلٌ لا يَجِبُ عَلى المُعْطِي.

وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ، والتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ لَهُمْ، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالمُرادُ بِالرِّبا العَطِيَّةُ الَّتِي تُعْطى لِلْأقارِبِ لِلزِّيادَةِ في أمْوالِهِمْ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِما ذُكِرَ مَعْلُومٌ مِمّا ذَكَرْنا، وأيًّا ما كانَ (فَمِن) بَيانٌ لِما، لا لِلتَّعْلِيلِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «أتَيْتُمْ» بِالقَصْرِ، ومَعْناهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أعْطَيْتُمْ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ جِئْتُمْ، أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عَطاءٍ رَبًا، ﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ أيْ لِيَزِيدَ ذَلِكَ الرِّبا ويَزْكُوَ في أمْوالِ النّاسِ الَّذِينَ آتَيْتُمُوهم إيّاهُ، وقالَ ابْنُ الشَّيْخِ:

المَعْنى عَلى تَفْسِيرِ الرِّبا بِالعَطِيَّةِ لِيَزِيدَ ذَلِكَ الرِّبا في جَذْبِ أمْوالِ النّاسِ وجَلْبِها، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: لِيَزِيدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أمْوالِ النّاسِ، وحُصُولِ شَيْءٍ مِنها لَكم بِواسِطَةِ العَطِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وأبِي رَجاءٍ، والشَّعْبِيِّ، ونافِعٍ، ويَعْقُوبَ، وأبِي حَيْوَةَ «لِتَرْبُوا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، وهو بابُ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ لِتُرْبُوهُ وتَزِيدُوهُ في أمْوالِ النّاسِ، أوْ هو مِن

صفحة 46

قَبِيلِ: يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي، أيْ لِتُرْبُوا وتَزِيدُوا أمْوالَ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ لِتَصِيرُوا ذَوِي رِبًا في أمْوالِ النّاسِ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ «لِتُرْبُوها» بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ، وكانَ الضَّمِيرُ لِلرِّبا عَلى تَأْوِيلِهِ بِالعَطِيَّةِ، أوْ نَحْوِها، ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ فَلا يُبارِكُ فِيهِ في تَقْدِيرِهِ تَعالى وحُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ أيْ مِن صَدَقَةٍ، ﴿تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ تَعالى خالِصًا، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ أيْ ذَوُو الأضْعافِ عَلى أنَّ مُضْعِفًا اسْمُ فاعِلٍ مِن أضْعَفَ، أيْ صارَ ذا ضِعْفٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، بِأنْ يُضاعَفَ لَهُ ثَوابُ ما أعْطاهُ، كَأقْوى وأيْسَرَ إذا صارَ ذا قُوَّةٍ ويَسارٍ، فَهو لِصَيْرُورَةِ الفاعِلِ، ذا أصْلُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أضْعَفَ والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِبَرَكَةِ الزَّكاةِ. ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ أُبَيٍّ «المُضْعَفُونَ» اسْمُ مَفْعُولٍ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: فَهو يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ في العِبارَةِ إذْ أثْبَتَ غَيْرَ ما قَبْلَهُ، وفي النَّظْمِ، إذا أتى فِيما قَبْلُ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وهُنا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ مُصَدَّرَةٍ بِاسْمِ الإشارَةِ مَعَ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، فَأثْبَتَ لَهُمُ المُضاعَفَةَ الَّتِي هي أبْلَغُ مِن مُطْلَقِ الزِّيادَةِ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ بِالِاسْمِيَّةِ والضَّمِيرِ، وحَصَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ بِالِاسْتِحْقاقِ مَعَ ما في الإشارَةِ مِنَ التَّعْظِيمِ لِدِلالَتِهِ عَلى عُلُوِّ المَرْتَبَةِ، وتَرَكَ ما أتَوْا، وذَكَرَ المُؤْتى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والِالتِفاتُ عَنِ الخِطابِ حَيْثُ قِيلَ: فَأُولَئِكَ دُونَ فَأنْتُمْ لِلتَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ خاطَبَ بِذَلِكَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وخَواصَّ الخَلْقِ تَعْرِيفًا لِحالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِما ذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ بِأنْ يَقْصِدَ بِأُولَئِكَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهُمْ، والرّاجِعُ في الكَلامِ إلى (ما) مَحْذُوفٌ، إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً عَلى الأصَحِّ، لِأنَّهُ خَبَرٌ عَلى كُلِّ حالٍ، أيْ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ بِهِ، أوْ فَمُؤْتُو عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أُولَئِكَ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وعَلى تَقْدِيرِ مُؤْتُوهُ العامِّ لا يَكُونُ هُناكَ التِفاتٌ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ، واعْتِبارُ الِالتِفاتِ أوْلى، وفي الكَشّافِ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِمَدْحِ المُؤْتِينَ حَثًّا في الفِعْلِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ الِالتِفاتِ مِن وُجُوهٍ.

أحَدُها الإشارَةُ بِأُولَئِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ، والثّانِي تَقْرِيعُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِمَدْحِهِمْ. والثّالِثُ ما في نَفْسِ الِالتِفاتِ مِنَ الحُسْنِ. والرّابِعُ ما في أُولَئِكَ عَلى هَذا مِنَ الفائِدَةِ المُقَرَّرَةِ في نَحْوِ:

فَذَلِكَ أنْ يَهْلِكَ فَحَسْبِي ثَناؤُهُ

بِخِلافِهِ إذا جُعِلَ وصْفًا لِلْمُؤْتِينَ، وعَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الفِعْلِ لا الفاعِلِ، وإنْ لَزِمَ بِالعَرْضِ فَلا يُعارِضُ ما يُفِيدُهُ بِالأصالَةِ، فَتَأمَّلْ، والآيَةُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِلرِّبا في مَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البَقَرَةُ: 276]، سَواءٌ بِسَواءٍ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ أنَّها تُشْعِرُ بِالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا بِذَلِكَ المَعْنى، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّها لَوْ أشْعَرَتْ بِذَلِكَ لَأشْعَرَتْ بِحُرْمَةِ الرِّبا، بِمَعْنى العَطِيَّةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الرِّبا بِها، مَعَ أنَّهم صَرَّحُوا بِعَدَمِ حُرْمَةِ ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحُرْمَتِها عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المُدَّثِّرُ: 6]، وكَذا صَرَّحُوا بِأنَّ ما يَأْخُذُهُ المُعْطِي لِتِلْكَ العَطِيَّةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما أعْطاهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، ودافِعُهُ لَيْسَ بِآثِمٍ، لَكِنَّهُ لا يُثابُ عَلى دَفْعِ الزِّيادَةِ، لِأنَّها لَيْسَتْ صِلَةً مُبْتَدَأةً، بَلْ بِمُقابَلَةِ ما أُعْطِي أوَّلًا، ولا ثَوابَ فِيما يُدْفَعُ عِوَضًا، وكَذا لا ثَوابَ في إعْطاءِ تِلْكَ العَطِيَّةِ أوَّلًا، لِأنَّها شَبَكَةُ صَيْدٍ، ومَعْنى قَوْلِ بَعْضِ التّابِعِينَ: الجانِبُ المُسْتَغْزِرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ، أنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ إذا أهْدى إلَيْكَ شَيْئًا لِتُكافِئَهُ وتَزِيدَهُ شَيْئًا فَأثِبْهُ مِن هَدِيَّتِهِ وزِدْهُ.

30:40Page 408

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠

Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الِاسْمَ

صفحة 47

الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ ( والَّذِي ) خَبَرُهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ ( ومِن شُرَكائِكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( ومَن ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ( ومِن ) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، ( ومِن ذَلِكم ) صِفَةُ ( شَيْءٍ ) قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَأُعْرِبَتْ حالًا، ( ومِن ) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ أيْضًا، ( وشَيْءٍ ) مَفْعُولُ يَفْعَلُ، ( ومِنَ ) الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأً، ( والَّذِي ) صِفَتَهُ، والخَبَرُ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ إلَخْ، والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ المُشارُ بِهِ إلى أفْعالِهِ تَعالى السّابِقَةِ - فَمِن ذَلِكم - بِمَعْنى مِن أفْعالِهِ، ووَقَعَتِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ خَبَرًا لِأنَّها خَبَرٌ مَنفِيٌّ مَعْنًى، وإنْ كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً ظاهِرًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ المُمِيتُ المُحْيِي لا يُشارِكُهُ شَيْءٌ مِمَّنْ لا يَفْعَلُ أفْعالَهُ هَذِهِ، وبَعْضُهم جَعَلَها خَبَرًا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ المَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ خالِقًا ورازِقًا ومُمِيتًا ومُحْيِيًا مَقُولٌ في حَقِّهِ: هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن هو مَوْصُوفٌ بِما هو مَوْصُوفٌ بِهِ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَكُونُ رابِطًا إلّا إذا أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَإ، وهو هُنا لَيْسَ إشارَةً إلَيْهِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البَقَرَةُ: 234]، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهُمْ، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ ( الَّذِينَ )، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ.

وكَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكُمْ) بِمِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُبْتَدَإ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ الإضافَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وعَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِها يَلْزَمُ تَقْدِيرُ مُضافٍ آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِنَ ) الأُولى لِبَيانِ مَن يَفْعَلُ، ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ، ( ومَن يَفْعَلُ ) فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَلْ حَصَلَ واسْتَقَرَّ مَن يَفْعَلُ كائِنًا مِن شُرَكائِكُمْ، وكَذا جُوِّزَ في ( مِنَ ) الثّانِيَةِ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ المُسْتَغْرَقِ، وقِيلَ: إنَّ (مِنَ) الأُولى (ومِنَ) الثّانِيَةَ زائِدَتانِ كالثّالِثَةِ، وهو كَما تَرى، والآيَةُ عَلى ما قُلْناهُ أوَّلًا مُتَضَمِّنَةٌ جُمْلَتَيْنِ دَلَّتِ الأُولى عَلى إثْباتِ ما هو مِنَ اللَّوازِمِ المُساوِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وأفادَتِ الثّانِيَةُ بِواسِطَةٍ عَكْسَ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ نَفْيَها رَأْسًا عَنْ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مُؤَكَّدًا بِالإنْكارِ، والعَقْلُ حاكِمٌ بِأنَّ ما يُتَّخَذُ شَرِيكًا كالَّذِي اتُّخِذَ في الحُكْمِ المَذْكُورِ، أعْنِي نَفْيَ تِلْكَ الأفْعالِ مِنهُ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( شُرَكائِكم ) شامِلًا لِلصِّنْفَيْنِ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ، إذْ لا يُعْقَلُ شَرِكَةُ ما لَيْسَ بِإلَهٍ لِعَدَمِ وُجُودِ لازِمِ الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ لِمَن هو إلَهٌ في الأُلُوهِيَّةِ، ولِتَأْكِيدِ ذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِما في الشِّرْكِ مِنَ الغَرابَةِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِاسْتِمْرارِهِ وتَجَدُّدِهِ مِنهُمْ، وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ يُؤْخَذُ مِنهُما مُقَدِّمَتانِ مُوجَبَةٌ وسالِبَةٌ كُلِّيَّةً، مُرَتَّبَتانِ عَلى هَيْئَةِ قِياسٍ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( سُبْحانَهُ ) إلَخْ، يُؤْخَذُ مِنهُ سالِبَةٌ كُلِّيَّةً، هي نَتِيجَةُ ذَلِكَ القِياسِ، فَتَكُونُ الجُمْلَتانِ المَذْكُورَتانِ في حُكْمِ قِياسٍ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ( سُبْحانَهُ ) إلَخْ، في حُكْمِ النَّتِيجَةِ لَهُ، ولا يَخْفى احْتِياجُ ذَلِكَ إلى تَكَلُّفٍ فَتَأمَّلْ جِدًّا، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ «تُشْرِكُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.

30:41Page 408

ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١

Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].

﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ كالجَدْبِ، والمُوْتانِ، وكَثْرَةِ الحَرْقِ والغَرَقِ، وإخْفاقِ الصَّيّادِينَ والغاصَّةِ ومَحْقِّ البَرَكاتِ مِن كُلِّ شَيْءٍ وقِلَّةِ المَنافِعِ في الجُمْلَةِ، وكَثْرَةِ المَضارِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أجْدَبَتِ الأرْضُ، وانْقَطَعَتْ مادَّةُ البَحْرِ، وقالُوا: إذا انْقَطَعَ القَطْرُ عَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ بِقَتْلِ ابْنِ آدَمَ أخاهُ، وفي البَحْرِ بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِأخْذِ جُلَنْدى كُلِّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، ولَعَلَّ المُرادَ التَّمْثِيلُ، وكَذا يُقالُ في قَتْلِ ابْنِ آدَمَ أخاهُ، وكانَ أوَّلَ مَعْصِيَةٍ ظَهَرَتْ في البَرِّ، قالَ الضَّحّاكُ: كانَتِ الأرْضُ خَضِرَةً مُونِقَةً لا يَأْتِي ابْنُ آدَمَ شَجَرَةً إلّا وجَدَ عَلَيْها ثَمَرَةً، وكانَ ماءُ البَحْرِ عَذْبًا، وكانَ لا يَفْتَرِسُ الأسَدُ البَقَرَ ولا الذِّئْبُ

صفحة 48

الغَنَمَ، فَلَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ اقْشَعَرَّ ما في الأرْضِ، وشاكَتِ الأشْجارُ وصارَ ماءُ البَحْرِ مِلْحًا زُعافًا، وقَصَدَ الحَيَوانُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وذُكِرَ أنَّ أوَّلَ مَعْصِيَةٍ في البَحْرِ غَصْبُ جُلَنْدى كُلِّ سَفِينَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَكَأنَّ تَخْصِيصَ الأمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالبَرُّ والبَحْرُ عَلى ظاهِرِهِما، وعَنْ مُجاهِدٍ: البَرُّ البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ السَّواحِلُ والمُدُنُ الَّتِي عِنْدَ البَحْرِ والأنْهارِ، وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ، وأهْلُ الصَّحارى والعَمُودِ، والبَحْرُ المُدُنُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الأمْصارَ بِحارًا لِسَعَتِها، ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ، يَعْنِي المَدِينَةَ، لِيُتَوِّجُوهُ.

قالَ أبُو حَيّانَ: ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ «والبُحُورِ» بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَوَّزَ النَّحّاسُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ عَلى ظاهِرِهِ، إلّا أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مُدُنِ البَحْرِ، فَهو مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفُ: 82]، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَسادِ المَعاصِي مِن قَطْعِ الطَّرِيقِ والظُّلْمِ وغَيْرِهِما، و(ألْ) في ( البَرِّ والبَحْرِ ) لِلْجِنْسِ، وكَذا في ( الفَسادُ )، أيْ ظَهَرَ جِنْسُ الفَسادِ مِنَ الجَدْبِ، والمُوْتانِ، ونَحْوِهِما في جِنْسِ البَرِّ وجِنْسِ البَحْرِ، ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ النّاسُ مِنَ المَعاصِي والذُّنُوبِ، وشُؤْمِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشُّورى: 30]، وهو عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْفَسادِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَفْسِيرِهِ بِالمَعاصِي فالمَعْنى: ظَهَرَتِ المَعاصِي في البَرِّ والبَحْرِ بِكَسْبِ النّاسِ إيّاها وفِعْلِهِمْ لَها، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَها وبالُ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِجَمِيعِها في الآخِرَةِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فاللّامُ مَجازٌ عَلى مَعْنى أنَّ ظُهُورَ المَعاصِي بِسَبَبِهِمْ مِمّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ أنْ يُذِيقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبالَ أعْمالِهِمْ إرادَةَ الرُّجُوعِ، فَكَأنَّهم إنَّما فَسَدُوا وتَسَبَّبُوا لِفُشُوِّ المَعاصِي في الأرْضِ لِأجْلِ ذَلِكَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلّامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّبّاحِ، وأبِي الفَضْلِ الواسِطِيِّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «لِنُذِيقَهُمْ» بِالنُّونِ، وظُهُورُ الفَسادِ المَذْكُورِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ كانَ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلَمّا بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ مَن رَجَعَ مِنَ النّاسِ عَنِ الضَّلالِ والظُّلْمِ، وقِيلَ: كانَ أوائِلَ البَعْثَةِ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ المَعاصِي والإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ وإيذاءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَدَعا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَأقْحَطُوا، وحَلَّ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ ما حَلَّ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ، لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ.

وفَسَّرَ هَذا القائِلُ: ( النّاسِ ) بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: كانَ في زَمانٍ سابِقٍ عَلى زَمانِ النُّزُولِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ الزَّمانُ الَّذِي قُبَيْلَ البَعْثَةِ أوْ بُعَيْدِها، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وحُكْمُ الآيَةِ عامٌّ في كُلِّ فَسادٍ يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا يَكُونُ جَمِيعُ الخَلائِقِ مِنَ الإنْسِ والدَّوابِّ والوُحُوشِ والطُّيُورِ والذَّرِّ خُصَماءَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهُ تَعالى يَمْنَعُ المَطَرَ بِشُؤْمِ المَعْصِيَةِ، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ أهْلُ البَرِّ والبَحْرِ جَمِيعًا، ورُوِيَ عَنْ شَقِيقٍ الزّاهِدِ أنَّهُ قالَ: مَن أكَلَ الحَرامَ فَقَدْ خانَ جَمِيعَ النّاسِ، ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ فِيها نَعْيَ ما يَعُمُّ الشِّرْكَ وغَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي

صفحة 49

وفِيما قَبْلُ نَعْيَ الشِّرْكَ، وفِيها مِن تَخْوِيفِ المُشْرِكِينَ ما فِيها.

وقالَ الإمامُ في وجْهِ التَّعَلُّقِ: هو أنَّ الشِّرْكَ سَبَبُ الفَسادِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءُ: 22]، وإذا كانَ الشِّرْكُ سَبَبَهُ، جَعَلَ اللَّهُ تَعالى إظْهارَهُمُ الشِّرْكَ مُوَرِّثًا لِظُهُورِ الفَسادِ، ولَوْ فَعَلَ بِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مَرْيَمُ: 90]، وإلى هَذا أشارَ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ انْتَهى، فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ.

30:42Page 409

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ تَسَبُّبِ المَعاصِي لِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى، ونَكالِهِ، حَيْثُ أُمِرُوا بِأنْ يَسِيرُوا فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى الأُمَمَ، وأذاقَهم سُوءَ العاقِبَةِ بِمَعاصِيهِمْ، ويَتَحَقَّقُوا صِدْقَ ما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الشِّرْكَ وحْدَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ تَدْمِيرِ جَمِيعِهِمْ، بَلْ هو سَبَبٌ لِلتَّدْمِيرِ في أكْثَرِهِمْ، وما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي سَبَبٌ لَهُ في قَلِيلٍ مِنهم.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ لِفُشُوِّ الشِّرْكِ وغَلَبَتِهِ فِيهِمْ، فَفِيهِ تَهْوِيلٌ لِأمْرِ الشِّرْكِ بِأنَّهُ فِتْنَةٌ لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا خاصَّةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском