Al-AlusiAl‑Ahzab · 33:24–25

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:24–25

33:24Page 421

لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤

That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِيهِ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ اعْتِناءً بِأمْرِ الصِّدْقِ، ويَكْتَفِي بِما يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ لِأنَّهُ الأصْلُ ولا داعِيَ إلى خِلافِهِ، والمُرادُ: ويُعَذِّبُ المُنافِقِينَ بِنِفاقِهِمْ، ﴿إنْ شاءَ﴾ أيْ تَعْذِيبَهُمْ، ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ فَلا يُعَذِّبُهم بَلْ يَرْحَمُهم سُبْحانَهُ إنْ شاءَ عَزَّ وجَلَّ كَذا قِيلَ، وظاهِرُهُ أنَّ كُلًّا مِنَ التَّعْذِيبِ والرَّحْمَةِ لِلْمُنافِقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَوْ ماتُوا عَلى النِّفاقِ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى. واسْتَشْكَلَ بِأنَّ النِّفاقَ أقْبَحُ الكُفْرِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النِّساءُ: 145]، وقَدْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعَذِّبُ الكَفَرَةَ مُطْلَقًا حَتْمًا لا مَحالَةَ، فَكَيْفَ هَذا التَّعْلِيقُ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا إشْكالَ، فَإنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، والتَّعْلِيقُ لِذَلِكَ فَهو جَلَّ شَأْنُهُ إنْ شاءَ عَذَّبَ المُنافِقَ، وإنْ شاءَ رَحِمَهُ، لَكِنَّ المُتَحَقِّقَ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى شاءَ تَعْذِيبَهُ، ولَمْ يَشَأْ رَحْمَتَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ شاءَ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ في الآخِرَةِ، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ شاءَ تَعْذِيبَهم فِيها، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ، لَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يَشَأْ، ورَفْعُ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ في مِثْلِ هَذِهِ القَضِيَّةِ يُنْتِجُ رَفْعَ التّالِيَ، وإنَّما لَمْ تُقَيَّدْ مُجازاةُ الصّادِقِينَ بِالمَشِيئَةِ كَما

صفحة 173

قَيَّدَ تَعْذِيبَ المُنافِقِينَ، والتَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ بِها مَعَ أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ يَجْزِي الصّادِقِينَ وإنْ شاءَ لَمْ يَجْزِهِمْ لِمَكانِ نَفْيِ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ تَعالى لِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ هُما تَحَقُّقُ مَشِيئَةِ المُجازاةِ، وكَوْنُ الرَّحْمَةِ مَقْصُودَةً بِالذّاتِ بِخِلافِ العَذابِ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لِهَذا الأخِيرِ لَمْ يَقُلْ: لِيُثِيبَ أوْ لِيُنْعِمَ، وقالَ سُبْحانَهُ في المُقابِلِ: ( ويُعَذِّبَ ) وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِتَوْبَتِهِمْ، ومَعْنى تَوْبَتِهِ تَعالى عَلى العِبادِ قَبُولُ تَوْبَتِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أوْ يَقْبَلُ تَوْبَتَهم إنْ تابُوا، وحُذِفَ الشَّرْطُ لِظُهُورِ اسْتِلْزامِ المَذْكُورِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ تَوْبَتُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَوْفِيقِهِ تَعالى إيّاهم لِلتَّوْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكِلا هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ لِتَوْبَتِهِ تَعالى وارِدٌ كَما في القامُوسِ، وأيًّا ما كانَ، فالأمْرُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ قَبُولُ التَّوْبَةِ ولا التَّوْفِيقُ لَها، والمُرادُ مِن تَعْلِيقِ تَعْذِيبِ المُنافِقِينَ بِالمَشِيئَةِ أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ عَذَّبَهم بِإبْقائِهِمْ مُنافِقِينَ، وإنْ شاءَ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَذِّبْهم بِأنْ يَسْلُبَ عَنْهم وصْفَ النِّفاقِ بِالتَّوْفِيقِ إلى الإخْلاصِ في الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَةُ إقامَتِهِمْ عَلى النِّفاقِ ومَوْتِهِمْ عَلَيْهِ، والتَّوْبَةُ مُوازَنَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَتُها تَرْكُهم بِلا عَذابٍ، فَهُناكَ أمْرانِ إقامَةٌ عَلى النِّفاقِ، وتَوْبَةٌ مِنهُ، وعَنْهُما ثَمَرَتانِ تَعْذِيبٌ ورَحْمَةٌ، فَذَكَرَ تَعالى عَلى جِهَةِ الإيجازِ واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ، ودَلَّ ما ذُكِرَ عَلى ما تَرْكِ ذِكْرِهِ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إنْ شاءَ ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَرْفُ ( أوِ ) انْتَهى، وأرادَ بِذَلِكَ حَلَّ الإشْكالِ، وكَأنَّ ما ذَكَرَهُ يَؤُولُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمُهُمْ، فَحَذَفَ سَبَبَ التَّعْذِيبِ وأثْبَتَ المُسَبَّبَ وهو التَّعْذِيبُ، وأثْبَتَ سَبَبَ الرَّحْمَةِ، والغُفْرانِ، وحَذَفَ المُسَبَّبَ وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاحْتِباكِ، قالَ في البَحْرِ: وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى ويُعَذِّبُ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أنْ يُمِيتَهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ بِنَقْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ إلى الإيمانِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ الإماتَةَ عَلى النَّفَقَةِ دُونَ التَّعْذِيبِ، كَما هو الظّاهِرُ لِما سَمِعْتَ مِنَ اسْتِشْكالِ تَعْلِيقِ تَعْذِيبِهِمْ بِالمَشِيئَةِ مَعَ أنَّهُ مُتَحَتِّمٌ، وقِيلَ لِذَلِكَ أيْضًا: إنَّ المُرادَ يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فَلا يُعَذِّبُهم فِيها، وحُكِيَ هَذا عَنِ الجُبّائِيِّ، والكَلامُ عَلَيْهِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالمُنافِقِينَ الجَماعَةُ المَخْصُوصُونَ القائِلُونَ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحْزابُ: 12]، عَلى أنَّ ذَلِكَ كالِاسْمِ لَهم فَلا يُلاحَظُ فِيهِ مَبْدَأُ الِاشْتِقاقِ، ولا يُجْعَلُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، بَلِ العِلَّةُ لَهُ ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، فَيَكُونُ المُعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ تَعْذِيبَ أُناسٍ مَخْصُوصِينَ، ويَكُونُ المَعْنى: يُعَذِّبُ فُلانًا وفُلانًا مَثَلًا إنْ شاءَ بِأنْ يُمِيتَهم سُبْحانَهُ مُصِرِّينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِي التَّعْذِيبَ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلتَّوْبَةِ فَيَرْحَمُهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصّادِقِينَ نَحْوُ هَذا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:

﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ تَصْرِيحًا بِما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ شَيْخِ الإسْلامِ أنَّ ذِكْرَ الصِّدْقِ وحْدَهُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ حَيْثُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ والوَفاءِ قَوْلًا وفِعْلًا، ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ المَحْكِيَّةِ، قِيلَ: ولَمْ يَقُلْ في جانِبِ المُنافِقِينَ بِنِفاقِهِمْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( أوْ يَتُوبَ ) إلَخْ، فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي فِعْلًا خاصًّا بِهِمْ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في ( لِيَجْزِيَ ) لِلتَّعْلِيلِ، والكَلامُ عِنْدَ كَثِيرٍ تَعْلِيلٌ لِلْمَنطُوقِ مِن نَفْيِ التَّبْدِيلِ عَنِ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، والمُعَرَّضِ بِهِ مِن إثْباتِ التَّعْرِيضِ لِمَن سِواهم مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ الكَلامَ عَلى ما سَمِعْتَ في قُوَّةِ، ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ كَما ( بَدَّلَ ) المُنافِقُونَ، فَقَوْلُهُ: ( لِيَجْزِيَ ويُعَذِّبَ ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَنفِيِّ والمُثْبَتِ عَلى اللَّفِّ والنَّشْرِ التَّقْدِيرِيِّ، وجَعْلُ تَبْدِيلِ المُنافِقِينَ عِلَّةً لِلتَّعْذِيبِ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ المُنافِقِينَ بِالقاصِدِينَ عاقِبَةَ السُّوءِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، والقَرِينَةُ إثْباتُ مَعْنى التَّعْلِيلِ، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ حَقِيقَةٌ بِالنَّظَرِ

صفحة 174

إلى المَنطُوقِ، ومَجازًا بِالنَّظَرِ إلى المُعَرَّضِ بِهِ، ويَكُونُ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وقَدْ جَوَّزَهُ مَن جَوَّزَهُ.

وقِيلَ: لا يَبْعُدُ جَعْلُ ( لِيَجْزِيَ ) إلَخْ، تَعْلِيلًا لِلْمَنطُوقِ المُقَيَّدِ بِالمُعَرَّضِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما بَدَّلُوا كَغَيْرِهِمْ لِيَجْزِيَهم بِصِدْقِهِمْ، ويُعَذِّبَ غَيْرَهم إنْ لَمْ يَتُبْ، وأنَّهُ يَظْهَرُ بِحُسْنِ صَنِيعِهِمْ قُبْحُ غَيْرِهِمْ، وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ، وقِيلَ:

تَعْلِيلٌ (لِصَدَقُوا)، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ وقِيلَ: لِما يُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الخَطْبِ (لِيَجْزِيَ) الآيَةَ، واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ قائِلًا: إنَّهُ طَرِيقٌ أسْهَلُ مَأْخَذًا وأبْعَدُ عَنِ التَّعَسُّفِ، وأقْرَبُ إلى المَقْصُودِ مِن جَعْلِهِ تَعْلِيلًا لِلْمَنطُوقِ والمُعَرَّضِ بِهِ، واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ بِطَرِيقِ الفَذْلَكَةِ لِبَيانِ ما هو داعٍ إلى وُقُوعٍ ما حُكِيَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ عَلى التَّفْصِيلِ، وغايَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحْزابُ: 8]، كَأنَّهُ قِيلَ: وقَعَ جَمِيعُ ما وقَعَ لِيَجْزِيَ اللَّهُ إلَخْ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، وإنْ كانَ فِيهِ حَذْفٌ، فَتَأمَّلْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ لِمَن تابَ، وهَذا اعْتِراضٌ فِيهِ بَعْثٌ إلى التَّوْبَةِ.

33:25Page 421

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥

And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ﴾ إلَخْ، رُجُوعٌ إلى حِكايَةِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ وتَفْصِيلٌ لِتَتِمَّةِ النِّعْمَةِ المُشارِ إلَيْها إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحْزابُ: 9]، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (أرْسَلْنا)، وقَدْ وسَّطَ بَيْنَهُما بَيانُ كَوْنِ ما نَزَلَ بِهِمْ واقِعَةً طامَّةً تَحَيَّرَتْ بِهِ العُقُولُ والأفْهامُ، وداهِيَةً تَحاكَّتْ فِيها الرُّكَبُ، وزَلَّتِ الأقْدامُ، وتَفْصِيلُ ما صَدَرَ عَنْ فَرِيقَيْ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ لِإظْهارِ عِظَمِ النِّعْمَةِ وإبانَةِ خَطَرِها الجَلِيلِ بِبَيانِ وُصُولِها إلَيْهِمْ عِنْدَ غايَةِ احْتِياجِهِمْ إلَيْها، أيْ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها، ورَدَدْنا بِذَلِكَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وجَوَّزَ شَيْخُ الإسْلامِ، ولَعَلَّ صَنِيعَهُ يُشِيرُ إلى أوْلَوِيَّتِهِ حَيْثُ بَدَأ بِهِ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى عَلى المُقَدَّرِ قَبْلَ: ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ حِكايَةِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وقَعَ ما وقَعَ مِنَ الحَوادِثِ ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( لِيَجْزِيَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ أنْ جَزاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِصِدْقِهِمْ، ورَدَّ أعْداءَهم وهَذا الرَّدُّ مِن جُمْلَةِ جَزائِهِمْ عَلى صِدْقِهِمْ، وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا الأحْزابُ عَلى ما رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى المُشْرِكِينَ واليَهُودَ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأبِي سُفْيانَ، وأصْحابِهِ، ولَعَلَّهُ الأوْلى، وعَلى القَوْلَيْنِ المُرادُ: رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ حَوْلَ المَدِينَةِ وتَحَزُّبِهِمْ إلى مَساكِنِهِمْ، ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ لا مِن ضَمِيرِ ( كَفَرُوا )، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْظِهِمْ، وهو أشَدُّ الغَضَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ حالٌ مِن ذاكَ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرِ ( بِغَيْظِهِمْ ) أيْ غَيْرَ ظافِرِينَ بِخَيْرٍ أصْلًا، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الخَيْرَ بِالظَّفَرِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، وإطْلاقُ الخَيْرِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمْ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتُ: 8]، والأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ كُلُّ خَيْرٍ عِنْدَهُمْ، فالنَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ سَبَبِ غَيْظِهِمْ، أوْ بَدَلًا، ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ أيْ وقاهم سُبْحانَهُ ذَلِكَ، ( وكَفى ) هَذِهِ تَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى أغْنى وتَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

والكَلامُ هُنا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والأصْلُ: وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنِ القِتالِ، أيْ أغْناهم سُبْحانَهُ عَنْهُ، ولا وجْهَ لَهُ

صفحة 175

وهَذِهِ الكِفايَةُ كانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: بِقَتْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ «وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ» وفي مَجْمَعِ البَيانِ: هو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ، والظّاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحْزابُ: 9]، وكَأنَّ المُرادَ بِالقِتالِ الَّذِي كَفاهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ القِتالُ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ مِن تَعْبِيَةِ الصُّفُوفِ، والرَّمْيِ بِالسِّهامِ، والمُقارَعَةِ بِالسُّيُوفِ، أوِ القِتالُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ التَّحَزُّبُ والِاجْتِماعُ بِحُكْمِ العادَةِ.

وفِي البَحْرِ: ما هو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ كَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مُداوَمَةَ القِتالِ، وعَوْدَتَهُ، فَإنَّ قُرَيْشًا هُزِمُوا بِقُوَّةِ اللَّهِ تَعالى وعِزَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وما غَزَوُا المُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإلّا فَقَدْ وقَعَ قِتالٌ في الجُمْلَةِ، وقَتْلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ أصابَهُ سَهْمٌ فَماتَ مِنهُ بِمَكَّةَ، ومِن بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ فَتَوَرَّطَ فِيهِ فَقُتِلَ، ومِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ مِن بَنِي مالِكِ بْنِ حِسْلٍ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، نازَلَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَما عَلِمْتَ فَقَتَلَهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَتَلَ يَوْمَئِذٍ ابْنَهُ حِسْلًا أيْضًا فَيَكُونُ مَن قُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةً، واسْتُشْهِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الغَزْوَةِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وأنَسُ بْنُ أُوَيْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَثَمَةَ، وهُما مِن بَنِي جُشَمَ بْنِ الخَزْرَجِ مِن بَنِي سَلِمَةَ، وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، وهو مِن بَنِي النَّجّارِ، ثُمَّ مِن بَنِي دِينارٍ أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ولَمْ يُسْتَشْهَدْ إلّا هَؤُلاءِ السِّتَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ عَلى إحْداثِ كُلِّ ما يُرِيدُ جَلَّ شَأْنُهُ، ﴿عَزِيزًا﴾ غالِبًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском