Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:21–23
33:21Page 420
لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١
There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ المُخاطَبِينَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ .
والإسْوَةُ بِكَسْرَةِ الهَمْزَةِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ وبِضَمِّها كَما قَرَأ عاصِمٌ الخَصْلَةُ، وقالَ الرّاغِبُ: الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الإنْسانُ وهي اسْمُ كانَ ( ولَكُمُ ) الخَبَرُ، ( وفي رَسُولِ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( لَكم )، أوْ في مَوْضِعٍ مِن ( أُسْوَةٌ )، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بَكانَ عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ فِيها ناقِصَةً وفي أخَواتِها أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فِي رَسُولِ اللَّهِ) الخَبَرَ، (ولَكُمْ) تَبْيِينٌ، أيْ أعْنِي لَكم أيْ واللَّهِ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ خَصْلَةٌ حَسَنَةٌ مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى ويُقْتَدى بِها كالثَّباتِ في الحَرْبِ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُسْوَةِ القُدْوَةُ بِمَعْنى المُقْتَدى عَلى مَعْنى هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نَفْسِهِ قُدْوَةٌ يَحْسُنُ التَّأسِّي بِهِ، وفي الكَلامِ صَنْعَةُ التَّجْرِيدِ، وهو أنْ يُنْتَزَعَ مِن ذِي صِفَةٍ آخَرُ مِثْلُهُ فِيها مُبالَغَةً في الِاتِّصافِ نَحْوَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا، وهو كَما يَكُونُ بِمَعْنى مِن يَكُونُ بِمَعْنى في كَقَوْلِهِ:
أراقَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا وفي اللَّهِ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حُكْمُ عَدْلِ
وكَقَوْلِهِ: في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مَنًّا حَدِيدًا، أيْ هي نَفْسُها هَذا القَدْرُ مِنَ الحَدِيدِ، والآيَةُ وإنْ سِيقَتْ لِلِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمْرِ الحَرْبِ مِنَ الثَّباتِ ونَحْوِهِ، فَهي عامَّةٌ في كُلِّ أفْعالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّها مِن خُصُوصِيّاتِهِ كَنِكاحِ ما فَوْقَ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَأيْتُكَ في السَّفَرِ لا تُصَلِّي قَبْلَ الصَّلاةِ، ولا بَعْدَها، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذا وكَذا فَلَمْ أرَهُ يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلاةِ ولا بَعْدَها، ويَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾»
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «هَمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَنْهى عَنِ الحِبَرَةِ، فَقالَ رَجُلٌ: ألَيْسَ قَدْ رَأيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَلْبَسُها؟ قالَ عُمَرُ: بَلى، قالَ الرَّجُلُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَتَرَكَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.» وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ سَألَ عَنْ رَجُلٍ مُعْتَمِرٍ طافَ بِالبَيْتِ أيَقَعُ عَلى امْرَأتِهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؟ فَقالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَطافَ بِالبَيْتِ وصَلّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ، وسَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ثُمَّ قَرَأ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾»
صفحة 168
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ فَهو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ الأُصُولِ.
﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ يُؤَمِّلُ اللَّهَ تَعالى وثَوابَهُ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ أثَرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ وضَعَ ﴿اليَوْمَ الآخِرَ﴾ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ مَوْضِعَ الثَّوابِ، لِأنَّ ثَوابَهُ تَعالى يَقَعُ فِيهِ، فَهو عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ، والكَلامُ نَحْوُ قَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا وكَرَمَهُ، مِمّا يَكُونُ ذِكْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيهِ تَوْطِئَةً لِلْمَعْطُوفِ، وهو المَقْصُودُ، وفِيهِ مِنَ الحُسْنِ والبَلاغَةِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا كَرَمَهُ، عَلى البَدَلِيَّةِ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ، أوْ رِضا اللَّهِ، وثَوابَ اليَوْمِ الآخِرِ، فَفي الكَلامِ مُضافانِ مُقَدَّرانِ، وعَنْ مُقاتِلٍ، أيْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى ويَخْشى البَعْثَ الَّذِي فِيهِ جَزاءُ الأعْمالِ عَلى أنَّهُ وضَعَ اليَوْمَ الآخِرَ مَوْضِعَ البَعْثِ، لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ، والرَّجاءُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الخَوْفِ، ومُتَعَلِّقُ الرَّجاءِ بِأيِّ مَعْنى كانَ أمْرٌ مِن جِنْسِ المَعانِي، لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المُضافَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لَفْظَ أيّامٍ مُرادًا بِها الوَقائِعُ، فَإنَّ اليَوْمَ يُطْلَقُ عَلى ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الحُرُوبِ والحَوادِثِ، واشْتُهِرَ في هَذا حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ، وجُعِلَ قَرِينَةَ هَذا التَّقْدِيرِ المَعْطُوفُ، وجُعِلَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والظّاهِرُ أنَّ الرَّجاءَ عَلى هَذا بِمَعْنى الخَوْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا وكَرَمَهُ، وأنْ يَكُونَ الرَّجاءُ فِيهِ بِمَعْنى الأمَلِ إنْ أُرِيدَ ما في اليَوْمِ مِنَ النَّصْرِ والثَّوابِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَوْفِ والأمَلِ مَعًا، بِناءً عَلى جَوازِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ، أوْ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، وإرادَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ المُلائِمِ والمُنافِرِ، وعِنْدِي أنَّ تَقْدِيرَ أيّامٍ غَيْرُ مُتَبادِرٍ إلى الفَهْمِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ ﴿اليَوْمَ الآخِرَ﴾ بِيَوْمِ السِّياقِ والمُتَبادِرُ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ، و(مَن) عَلى ما قِيلَ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ( لَكم )، وأُعِيدَ العامِلُ لِلتَّأْكِيدِ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والفائِدَةُ فِيهِ الحَثُّ عَلى التَّأسِّي، وإبْدالُ الِاسْمِ الظّاهِرِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ هَذا الإبْدالَ جائِزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، والأخْفَشِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
بِكم قُرَيْشُ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ∗∗∗ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضَلِيلا
ومَنَعَ ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ: ومِن هُنا قالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ، هو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ولا يَتَسَنّى إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الخِطابَ عامٌّ وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ كَما سَمِعْتَ، ومَعَ هَذا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مِنكُمْ، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمَن مُتَعَلِّقًا (بِحَسَنَةً)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، لِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً (لِأُسْوَةً)، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ وصْفِهِ، وكَذا تَعَدُّدُ الوَصْفِ بِدُونِ العَطْفِ لا يَصِحُّ، وقَدْ صَرَّحَ بِمَنعِ ذَلِكَ الإمامُ الواحِدِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ فَلا تَغْفُلْ.
﴿وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أيْ ذِكْرًا كَثِيرًا، وقَرَنَ سُبْحانَهُ بِالرَّجاءِ كَثْرَةَ الذِّكْرِ، لِأنَّ المُثابَرَةَ عَلى كَثْرَةِ ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ تُؤَدِّي إلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ، وبِها يَتَحَقَّقُ الِائْتِساءُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأجِلَّةِ كالنَّوَوِيِّ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى المُعْتَبَرَ شَرْعًا ما يَكُونُ في ضِمْنِ جُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ، كَسُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وما لا يَكُونُ بِمُفْرَدٍ لا يُعَدُّ شَرْعًا ذِكْرًا نَحْوَ اللَّهِ، أوْ قادِرٍ، أوْ سَمِيعٍ، أوْ بَصِيرٍ إذْ لَمْ يُقَدَّرْ هُناكَ ما يَصِيرُ بِهِ اللَّفْظُ كَلامًا، والنّاسُ عَنْ هَذا غافِلُونَ، وأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ الذِّكْرَ المُتَعَبَّدَ بِمَعْناهُ لا يُثابُ صاحِبُهُ ما لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَعْناهُ، فالمُتَلَفِّظُ بِنَحْوِ: سُبْحانَ اللَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، إذا كانَ غافِلًا عَنِ المَعْنى غَيْرَ مُلاحِظٍ ومُسْتَحْضِرًا إيّاهُ لا يُثابُ إجْماعًا، والنّاسُ أيْضًا عَنْ هَذا غافِلُونَ
صفحة 169
فَإنّا لِلَّهِ، وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.
33:22Page 420
وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢
And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.
﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْ خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ اشْتِباهِ الشُّؤُونِ واخْتِلاطِ الظُّنُونِ، بَعْدَ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِمْ، أيْ لَمّا شاهَدُوهم حَسْبَما وُصِفُوا لَهُمْ، ﴿قالُوا﴾ هَذا إشارَةٌ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ إلى ما شاهَدُوهُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ، فَإنَّهُما مِن أحْكامِ اللَّفْظِ، نَعَمْ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ الَّذِي هو ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ العُنْوانَ أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ عِنْدَ المُشاهَدَةِ، وعِنْدَ الأكْثَرِ إشارَةٌ إلى الخَطْبِ والبَلاءِ، (وما) مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ وهو المَفْعُولُ الثّانِي (لِوَعَدَ) أيِ الَّذِي وعَدْناهُ اللَّهَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ هَذا وعْدُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إيّانا، وأرادُوا بِذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [البَقَرَةِ: 214]، ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، ونَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ قَبْلَ الواقِعَةِ بِحَوْلٍ عَلى ما أخْرَجَهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وفِي البَحْرِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا».
أيْ في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ، أوْ عَشْرٍ، أيْ مِن وقْتِ الإخْبارِ، أوْ مِن غُرَّةِ الشَّهْرِ، فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ، قالُوا ذَلِكَ، فَمُرادُهم بِذَلِكَ ما وعَدَ بِهَذا الخَبَرِ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ الحَدِيثِ، وقُرِئَ بِإمالَةِ الرّاءِ مِن «رَأى» نَحْوَ الكَسْرَةِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ وعَدَمِ إمالَتِها، ورُوِيَ إمالَتُهُما وإمالَةُ الهَمْزَةِ دُونَ الرّاءِ عَلى تَفْصِيلٍ فِيهِ في النَّشْرِ، فَلْيُراجَعْ، ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ داخِلٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، فَجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿هَذا ما وعَدَنا﴾ إلَخْ، أوْ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ، وهو كَما تَرى، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ.
وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّ الصِّدْقَ مُحَقَّقٌ قَبْلَ ذَلِكَ والمُتَرَتِّبُ عَلى رُؤْيَةِ الأحْزابِ ظُهُورُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وصَدَقَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في النُّصْرَةِ والثَّوابِ كَما صَدَقَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ في البَلاءِ، والإظْهارُ مَعَ سَبْقِ الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ، ولِأنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ، وقِيلَ وصَدَقَ جاءَ الجَمْعُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ، والأوْلى تَرْكُهُ، أوْ قِيلَ وصَدَقَ وهو ورَسُولُهُ بَقِيَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ فَلا يَنْدَفِعُ السُّؤالُ كَذا قِيلَ، وحَدِيثُ الجَمْعِ قَدْ مَرَّ ما فِيهِ، ﴿وما زادَهُمْ﴾ أيْ ما رَأوُا المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ( رَأى ) يُعَكِّرُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ، وأرْجَعَهُ بَعْضُهم إلى الشُّهُودِ المَفْهُومِ مِن ذَلِكَ، وجُوِّزَ رُجُوعُهُ إلى الوَعْدِ، أوِ الخَطْبِ والبَلاءِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ السِّياقِ، أوِ الإشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «وما زادُوهُمْ» بِضَمِيرِ الجَمْعِ العائِدِ عَلى الأحْزابِ ﴿إلا إيمانًا﴾ بِاللَّهِ تَعالى وبِمَواعِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وتَسْلِيمًا﴾ لِأوامِرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وأقْدارِهِ سُبْحانَهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ، ومَن أنْكَرَ قالَ: إنَّ الزِّيادَةَ فِيما يُؤْمِنُ بِهِ لا في نَفْسِ الإيمانِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وفي كُتُبِ الكَلامِ عَلى أبْسَطِ وجْهٍ مَسْطُورٍ.
33:23Page 421
مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣
Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ بِالإخْلاصِ مُطْلَقًا، لا الَّذِينَ حُكِيَتْ مَحاسِنُهم خاصَّةً
صفحة 170
﴿رِجالٌ﴾ أيْ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُقاتَلَةِ لِلْأعْداءِ، وقِيلَ: مِنَ الطّاعاتِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وسَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرٌ في الأوَّلِ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «غابَ عَمِّي أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أرانِي اللَّهُ تَعالى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما بَعْدُ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ تَعالى ما أصْنَعُ، فَشَهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو أيْنَ؟ قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ أجِدُها دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ مِن ضَرْبَةٍ، وطَعْنَةٍ، ورَمْيَةٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وكانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وأصْحابِهِ».
وفِي الكَشّافِ نَذَرَ رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَبَتُوا، وقاتَلُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا، أيْ نَذَرُوا الثَّباتَ التّامَّ، والقِتالَ الَّذِي يُفْضِي بِحَسَبِ العادَةِ إلى نَيْلِ الشَّهادَةِ، وهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وحَمْزَةُ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وغَيْرُهُمْ، وعَنِ الكَلْبِيِّ، ومُقاتِلٍ أنَّ هَؤُلاءِ الرِّجالَ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: هم بَنُو حارِثَةَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي ما قَدَّمْتُهُ، ومَعْنى ( صَدَقُوا ) أتَوْا بِالصِّدْقِ مِن صَدَقَنِي، إذا قالَ الصِّدْقَ، ومَحَلُّ ( ما عاهَدُوا ) النَّصْبُ إمّا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو فِي، وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، عَلى رِوايَةِ النَّصْبِ أيْ في سِنِّ بَكْرِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والأصْلُ: صَدَقُوا اللَّهَ فِيما عاهَدُوهُ، وإمّا عَلى أنَّهُ هو المَفْعُولُ الصَّرِيحُ.
وجُعِلَ (ما عاهَدُوا عَلَيْهِ) بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ مُعاهَدٍ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ وجَعْلُهُ مَصْدُوقًا تَخْيِيلٌ، وعَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِحالِ الصّادِقِينَ، وتَقْسِيمٌ لَهم إلى قِسْمَيْنِ، والنَّحْبُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ النَّذْرُ المَحْكُومُ بِوُجُوبِهِ، يُقالُ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، أيْ وفى بِنَذْرِهِ. وقالَ أبُو حَيّانَ: النَّذْرُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ، ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَ ما قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، وشاعَ قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، بِمَعْنى ماتَ، إمّا عَلى أنَّ النَّحْبَ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً لِلْمَوْتِ، لِأنَّهُ كَنَذَرَ لازِمٌ في رَقَبَةِ كُلِّ إنْسانٍ، والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ، والقَضاءُ تَرْشِيحٌ، وإمّا عَلى أنَّ قَضاءَ النَّحْبِ مُسْتَعارٌ لَهُ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالنَّحْبِ في الآيَةِ النَّذْرُ، وأنْ يُرادَ المَوْتُ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا لِالتِزامِ المَوْتِ شَهِيدًا، إمّا بِتَنْزِيلِ التِزامِ أسْبابِهِ الَّتِي هي أفْعالٌ اخْتِيارِيَّةٌ لِلنّاذِرِ مَنزِلَةَ التِزامِ نَفْسِهِ، وإمّا بِتَنْزِيلِ نَفْسِهِ مَنزِلَةَ أسْبابِهِ وإيرادِ الِالتِزامِ عَلَيْهِ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المَدْحِ، وجَعْلُهُ اسْتِعارَةً لِلْمَوْتِ، لِأنَّهُ كَنَذَرَ لازِمٌ مَسْخٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وإذْهابٌ بِرَوْنَقِها، وإخْراجٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ بِالكُلِّيَّةِ انْتَهى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.
والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ النَّحْبَ هُنا بِمَعْنى النَّذْرِ، وقَضاؤُهُ أداؤُهُ والوَفاءُ بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ طَلْحَةَ «أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا لِأعْرابِيٍّ جاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ مَن هُوَ؟ وكانُوا لا يَجْتَرِؤُونَ عَلى مَسْألَتِهِ يُوَقِّرُونَهُ ويَهابُونَهُ، فَسَألَهُ الأعْرابِيُّ
صفحة 171
ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: أيْنَ السّائِلُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ؟ قالَ الأعْرابِيُّ: أنا قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ،» وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (يا طَلْحَةُ، أنْتَ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ)،» وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: «( طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ).» وكَأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنى مَدْحَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: حَدِّثْنا عَنْ طَلْحَةَ: ذاكَ امْرُؤٌ نَزَلَ فِيهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهِ تَعالى وجْهَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، وإلى حَمْلِ النَّحْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، فالمَعْنى: مِنهم مَن وفى بِعَهْدِهِ، وأدّى نَذْرَهُ، ومِنهم أيْ وبَعْضُهم مَن يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ فَيَقْضِي نَحْبَهُ، ويُؤَدِّي نَذْرَهُ ويَفِي بِعَهْدِهِ، ومَن حَمَلَ (ما عاهَدُوا اللَّهَ) تَعالى عَلى العُمُومِ، وأبْقى النَّحْبَ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ: المَعْنى: مِنهم مَن وفى بِعُهُودِ الإسْلامِ، وما يَلْزَمُ مِنَ الطّاعاتِ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ، واسْتَشْكَلَ إبْقاءُ النَّحْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، لِأنَّ وفاءَ النَّذْرِ عَيْنُ صِدْقِ العَهْدِ، فَيَكُونُ مَآلُ المَعْنى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى وصَدَقُوا أيْ فَعَلُوا، ووَفُّوا بِما عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ، فَمِنهم مَن فَعَلَ، ووَفّى بِما عاهَدَ، وفِيهِ تَقْسِيمُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ويُشْكِلُ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ لِأنَّ المُنْتَظِرَ غَيْرُ وافٍ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ قِسْمًا مِنَ الَّذِينَ صَدَقُوا أيْ وفَّوْا، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالصِّدْقِ في الآيَةِ مُطابَقَةُ النِّسْبَةِ الكَلامِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ الخارِجَةِ، وهَذا الكَلامُ المُتَضَمِّنُ لِهَذِهِ النِّسْبَةِ هو ما اقْتَضاهُ عَهْدُهم عَلى الثَّباتِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: لَئِنْ أرانا اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنُثْبِتَنَّ ولَنُقاتِلَنَّ، واتِّصافُ الخَبَرِ بِالصِّدْقِ، وكَذا المُخْبَرُ بِهِ، لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن مُطابَقَةِ نِسْبَتِهِ لِلْواقِعِ في أحَدِ الأزْمِنَةِ، فَنَحْوُ: يَقُومُ زَيْدٌ صادِقٌ، وكَذا المُخْبَرُ بِهِ وقْتَ الإخْبارِ بِهِ، وإنْ كانَ وُقُوعُ القِيامِ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ مَثَلًا، وكَذا نَحْوُ: إنْ كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً فالنَّهارُ مَوْجُودٌ صادِقٌ، وإنْ كانَ التَّكَلُّمُ بِهِ لَيْلًا، فَهَؤُلاءِ الرِّجالُ لَمّا أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ إنَّهم إنْ أراهُمُ اللَّهُ تَعالى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَبَتُوا وقاتَلُوا، وعَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا مُطابِقٌ لِلْواقِعِ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم صَدَقُوا، ثُمَّ قَسَمَهم عَزَّ وجَلَّ إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ أدّى ما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يُؤَدِّيهِ، وقِسْمٍ يَنْتَظِرُ وقْتًا يُؤَدِّيهِ فِيهِ، ولا يَتَّصِفُ هَذا القِسْمُ بِالكَذِبِ إلّا إذا ماتَ، وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، ولَمْ يُؤَدِّ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالصِّدْقِ ما ماتُوا حَتّى أدَّوْا فَلا إشْكالَ. نَعَمِ الإشْكالُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالصِّدْقِ فِيما عاهَدُوا تَحْقِيقُ العَهْدِ فِيما أظْهَرُوهُ مِن أفْعالِهِمْ كَما فَسَّرَهُ الرّاغِبُ، ويُرادُ مِن قَضاءِ النَّحْبِ وفاءُ النَّذْرِ أوِ العَهْدِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المُرادُ بِصِدْقِهِمُ المَذْكُورِ مُطابَقَةُ ما في ألْسِنَتِهِمْ لِما في قُلُوبِهِمْ عَلى خِلافِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ. ولا إشْكالَ في التَّقْسِيمِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: الصِّدْقُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ بَيْنَ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ المُرادَ بِصَدَقُوا يُصَدِّقُونَ، وعَبَّرَ عَنِ المُضارِعِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ فَقالَ: أجْلَهُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ لَبِيدٍ:
ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ ∗∗∗ أنَحَبٌ فَيَقْضِي أمْ ضَلالٌ وباطِلُ
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلَيْهِ لا مانِعَ
صفحة 172
مِن أنْ يُرادَ (بِصَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) كَما ذُكِرَ عَنِ الرّاغِبِ: حَقَّقُوا العَهْدَ فِيما أظْهَرُوهُ مِن أفْعالِهِمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى الثَّباتِ والقِتالِ إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَقَّقُوا ذَلِكَ، وثَبَتُوا فَمِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ أنَّ المُرادَ قَضى نَحْبَهُ ثابِتًا بِأنْ يَكُونَ قَدِ اسْتُشْهِدَ كَأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، ومُعْصَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ فَيَدْخُلُ مَن ماتَ بَعْدَ الثَّباتِ حَتْفَ أنْفِهِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ إنْ كانَ هُنالِكَ مَن هو كَذَلِكَ، وعَدُّوا مِمَّنْ يَنْتَظِرُ عُثْمانَ وطَلْحَةَ، وأوَّلُ ما ورَدَ في طَلْحَةَ مِن أنَّهُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ في حُكْمِ مَنِ اسْتُشْهِدَ، وأوْجَبُوا ذَلِكَ فِيما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ قَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، عَنْ عائِشَةَ بِلَفْظِ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهِيدٍ يَمْشِي في الأرْضِ، وقَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ»»
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ فِينا: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، وأنا واللَّهِ المُنْتَظِرَ.
وفِي وصْفِهِمْ بِالِانْتِظارِ المُنْبِئِ عَنِ الرَّغْبَةِ في المُنْتَظِرِ شَهادَةٌ حَقَّةٌ بِكَمالِ اشْتِياقِهِمْ إلى الشَّهادَةِ، وقِيلَ: إلى المَوْتِ مُطْلَقًا حُبًّا لِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى، ورَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى ( صَدَقُوا ) وفاعِلُهُ فاعِلُهُ، أيْ وما بَدَّلُوا عَهْدَهُمْ، وما غَيَّرُوهُ تَبْدِيلًا ما لا أصْلًا ولا وصْفًا، بَلْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ راغِبِينَ فِيهِ، مُراعِينَ لِحُقُوقِهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ، أمّا الَّذِينَ قَضَوْا فَظاهِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَيَشْهَدُ بِهِ انْتِظارُهم أصْدَقَ شَهادَةٍ، وتَعْمِيمُ عَدَمِ التَّبْدِيلِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مَعَ ظُهُورِ حالِهِمْ لِلْإيذانِ بِمُساواةِ الفَرِيقِ الثّانِي لَهم في الحُكْمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( بَدَّلُوا ) لِلْمُنْتَظِرِينَ خاصَّةً بِناءً عَلى أنَّ المُحْتاجَ إلى البَيانِ حالُهُمْ، وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حَيْثُ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا كَما بَدَّلَ المُنافِقُونَ، فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences