Al-AlusiAl‑Ahzab · 33:40

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:40

33:40Page 423

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠

Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ رَدٌّ لِمَنشَأِ خَشْيَتِهِ ﷺ النّاسَ المُعاتَبِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ وهو قَوْلُهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ اِبْنِهِ زَيْدٍ بِنَفْيِ كَوْنِ زَيْدٍ اِبْنَهُ الَّذِي يَحْرُمُ نِكاحُ زَوْجَتِهِ عَلَيْهِ ﷺ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَما سَتَعْرِفُهُ قَرِيبًا

صفحة 30

إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والرِّجالُ جَمْعُ رَجُلٍ بِضَمِّ الجِيمِ كَما هو المَشْهُورُ وسُكُونِهِ وهو عَلى ما في القامُوسِ الذَّكَرُ إذا اِحْتَلَمَ وشَبَّ أوْ هو رَجُلٌ ساعَةَ يُولَدُ، وفي بَعْضِ ظَواهِرِ الآياتِ والأخْبارِ ما هو مُؤَيِّدٌ لِلثّانِي نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [اَلنِّساءِ: 7] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ [اَلنِّساءِ: 12] ونَحْوَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««فَلِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ»».

والبَحْثُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ المُتَأخِّرِينَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأمْثِلَةِ لا يَدْفَعُ كَوْنَ الظّاهِرِ مِنها ذَلِكَ عِنْدَ المُنْصِفِ، وقَدْ يُذْكَرُ لِتَأْيِيدِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ [اَلنِّساءِ: 98] فَإنَّ الرِّجالَ فِيهِ لِلْبالِغِينَ، وفِيهِ بَحْثٌ، نَعَمْ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ -وهُوَ إمامٌ لَهُ قَدَمٌ راسِخَةٌ في اللُّغَةِ وغَيْرِها مِنَ العُلُومِ العَرَبِيَّةِ- يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ هو الذَّكَرُ البالِغُ، وأيًّا ما كانَ فَإضافَةُ رِجالٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الوِلادِ فَإنْ أُرِيدَ بِالرِّجالِ الذُّكُورُ البالِغُونَ فالمَعْنى ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن أبْنائِكم أيُّها النّاسُ الذُّكُورُ البالِغِينَ الَّذِينَ ولَدْتُمُوهُمْ، وإنْ أُرِيدَ بِهِمُ الذُّكُورُ مُطْلَقًا فالمَعْنى ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن أبْنائِكُمُ الَّذِينَ ولَدْتُمُوهم مُطْلَقًا كِبارًا كانُوا أوْ صِغارًا.

والأبُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ في الوالِدِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، والمُرادُ بِالأُبُوَّةِ المَنفِيَّةِ هُنا الأُبُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها أحْكامُ الأُبُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ مِنَ الإرْثِ ووُجُوبِ النَّفَقَةِ وحُرْمَةِ المُصاهَرَةِ سَواءٌ كانَتْ بِالوِلادَةِ أوْ بِالرِّضاعِ أوْ بِتَبَنِّي مَن يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وهو مَجْهُولُ النِّسَبِ فَحَيْثُ نُفِيَ كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أبا أحَدٍ مِن رِجالِهِمْ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَتِ الأُبُوَّةُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ زَيْدًا أحَدٌ مِن رِجالِهِمْ تَحَقَّقَ نَفْيُ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبًا لَهُ مُطْلَقًا، أمّا كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ أبًا لَهُ بِالوِلادَةِ فَمِمّا لا نِزاعَ فِيهِ ولَمْ يَتَوَهَّمْ أحَدٌ خِلافَهُ، ومِثْلُهُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ أبًا لَهُ بِالرِّضاعِ، وأمّا كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ أبًا لَهُ بِالتَّبَنِّي مَعَ تَحَقُّقِ تَبَنِّيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِأنَّ الأُبُوَّةَ بِالتَّبَنِّي الَّتِي نُفِيَتْ إنَّما هي الأُبُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وما كانَ مِنَ التَّبَنِّي لا يَسْتَتْبِعُها لِتَوَقُّفِها شَرْعًا عَلى شَرائِطَ، مِنها كَوْنُ المُتَبَنِّي مَجْهُولَ النِّسَبِ وذَلِكَ مُنْتَفٍ في زَيْدٍ فَقَدْ كانَ مَعْرُوفَ النِّسَبِ فِيما بَيْنَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أنَّهُ اِبْنُ حارِثَةَ، وتَعْمِيمُ نَفِيِ أُبُوَّتِهِ ﷺ لِأحَدٍ مِن رِجالِهِمْ بِحَيْثُ شَمِلَ نَفْيُ الأُبُوَّةِ بِالوِلادَةِ الأُبُوَّةَ بِالرِّضاعِ والأُبُوَّةَ بِالتَّبَنِّي مَعَ أنَّهُ لا كَلامَ في اِنْتِفاءِ الأُولَيَيْنِ، وإنَّما الكَلامُ في اِنْتِفاءِ الأخِيرَةِ فَقَطْ إذْ هي الَّتِي يَزْعُمُها مَن يَقُولُ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زَوْجَةَ اِبْنِهِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الأُبُوَّةِ بِالتَّبَنِّي الَّتِي زَعَمُوا تَرَتُّبَ أحْكامِ الأُبُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ عَلَيْها بِنَظْمِ ما خَفِيَ في سِلْكِ ما لا خَفاءَ فِيهِ أصْلًا.

ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ دُونَ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنَ الرِّجالِ أوْ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنكُمْ، ولَعَلَّهُ لِهَذا أيْضًا صَرَّحَ بِنَفْيِ أُبُوَّتِهِ ﷺ لِأحَدٍ مِن رِجالِهِمْ لِيُعْلَمَ مِنهُ نَفْيُ بُنُوَّةِ أحَدٍ مِن رِجالِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يَعْكِسِ الحالَ بِأنْ يُصَرِّحَ بِنَفْيِ بُنُوَّةِ أحَدٍ مِن رِجالِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيُعْلَمَ نَفْيُ أُبُوَّتِهِ ﷺ لِأحَدٍ مِن رِجالِهِمْ، ويُؤْتى بِما بَعْدُ عَلى وجْهٍ يَنْتَظِمُ مَعَ ما قَبْلُ وبِحَمْلِ الأُبُوَّةِ المَنفِيَّةِ عَلى الأُبُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ يَنْحَلُّ إشْكالٌ في الآيَةِ وهو أنَّ سِياقَها لِنَفْيِ أُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِزَيْدٍ لِيُرَدَّ بِهِ عَلى مَن يَعْتَرِضُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِتَزَوُّجِهِ مُطَلَّقَتَهُ، فَإنْ أُرِيدَ بِالأُبُوَّةِ الأُبُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ اللُّغَوِيَّةُ وهي ما يَكُونُ بِالوِلادَةِ لَمْ تُلائِمِ السِّياقَ ولَمْ يَحْصُلْ بِها الرَّدُّ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ هو المَقْصُودُ إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَزْعُمُ ويَتَوَهَّمُ أنَّهُ ﷺ كانَ أبا زَيْدٍ بِالوِلادَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأُبُوَّةُ المَجازِيَّةُ الَّتِي تُحَقَّقُ بِالتَّبَنِّي ونَحْوِهِ فَنَفْيُها غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ

صفحة 31

أبًا لِزَيْدٍ مَجازًا لِتَبَنِّيهِ إيّاهُ ولَمْ يَزَلْ زَيْدٌ يُدْعى بِابْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ [اَلْأحْزابِ: 5] فَدَعَوْهُ حِينَئِذٍ بِابْنِ حارِثَةَ، ووَجْهُ اِنْحِلالِهِ بِما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُرادَ بِالأُبُوَّةِ الأُبُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ أنَّ هَذِهِ الأُبُوَّةَ تَكُونُ بِالوِلادَةِ وبِالرِّضاعِ وبِالتَّبَنِّي بِشَرْطِهِ وهي بِأنْواعِها غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ في زَيْدٍ، أمّا عَدَمُ تَحَقُّقِها بِالنَّوْعَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ تَحَقُّقِها بِالنَّوْعِ الأخِيرِ فَلِأنَّ التَّبَنِّيَ وإنْ وقَعَ إلّا أنَّ شَرْطَهُ الَّذِي بِهِ يَسْتَتْبِعُ الأُبُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَفْقُودٌ كَما عَلِمْتَ، وبِجَعْلِ إضافَةِ الرِّجالِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الوِلادَةِ يَنْدَفِعُ اِسْتِشْكالُ النَّفْيِ المَذْكُورِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ وُلِدَ لَهُ عِدَّةُ ذُكُورٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ النَّفْيُ لِأنَّ مَن وُلِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مُضافًا لِلْمُخاطِبِينَ بِاعْتِبارِ الوِلادَةِ بَلْ هو مُضافٌ إلَيْهِ ﷺ بِاعْتِبارِهِ، ومَن خَصَّ الرِّجالَ بِالبالِغِينَ قالَ: لا يَنْتَقِضُ العُمُومُ بِذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ مَن وُلِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ماتَ صَغِيرًا ولَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الرِّجالِ، وقِيلَ: لا إشْكالَ في ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لَهُ اِبْنٌ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عَلى ما نُقِلَ عَنِ اِبْنِ الأثِيرِ في تارِيخِ الكامِلِ السَّنَةَ الخامِسَةَ مِنَ الهِجْرَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وفِيها تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ، ومَن وُلِدَ لَهُ ﷺ مِنَ الذُّكُورِ مِمَّنْ عَدا إبْراهِيمَ فَإنَّما وُلِدَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وتُوُفِّيَ فِيها، وإبْراهِيمُ وإنْ وُلِدَ بِالمَدِينَةِ لَكِنْ وُلِدَ السَّنَةَ الثّامِنَةَ مِنَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا يَوْمَ النُّزُولِ بَلْ بَعْدَهُ، وهو كَما تَرى.

وكَما اِسْتَشْكَلَ النَّفْيُ بِما ذُكِرَ اِسْتَشْكَلَ بِالحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أبًا لَهُما حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، ولَمْ يَرْتَضِ بَعْضُهم هُنا الجَوابَ بِخُرُوجِهِما بِالإضافَةِ لِأنَّ لَهُما نِسْبَةً إلى المُخاطِبِينَ بِاعْتِبارِ الوِلادَةِ لِدُخُولِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فِيهِمْ وهُما ولَداهُ، وارْتَضاهُ آخَرُ بِناءً عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلِاخْتِصاصِ بِاعْتِبارِ الوِلادَةِ ولا اِخْتِصاصَ لِلْحَسَنَيْنِ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِاعْتِبارِها لَمّا أنَّهُما ولَدا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْضًا لَكِنْ بِالواسِطَةِ، فَإنْ قُبِلَ هَذا فَذاكَ وإلّا فالجَوابُ، أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِالرِّجالِ البالِغُونَ ولَمْ يَكُونا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَوْمَ النُّزُولِ كَذَلِكَ فَإنَّ الحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وُلِدَ السَّنَةَ الثّالِثَةَ مِنَ الهِجْرَةِ، والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وُلِدَ السَّنَةَ الرّابِعَةَ مِنها لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِن شَعْبانَ وقَدْ عَلِقَتْ بِهِ أُمُّهُ عَقِبَ وِلادَةِ أخِيهِ بِخَمْسِينَ لَيْلَةً أوْ أقَلَّ وكانَ النُّزُولُ بَعْدَ وِلادَتِهِما عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِالأبِ في الآيَةِ الأبُ الصُّلْبُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ أباهُما كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.

وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ سِوى نَفْيِ أُبُوَّتِهِ ﷺ لِأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ بِالتَّبَنِّي لِتَنْتَفِيَ أُبُوَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِزَيْدٍ الَّتِي يَزْعُمُها المُعْتَرِضُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ سَوْقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم كَما زَعَمْتُمْ حَيْثُ قُلْتُمْ إنَّهُ أبُو زَيْدٍ لِتَبَنِّيهِ إيّاهُ وهي ساكِتَةٌ عَنْ نَفْيِ أُبُوَّتِهِ ﷺ لِأحَدٍ بِالوِلادَةِ أوْ بِالرِّضاعِ وعَنْ إثْباتِها، فَلا سُؤالَ بِمَن وُلِدَ لَهُ ﷺ مِنَ الذُّكُورِ ولا بِالحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولا جَوابَ، وإلى اِخْتِيارِ هَذا يَمِيلُ كَلامُ أبِي حَيّانَ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبُو المُؤْمِنِينَ حَكاهُ صاحِبُ الرَّوْضَةِ، ثُمَّ قالَ: ونَصَّ الشّافِعِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ ﷺ أبُو المُؤْمِنِينَ أيْ في الحُرْمَةِ ونَحْوِها، وقالَ الرّاغِبُ بَعْدَ أنْ قالَ الأبُ الوالِدُ ما نَصُّهُ: ويُسَمّى كُلُّ مَن كانَ سَبَبًا في إيجادِ شَيْءٍ أوْ إصْلاحِهِ أوْ ظُهُورِهِ أبًا ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أبا المُؤْمِنِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [اَلْأحْزابِ: 6] وفي بَعْضِ القِراءاتِ «وهُوَ أبٌ لَهُمْ». ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «أنا وأنْتَ أبَوا هَذِهِ الأُمَّةِ»» وإلى هَذا أشارَ ﷺ بِقَوْلِهِ:

صفحة 32

««كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا سَبَبِي ونَسَبِي»» اه، فَلا تَغْفُلْ.

وعَلى جَوازِ الإطْلاقِ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ اِسْتِدْراكٌ مِن نَفْيِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبا أحَدٍ مِن رِجالِهِمْ عَلى وجْهٍ يَقْتَضِي حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ ونَحْوَها إلى إثْباتِ كَوْنِهِ ﷺ أبًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ فِيما يَرْجِعُ إلى وُجُوبِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ لَهُ ﷺ ووُجُوبِ الشَّفَقَةِ والنَّصِيحَةِ لَهم عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّ كُلَّ رَسُولٍ أبٌ لِأُمَّتِهِ فِيما يَرْجِعُ إلى ذَلِكَ، وحاصِلُهُ أنَّهُ اِسْتِدْراكٌ مِن نَفْيِ الأُبُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ ونَحْوُها إلى إثْباتِ الأُبُوَّةِ المَجازِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْتَضِي التَّوْقِيرَ مِن جانِبِهِمْ والشَّفَقَةَ مِن جانِبِهِ ﷺ وقِيلَ في تَوْجِيهِ الِاسْتِدْراكِ أيْضًا إنَّهُ لَمّا نُفِيَتْ أُبُوَّتُهُ ﷺ لِأحَدٍ مِن رِجالِهِمْ مَعَ اِشْتِهارِ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ أبٌ لِأُمَّتِهِ ولِذا قِيلَ: إنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هُودٍ: 78] المُؤْمِناتِ مِن أمَتِّهِ، يُتَوَهَّمُ نَفْيُ رِسالَتِهِ ﷺ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ التَّلازُمِ بَيْنَ الأُبُوَّةِ والرِّسالَةِ فاسْتَدْرَكٌ بِإثْباتِ الرِّسالَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأُبُوَّةَ المَنفِيَّةَ شَيْءٌ والمُثْبَتَةَ لِلرَّسُولِ شَيْءٌ آخَرُ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ جِيءَ بِهِ لِيُشِيرَ إلى كَمالِ نُصْحِهِ وشَفَقَتِهِ ﷺ فَيُفِيدُ أنَّ أُبُوَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْأُمَّةِ المُشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أُبُوَّةٌ كامِلَةٌ فَوْقَ أُبُوَّةِ سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأُمَمِهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّسُولَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ رَسُولٌ رُبَّما لا يَبْلُغُ في الشَّفَقَةِ غايَتَها وفي النَّصِيحَةِ نِهايَتَها اِتِّكالًا عَلى مَن يَأْتِي بَعْدَهُ كالوالِدِ الحَقِيقِيِّ إذا عُلِمَ أنَّ لِوَلَدِهِ بَعْدَهُ مَن يَقُومُ مَقامَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى اِمْتِدادِ تِلْكَ الأُبُوَّةِ المُشارِ إلَيْها بِما قَبْلُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ بِحَيْثُ تَثْبُتُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ ولَكِنْ كانَ أبا كُلِّ واحِدٍ مِنكم وأبا أبْنائِكم وأبْناءِ أبْنائِكم وهَكَذا إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ لَهُ عَلَيْكم وعَلى مَن تَناسَلَ مِنكُمُ اِحْتِرامُهُ وتَوْقِيرُهُ ويَجِبُ عَلَيْهِ لَكم ولِمَن تَناسَلَ مِنكُمُ الشَّفَقَةُ والنُّصْحُ الكامِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ مِن أنَّهُ ﷺ يَكُونُ أبا أحَدٍ مِن رِجالِهِ الَّذِينَ وُلِدُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُولَدَ لَهُ ذَكَرٌ فَيَعِيشُ حَتّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ الرِّجالِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعِيشُ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ حَتّى يَبْلُغَ لِأنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَكانَ مَنصِبُهُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا فَلا يَكُونُ هو ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ ويُرادُ بِالأبِ عَلَيْهِ الأبُ الصُّلْبُ لِئَلّا يُعْتَرَضَ بِالحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ودَلِيلُ الشَّرْطِيَّةِ ما رَواهُ إبْراهِيمُ السُّدِّيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ - يَعْنِي اِبْنَ النَّبِيِّ ﷺ- قَدْ مَلَأ المَهْدَ ولَوْ بَقِيَ لَكانَ نَبِيًّا لَكِنْ لَمْ يَبْقَ لِأنَّ نَبِيَّكم آخِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وجاءَ نَحْوُهُ في رِواياتٍ أُخَرَ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: رَأيْتَ إبْراهِيمَ اِبْنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قالَ: ماتَ صَغِيرًا، ولَوْ قَضى بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ عاشَ اِبْنُهُ إبْراهِيمُ ولَكِنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ وكِيعٍ عَنْ إسْماعِيلَ سَمِعْتُ اِبْنَ أبِي أوْفى يَقُولُ: لَوْ كانَ بَعْدَ النَّبِيِّ نَبِيٌّ ما ماتَ اِبْنُهُ.

وأخْرَجَ اِبْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ «لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ اِبْنُ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ:

صفحة 33

«إنَّ لَهُ مُرْضِعًا في الجَنَّةِ، ولَوْ عاشَ لَكانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، ولَوْ عاشَ لَأُعْتِقَتْ أخْوالُهُ مِنَ القِبْطِ وما اِسْتَرَقَ قِبْطِيٌّ»»

وفِي سَنَدِهِ أبُو شَيْبَةَ إبْراهِيمُ بْنُ عُثْمانَ الواسِطِيُّ وهو عَلى ما قالَ القَسْطَلانِيُّ ضَعِيفٌ، ومِن طَرِيقِهِ أخْرَجَهُ اِبْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ، وقالَ: إنَّهُ غَرِيبٌ، وكَأنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَقِفْ عَلى هَذا الخَبَرِ المَرْفُوعِ أوْ نَحْوِهِ أوْ وقَفَ عَلَيْهِ ولَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ فَقالَ في تَهْذِيبِ الأسْماءِ واللُّغاتِ: وأمّا ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ: لَوْ عاشَ إبْراهِيمُ لَكانَ نَبِيًّا فَباطِلٌ وجَسارَةٌ عَلى الكَلامِ عَلى المُغَيَّباتِ ومُجازَفَةٌ وهُجُومٌ عَلى عَظِيمٍ، ومِثْلُهُ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ فَقَدْ قالَ في التَّمْهِيدِ: لا أدْرِي ما هَذا فَقَدْ ولَدَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ نَبِيٍّ، ولَوْ لَمْ يَلِدِ النَّبِيُّ إلّا نَبِيًّا لَكانَ كُلُّ أحَدٍ نَبِيًّا لِأنَّهم مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنا أقُولُ: لا يُظَنُّ بِالصَّحابِيِّ الهُجُومُ عَلى الأخْبارِ عَنْ مِثْلِ هَذا الأمْرِ بِالظَّنِّ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ إلّا عَنْ تَوْقِيفٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإذا صَحَّ حَدِيثُ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المَرْفُوعُ اِرْتَفَعَ الخِصامُ، لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا الأمْرَ في إبْراهِيمَ خاصَّةً بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لَوْ عاشَ لَجَعَلَهُ جَلَّ وعَلا نَبِيًّا لا لِكَوْنِهِ اِبْنَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِأمْرٍ هو جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ أعْلَمُ و﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [اَلْأنْعامِ: 124] وحِينَئِذٍ يُرَدُّ عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ أعْنِي قَوْلَهُ لِأنَّهُ: لَوْ بَلَغَ لَكانَ مَنصِبُهُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، مَنعٌ ظاهِرٌ، والدَّلِيلُ الَّذِي سِيقَ فِيما سَبَقَ لا يُثْبِتُها لِما أنَّ ظاهِرَهُ الخُصُوصُ فَيَجُوزُ أنْ يَبْلُغَ ولَدٌ ذَكَرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرَ إبْراهِيمَ ولا يَكُونُ نَبِيًّا لِعَدَمِ أهْلِيَّتِهِ لِلنُّبُوَّةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَوْ عاشَ.

وقَوْلُ بَعْضِ الأفاضِلِ: لَيْسَ مَبْنًى تِلْكَ الشُّرْطِيَّةِ عَلى اللُّزُومِ العَقْلِيِّ والقِياسِ المَنطِقِيِّ بَلْ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ وهي أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أكْرَمَ بَعْضَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِجَعْلِ أوْلادِهِمْ أنْبِياءَ كالخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَبِيُّنا ﷺ أكْرَمُهم عَلَيْهِ وأفْضَلُهم عِنْدَهُ فَلَوْ عاشَ أوْلادُهُ اِقْتَضى تَشْرِيفُ اللَّهِ تَعالى لَهُ وأفْضَلِيَّتُهُ عِنْدَهُ ذَلِكَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنّا نَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِن إكْرامِ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِنُبُوَّةِ الأوْلادِ وكَوْنِ نَبِيِّنا ﷺ أكْرَمَهم وأفْضَلَهُمِ اِقْتِضاءُ التَّشْرِيفِ والأفْضَلِيَّةِ نُبُوَّةَ أوْلادِهِ لَوْ عاشُوا وبَلَغُوا لِيُقالَ إنَّ حِكْمَةَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ لِكَوْنِها أجَلَّ وأعْظَمَ مَنَعَتْ مِن أنْ يَعِيشُوا فَيُنَبَّؤُوا، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمَ بَعْضَ الرُّسُلِ بِجَعْلِ بَعْضِ أقارِبِهِمْ في حَياتِهِمْ وبَعْدَ مَماتِهِمْ أنْبِياءَ مُعِينِينَ لَهم ومُؤَيِّدِينَ لِشَرِيعَتِهِمْ غَيْرَ مُخالِفِينَ لَها في أصْلٍ أوْ فَرْعٍ كَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُهم وأفْضَلُهم ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ عُوِّضَ ﷺ عَنْهُ بِأنْ جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ مِن أقارِبِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ عُلَماءَ أجِلّاءَ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ««أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي»».

قُلْنا: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُبْقِيَ سُبْحانُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلادًا ذُكُورًا بالِغِينَ ويُعَوِّضَهُ عَنْ نُبُوَّتِهِمُ الَّتِي مَنَعَتْ عَنْها حِكْمَةُ الخاتَمِيَّةِ نَحْوَ ما عَوَّضَهُ عَنْ نُبُوَّةِ بَعْضِ أقارِبِهِ الَّتِي مَنَعَتْ عَنْها تِلْكَ الحِكْمَةُ، وذَلِكَ أقْرَبُ لِمُقْتَضى التَّشْرِيفِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المُلازَمَةُ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الآيَةِ لِأنَّهُ لَوْلاها لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْراكِ مَعْنًى إذْ لَكِنْ تَتَوَسَّطُ بَيْنَ مُتَقابِلِينَ فَلا بُدَّ مِن مُنافاةِ بُنُوَّتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وهو إنَّما يَكُونُ بِاسْتِلْزامِ بُنُوَّتِهِمْ نُبُوَّتَهُمْ، ولا يَقْدَحُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كَما يُتَوَهَّمُ لِأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ رِسالَتُهم لَكانَتْ إمّا في عَصْرِهِ ﷺ وهي تُنافِي رِسالَتَهُ، أوْ بَعْدَهُ وهي تُنافِي

صفحة 34

خاتَمِيَّتَهُ اه.

وفِيهِ أنَّ المُلازِمَةَ في قَوْلِهِ: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْراكِ مَعْنًى، مَمْنُوعَةٌ، والدَّلِيلُ المَذْكُورُ لَمْ يُثْبِتْها لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مَعْنى الِاسْتِدْراكِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، عَلى أنَّ فِيما ذَكَرَهُ بَعْدُ ما لا يَخْفى، وقِيلَ في تَوْجِيهِ الِاسْتِدْراكِ: إنَّهُ لَمّا كانَ عَدَمُ النَّسْلِ مِنَ الذُّكُورِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَبْقى حُكْمُهُ ﷺ ولا يَدُومُ ذِكْرُهُ اُسْتُدْرِكَ بِما ذُكِرَ وهو كَما تَرى.

وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ الِاسْتِدْراكُ بِ لَكِنْ هُنا بِمَعْنى رَفْعِ التَّوَهُّمِ النّاشِئِ مِن أوَّلِ الكَلامِ كَما في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ كَرِيمًا لَكِنْ شُجاعًا بَلْ بِمَعْنى أنْ يَثْبُتَ لِما بَعْدَها حُكْمٌ مُخالِفٌ لِما قَبْلَها نَحْوُ: ما هَذا ساكِنًا لَكِنْ مُتَحَرِّكًا، وما هَذا أبْيَضَ لَكِنْ أسْوَدَ، وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في بَعْضِ آيِ الكِتابِ الكَرِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [اَلْأعْرافِ: 67] فَإنَّ نَفْيَ السَّفاهَةِ لا يُوهِمُ اِنْتِفاءَ الرِّسالَةِ ولا اِنْتِفاءَ ما يَلْزَمُها مِنَ الهُدى والتَّقْوى حَتّى يُجْعَلَ اِسْتِدْراكًا بِالمَعْنى الأوَّلِ، اه فَلْيُتَأمَّلْ.

ومِنَ العَجِيبِ أنَّ اِبْنَ حَجَرٍ الهَيْتَمِيَّ قالَ في (فَتاواهُ الحَدِيثِيَّةِ): إنَّهُ لا بُعْدَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ لِإبْراهِيمَ اِبْنِ النَّبِيِّ ﷺ في صِغَرِهِ وقَدْ ثَبُتَ في الصِّغَرِ لِعِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ السُّبْكِيِّ كَلامًا في حَدِيثِ: ««كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» حاصِلُهُ أنَّ حَقِيقَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تَكُونُ مِن قَبْلِ آدَمَ آتاها اللَّهُ تَعالى النُّبُوَّةَ بِأنْ خَلَقَها مُهَيَّأةً لَها وأفاضَها عَلَيْها مِن ذَلِكَ الوَقْتِ وصارَ نَبِيًّا، ثُمَّ قالَ: وبِهِ يُعْلَمُ تَحْقِيقُ نُبُوَّةِ سَيِّدِنا إبْراهِيمَ في حالِ صِغَرِهِ، اه وفِيهِ بَحْثٌ.

وخَبَرُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أدْخَلَ يَدَهُ في قَبْرِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ وقالَ: «أما واَللَّهِ إنَّهُ لَنَبِيٌّ اِبْنُ نَبِيٍّ»» في سَنَدِهِ مَن لَيْسَ بِالقَوِيِّ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِيُتَكَلَّفَ لِتَأْوِيلِهِ.

والخاتَمُ اِسْمُ آلَةٍ لِما يُخْتَمُ بِهِ كالطّابَعِ لِما يُطْبَعُ بِهِ فَمَعْنى خاتَمُ النَّبِيِّينَ الَّذِي خَتَمَ النَّبِيُّونَ بِهِ ومَآلُهُ آخِرُ النَّبِيِّينَ، وقالَ المُبَرِّدُ: «خاتَمَ» فِعْلٌ ماضٍ عَلى فاعِلٍ وهو في مَعْنى خَتَمَ النَّبِيِّينَ فَ (النَّبِيِّينَ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ «وخاتِمَ» بِكَسْرِ التّاءِ عَلى أنَّهُ اِسْمُ فاعِلٍ أيِ الَّذِي خَتَمَ النَّبِيِّينَ، والمُرادُ بِهِ آخِرُهم أيْضًا، وفي حَرْفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ: ولَكِنْ نَبِيًّا خَتَمَ النَّبِيِّينَ، والمُرادُ بِالنَّبِيِّ ما هو أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ فَيَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ كَوْنُهُ خاتَمَ المُرْسَلِينَ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَهُمِ اِنْقِطاعُ حُدُوثِ وصْفِ النُّبُوَّةِ في أحَدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ بَعْدَ تَحَلِّيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِها في هَذِهِ النَّشْأةِ.

ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ واشْتُهِرَتْ فِيهِ الأخْبارُ ولَعَلَّها بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ المَعْنَوِيِّ ونَطَقَ بِهِ الكُتّابُ عَلى قَوْلٍ ووَجَبَ الإيمانُ بِهِ وأُكْفِرَ مُنْكَرُهُ كالفَلاسِفَةِ مِن نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ آخِرَ الزَّمانِ لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا قَبْلَ تَحَلِّي نَبِيِّنا ﷺ بِالنُّبُوَّةِ في هَذِهِ النَّشْأةِ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في بَقاءِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّتِهِ وبَقائِهِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ يَنْزِلُ باقٍ عَلى نَبُّوتِهِ السّابِقِةِ لَمْ يُعْزَلْ عَنْها قالَ لَكِنَّهُ لا يُتَعَبَّدُ بِها لِنَسْخِها في حَقِّهِ وحَقِّ غَيْرِهِ وتَكْلِيفِهِ بِأحْكامِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أصْلًا وفَرْعًا فَلا يَكُونُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْيٌ ولا نَصْبُ أحْكامٍ بَلْ يَكُونُ خَلِيفَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحاكِمًا مِن حُكّامِ مِلَّتِهِ بَيْنَ أُمَّتِهِ بِما عَلَّمَهُ في السَّماءِ قَبْلَ نُزُولِهِ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في بَعْضِ الآثارِ أوْ يُنْظَرُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُقَصِّرُ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهادِ المُؤَدِّي إلى اِسْتِنْباطِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أيّامَ مُكْثِهِ في الأرْضِ مِنَ الأحْكامِ وكَسْرِهِ الصَّلِيبَ وقَتْلِهِ الخِنْزِيرَ ووَضْعِهِ الجِزْيَةَ وعَدَمِ قَبُولِها مِمّا عُلِمَ مِن شَرِيعَتِنا صَوابِيَّتُهُ في قَوْلِهِ

صفحة 35

ﷺ: ««إنَّ عِيسى يَنْزِلُ حَكَمًا عَدْلًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَضَعُ الجِزْيَةَ»»

فَنُزُولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غايَةً لِإقْرارِ الكَفّارِ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ ثُمَّ لا يَقْبَلُ إلّا الإسْلامَ، لا نَسْخٌ لَها، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ إبْراهِيمُ اللَّقانِيُّ في (هِدايَةُ المُرِيدِ لِجَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ)، وقَوْلُهُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ يَنْزِلُ باقٍ عَلى نُبُوَّتِهِ السّابِقَةِ لَمْ يُعْزَلْ عَنْهُ بِحالٍ لَكِنَّهُ لا يُتَعَبَّدُ بِها الخ، أحْسَنُ مِن قَوْلِ الخَفاجِيِّ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ عَلى دِينِ نَبِيِّنا ﷺ اِنْسِلاخُهُ عَنْ وصْفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ بِأنْ يُبَلِّغَ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ الوَحْيِ وإنَّما يَحْكُمُ بِما يَتَلَقّى عَنْ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذا لَمْ يَتَقَدَّمْ لِإمامَةِ الصَّلاةِ مَعَ المَهْدِيِّ ولا أظُنُّهُ عَنى بِالِانْسِلاخِ عَنْ وصْفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ عَزْلَهُ عَنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ إطْلاقُ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْزَلَ رَسُولٌ أوْ نَبِيٌّ عَنِ الرِّسالَةِ أوِ النُّبُوَّةِ بَلْ أكادُ لا أتَعَقَّلُ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ لا يَبْقى لَهُ وصْفُ تَبْلِيغِ الأحْكامِ عَنْ وحْيٍ كَما كانَ لَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ، فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ رَسُولٌ قَبْلَ الرَّفْعِ وفي السَّماءِ وبَعْدَ النُّزُولِ وبَعْدَ المَوْتِ أيْضًا، وبَقاءُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ بَعْدَ المَوْتِ في حَقِّهِ وحَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقِيقَةٌ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، فَإنَّ المُتَّصِفَ بِهِما وكَذا بِالإيمانِ هو الرُّوحُ وهي باقِيَةٌ لا تَتَغَيَّرُ بِمَوْتِ البَدَنِ، نَعَمْ ذَهَبَ الأشْعَرِيُّ كَما قالَ النَّسَفِيُّ إلى أنَّهُما بَعْدَ المَوْتِ باقِيانِ حُكْمًا، وما أفادَهُ كَلامُ اللَّقانِيِّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْكُمُ بِما عُلِّمَ في السَّماءِ قَبْلَ نُزُولِهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ قَدْ أفادَهُ السَّفارِينِيُّ في (اَلْبُحُورِ الزّاخِرَةِ) وهو الَّذِي أمِيلُ لَهُ، وأمّا أنَّهُ يَجْتَهِدُ ناظِرًا في الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَبَعِيدٌ وإنْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ فَوْقَ ما أُوتِيَ مُجْتَهَدُو الأُمَمِ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِاجْتِهادُ بِكَثِيرٍ إذْ قَدْ ذَهَبَ مُعْظَمُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ حِينَ يَنْزِلُ يُصَلِّي وراءَ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَلاةَ الفَجْرِ وذَلِكَ الوَقْتُ يَضِيقُ عَنِ اِسْتِنْباطِ ما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الصَّلاةُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ.

نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عُلِّمَ في السَّماءِ بَعْضًا ووُكِّلَ إلى الِاجْتِهادِ والأخْذِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ في بَعْضٍ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْخُذُ الأحْكامَ مِن نَبِيِّنا ﷺ شَفاهًا بَعْدَ نُزُولِهِ وهو في قَبْرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُيِّدَ بِحَدِيثِ أبِي يَعْلى: ««واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْزِلَنَّ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ لَئِنْ قامَ عَلى قَبْرِي وقالَ يا مُحَمَّدُ لَأُجِيبَنَّهُ»».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском