Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:37–39
33:37Page 423
وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧
And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.
﴿وإذْ تَقُولُ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيِ اُذْكُرْ وقْتَ قَوْلِكَ ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ لِلْإسْلامِ وتَوْفِيقِكَ لِحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ وعِتْقِهِ ومُراعاتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالتَّبَنِّي ومَزِيدِ القُرْبِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بِالعَمَلِ بِما وفَّقَكَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن فُنُونِ الإحْسانِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَحْرِيرُهُ وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإيرادُهُ بِالعُنْوانِ المَذْكُورِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لِبَيانِ مُنافاةِ حالِهِ لِما
صفحة 24
صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ خِلافِ ما في ضَمِيرِهِ الشَّرِيفِ إذْ هو إنَّما يَقَعُ عِنْدَ الِاسْتِحْياءِ والِاحْتِشامِ وكِلاهُما مِمّا لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِحِكْمَةِ إخْفائِهِ ﷺ ما أخْفاهُ لِأنَّ مِثْلُ ذَلِكَ مَعَ مِثْلِهِ مِمّا يُطْعَنُ بِهِ النّاسُ كَما قِيلَ:
وأظْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ حاسِدًا لِمَن كانَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ
﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أيْ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ ذا حِدَّةٍ ولا زالَتْ تَفْخَرُ عَلى زَيْدٍ بِشَرَفِها ويَسْمَعُ مِنها ما يَكْرَهُ، «فَجاءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمًا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَيْنَبَ قَدِ اِشْتَدَّ عَلَيَّ لِسانُها وأنا أُرِيدُ أنْ أُطَلِّقَها فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها ولا تُطَلِّقْها ضِرارًا وتَعَلُّلًا بِتَكَبُّرِها واشْتِدادِ لِسانِها عَلَيْكَ،» وتَعْدِيَةُ ﴿أمْسِكْ﴾ بِعَلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الحَبْسِ.
﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَقُولُ﴾ وجُوِّزَتِ الحالِيَّةُ بِتَقْدِيرِ (وأنْتَ تُخْفِي) أوْ بِدُونِهِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَواضِعِ مِن كَشّافِهِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عَلى ما أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ما أوْحى اللَّهُ تَعالى بِهِ إلَيْهِ أنَّ زَيْنَبَ سَيُطَلِّقُها زَيْدٌ ويَتَزَوَّجُها بَعْدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإلى هَذا ذَهَبَ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ كالزُّهْرِيِّ وبَكْرِ بْنِ العَلاءِ والقُشَيْرِيِّ والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ تَخافُ مِنَ اِعْتِراضِهِمْ، وقِيلَ: أيْ تَسْتَحِي مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ اِبْنِهِ، والمُرادُ بِالنّاسِ الجِنْسُ والمُنافِقُونَ وهَذا عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ حالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لا غَيْرَ، والمَعْنى واَللَّهُ تَعالى وحْدَهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ في كُلِّ أمْرٍ فَتَفْعَلُ ما أباحَهُ سُبْحانَهُ لَكَ وأُذِنَ لَكَ فِيهِ، والعِتابُ عِنْدَ مَن سَمِعْتَ عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ مَعَ ﴿أمْسِكْ﴾ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيُطَلِّقُها ويَتَزَوَّجُها هو ﷺ بَعْدَهُ، وهو عِتابٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وكانَ الأوْلى في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَصْمُتَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ يُفَوِّضَ الأمْرَ إلى رَأْيِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ ﷺ كانَ يُخْفِي إرادَةَ طَلاقِها ويَخْشى قالَةَ النّاسِ إنْ أمْرَهُ بِطَلاقِها وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾ وهو يُحِبُّ طَلاقَها، والعِتابُ عَلَيْهِ عَلى ظِهارِ ما يُنافِي الإضْمارَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ، وقالَ: لا تَسْتَرِبْ في تَنْزِيهِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ هَذا الظّاهِرِ وأنَّهُ يَأْمُرُ زَيْدًا بِإمْساكِها وهو يُحِبُّ تَطْلِيقَهُ إيّاها كَما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى آخِرِ ما قالَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ إرادَتَهُ ﷺ طَلاقَها وحُبَّهُ إيّاهُ كانَ مُجَرَّدُ خُطُورِهِ بِبالِهِ الشَّرِيفِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُرِيدُ مُفارَقَتَها، ولَيْسَ هُناكَ حَسَدٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحاشاهُ لَهُ عَلَيْها فَلا مَحْذُورَ، والأسْلَمُ ما ذَكَرْناهُ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والجُمْهُورِ.
وحاصِلُ العِتابِ لِما قُلْتُ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وقَدْ أعْلَمْتُكَ أنَّهُ سَتَكُونُ مِن أزْواجِكَ، وهو مُطابِقٌ لِلتِّلاوَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَ أنَّهُ مُبْدِي ما أخْفاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُظْهِرْ غَيْرَ تَزْوِيجِها مِنهُ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ فَلَوْ كانَ المُضْمَرُ مَحَبَّتَها وإرادَةَ طَلاقِها ونَحْوَ ذَلِكَ لَأظْهَرَهُ جَلَّ وعَلا، ولِلْقُصّاصِ في هَذِهِ القِصَّةِ كَلامٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ في حَيِّزِ القَبُولَ.
مِنهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْدٍ والحاكِمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ «أنَّهُ ﷺ جاءَ إلى بَيْتِ زَيْدٍ فَلَمْ يَجِدْهُ وعَرَضَتْ
صفحة 25
زَيْنَبُ عَلَيْهِ دُخُولَ البَيْتِ فَأبى أنْ يَدْخُلَ وانْصَرَفَ راجِعًا يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَمْ تَفْهَمْ مِنهُ سِوى سُبْحانِ اللَّهِ العَظِيمِ سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ، فَجاءَ زَيْدٌ فَأخْبَرَتْهُ بِما كانَ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: بَلَغَنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ جِئْتَ مَنزِلِي فَهَلّا دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ لَعَلَّ زَيْنَبَ أعْجَبَتْكَ فَأُفارِقُها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ فَما اِسْتَطاعَ زَيْدٌ إلَيْها سَبِيلًا بَعْدُ فَفارَقَها» .
وفِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إبْراهِيمَ أنَّهُ ﷺ أتى بَيْتَ زَيْدٍ فَرَأى زَيْنَبَ جالِسَةً وسَطَ حُجْرَتِها تَسْحَقُ طِيبًا بِفِهْرٍ لَها فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها قالَ: سُبْحانَ خالِقِ النُّورِ تَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ فَرَجَعَ، فَجاءَ زَيْدٌ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ، فَقالَ لَها: لَعَلَّكِ وقَعْتِ في قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهَلْ لَكِ أنْ أُطَلِّقَكِ حَتّى يَتَزَوَّجَكِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَتْ: أخْشى أنْ تُطَلِّقَنِي ولا يَتَزَوَّجَنِي، فَجاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أُرِيدُ أنْ أُطَلِّقَ زَيْنَبَ فَأجابَهُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ.
وفِي شَرْحِ المَواقِفِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِمّا يَجِبُ صِيانَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مِثْلِهِ، فَإنْ صَحَّتْ فَمَيْلُ القَلْبِ غَيْرُ مَقْدُورٍ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِابْتِلاءِ لَهُما، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرادَ نَسْخَ تَحْرِيمِ زَوْجَةِ المُتَبَنّى، أوْحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ إذا طَلَّقَها زَيْدٌ فَلَمْ يَبادَرْ لَهُ ﷺ مَخافَةَ طَعْنِ الأعْداءِ فَعُوتِبَ عَلَيْهِ، وهو تَوْجِيهُ وجِيهٍ قالَهُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ثُمَّ قالَ: إنَّ القِصَّةَ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا سِيَّما وقَدْ كانَ النُّزُولُ عَنِ الزَّوْجَةِ في صَدْرِ الهِجْرَةِ جارِيًا بَيْنَهم مِن غَيْرِ حَرَجٍ فِيهِ، اِنْتَهى.
وأبْعَدَ بَعْضُهم فَزَعَمَ أنَّ ﴿وتُخْفِي﴾ إلخ خِطابٌ كَسابِقِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ فَإنَّهُ أخْفى المَيْلَ إلَيْها وأظْهَرَ الرَّغْبَةَ عَنْها لَمّا وقَعَ في قَلْبِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوَدُّ أنْ تَكُونَ مِن نِسائِهِ، هَذا وفي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وُصُولُ الفِعْلِ الرّافِعِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهُما لِشَخْصٍ واحِدٍ فَهو كَقَوْلِهِ: هَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْ عَنْكَ، نَهْبًا صِيحَ في حُجُراتِهِ، وذَكَرُوا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ عَلى وعَنْ اِسْمانِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا حَرْفَيْنِ لِامْتِناعِ فُكِّرَ فِيكَ وأُعِينَ بِكَ، بَلْ هَذا مِمّا تَكُونُ فِيهِ النَّفْسُ أيْ فُكِّرَ في نَفْسِكَ وأُعِينَ بِنَفْسِكَ، والحَقُّ عِنْدِي جَوازُ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ مَعَ حَرْفِيَّةِ عَلى وعَنْ.
﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ طَلَّقَها كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، مِثْلَ لا حاجَةَ لِي فِيكِ، ومَعْنى الوَطَرُ الحاجَةُ وقَيَّدَها الرّاغِبُ بِالمُهِمَّةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كالأدَبِ وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ:
ودَّعَنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
ويُفَسَّرُ الأدَبُ بِالحاجَةِ الشَّدِيدَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلِاحْتِيالِ في دَفْعِها ويُسْتَعْمَلُ تارَةً في الحاجَةِ المُفْرَدَةِ وأُخْرى في الِاحْتِيالِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حاجَةً، وقالَ المُبَرِّدُ: هو الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا أيْ ما اِسْتَمْتَعْتُ مِنكَ حَتّى تَنْتَهِيَ نَفْسِي، وأنْشَدَ:
وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الوَطَرِ هُنا بِالجِماعِ، والمُرادُ لَمْ يَبْقَ لَهُ بِها حاجَةُ الجِماعِ وطَلَّقَها، وفي البَحْرِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها، ورَوى أبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ بِإسْنادٍ رَفَعَهُ إلَيْها أنَّها قالَتْ ما كُنْتُ أمْتَنِعُ مِنهُ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَنَعَنِي مِنهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَوَرَّمُ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقْرَبَها فَيَمْتَنِعُ، قِيلَ: ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا يَحْسُنُ جِدًّا جَعْلُ قَضاءِ الوَطَرِ كِنايَةً عَنِ الطَّلاقِ، فَتَأمَّلْ.
وفِي الكَلامِ تَقْدِيرٌ
صفحة 26
أيْ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا وانْقَضَتْ عِدَّتُها، وقِيلَ: إنَّ قَضاءَ الوَطَرِ يُشْعِرُ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ لِأنَّ القَضاءَ الفَراغُ مِنَ الشَّيْءِ عَلى التَّمامِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا قَضى زَيْدٌ حاجَتَهُ مِن نِكاحِها فَطَلَّقَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها فَلَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ مَيْلٌ إلَيْها ولا وحْشَةٌ مِن فِراقِها ﴿زَوَّجْناكَها﴾ أيْ جَعَلْناها زَوْجَةً لَكَ بِلا واسِطَةِ عَقْدِ أصالَةٍ أوْ وكالَةٍ، فَقَدْ صَحَّ مِن حَدِيثِ البُخارِيِّ واَلتِّرْمِذِيِّ أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ وزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعالى مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: كانَتْ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنِّي لَأدَلُّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ، ما مِن نِسائِكَ اِمْرَأةٌ تُدِلُّ بِهِنَّ، إنَّ جَدِّي وجَدَّكَ واحِدٌ وإنِّي أنْكَحُكَ اللَّهُ إيّايَ مِنَ السَّماءِ وإنَّ السَّفِيرَ لَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّها أرادَتْ سِفارَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ رَسُولِهِ ﷺ وإلّا فالسَّفِيرُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَها كانَ زَيْدًا.
أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ، قالَ: «لَمّا اِنْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: اِذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ، فانْطَلَقَ قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ، قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ».
ومِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ اِبْنِ زَيْدٍ الأسْدِيِّ «عَنْ مَذْكُورٍ مَوْلى زَيْنَبَ قالَتْ: طَلَّقَنِي زَيْدٌ فَبِتُّ طَلاقِي فَلَمّا اِنْقَضَتْ عِدَّتِي لَمْ أشْعُرْ إلّا والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ دَخَلَ عَلَيَّ وأنا مَكْشُوفَةُ الشِّعْرِ، فَقُلْتُ: هَذا مِنَ السَّماءِ دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِلا خُطْبَةٍ ولا شَهادَةٍ، فَقالَ: اللَّهُ تَعالى المُزَوِّجُ وجِبْرِيلُ الشّاهِدُ،» ولا يَخْفى أنَّ هَذا بِظاهِرِهِ يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الحَدِيثِ والمُعَوِّلِ عَلى ذاكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ أمَرْناكَ بِتَزَوُّجِها.
وقَرَأ عَلِيٌّ وابْناهُ رَيْحانَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحَسَنُ والحُسَيْنُ وابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ «زَوَّجْتُكَها» بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ وحْدَهُ.
﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ أيْ ضِيقٌ، وقِيلَ إثْمٌ، وفَسَّرَهُ بِهِما بَعْضُهم كاَلطَّبَرْسِيِّ بِناءً عَلى جَوازِ اِسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ مُطْلَقًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ أوْ في النَّفْيِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ اِبْنُ الهُمامِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ ﴿فِي أزْواجِ﴾ أيْ في حَقِّ تَزَوُّجِ أزْواجِ ﴿أدْعِيائِهِمْ﴾ الَّذِينَ تَبَنَّوْهم ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ أيْ إذا طَلَّقَهُنَّ الأدْعِياءُ وانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فَإنَّ لَهم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً، واسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ ما ثَبَتَ لَهُ ﷺ مِنَ الأحْكامِ ثابِتٌ لِأُمَّتِهِ إلّا ما عُلِمَ أنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِدَلِيلٍ، وتَمامُ الكَلامِ في المَسْألَةِ مَذْكُورٌ في الأُصُولِ، والمُرادُ بِالحُكْمِ هاهُنا عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مُطْلَقُ تَزَوُّجِ زَوْجاتِ الأدْعِياءِ وهو عَلى ما قِيلَ ظاهِرٌ.
﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ما يُرِيدُ تَكْوِينَهُ مِنَ الأُمُورِ أوْ مَأْمُورُهُ الحاصِلُ بِ كُنْ ﴿مَفْعُولا﴾ مُكَوَّنًا لا مَحالَةَ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.
33:38Page 423
مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨
There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اِسْتَقامَ في الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَرَجٌ ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أيْ قَسَمَ لَهُ ﷺ وقَدَّرَ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في الدِّيوانِ كَذا، ومِنهُ فُرُوضُ العَساكِرِ لِما يَقْطَعُهُ السُّلْطانُ لَهم ويَرْسُمُ بِهِ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ فِيما أحَلَّ لَهُ، وقالَ الحَسَنُ: فِيما خَصَّهُ بِهِ مِن صِحَّةِ
صفحة 27
النِّكاحِ بِلا صَداقٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: مِنَ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أيْ سَنَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ سُنَّةً، فَهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الحَرَجِ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّهُ اِسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: تُرْبًا وجَنْدَلًا أيْ رَغْمًا وهَوانًا وخَيْبَةً، وكَأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ مَصْدَرِيَّتُهُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ (اِلْزَمْ) ونَحْوِهِ.
قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الإغْراءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا تَقْدِيرُ فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغائِبِ لا يَجُوزُ إذْ لا يُغْرى غائِبٌ، وقَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي مُؤَوَّلٌ وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ: لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، مَمْنُوعٌ، وهو خِلافُ ما يُفْهَمُ مِن كُتُبِ النَّحْوِ وبِأنَّ ما ذَكَرَهُ في أمْرِ إغْراءِ الغائِبِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ هاهُنا كَما لا يَخْفى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ ظاهِرَ كَلامِ اِبْنِ عَطِيَّةَ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّصْبَ بِتَقْدِيرِ اِلْزَمْ قَسِيمٌ لِلنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو قِسْمٌ مِنهُ، اه فَتَدَبَّرْ.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أيْ مَضَوْا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ لَمْ يُحَرِّجُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ في الإقْدامِ عَلى ما أحَلَّ لَهم ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ وقَدْ كانَتْ تَحْتَهُمُ المَهائِرُ والسَّرارِي وكانَتْ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِائَةُ اِمْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ولِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُمِائَةِ اِمْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ.
وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْفُ اِمْرَأةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِالمَرْأةِ ما يُقابِلُ السُّرِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ بِها الأعَمَّ فَيُوافَقْ ما قَبْلَهُ.
يُرْوى أنَّ اليَهُودَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عابُوهُ وحاشاهُ مِنَ العَيْبِ ﷺ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ الأزْواجِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وقِيلَ: إنَّهُ جَلَّ وعَلا أشارَ بِذَلِكَ إلى ما وقَعَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَزَوُّجِهِ اِمْرَأةَ أُورِيا. وأخْرَجَ ذَلِكَ اِبْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ، واسْمُ تِلْكَ المَرْأةِ عِنْدَهُ ألِيسِيَةُ وهَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، والقِصَّةُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لا أصْلَ لَها.
﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ عَنْ قَدَرٍ أوْ ذا قَدَرٍ ووَصْفُهُ بِمَقْدُورٍ نَحْوَ وصْفِ الظِّلِّ بِالظَّلِيلِ واللَّيْلِ بِالألْيَلِ في قَوْلِهِمْ ظِلٌّ ظَلِيلٌ ولَيْلٌ ألْيَلُ في قَصْدِ التَّأْكِيدِ، والمُرادُ بِالقَدَرِ عِنْدَ جَمْعِ المَعْنى المَشْهُورِ لِلْقَضاءِ وهو الإرادَةُ الأزَلِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ لَهُ وهو إيجادُ الأشْياءِ عَلى قَدْرٍ مَخْصُوصٍ وكَمِّيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن وُجُوهِ المُصْلِحَةِ وغَيْرِها، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ، والقَضاءُ والقَدَرُ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما بِمَعْنى الآخَرِ وفُسِّرَ الأمْرُ بِنَحْوِ ما فُسِّرَ بِهِ فِيما سَبَقَ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الأمْرُ الَّذِي هو واحِدُ الأوامِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ ويُرادُ أنَّ اِتِّباعَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلِ عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والعَمَلَ بِمُوجِبِهِ لازِمٌ مَقْضِيٌّ في نَفْسِهِ أوْ هو كالمَقْضِيِّ في لُزُومِ اِتِّباعِهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ، وظاهِرُ كَلامِ الإمامِ اِخْتِيارُ أنَّ الأمْرَ واحِدُ الأُمُورِ، وفَرَّقَ بَيْنَ القَضاءِ والقَدَرِ بِما لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ فَقالَ ما حاصِلُهُ: القَضاءُ ما يَكُونُ مَقْصُودًا لَهُ تَعالى في الأصْلِ، والقَدَرُ ما يَكُونُ تابِعًا، والخَيْرُ كُلُّهُ بِقَضاءٍ وما في العالَمِ مِنَ الضَّرَرِ بِقَدَرٍ كالزِّنا والقَتْلِ، ثُمَّ بَنى عَلى ذَلِكَ لَطِيفَةً وهو أنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ ذَيَّلَهُ بِ (أمْرًا مَفْعُولًا) لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا أصْلِيًّا وخَيْرًا مَقْضِيًّا، ولَمّا قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا﴾ إشارَةً إلى قِصَّةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ اُفْتُتِنَ بِاِمْرَأةِ أُورِيا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ لِكَوْنِ الِافْتِتانِ شَرًّا غَيْرَ مَقْصُودٍ أصْلِيٍّ مِن خَلْقِ المُكَلَّفِ، وفِيهِ ما فِيهِ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضُ وسَطٍ بَيْنِ المَوْصُولَيْنِ
صفحة 28
الجارِيَيْنِ مَجْرى الواحِدِ لِلْمُسارَعَةِ إلى تَقْرِيرِ نَفْيِ الحَرَجِ وتَحْقِيقِهِ.
33:39Page 423
ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩
[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينَ خَلَوْا أوْ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ عَلى إضْمارِهِمْ أوْ عَلى المَدْحِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «بَلَغُوا» فِعْلًا ماضِيًا، وقَرَأ أُبَيٌّ «رِسالَةَ» عَلى التَّوْحِيدِ لِجَعْلِ الرِّسالاتِ المُتَعَدِّدَةِ لِاتِّفاقِها في الأُصُولِ وكَوْنِها مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ شَيْءٍ واحِدٍ وإنِ اِخْتَلَفَتْ أحْكامُها.
﴿ويَخْشَوْنَهُ﴾ أيْ يَخافُونَهُ تَعالى في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ لا سِيَّما في أمْرِ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ في وصْفِهِمْ بِقَصْرِهِمُ الخَشْيَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى تَعْرِيضٌ بِما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْ لائِمَةِ النّاسِ مِن حَيْثُ إنَّ إخْوانَهُ المُرْسَلِينَ لَمْ تَكُنْ سِيرَتُهُمِ الَّتِي يَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِها ذَلِكَ، وهَذا كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّصْرِيحِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ وتَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ مَنشَأ التَّعْرِيضِ تَوْصِيفُ الأنْبِياءِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالاتِ وحَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى الخَشْيَةِ في أمْرِ التَّبْلِيغِ لِوُقُوعِها في سِياقِهِ وفِيهِ ما لا يَخْفى.
﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أيْ كافِيًا لِلْمَخاوِفِ أوْ مُحاسِبًا عَلى الكَبائِرِ والصَّغائِرِ مِن أفْعالِ القَلْبِ والجَوارِحِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْشى غَيْرُهُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما في هَذا الِاسْمِ الجَلِيلِ ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ جَوازِ التَّقِيَّةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُطْلَقًا، وخَصَّ ذَلِكَ بَعْضُ الشِّيعَةِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وجَعَلُوا ما وقَعَ مِنهُ ﷺ في هَذِهِ القِصَّةِ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ بِناءً عَلى أنَّ الخَشْيَةَ فِيهِ بِمَعْنى الخَوْفِ لا عَلى أنَّ المُرادَ الِاسْتِحْياءُ مِن قَوْلِ النّاسِ تَزَوَّجَ زَوْجَةِ اِبْنِهِ، كَما قالَهُ اِبْنُ فُورَكَ مِنَ التَّقِيَّةِ الجائِزَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، ولا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَ خَوْفِ المَقالَةِ القَبِيحَةِ وإساءَةِ الظَّنِّ وبَيْنَ خَوْفِ المَضارِّ في أنَّ كُلًّا يُبِيحُ التَّقِيَّةَ فِيما لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، ولَهم في التَّقِيَّةِ كَلامٌ طَوِيلٌ وهي لِأغْراضِهِمْ ظِلٌّ ظَلِيلٌ، والمُتَتَبِّعُ لِكُتُبِ الفِرَقِ يَعْرِفُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ فِيها إفْراطٌ وتَفْرِيطٌ وصَوابٌ وتَخْلِيطٌ، وأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ قَدْ سَلَكُوا فِيها الطَّرِيقَ الوَسَطَ وهو الطَّرِيقُ الأسْلَمُ الأمِينُ سالِكُهُ مِنَ الخَطَأِ والغَلَطِ، أمّا الإفْراطُ فَلِلشِّيعَةِ حَيْثُ جَوَّزُوا بَلْ أوْجَبُوا عَلى ما حُكِيَ عَنْهم إظْهارَ الكُفْرِ لِأدْنى مَخافَةٍ أوْ طَمَعٍ، وأمّا التَّفْرِيطُ فَلِلْخَوارِجِ والزَّيْدِيَّةِ حَيْثُ لا يُجَوِّزُونَ في مُقابَلَةِ الدِّينِ مُراعاةَ العِرْضِ وحِفْظِ النَّفْسِ والمالِ أصْلًا، ولِلْخَوارِجِ تَشْدِيداتٌ عَجِيبَةٌ في هَذا البابِ، وقَدْ سَبُّوا وطَعَنُوا بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيَّ أحَدَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يُحافِظُ فَرَسَهُ في صِلاتِهِ خَوْفًا مِن أنْ يَهْرُبَ.
ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ التَّقِيَّةَ وهي مُحافَظَةُ النَّفْسِ أوِ العِرْضِ أوِ المالِ مِن نَحْوِ الأعْداءِ بِإظْهارِ مَحْظُورٍ دِينِيٍّ مَشْرُوعَةٌ في الجُمْلَةِ.
وقَسَّمُوا العَدُوَّ إلى قِسْمَيْنِ:
الأوَّلُ: مَن كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى اِخْتِلافِ الدِّينِ كالمُسْلِمِ والكافِرِ، ويَلْحَقُ بِهِ مَن كانَتْ عَداوَتُهُ لِاخْتِلافِ المَذْهَبِ اِخْتِلافًا يَجُرُّ إلى تَكْفِيرِ أصْحابِ أحَدِ المَذْهَبَيْنِ أصْحابِ المَذْهَبِ الآخَرِ كَأهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ.
والثّانِي: مَن كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى أغْراضٍ دُنْيَوِيَّةٍ كالمالِ والمَرْأةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ التَّقِيَّةُ أيْضًا قِسْمَيْنِ:
أمّا الأوَّلُ: فالتَّقِيَّةُ مِمَّنْ كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى اِخْتِلافِ الدِّينِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا وقَدْ ذَكَرُوا في ذَلِكَ أنَّ مَن يَدَّعِي الإيمانَ إذا وقَعَ في مَحَلٍّ لا يُمْكِنُ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ وما هو عَلَيْهِ لِتَعَرُّضِ المُخالِفِينَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُهاجِرَ إلى مَحَلٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلى الإظْهارِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْكُنَ هُنالِكَ ويَكْتُمَ دِينَهُ بِعُذْرِ الِاسْتِضْعافِ
صفحة 29
فَأرْضُ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ، نَعَمْ إنْ كانَ لَهُ عُذْرٌ غَيْرُ ذَلِكَ كالعَمى والحَبْسِ وتَخْوِيفِ المُخالِفِ لَهُ بِقَتْلِهِ أوْ قَتْلِ ولَدِهِ أوْ أبِيهِ أوْ أُمِّهِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ القَتْلُ تَخْوِيفًا يُظَنُّ مَعَهُ وُقُوعُ ما خُوِّفَ بِهِ جازَ لَهُ السُّكْنى والمُوافَقَةُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ووَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ في الحِيلَةِ لِلْخُرُوجِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ التَّخْوِيفُ كَذَلِكَ كالتَّخْوِيفِ بِفَواتِ المَنفَعَةِ أوْ بِلُحُوقِ المَشَقَّةِ الَّتِي يُمْكِنُهُ تَحَمُّلُها كالحَبْسِ مَعَ القُوتِ والضَّرْبِ القَلِيلِ الغَيْرِ المُهْلِكِ لا يَجُوزُ لَهُ المُوافَقَةُ وإنْ تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مَوْتُهُ كانَ شَهِيدًا.
وأمّا الثّانِي: فالتَّقِيَّةُ مِمَّنْ كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى أغْراضٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وقَدِ اِخْتَلَفَ العُلَماءُ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ وعَدَمِهِ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ الهِجْرَةُ لِوُجُوبِ حِفْظِ المالِ والعِرْضِ، وقالَ جَمْعٌ: لا تَجِبُ إذِ الهِجْرَةُ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ مَصْلَحَةٌ مِنَ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يَعُودُ بِتَرْكِها نُقْصانٌ في الدِّينِ، إذِ العَدُوُّ المُؤْمِنُ كَيْفَما كانَ لا يَتَعَرَّضُ لِعَدُوِّهِ الضَّعِيفِ المُؤْمِنِ مِثْلَهُ بِالسُّوءِ مِن حَيْثُ هو مُؤْمِنٌ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى طَرِيقِ المُحاكَمَةِ: الحَقُّ أنَّ الهِجْرَةَ هاهُنا قَدْ تَجِبُ أيْضًا وذَلِكَ إذا خافَ هَلاكَ نَفْسِهِ أوْ أقارِبِهِ أوِ الإفْراطَ في هَتْكِ حُرْمَتِهِ، وقالَ: إنَّها مَعَ وُجُوبِها لَيْسَتْ عِبادَةً، إذِ التَّحْقِيقُ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ واجِبٍ عِبادَةً يُثابُ عَلَيْها فَإنَّ الأكْلَ عِنْدَ شِدَّةِ المَجاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَضَرّاتِ المَعْلُومَةِ أوِ المَظْنُونَةِ في المَرَضِ وعَنْ تَناوُلِ السُّمُوماتِ في حالِ الصِّحَّةِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ أُمُورٌ واجِبَةٌ ولا يُثابُ فاعِلُها عَلَيْها اه، وفِيهِ بَحْثٌ.
وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن زُبُرِ العُلَماءِ الأعْلامِ، ولَعَلَّ لَنا عَوْدَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِذِكْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى الهادِي لِسُلُوكِ أقْوَمِ المَسالِكِ.
بَقِيَ لَنا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ شَيْءٌ وهو ما قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ المُرْسَلِينَ الخالِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وقَدْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ [طه: 45] وهَلْ خَوْفُ ذَلِكَ إلّا خَشْيَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَما وجْهُ الجَمْعِ؟ قُلْتُ: أُجِيبَ بِأنَّ الخَشْيَةَ أخَصُّ مِنَ الخَوْفِ، قالَ الرّاغِبُ: الخَشْيَةُ خَوْفٌ يَشُوبُهُ تَعْظِيمٌ وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ بِما يُخْشى مِنهُ، وذَكَرَ في ذَلِكَ عِدَّةَ آياتٍ مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ونَفْيُ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ إثْباتِهِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ في الجَوابِ مِن أنَّ الخَشْيَةَ أخَصُّ مِنَ الخَوْفِ لِأنَّها الخَوْفُ الشَّدِيدُ والمَنفِيُّ في الآيَةِ هاهُنا هو ذَلِكَ لا مُطْلَقُ الخَوْفِ المُثْبَتِ فِيما حُكِيَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأجابَ آخَرُ بِأنَّ المُرادَ بِالخَشْيَةِ المَنفِيَّةِ الخَوْفُ الَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَ الفِكْرِ والنَّظَرِ ولَيْسَ مِنَ العَوارِضِ الطَّبِيعِيَّةِ البَشَرِيَّةِ، والخَوْفُ المُثْبَتُ هو الخَوْفُ العارِضُ بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ بادِئَ الرَّأْيِ، وكَمْ قَدْ عَرَضَ مِثْلُهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولِغَيْرِهِ مِن إخْوانِهِ وهو مِمّا لا نَقْصَ فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى كامِلٍ وهو جَوابٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما خافَ أنْ يُعَجِّلَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ بِما يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إتْمامِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ المُعْجِزَةِ فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ فَهو خَوْفٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِما نُفِيَ عَنِ المُرْسَلِينَ هو الخَوْفُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِمَعْنى أنْ يَخافَ غَيْرَهُ جَلَّ وعَلا فَيُخِلُّ بِطاعَتِهِ أوْ يُقْدِمُ عَلى مَعْصِيَتِهِ وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ، فَتَأمَّلْ، تَوَلّى اللَّهُ تَعالى هُداكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences