Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:40, continued
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُوحانِيَّةً ولا بِدَعَ في ذَلِكَ فَقَدْ وقَعَتْ رُؤْيَتُهُ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ لِغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الكامِلِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ والأخْذُ مِنهُ يَقَظَةً، قالَ الشَّيْخُ سِراجُ الدِّينَ بْنُ المُلَقِّنِ فِي(طَبَقاتِ الأوْلِياءِ): قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ الكِيلانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الظُّهْرِ فَقالَ لِي: يا بُنَيَّ لِمَ لا تَتَكَلَّمُ؟ قُلْتُ: يا أبَتاهُ أنا رَجُلٌ أعْجَمُ، كَيْفَ أتَكَلَّمُ عَلى فُصَحاءِ، بَغْدادَ فَقالَ: اِفْتَحْ فاكَ فَفَتَحْتُهُ فَتَفَلَ فِيهِ سَبْعًا وقالَ: تَكَلَّمْ عَلى النّاسِ وادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ فَصَلَّيْتُ الظَّهْرَ وجَلَسْتُ وحَضَرَنِي خَلْقٌ كَثِيرٌ فارْتَجَّ عَلَيَّ فَرَأيْتُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قائِمًا بِإزائِي في المَجْلِسِ فَقالَ لِي: يا بُنَيَّ لِمَ لا تَتَكَلَّمُ؟ قُلْتُ: يا أبَتاهُ قَدْ اِرْتَجَّ عَلَيَّ، فَقالَ: اِفْتَحْ فاكَ فَفَتَحْتُهُ فَتَفَلَ فِيهِ سِتًّا فَقُلْتُ: لِمَ لا تُكْمِلُها سَبْعًا، قالَ: أدَبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَوارى عَنِّي، فَقُلْتُ: غَوّاصُ الفِكَرِ يَغُوصُ في بَحْرِ القَلْبِ عَلى دُرَرِ المَعارِفِ فَيَسْتَخْرِجُها إلى ساحِلِ الصَّدْرِ فَيُنادِي عَلَيْها سِمْسارُ تُرْجُمانِ اللِّسانِ فَتَشْتَرِي بِنَفائِسِ أثْمانٍ حُسْنَ الطّاعَةِ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ، وقالَ أيْضًا في تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ خَلِيفَةَ بْنِ مُوسى (اَلنَّهْرُ مِلْكِي): كانَ كَثِيرَ الرُّؤْيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ
صفحة 36
الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقِظَةً ومَنامًا فَكانَ يُقالُ: إنَّ أكْثَرَ أفْعالِهِ يَتَلَقّاهُ مِنهُ ﷺ يَقِظَةً ومَنامًا ورَآهُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً قالَ لَهُ في إحْداهُنَّ: يا خَلِيفَةُ لا تَضْجَرْ مِنِّي فَكَثِيرٌ مِنَ الأوْلِياءِ ماتَ بِحَسْرَةِ رُؤْيَتِي، وقالَ الشَّيْخُ تاجُ الدِّينِ بْنُ عَطاءِ اللَّهِ في (لَطائِفِ المِنَنِ): قالَ رَجُلٌ لِلشَّيْخِ أبِي العَبّاسِ المُرْسِي يا سَيِّدِي صافِحْنِي بِكَفِّكَ هَذِهِ فَإنَّكَ لَقِيتَ رِجالًا وبِلادًا فَقالَ: واَللَّهِ ما صافَحْتُ بِكَفِّي هَذِهِ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: وقالَ الشَّيْخُ لَوْ حُجِبَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرْفَةَ عَيْنٍ ما عَدَدْتُ نَفْسِي مِنَ المُسْلِمِينَ، ومِثْلُ هَذِهِ النُّقُولِ كَثِيرٌ مِن كُتُبِ القَوْمِ جِدًّا.
وفِي (تَنْوِيرِ الحَلَكِ) لِجَلالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ الَّذِي رَدَّ بِهِ عَلى مُنْكِرِي رُؤْيَتِهِ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ في اليَقَظَةِ طَرَفٌ مُعْتَدٌّ بِهِ مِن ذَلِكَ، وبَدَأ في الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن رَآنِي في المَنامِ فَسَيَرانِي في اليَقَظَةِ ولا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطانُ بِي»،» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِثْلَهُ مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيِّ ومِن حَدِيثِ أبِي بَكَرَةَ، وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ مِثْلَهُ مِن حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ.
ولِلْمُنْكِرِينَ اِخْتِلافٌ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: المُرادُ فَسَيَرانِي في القِيامَةِ فَهُناكَ اليَقَظَةُ الكامِلَةُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ النّاسُ نِيامٌ فَإذا ماتُوا اِنْتَبَهُوا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في هَذا التَّخْصِيصِ لِأنَّ كُلَّ أُمَّتِهِ يَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَن رَآهُ مِنهم في المَنامِ ومَن لَمْ يَرَهُ، وقِيلَ: المُرادُ الرُّؤْيَةُ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ القُرْبِ والحُظْوَةِ مِنهُ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ حُصُولِ الشَّفاعَةِ لَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَن مَن آمَنَ بِهِ في حَياتِهِ ولَمْ يَرَهُ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ غائِبًا عَنْهُ فَيَكُونُ الخَبَرُ مُبَشِّرًا لَهُ بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَراهُ في اليَقَظَةِ يَعْنِي بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وقِيلَ: بِعَيْنِ قَلْبِهِ حَكاهُما القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، وقالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي جَمْرَةَ في تَعْلِيقِهِ عَلى الأحادِيثِ الَّتِي اِنْتَقاها مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ: هَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يَراهُ ﷺ في النَّوْمِ فَسَيَراهُ في اليَقَظَةِ، وهَلْ هَذا عَلى عُمُومِهِ في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ هَذا كانَ في حَياتِهِ، وهَلْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَن رَآهُ مُطْلَقًا أوْ خاصٌّ بِمَن فِيهِ الأهْلِيَّةُ والِاتِّباعُ لِسُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اللَّفْظُ يُعْطِي العُمُومَ ومَن يَدَّعِي الخُصُوصَ فِيهِ بِغَيْرِ مُخَصَّصٍ مِنهُ ﷺ فَمُتَعَسِّفٌ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذُكِرَ عَنِ السَّلَفِ والخَلَفِ وهَلُمَّ جَرًّا مِمَّنْ كانُوا رَأوْهُ ﷺ في النَّوْمِ وكانُوا مِمَّنْ يُصَدِّقُونَ بِهَذا الحَدِيثِ فَرَأوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ في اليَقَظَةِ وسَألُوهُ عَنْ أشْياءَ كانُوا مِنها مُتَشَوِّشِينَ فَأخْبَرَهم بِتَفْرِيجِها ونَصَّ لَهم عَلى الوُجُوهِ الَّتِي مِنها يَكُونُ فَرَجُها فَجاءَ الأمْرُ كَذَلِكَ بِلا زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ، اِنْتَهى المُرادُ مِنهُ، ثُمَّ إنَّ رُؤْيَتَهُ ﷺ يَقَظَةً عِنْدَ القائِلِينَ بِها أكْثَرُ ما تَقَعُ بِالقَلْبِ ثُمَّ يَتَرَقّى الحالُ إلى أنْ يُرى بِالبَصَرِ، واخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ المَرْئِيِّ فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَرْئِيُّ ذاتُ المُصْطَفى ﷺ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ، وأكْثَرُ أرْبابِ الأحْوالِ عَلى أنَّهُ مِثالُهُ وبِهِ صَرَّحَ الغَزالِيُّ، فَقالَ: لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يَرى جِسْمَهُ وبَدَنَهُ بَلْ مِثالًا لَهُ صارَ ذَلِكَ المِثالُ آلَةً يُتَأدّى بِها المَعْنى الَّذِي في نَفْسِهِ قالَ: والآلَةُ تارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وتارَةً تَكُونُ خَيالِيَّةً والنَّفْسُ غَيْرُ المِثالِ المُتَخَيَّلِ، فَما رَآهُ مِنَ الشَّكْلِ لَيْسَ هو رُوحَ المُصْطَفى ﷺ ولا شَخْصَهُ بَلْ هو مِثالٌ لَهُ عَلى التَّحْقِيقِ.
وفَصَّلَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَقالَ: رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِصِفَتِهِ المَعْلُومَةِ إدْراكٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ورُؤْيَتُهُ عَلى غَيْرِ صِفَتِهِ إدْراكٌ لِلْمِثالِ واسْتَحْسَنَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وقالَ بَعْدَ نَقْلِ أحادِيثَ وآثارٍ ما نَصُّهُ: فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ النُّقُولِ والأحادِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيٌّ بِجَسَدِهِ ورُوحِهِ وأنَّهُ يَتَصَرَّفُ ويَسِيرُ حَيْثُ شاءَ في أقْطارِ الأرْضِ وفي المَلَكُوتِ وهو بِهَيْئَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ وفاتِهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ مِنهُ شَيْءٌ وأنَّهُ مُغَيَّبٌ عَنِ الأبْصارِ كَما غُيِّبَتِ المَلائِكَةُ مَعَ
صفحة 37
كَوْنِهِمْ أحْياءً بِأجْسادِهِمْ، فَإذا أرادَ اللَّهَ تَعالى رَفْعَ الحِجابِ عَمَّنْ أرادَ إكْرامَهُ بِرُؤْيَتِهِ رَآهُ عَلى هَيْئَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها لا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا داعِيَ إلى التَّخْصِيصِ بِرُؤْيَةِ المِثالِ اه، وذَهَبَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - إلى نَحْوِ هَذا في سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقالَ إنَّهم أحْياءٌ رُدَّتْ إلَيْهِمْ أرْواحُهم بَعْدَ ما قُبَضُوا وأُذِنَ لَهم في الخُرُوجِ مِن قُبُورِهِمْ والتَّصَرُّفِ في المَلَكُوتِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ ذَكَرَ أخْبارًا كَثِيرَةً تَشْهَدُ لَهُ.
مِنها ما أخْرَجَهُ اِبْنُ حِبّانَ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما مِن نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ في قَبْرِهِ إلّا أرْبَعِينَ صَباحًا»».
ومِنها ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في مُصَنَّفِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أبِي المِقْدامِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: ما مَكَثَ نَبِيٌّ في الأرْضِ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأبُو المِقْدامِ هو ثابِتُ بْنُ هُرْمُزَ شَيْخُ صالِحٍ.
ومِنها ما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ في النِّهايَةِ ثُمَّ الرّافِعِيُّ في الشَّرْحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««أنا أكْرَمُ عَلى رَبِّي مِن أنْ يَتْرُكَنِي في قَبْرِي بَعْدَ ثَلاثٍ»» زادَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: ورُوِيَ أكْثَرُ مِن يَوْمَيْنِ.
واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ رُؤْيَتَهُ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ بِالبَصَرِ لَيْسَتْ كالرُّؤْيَةِ المُتَعارَفَةِ عِنْدَ النّاسِ مِن رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وإنَّما هي جَمْعِيَّةٌ حالِيَّةٌ وحالَةٌ بَرْزَخِيَّةٌ وأمْرٌ وِجْدانِيٌّ لا يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ إلّا مَن باشَرَهُ، ولِشِدَّةِ شَبَهِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُتَعارَفَةِ يُشْتَبَهُ الأمْرُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الرّائِينَ فَيُظَنُّ أنَّهُ رَآهُ ﷺ بِبَصَرِهِ الرُّؤْيَةَ المُتَعارَفَةَ ولَيْسَ كَذَلِكَ، ورُبَّما يُقالُ إنَّها رُؤْيَةٌ قَلْبِيَّةٌ ولِقُوَّتِها تَشْتَبِهُ بِالبَصَرِيَّةِ، والمَرْئِيُّ إمّا رُوحُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي هي أكْمَلُ الأرْواحِ تَجَرُّدًا وتَقَدُّسًا بِأنْ تَكُونَ قَدْ تَطَوَّرَتْ وظَهَرَتْ بِصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ مَعَ بَقاءِ تَعَلُّقِها بِجَسَدِهِ الشَّرِيفِ الحَيِّ في القَبْرِ السّامِي المُنِيفِ عَلى حَدِّ ما قالَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ ظُهُورِهِ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صُورَةِ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يُفارِقْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، وإمّا جَسَدٌ مِثالِيٌّ تَعَلَّقَتْ بِهِ رُوحُهُ ﷺ المُجَرَّدَةُ القُدْسِيَّةُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَتَعَدَّدَ الجَسَدُ المِثالِيُّ إلى ما لا يُحْصى مِنَ الأجْسادِ مَعَ تَعَلُّقِ رُوحِهِ القُدْسِيَّةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ألْفُ ألْفِ صَلاةٍ وتَحِيَّةٍ بِكُلِّ جَسَدٍ مِنها، ويَكُونُ هَذا التَّعَلُّقُ مِن قَبِيلِ تَعَلُّقِ الرُّوحِ الواحِدَةِ بِأجْزاءِ بَدَنٍ واحِدٍ ولا تَحْتاجُ في إدْراكاتِها وإحْساساتِها في ذَلِكَ التَّعَلُّقِ إلى ما تَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الآلاتِ في تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ في الشّاهِدِ، وعَلى ما ذُكِرَ يَظْهَرُ وجْهُ ما نَقَلَهُ الشَّيْخُ صَفِيُّ الدِّينِ بْنُ أبِي مَنصُورٍ والشَّيْخُ عَبْدُ الغَفّارِ عَنِ الشَّيْخِ أبِي العَبّاسِ الطَّنْجِيِّ مِن أنَّهُ رَأى السَّماءَ والأرْضَ والعَرْشَ والكُرْسِيَّ مَمْلُوءَةً مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَنْحَلُّ بِهِ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ رُؤْيَةِ المُتَعَدِّدِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في زَمانٍ واحِدٍ في أقْطارٍ مُتَباعِدَةٍ.
ولا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُهم وقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْشَدَ:
كالشَّمْسِ في كَبِدِ السَّماءِ وضَوْءُها يُغْشِي البِلادَ مَشارِقًا ومَغارِبا
وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ إنَّما تَقَعُ في الأغْلَبِ لِلْكامِلِينَ الَّذِينَ لَمْ يَخِلُّوا بِاتِّباعِ الشَّرِيعَةِ قَدْرَ شُعَيْرَةٍ، ومَتى قَوِيَتِ المُناسِبَةُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ أحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ قَوِيَ أمْرُ رُؤْيَتِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ تَقَعُ لِبَعْضِ صُلَحاءِ الأُمَّةِ عِنْدَ الِاحْتِضارِ لِقُوَّةِ الجَمْعِيَّةِ حِينَئِذٍ، والرُّؤْيَةُ الَّتِي تَكُونُ يَقَظَةً لِمَن رَآهُ ﷺ في المَنامِ إنْ كانَتْ في الدُّنْيا فَهي عَلى نَحْوِ رُؤْيَةِ بَعْضِ الكامِلِينَ إيّاهُ ﷺ وهي أكْمَلُ مِنَ الرُّؤْيا وإنْ كانَ المَرْئِيُّ فِيهِما هو رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وآخِرُ مَظانِّ تَحَقُّقِها وقْتَ المَوْتِ.
ولَعَلَّ الأغْلَبَ في حَقِّ العامَّةِ تَحَقُّقُها فِيهِ، وإنْ كانَتْ في الآخِرَةِ فالأمْرُ فِيها واضِحٌ ويُرَجَّحُ عِنْدِي كَوْنُها في الآخِرَةِ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ القُرْبِ والحُظْوَةِ وما شاكَلَ ذَلِكَ أنَّ البِشارَةَ في الخَبَرِ عَلَيْهِ أبْلَغُ، ثُمَّ إنَّ الخَبَرَ
صفحة 38
المَذْكُورَ فِيما مَرَّ مَذْكُورٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِالسَّنَدِ إلى أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن رَآنِي في المَنامِ فَسَيَرانِي في اليَقَظَةِ أوْ لَكَأنَّما رَآنِي في اليَقَظَةِ لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطانُ بِي»».
فَلا قَطْعَ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: فَسَيَرانِي فَإنْ كانَ الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ فالكَلامُ فِيهِ ما سَمِعْتَ، وإنْ كانَ الواقِعُ لَكَأنَّما رَآنِي فَهو كَقَوْلِهِ ﷺ في خَبَرٍ آخَرَ: ««فَقَدَ رَآنِي»،» وفي آخَرَ أيْضًا: ««فَقَدْ رَأى الحَقَّ»،» والمَعْنى أنَّ رُؤْياهُ صَحِيحَةٌ، وما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ أيْ بِأجْسامِهِمْ وأرْواحِهِمْ كَما هو الظّاهِرُ ويَتَصَرَّفُونَ في المَلَكُوتِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ فَمِمّا لا أقُولُ بِهِ، والخَبَرُ السّابِقُ الَّذِي أخْرَجَهُ اِبْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أنَسٍ وهو قَوْلُهُ ﷺ: ««ما مِن نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ في قَبْرِهِ إلّا أرْبَعِينَ صَباحًا»» قَدْ أخْرَجُوهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ عَنْ هِشامِ بْنِ خالِدٍ الأزْرَقِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ يَحْيى الخُشَنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي مالِكٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ فِيهِ اِبْنُ حِبّانَ: هو باطِلٌ والخُشَنِيُّ مُنْكَرُ الحَدِيثِ جِدًّا يَرْوِي عَنِ الثِّقاتِ ما لا أصْلَ لَهُ.
وفِي المِيزانِ عَنِ الدّارَقُطْنِيِّ: الخُشَنِيُّ مَتْرُوكٌ ومِن ثَمَّ حَكَمَ اِبْنُ الجَوْزِيِّ بِوَضْعِ الحَدِيثِ وهو مَعَ ذَلِكَ بَعْضُ حَدِيثٍ، والحَدِيثُ بِتَمامِهِ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ: ««ما مِن نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ في قَبْرِهِ إلّا أرْبَعِينَ صَباحًا حَتّى تُرَدَّ إلَيْهِ رُوحُهُ ومَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِمُوسى وهو قائِمٌ يُصَلِّي في قَبْرِهِ»».
وهُوَ عَلى هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ لا يُقِيمُ في قَبْرِهِ بَلْ يَخْرُجُ مِنهُ وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَبْقى في القَبْرِ مَيِّتًا كَسائِرِ الأمْواتِ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ صَباحًا بَلْ تُرَدُّ إلَيْهِ رُوحَهُ ويَكُونُ حَيًّا، وأيْنَ هَذا مِن دَعْوى الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ بَعْدَ الأرْبَعِينَ، والحَياةُ في القَبْرِ لا تَسْتَلْزِمُ الخُرُوجَ وأنا أقُولُ بِها في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ ألَّفَ البَيْهَقِيُّ جُزْءًا في حَياتِهِمْ في قُبُورِهِمْ وأوْرَدَ فِيهِ عِدَّةَ أخْبارٍ.
ولا يَضُرُّنِي بَعْدَ ظُهُورِ أنَّ الحَدِيثَ السّابِقَ لا يَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ المُنازَعَةُ في وصْفِهِ وبُلُوغِهِ بِما لَهُ مِنَ الشَّواهِدِ دَرَجَةَ الحَسَنِ، والأخْبارُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ فِيما سَبَقَ المُرادُ مِنها كُلِّها إثْباتُ الحَياةِ في القَبْرِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، والمُرادُ بِتِلْكَ الحَياةِ نَوْعٌ مِنَ الحَياةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَنا وهي فَوْقُ حَياةِ الشُّهَداءِ بِكَثِيرٍ، وحَياةُ نَبِيِّنا ﷺ أكْمَلُ وأتَمُّ مِن حَياةِ سائِرِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وخَبَرُ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ رُوحِي حَتّى أرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»،» مَحْمُولٌ عَلى إثْباتِ إقْبالٍ خاصٍّ والتِفاتٍ رُوحانِيٍّ يَحْصُلُ مِنَ الحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ إلى عالَمِ الدُّنْيا وتَنْزِلُ إلى عالَمِ البَشَرِيَّةِ حَتّى يَحْصُلَ عِنْدَ ذَلِكَ رَدُّ السَّلامِ، وفِيهِ تَوْجِيهاتٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ في مَحَلِّها، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحَياةَ في القَبْرِ وإنْ كانَتْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها بَعْضُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الحَياةِ في الدُّنْيا المَعْرُوفَةِ لَنا مِنَ الصَّلاةِ والأذانِ والإقامَةِ ورَدِّ السَّلامِ المَسْمُوعِ ونَحْوِ ذَلِكَ إلّا أنَّها لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الحَياةِ المَعْرُوفَةِ ولا يُحِسَّ بِها ولا يُدْرِكَها كُلُّ أحَدٍ فَلَوْ فُرِضَ اِنْكِشافُ قَبْرِ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَرى النّاسُ النَّبِيَّ فِيهِ إلّا كَما يَرَوْنَ سائِرَ الأمْواتِ الَّذِينَ لَمْ تَأْكُلِ الأرْضُ أجْسادَهُمْ، ورُبَّما يَكْشِفُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَعْضِ عِبادِهِ فَيَرى ما لا يَرى النّاسَ، ولَوْلا هَذا لَأشْكَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ النّاطِقَةِ بِحَياتِهِمْ في قُبُورِهِمْ وخَبَرِ أبِي يَعْلى وغَيْرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، كَما قالَ الهَيْثَمِيُّ مَرْفُوعًا: إنَّ مُوسى نَقَلَ يُوسُفَ مِن قَبْرِهِ بِمِصْرَ، ثُمَّ إنِّي أقُولُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ إنَّ ما نُسِبَ إلى بَعْضِ الكامِلِينَ مِن أرْبابِ الأحْوالِ مِن رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ وسُؤالِهِ والأخْذِ عَنْهُ لَمْ نَعْلَمْ وُقُوعَ مِثْلِهِ في الصَّدْرِ الأوَّلِ، وقَدْ وقَعَ اِخْتِلافٌ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن حِينِ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَسائِلَ دِينِيَّةٍ وأُمُورٍ دُنْيَوِيَّةٍ وفِيهِمْ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما
صفحة 39
وإلَيْهِما يَنْتَهِي أغْلَبُ سَلاسِلِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ تُنْسَبُ إلَيْهِمْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ ولَمْ يَبْلُغْنا أنَّ أحَدًا مِنهُمُ اِدَّعى أنَّهُ رَأى في اليَقَظَةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأخَذَ عَنْهُ ما أخَذَ، وكَذا لَمْ يَبْلُغْنا أنَّهُ ﷺ ظَهَرَ لِمُتَحَيِّرٍ في أمْرٍ مِن أُولَئِكَ الصَّحابَةِ الكِرامِ فَأرْشَدَهُ وأزالَ تَحَيُّرَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ الأُمُورِ: لَيْتَنِي كُنْتُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ، ولَمْ يَصِحَّ عِنْدَنا أنَّهُ تَوَسَّلَ إلى السُّؤالِ مِنهُ ﷺ بَعْدَ الوَفاةِ نَظِيرَ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ أرْبابِ الأحْوالِ، وقَدْ وقَفْتَ عَلى اِخْتِلافِهِمْ في حُكْمِ الجَدِّ مَعَ الأُخْوَةِ فَهَلْ وقَفْتَ عَلى أنَّ أحَدًا مِنهم ظَهَرَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَأرْشَدَهُ إلى ما هو الحَقُّ فِيهِ؟ وقَدْ بَلَغَكَ ما عَرا فاطِمَةَ البَتُولَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِنَ الحُزْنِ العَظِيمِ بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ وما جَرى لَها في أمْرِ فَدَكَ، فَهَلْ بَلَغَكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَهَرَ لَها كَما يَظْهَرُ لِلصُّوفِيَّةِ فَبَلَّ لَوْعَتَها وهَوَّنَ حُزْنَها وبَيَّنَ الحالَ لَها؟ وقَدْ سَمِعْتَ بِذَهابِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى البَصْرَةِ وما كانَ مِن وقْعَةِ الجَمَلِ فَهَلْ سَمِعْتَ تَعَرُّضَهُ ﷺ لَها قَبْلَ الذَّهابِ وصَدَّهُ إيّاها عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَقَعَ أوْ تَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْها عَلى أكْمَلِ وجْهٍ؟ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحْصى كَثْرَةً.
والحاصِلُ أنَّهُ لَمْ يْبْلُغْنا ظُهُورُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأحَدٍ مِن أصْحابِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ وهم هم مَعَ اِحْتِياجِهِمُ الشَّدِيدِ لِذَلِكَ، وظُهُورِهِ عِنْدَ بابِ مَسْجِدِ قُباءٍ - كَما يَحْكِيهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ - اِفْتِراءٌ مَحْضٌ وبُهْتٌ بَحْتٌ، وبِالجُمْلَةِ عَدَمُ ظُهُورِهِ لِأُولَئِكَ الكِرامِ، وظُهُورُهُ لِمَن بَعْدَهم مِمّا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ يَقْنَعُ بِهِ ذَوُو الأفْهامِ، ولا يَحْسُنُ مَعْنى أنْ أقُولَ: كُلُّ ما يُحْكى عَنِ الصُّوفِيَّةِ مِن ذَلِكَ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ لِكَثْرَةِ حاكِيهِ وجَلالَةِ مُدَّعِيهِ، وكَذا لا يَحْسُنُ مِنِّي أنْ أقُولَ: إنَّهم إنَّما رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ مَنامًا فَظَنُّوا ذَلِكَ لِخِفَّةِ النَّوْمِ وقِلَّةِ وقْتِهِ يَقَظَةً، فَقالُوا: رَأيْنا يَقَظَةً لِما فِيهِ مِنَ البُعْدِ ولَعَلَّ في كَلامِهِمْ ما يَأْباهُ، وغايَةُ ما أقُولُ: إنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ مِن خَوارِقِ العادَةِ كَسائِرِ كَراماتِ الأوْلِياءِ ومُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَتِ الخَوارِقُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِشَمْسِ الرِّسالَةِ قَلِيلَةً جِدًّا وأنّى يُرى النَّجْمُ تَحْتَ الشُّعاعِ أوْ يَظْهَرُ كَوْكَبٌ وقَدِ اِنْتَشَرَ ضَوْءُ الشَّمْسِ في البِقاعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ ولَمْ تَقْتَضِ المَصْلَحَةُ إفْشاءَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِحِكْمَةِ الِابْتِلاءِ أوْ لِخَوْفِ الفِتْنَةِ أوْ لِأنَّ في القَوْمِ مَن هو كالمِرْآةِ لَهُ ﷺ أوْ لِيَهْرَعَ النّاسُ إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّتِهِ ﷺ فِيما يُهِمُّهم فَيَتَّسِعُ بابُ الِاجْتِهادِ وتَنْتَشِرُ الشَّرِيعَةُ وتَعْظُمُ الحُجَّةُ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يَعْقِلَها كُلُّ أحَدٍ أوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ.
ورُبَّما يُدَّعى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَهَرَ ولَكِنْ كانَ مُتَسَتِّرًا في ظُهُورِهِ، كَما رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ أحَبَّ أنْ يَرى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ إلى مَيْمُونَةَ فَأخْرَجَتْ لَهُ مِرْآتَهُ فَنَظَرَ فِيها فَرَأى صُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَرَ صُورَةَ نَفْسِهِ فَهَذا كالظُّهُورِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الصُّوفِيَّةُ إلّا أنَّهُ بِحِجابِ المِرْآةِ، ولَيْسَ مِن بابِ التَّخَيُّلِ الَّذِي قَوِيَ بِالنَّظَرِ إلى مِرْآتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُلاحَظَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما ظَهَرَتْ فِيها صُورَتُهُ حَسْبَما ظَنَّهُ اِبْنُ خَلْدُونَ.
فَإنْ قُبِلَ قَوْلِي هَذا وتَوْجِيهِي لِذَلِكَ الأمْرِ فَبِها ونِعْمَتْ وإلّا فالأمْرُ، مُشْكِلٌ فاطْلُبْ لَكَ ما يَحُلُّهُ واَللَّهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
هَذا وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَلَقّى مِن نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْكامَ شَرِيعَتِهِ المُخالِفَةِ لِما كانَ عَلَيْهِ وهو مِنَ الشَّرِيعَةِ حالَ اِجْتِماعِهِ مَعَهُ قَبْلَ وفاتِهِ في الأرْضِ لِعِلْمِهِ أنَّهُ سَيَنْزِلُ ويَحْتاجُ إلى ذَلِكَ، واجْتِماعُهُ مَعَهُ كَذَلِكَ جاءَ في الأخْبارِ.
صفحة 40
أخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ عَنْ أنَسٍ: ««بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ رَأيْنا بَرَدًا ويَدًا فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا البَرَدُ الَّذِي رَأيْنا واليَدُ؟ قالَ: قَدْ رَأيْتُمُوهُ، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ذَلِكَ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ سَلَّمَ عَلَيَّ»».
وفِي رِوايَةِ اِبْنِ عَساكِرَ عَنْهُ: ««كُنْتُ أطُوفُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَوْلَ الكَعْبَةِ إذْ رَأيْتُهُ صافَحَ شَيْئًا ولَمْ أرَهُ، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ صافَحْتُ شَيْئًا ولا نَراهُ، قالَ: ذَلِكَ أخِي عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ اِنْتَظَرْتُهُ حَتّى قَضى طَوافَهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ»».
ومِن هُنا عُدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ يَتَلَقّى أحْكامَ شَرِيعَتِنا مِنَ المَلَكِ بِأنْ يُعَلِّمَهُ إيّاها أوْ يُوقِفَهُ عَلَيْها لا عَلى وجْهِ الإيحاءِ بِها عَلَيْهِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَعْثَتُهُ بِها لِيَكُونَ في ذَلِكَ رِسالَةً جَدِيدَةً مُتَضَمِّنَةً نُبُوَّةً جَدِيدَةً، وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ عَلى اِنْقِطاعِها بَلْ عَلى نَحْوِ تَعْلِيمِ الشَّيْخِ ما عَلَّمَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ تِلْمِيذَهُ، ومُجَرَّدُ الِاجْتِماعِ بِالمَلَكِ والأخْذِ عَنْهُ وتَكْلِيمِهِ لا يَسْتَدْعِي النُّبُوَّةَ، ومَن تَوَهَّمَ اِسْتِدْعاءَهُ إيّاها فَقَدْ حادَ- كَما قالَ اللَّقانِيُّ- عَنِ الصَّوابِ فَقَدْ كَلَّمَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَرْيَمَ وأُمَّ مُوسى في قَوْلٍ ورَجُلًا خَرَجَ لِزِيارَةِ أخٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى وبَلَّغَتْهُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّهُ كَحُبِّهِ لِأخِيهِ فِيهِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الذِّكْرِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لَأدْخُلَنَّ المَسْجِدَ فَلَأُصَلِّيَنَّ ولَأحْمَدَنَّ اللَّهَ تَعالى بِمَحامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِها أحَدٌ، فَلَمّا صَلّى وجَلَسَ لِيَحْمَدَ اللَّهَ تَعالى ويُثْنِيَ عَلَيْهِ إذا هو بِصَوْتٍ عالٍ مِن خَلْفٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ ولَكَ المُلْكُ كُلُّهُ وبِيَدِكَ الخَيْرُ كُلُّهُ وإلَيْكَ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ عَلانِيَتُهُ وسِرُّهُ لَكَ الحَمْدُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اِغْفِرْ لِي ما مَضى مِن ذُنُوبِي واعْصِمْنِي فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِي وارْزُقْنِي أعْمالًا زاكِيَةً تَرْضى بِها عَنِّي وتُبْ عَلَيَّ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَصَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ذاكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ». والأخْبارُ طافِحَةٌ بِرُؤْيَةِ الصَّحابَةِ لِلْمَلَكِ وسَماعِهِمْ كَلامَهُ، وكَفى دَلِيلًا لِما نَحْنُ فِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: 30] الآيَةَ، فَإنَّ فِيها نُزُولَ المَلَكِ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ في الدُّنْيا وتَكْلِيمَهُ إيّاهُ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي النُّبُوَّةَ، وكَوْنُ ذَلِكَ لِأنَّ النُّزُولَ والتَّكْلِيمَ قُبَيْلَ المَوْتِ غَيْرُ مُفِيدٍ كَما لا يَخْفى، وقَدْ ذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ إلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ، قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في كِتابِهِ (اَلْمُنْقِذُ مِنَ الضَّلالِ) أثْناءَ الكَلامِ عَلى مَدْحِ أُولَئِكَ السّادَةِ: ثُمَّ إنَّهم وهم في يَقَظَتِهِمْ يُشاهِدُونَ المَلائِكَةَ وأرْواحَ الأنْبِياءِ ويَسْمَعُونَ مِنهم أصْواتًا ويَقْتَبِسُونَ مِنهم فَوائِدَ ثُمَّ يَتَرَقّى الحالُ مِن مُشاهَدَةِ الصُّوَرِ والأمْثالِ إلى دَرَجاتٍ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ النُّطْقِ.
وقالَ تِلْمِيذُهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ أحَدُ أئِمَّةِ المالِكِيَّةِ في كِتابِهِ (قانُونِ التَّأْوِيلِ): ذَهَبَتِ الصُّوفِيَّةُ إلى أنَّهُ إذا حَصَلَ لِلْإنْسانِ طَهارَةُ النَّفْسِ وتَزْكِيَةُ القَلْبِ وقَطْعُ العَلائِقِ وحَسْمُ مَوادِّ أسْبابِ الدُّنْيا مِنَ الجاهِ والمالِ والخُلْطَةُ بِالجِنْسِ والإقْبالُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ عِلْمًا دائِمًا وعَمَلًا مُسْتَمِرًّا كُشِفَتْ لَهُ القُلُوبُ ورَأى المَلائِكَةَ وسَمِعَ كَلامَهم واطَّلَعَ عَلى أرْواحِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، وسَماعُ كَلامِهِمْ مُمْكِنٌ لِلْمُؤْمِنِ كَرامَةً ولِلْكافِرِ عُقُوبَةً اه.
ونُسِبَ إلى بَعْضِ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ أنَّهُ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَتُزاحِمُنا في بُيُوتِنا بِالرَّكْبِ، والظّاهِرُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ الِاجْتِماعَ بِهِمْ والأخْذَ عَنْهم لا يَكُونُ إلّا لِلْكامِلِينَ ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وأنَّ الإخْلالَ بِالسُّنَّةِ مانِعٌ كَبِيرٌ عَنْ ذَلِكَ، ويُرْشِدُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: قالَ لِي عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَدْ كانَ مَلَكٌ يُسَلِّمُ عَلى حَتّى اِكْتَوَيْتَ فَتَرَكَ ثُمَّ تَرَكْتُ الكَيَّ فَعادَ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ مُدَّعِيَهُ إذا كانَ مُخالِفًا لِحُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كاذِبٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُصْغى إلَيْهِ ودَعْواهُ باطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ فَأيْنَ الظَّلَمَةُ مِنَ النُّورِ والنَّجَسُ مِنَ الطَّهُورِ، ثُمَّ إنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ كَوْنِ المُجْتَمِعِ بِهِ مَلَكًا بَعْدَ خَبَرِ الصّادِقِ سِوى العِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في العَبْدِ بِذَلِكَ ويَقْطَعُ بِعَدَمِ كَوْنِهِ
صفحة 41
مَلَكًا مَتى خالَفَ ما ألْقاهُ وأتى بِهِ الكِتابُ أوِ السُّنَّةُ أوْ إجْماعُ الأُمَّةِ.
ومِثْلُهُ فِيما أرى التَّكَلُّمُ بِما يُشْبِهُ الهَذَيانَ ويَضْحَكُ مِنهُ الصِّبْيانُ ويَنْبَغِي لِمَن وقَعَ لَهُ ذَلِكَ أنْ لا يُشِيعُهُ ويُعْلِنُ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مُطَرِّفٍ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ قالَ: بَعَثَ إلَيَّ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ في مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقالَ: إنِّي مُحَدِّثُكَ فَإنْ عِشْتُ فاكْتُمْ عَنِّي وإنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِها إنْ شِئْتَ إنَّهُ قَدْ سَلَّمَ عَلَيَّ، وفي رِوايَةِ الحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ: اِعْلَمْ يا مُطَرِّفُ أنَّهُ كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَأْسِي وعِنْدَ البَيْتِ وعِنْدَ بابِ الحُجْرَةِ فَلَمّا اِكْتَوَيْتُ ذَهَبَ ذَلِكَ قالَ: فَلَمّا بَرَأ كَلَّمَهُ، قالَ: اِعْلَمْ يا مُطَرِّفُ أنَّهُ عادَ إلَيَّ الَّذِي كُنْتُ أكْتُمُ عَلَيَّ حَتّى أمُوتَ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ لا يَقُولَ لِإلْقاءِ المَلَكِ عَلَيْهِ إيحاءً لِما فِيهِ مِنَ الإيهامِ القَبِيحِ وهو إيهامُ وحْيِ النُّبُوَّةِ الَّذِي يُكَفَّرُ مُدَّعِيهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُسْلِمِينَ، وأطْلَقَ بَعْضُ الغُلاةِ مِنَ الشِّيعَةِ القَوْلَ بِالإيحاءِ إلى الأئِمَّةِ الأطْهارِ وهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِمَعْزِلٍ عَنْ قَبُولِ قَوْلِ أُولَئِكَ الأشْرارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences