Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:40–47, continued
فَقَدْ رُوِيَ أنَّ سُدَيْرًا الصَّيْرَفِيَّ سَألَ جَعْفَرًا الصّادِقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: جُعِلْتُ فِداكَ، إنَّ شِيعَتَكُمُ اِخْتَلَفَتْ فِيكم فَأكْثَرَتْ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الإمامَ يُنْكَتُ في أُذُنِهِ، وقالَ آخَرُونَ: يُوحى إلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: يُقْذَفُ في قَلْبِهِ، وقالَ آخَرُونَ: يَرى في مَنامِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما يُفْتِي بِكُتُبِ آبائِهِ فَبِأيِّ جَوابِهِمْ آخُذُ يَجْعَلُنِي اللَّهُ تَعالى فِداكَ؟ قالَ: لا تَأْخُذْ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَ يا سُدَيْرُ نَحْنُ حُجَجُ اللَّهِ تَعالى وأُمَناؤُهُ عَلى خَلْقِهِ حَلالُنا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وحَرامُنا مِنهُ، حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الشِّهْرِسْتانِيُّ في أوَّلِ تَفْسِيرِهِ (مَفاتِيحُ الأسْرارِ)، وقَدْ ظَهَرَ في هَذا العَصْرِ عِصابَةٌ مَن غُلاةِ الشِّيعَةِ لَقَّبُوا أنْفُسَهم بِالبابِيَّةِ لَهم في هَذا البابِ فَصُولٌ يَحْكُمُ بِكُفْرِ مُعْتَقَدِها كُلُّ مَنِ اِنْتَظَمَ في سِلْكِ ذَوِي العُقُولِ، وقَدْ كادَ يَتَمَكَّنُ عِرْقُهم في العِراقِ لَوْلا هِمَّةُ والِيهِ النَّجِيبِ الَّذِي وقَعَ عَلى هِمَّتِهِ ودِيانَتِهِ الِاتِّفاقُ حَيْثُ خَذَلَهم - نَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى - وشَتَّتَ شَمْلَهم وغَضِبَ عَلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأفْسَدَ عَمَلَهم فَجَزاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الإسْلامِ خَيْرًا ودَفَعَ عَنْهُ في الدّارَيْنِ ضَيْمًا وضَيْرًا، وادَّعى بَعْضُهُمُ الوَحْيَ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ، وقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ اِبْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ فَقالَ: نَعَمْ يُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْيًا حَقِيقِيًّا، كَما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ، وفي رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ: ««فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ أوْحى اللَّهُ تَعالى يا عِيسى إنِّي أخْرَجْتُ عِبادًا لِي لا يَدَ لِأحَدٍ بِقِتالِهِمْ فَحَوِّلْ عِبادِي إلى الطُّورِ، وذَلِكَ الوَحْيُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ هو السَّفِيرُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ»». لا يُعْرَفُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وخَبَرُ (لا وحْيَ بَعْدِي) باطِلٌ، وما اُشْتُهِرَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَنْزِلُ إلى الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَهو لا أصْلَ لَهُ، ويَرُدُّهُ خَبَرُ الطَّبَرانِيِّ: ما أُحِبُّ أنْ يَرْقُدَ الجَنْبَ حَتّى يَتَوَضَّأ، فَإنِّي أخافُ أنْ يُتَوَفّى، وما يَحْضُرُهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ إلى الأرْضِ ويَحْضُرُ مَوْتَ كُلِّ مُؤْمِنٍ تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى وهو عَلى طَهارَةٍ اه.
ولَعَلَّ مَن نَفى الوَحْيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ أرادَ وحْيَ التَّشْرِيعِ وما ذُكِرَ وحَيٌّ لا تَشْرِيعَ فِيهِ، فَتَأمَّلْ. وكَوْنُهُ ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ مِمّا نَطَقَ بِهِ الكِتابُ وصَدَعَتْ بِهِ السُّنَّةُ وأجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، فَيُكَفَّرُ مُدَّعِي خِلافِهِ ويُقْتَلُ إنْ أصَرَّ.
ومِنَ السُّنَّةِ ما أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا بَناهُ فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياها فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَتَعَجَّبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ هَلّا وضَعْتَ هَذِهِ اللَّبِنَةَ فَأنا اللَّبِنَةُ وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ»،» وصَحَّ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوُ هَذا، وكَذا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ولِلشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيٍّ
صفحة 42
قُدِّسَ سِرُّهُ كَلامٌ في حَدِيثِ اللَّبِنَةِ قَدِ اِنْتَقَدَهُ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الأجِلَّةِ فَعَلَيْكَ بِالتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، واَللَّهُ تَعالى الحافِظُ مِنَ الوُقُوعِ في المِحْنَةِ.
ونَصْبُ ( رَسُولَ ) عَلى إضْمارِ كانَ لِدَلالَةِ كانَ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ والواوُ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِدْراكِيَّةِ عَلى ما قَبْلَها، وكَوْنُ لَكِنِ المُخَفَّفَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلْعَطْفِ إنَّما هو عِنْدَ عَدَمِ الواوِ وكَوْنِ ما بَعْدَها مُفْرَدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ .
وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ولَكِنَّ» بِالتَّشْدِيدِ فَنَصَبَ ﴿رَسُولَ﴾ عَلى أنَّهُ اِسْمُ لَكِنَّ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هُوَ، أيْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَن عَرَفْتُمُوهُ، أيْ لَمْ يَعِشْ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، ومِمّا جاءَ في لَكِنَّ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ
أيْ ولَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أنْتَ، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى عَلى ذِي مَعْرِفَةٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَخْفِيفِ «لَكِنْ» ورَفْعِ «رَسُولُ» و«خاتَمُ» أيْ ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ إلخ كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّفّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِي
أيْ ولَكِنْ أنا مَدَرَةٌ.
﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أوْ مَعْدُومًا ﴿عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ الأحْكامَ والحِكَمَ الَّتِي بُيِّنَتْ فِيما سَبَقَ والحِكْمَةَ في كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ.
33:41Page 423
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١
O you who have believed, remember Allāh with much remembrance
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِما هو جَلَّ وعَلا أهْلُهُ مِنَ التَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ والتَّقْدِيسِ ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ يَعُمُّ أغْلَبَ الأوْقاتِ والأحْوالِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ الذَّكَرُ الكَثِيرُ أنْ لا يُنْسى جَلَّ شَأْنُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقِيلَ: أنْ يُذْكَرَ سُبْحانَهُ بِصِفاتِهِ العُلى وأسْمائِهِ الحُسْنى ويُنَزَّهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وعَنْ مُقاتِلٍ هو أنْ يُقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واَللَّهُ أكْبَرُ عَلى كُلِّ حالٍ، وعَنِ العِتْرَةِ الطّاهِرَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَن قالَ ذَلِكَ ثَلاثِينَ مَرَّةً فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ذِكْرًا كَثِيرًا.
وفِي (مَجْمَعِ البَيانِ) عَنِ الواحِدِيِّ بِسَنَدِهِ إلى الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاَللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، عَدَدَ ما عُلِمَ وزِنَةَ ما عُلِمَ ومِلْءَ ما عُلِمَ، فَإنَّهُ مَن قالَها كُتِبَ لَهُ بِها سِتُّ خِصالٍ كُتِبَ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى كَثِيرًا وكانَ أفْضَلَ مَن ذَكَرَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وكُنَّ لَهُ غَرْسًا في الجَنَّةِ وتَحاتَّتْ عَنْهُ خَطاياهُ كَما تَحاتَّ ورَقُ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ويَنْظُرُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ومَن نَظَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ،» كَذا رَأيْتُهُ في مُدَوَّنِهِ، فَلا تَغْفُلْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَرْجِعُ الكَثْرَةِ العُرْفُ.
﴿وسَبِّحُوهُ﴾ ونَزِّهُوهُ سُبْحانَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِقَصْرِ التَّسْبِيحِ عَلَيْهِما دُونَ سائِرِ الأوْقاتِ بَلْ لِإنافَةِ فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الأوْقاتِ لِكَوْنِهِما تَحْضُرُهُما مَلائِكَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَلْتَقِي فِيهِما كَأفْرادِ التَّسْبِيحِ مِن بَيْنِ الأذْكارِ مَعَ اِنْدِراجِهِ فِيها لِكَوْنِهِ العُمْدَةَ بَيْنَها، وقِيلَ: كِلا الأمْرَيْنِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِما كَقَوْلِكَ: صُمْ وصَلِّ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وبِتَفْسِيرِ الذَّكَرِ الكَثِيرِ بِما يَعُمُّ أغْلَبَ الأوْقاتِ لا تَبْقى حاجَةٌ إلى تَعَلُّقِهِما بِالأوَّلِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ أيْ بِإطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، والتَّسْبِيحُ بِكُرَةً صَلاةُ الفَجْرِ والتَّسْبِيحُ أصِيلًا صَلاةُ العِشاءِ، وعَنْ قَتادَةَ نَحْوُ ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ إلّا أنَّهُ قالَ: أشارَ
صفحة 43
بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إلى صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ وهو أظْهَرُ مِمّا رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ، وتُعُقِّبَ ما رُوِيَ عَنْهُما بِأنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّسْبِيحَ عَلى حَقِيقَتِهِ لَكِنَّ التَّسْبِيحَ بُكْرَةً بِالصَّلاةِ فِيها والتَّسْبِيحَ أصِيلًا بِالصَّلاةِ فِيهِ، فَتَأمَّلْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ تَكْثِيرَ الطّاعاتِ والإقْبالَ عَلَيْها فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ، ثُمَّ خُصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحُ بُكْرَةً وأصِيلًا، أيِ الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ أوِ الفَجْرِ والعَشاءِ لِفَضْلِ الصَّلاةِ عَلى غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
33:43Page 423
هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣
It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ إلخ، اِسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ ﴿ومَلائِكَتُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( يُصَلِّي ) لِمَكانِ الفَصْلِ المُغْنِي عَنِ التَّأْكِيدِ بِالمُنْفَصِلِ لا عَلى (هُوَ)، والصَّلاةُ في المَشْهُورِ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ - مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ومِنَ المَلائِكَةِ اِسْتِغْفارٌ ومِن مُؤْمِنِي الإنْسِ والجِنِّ دُعاءٌ، ويَجُوزُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ اِسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ هُنا المَعْنَيانِ الأوَّلانِ فَيُرادُ بِها أوَّلًا الرَّحْمَةُ وثانِيًا الِاسْتِغْفارُ، ومَن لا يُجَوِّزُ كَأصْحابِنا يَقُولُ بِعُمُومِ المَجازِ بِأنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ مَعْنًى مَجازِيٌّ عامٌّ يَكُونُ كِلا المَعْنَيَيْنِ فَرْدًا حَقِيقِيًّا لَهُ، وهو إمّا الِاعْتِناءُ رُبَّما فِيهِ خَيْرُ المُخاطَبِينَ وصَلاحُ أمْرِهِمْ فَإنَّ كُلًّا مِنَ الرَّحْمَةِ والِاسْتِغْفارِ فَرْدٌ حَقِيقِيٌّ لَهُ وهَذا المَجازُ مِنَ الصَّلاةِ بِمَعْنى الدُّعاءِ وهو إمّا اِسْتِعارَةٌ لِأنَّ الِاعْتِناءَ يُشْبِهُ الدُّعاءَ لِمُقارَنَةِ كُلٍّ مِنهُما لِإرادَةِ الخَيْرِ والأمْرِ المَحْبُوبِ، أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ الدُّعاءَ مُسَبَّبٌ عَنِ الِاعْتِناءِ، وأمّا التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ المَأْخُوذُ مِنَ الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِانْعِطافِ الصُّورِيِّ الَّذِي هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، ولا رَيْبَ في أنَّ اِسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ودُعاءَهم لِلْمُؤْمِنِينَ تَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ، وأمّا أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلرَّحْمَةِ لِكَوْنِهِمْ مُجابِي الدَّعْوَةِ كَما قِيلَ فَفِيهِ بَحْثٌ، ورُجِّحَ جَعْلُ المَعْنى العامِّ ما ذُكِرَ بِأنَّهُ أقْرَبُ لِما بَعْدُ، فَإنَّهُ نُصَّ عَلَيْهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ رَحِمَ مُتَعَدٍّ وصَلّى قاصِرٌ فَلا يَحْسُنُ تَفْسِيرُهُ بِهِ، وبِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ جَوازَ رَحِمَ عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ تَعالى غايَرَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 157] لِلْعَطْفِ الظّاهِرِ في المُغايَرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِتَفْسِيرِ صَلّى بِ رَحِمَ إلّا بَيانُ أنَّ المَعْنى المَوْضُوعَ لَهُ صَلّى هو المَوْضُوعُ لَهُ رَحِمَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْنى التَّعَدِّي واللُّزُومِ فَإنَّ الرَّدِيفَيْنِ قَدْ يَخْتَلِفانِ في ذَلِكَ وهو غَيْرُ ضارٍّ، فَزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَحْسُنُ، وأنَّهُ يَلْزَمُ جَوازُ رَحِمَ عَلَيْهِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ عَلى أنَّهُ يَحْسُنُ تَعْدِيَةُ صَلّى بِعَلى دُونَ رَحِمَ لِما في الأوَّلِ مِن ظُهُورِ مَعْنى التَّحَنُّنِ والتَّعَطُّفِ والعَطْفِ لِأنَّ الصَّلاةَ رَحْمَةٌ خاصَّةٌ ويَكْفِي هَذا القَدْرُ مِنَ المُغايَرَةِ، وقِيلَ: إنْ تَعَدَّدَ الفاعِلُ صُيِّرَ الفِعْلُ كالمُتَعَدِّدِ، فَكَأنَّ الرَّحْمَةَ مُرادَةٌ مِن لَفْظٍ والِاسْتِغْفارَ مُرادٌ مِن آخَرَ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ ولَيْسَ هُناكَ اِسْتِعْمالُ لَفْظٍ واحِدٍ حَقِيقَةً وحُكْمًا في مَعْنَيَيْنِ وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ كَوْنُ ( مَلائِكَتُهُ ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ هو الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَيْكم فَهُناكَ لَفْظانِ حَقِيقَةً كُلٌّ مِنهُما بِمَعْنًى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَزِيدُكَ عِلْمًا بِأمْرِ الصَّلاةِ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [اَلْأحْزابِ: 56] قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ خَيْرًا إلّا أشْرَكَنا فِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾» أيْ مِن ظُلُماتِ المَعاصِي إلى نُورِ الطّاعَةِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: مِنَ الجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعالى إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الجَهْلَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالظُّلْمَةِ، والمَعْرِفَةَ
صفحة 44
أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنُّورِ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: أيٌّ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَحْثِ حَكاهُ أبُو حَيّانَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُصَلِّي أيْ يَعْتَنِي بِكم هو سُبْحانَهُ ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم أوْ يَتَرَحَّمَ هو عَزَّ وجَلَّ ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم بِذَلِكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ اِعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ كانَ سُبْحانَهُ بِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن زُمْرَتِهِمْ كامِلَ الرَّحْمَةِ ولِذا يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ بِالذّاتِ وبِالواسِطَةِ أوْ كانَ بِكم رَحِيمًا عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مُظْهَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَدْحًا لَهم وإشْعارًا بِعِلَّةِ الرَّحْمَةِ،
33:44Page 424
تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤
Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ بَيانٌ لِلْأحْكامِ الآجِلَةِ لِرَحْمَتِهِ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ بَيانِ آثارِها العاجِلَةِ مِنَ الإخْراجِ المَذْكُورِ، والتَّحِيَّةِ أنْ يُقالَ: حَيّاكَ اللَّهُ أيْ جَعَلَ لَكَ حَياةً، وذَلِكَ إخْبارٌ ثُمَّ يُجْعَلُ دُعاءً، ويُقالُ حَيّا فُلانٌ فُلانًا تَحِيَّةً إذا قالَ لَهُ ذَلِكَ، وأصْلُ هَذا اللَّفْظِ مِنَ الحَياةِ ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ دُعاءٍ تَحِيَّةً لِكَوْنِ جَمِيعُهُ غَيْرَ خارِجٍ عَنْ حُصُولِ الحَياةِ أوْ سَبَبَ حَياةٍ إمّا لِدُنْيا أوْ لِآخِرَةٍ.
وهُوَ هُنا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ وقَعَ مُبْتَدَأً وسَلامٌ مُرادًا بِهِ لَفْظُهُ خَبَرُهُ، والمُرادُ ما يُحَيِّيهِمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ويَقُولُهُ لَهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سُبْحانَهُ ويَدْخُلُونَ دارَ كَرامَتِهِ سَلامٌ أيْ هَذا اللَّفْظُ. رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: سَلامٌ عَلَيْكم عِبادِي أنا عَنْكم راضٍ فَهَلْ أنْتُمْ عَنِّي راضُونَ، فَيَقُولُونَ بِأجْمَعِهِمْ: يا رَبَّنا إنّا راضُونَ كُلَّ الرِّضا ووَرَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم مَرْحَبًا بِعِبادِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أرْضَوْنِي في دارِ الدُّنْيا بِاتِّباعِ أمْرِي، وقِيلَ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِذَلِكَ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقِيلَ: تُحَيِّيهِمْ عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ ويُبَشِّرُونَهم بِالجَنَّةِ، وقِيلَ عِنْدَ المَوْتِ.
ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامُ، قِيلَ: فَعَلى هَذا الهاءُ في ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو مَلَكُ المَوْتِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِذَلِكَ إذْ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ كَما هو كَذَلِكَ عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ جَمِيعًا، ولِقاءُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الإمامُ عِبارَةٌ عَنِ الإقْبالِ عَلَيْهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لِلشَّخْصِ ما يَشْغَلُهُ ويُلْهِيهِ أوْ يُوجِبُ غَفْلَتَهُ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ ويَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وفِيها وعِنْدَ البَعْثِ وعِنْدَ المَوْتِ.
وقالَ الرّاغِبُ: مُلاقاةُ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ وعَنِ المَصِيرِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: هي مُلاقاةُ ثَوابِهِ تَعالى وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ السّابِقَةِ بَلْ ظاهِرٌ عَلى بَعْضِها كَما لا يَخْفى، وعَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ أنَّهم يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ أيْ سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مُخَوِّفٍ، والتَّحِيَّةُ عَلَيْهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْفاعِلِ، وفي البَحْرِ هي عَلَيْهِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمُحَيِّي والمُحَيّا لا عَلى جِهَةِ العَمَلِ لِأنَّ الضَّمِيرَ الواحِدَ لا يَكُونُ فاعِلًا ومَفْعُولًا ولَكِنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [اَلْأنْبِياءِ: 78] أيْ لِلْحُكْمِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم.
وكَذا يُقالُ هُنا التَّحِيَّةُ الجارِيَةُ بَيْنَهم هي سَلامٌ، وقَوْلُ المُحَيِّي في ذَلِكَ اليَوْمِ سَلامٌ إخْبارٌ لا دُعاءٌ لِأنَّهُ أبْلَغَ عَلى ما قِيلَ، فَتَدَبَّرْ، وأحْرى الأقْوالِ بِالقَبُولِ عِنْدِي أنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ إكْرامًا لَهم وتَعْظِيمًا.
﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ أيْ وهَيَّأ عَزَّ وجَلَّ لَهم ثَوابًا حَسَنًا، والظّاهِرُ أنَّ التَّهْيِئَةَ واقِعَةٌ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ والتَّحِيَّةِ ولِذا لَمْ تَخْرُجِ الجُمْلَةُ مَخْرَجَ ما قَبْلَها بِأنْ يُقالَ وأجْرُهم أجْرٌ كَرِيمٌ أيْ ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ، وقِيلَ: هي بَعْدَ الدُّخُولِ والتَّحِيَّةِ فالكَلامُ لِبَيانِ آثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَقِيبَ بَيانِ آثارِ رَحْمَتِهِ
صفحة 45
الواصِلَةِ إلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ إيثارَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ إلى المَوْعُودِ بِبَيانِ أنَّ الأمْرَ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى مِن بَيْنِ سائِرِ آثارِ الرَّحْمَةِ مَوْجُودٌ بِالفِعْلِ مُهَيَّأٌ لَهم مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ.
33:45Page 424
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥
O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ تُراقِبُ أحْوالَهم وتُشاهِدُ أعْمالَهم وتَتَحَمَّلُ عَنْهُمُ الشَّهادَةَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ وسائِرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهُدى والضَّلالِ وتُؤَدِّيها يَوْمَ القِيامَةِ أداءً مَقْبُولًا فِيما لَهم وما عَلَيْهِمْ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ وإنِ اُعْتُبِرَ الإرْسالُ أمْرًا مُمْتَدًّا لِاعْتِبارِ التَّحَمُّلِ والأداءِ في الشَّهادَةِ، والإرْسالُ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وإنْ قارَنَ التَّحَمُّلَ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُقارِنٍ لِلّاداءَ وإنِ اُعْتُبِرَ الِامْتِدادُ.
وقِيلَ بِإطْلاقِ الشَّهادَةِ عَلى التَّحَمُّلِ فَقَطْ تَكُونُ الحالُ مُقارِنَةً والأحْوالُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ عَلى اِعْتِبارِ الِامْتِدادِ مُقارِنَةً، ولَكَ أنْ لا تَعْتَبِرَهُ أصْلًا فَتَكُونُ الأحْوالُ كُلُّها مُقَدَّرَةً، ثُمَّ أنَّ تَحَمُّلَ الشَّهادَةِ عَلى مَن عاصَرَهُ ﷺ واطَّلَعَ عَلى عَمَلِهِ أمْرٌ ظاهِرٌ، وأمّا تَحَمُّلُها عَلى مَن بَعْدَهُ بِأعْيانِهِمْ فَإنْ كانَ مُرادًا أيْضًا فَفِيهِ خَفاءٌ لِأنَّ ظاهِرَ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَعْرِفُ أعْمالَ مَن بَعْدَهُ بِأعْيانِهِمْ، رَوى أبُو بَكْرٍ وأنَسٌ وحُذَيْفَةُ وسَمُرَةُ وأبُو الدَّرْداءِ عَنْهُ ﷺ «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ ناسٌ مِن أصْحابِي الحَوْضَ حَتّى إذا رَأيْتُهم وعَرَفْتُهُمِ اِخْتَلَجُوا دُونِي فَأقُولُ: يا رَبِّ أُصَيْحابِي أُصَيْحابِي فَيُقالُ لِي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ» .
نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ بِطاعاتٍ ومَعاصٍ تَقَعُ بَعْدَهُ مِن أُمَّتِهِ لَكِنْ لا يَعْلَمُ أعْيانَ الطّائِعِينَ والعاصِينَ، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ وحَدِيثِ عَرْضِ الأعْمالِ عَلَيْهِ ﷺ كُلَّ أُسْبُوعٍ أوْ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ، وقِيلَ: يُجْمَعُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ الأعْيانَ أيْضًا إلّا أنَّهُ نَسِيَ فَقالَ: أُصَيْحابِي، ولِتَعْظِيمِ قُبْحِ ما أحْدَثُوا قِيلَ لَهُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، وقِيلَ: يُعْرَضُ ما عَدا الكُفْرَ وهو كَما تَرى، وأمّا زَعْمُ أنَّ التَّحَمُّلَ عَلى مَن بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِما أنَّهُ ﷺ حَيٌّ بِرُوحِهِ وجَسَدِهِ يَسِيرُ حَيْثُ شاءَ في أقْطارِ الأرْضِ والمَلَكُوتِ فَمَبْنِيٌّ عَلى ما عَلِمْتَ حالَهُ، ولَعَلَّ في هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ ما يَأْباهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وأشارَ بَعْضُ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أطْلَعَهُ ﷺ عَلى أعْمالِ العِبادِ فَنَظَرَ إلَيْها ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – شاهِدٌ، قالَ مَوْلانا جَلالُ الدِّينِ الرُّومِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيزُ - في مَثْنَوِيِّهِ:
در نظر بودش مقامات العباد زان سبب نامش خدا شاهد نهاد
فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، وقِيلَ: المُرادُ شاهِدًا عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّ أنْبِياءَهم قَدْ بَلَّغُوهُمُ الرِّسالَةَ ودَعَوْهم إلى اللَّهِ تَعالى، وشَهادَتُهُ بِذَلِكَ لِما عَلِمَهُ مِن كِتابِهِ المَجِيدِ، وقِيلَ: المُرادُ شاهِدًا بِأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ومُبَشِّرًا﴾ تُبَشِّرُ الطّائِعِينَ بِالجَنَّةِ ﴿ونَذِيرًا﴾ تُنْذِرُ الكافِرِينَ والعاصِينَ بِالنّارِ، ولِعُمُومِ الإنْذارِ وخُصُوصِ التَّبْشِيرِ قِيلَ: ( مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ) عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ دُونَ ومُنْذِرًا مَعَ أنَّ ظاهِرَ عَطْفِهِ عَلى ( مُبَشِّرًا ) يَقْتَضِي ذَلِكَ وقُدِّمَ التَّبْشِيرُ لِشَرَفِ المُبَشِّرِينَ ولِأنَّهُ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ إذْ هو ﷺ رَحْمَةٌ لِلْعالِمِينَ وكَأنَّهُ لِهَذا جُبِرَ ما فاتَهُ مِنَ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾،
33:46Page 424
وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦
And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.
﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى الإقْرارِ بِهِ سُبْحانَهُ وبِوَحْدانِيَّتِهِ وبِسائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَلَّ هَذا هو مُرادُ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ مِن قَوْلِهِما، أيْ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ تَعالى، وأُطْلِقَ الإذْنُ عَلى التَّسْهِيلِ مَجازًا لِما أنَّهُ مِن أسْبابِهِ لا سِيَّما الإذْنُ مِنَ
صفحة 46
اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يُحْمَلْ عَلى حَقِيقَتِهِ وإنْ صَحَّ هُنا أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً في الدَّعْوَةِ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا أنَّهُ ﷺ مَأْذُونٌ لَهُ في الدَّعْوَةِ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ أنَّ ( بِإذْنِهِ ) مِن مُتَعَلِّقاتِ ( داعِيًا )، وقُيِّدَتِ الدَّعْوَةُ بِذَلِكَ إيذانًا بِأنَّها أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ وخَطْبٌ في غايَةِ الإعْضالِ لا يَتَأتّى إلّا بِإمْدادٍ مِن جَنابِ قُدْسِهِ، كَيْفَ لا وهو صَرْفٌ لِلْوُجُوهِ عَنِ القُبُلِ المَعْبُودَةِ وإدْخالٌ لِلْأعْناقِ في قِلادَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ، وجُوِّزَ رُجُوعُ القَيْدِ لِلْجَمِيعِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ يَسْتَضِيءُ بِهِ الضّالُّونَ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغَوايَةِ ويُقْتَبَسُ مِن نُورِهِ أنْوارُ المُهْتَدِينَ إلى مَناهِجِ الرُّشْدِ والهِدايَةِ، وهو تَشْبِيهٌ إمّا مُرَكَّبٌ عَقْلِيٌّ أوْ تَمْثِيلٌ مُنْتَزَعٌ مِن عِدَّةِ أُمُورٍ أوْ مُفَرَّقٌ، وبُولِغَ في الوَصْفِ بِالإنارَةِ لِأنَّ مِنَ السُّرُجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿شاهِدًا﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، وعَلَيْهِما السِّراجُ المُنِيرُ القُرْآنُ، وإذا فُسِّرَ بِذَلِكَ اِحْتَمَلَ عَلى ما قِيلَ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ ( أرْسَلْناكَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلْناكَ، والقُرْآنُ إمّا عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ وإمّا مِن بابِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تالِيًا سِراجًا يَجُوزُ هَذا العَطْفُ، أيْ إنّا أرْسَلْناكَ وتالِيًا سِراجًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [اَلْبَيِّنَةِ: 2] عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عَلى نَحْوِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [اَلْأنْبِياءِ: 48] أيْ أرْسَلْنا بِإرْسالِكَ تالِيًا.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ وجَعَلْناكَ تالِيًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذا سِراجُ القُرْآنِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّقْدِيرُ إنّا أرْسَلْناكَ وأنْزَلْنا عَلَيْكَ ذا سِراجٍ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَعْلَ القُرْآنِ ذا سِراجٍ تَعَسُّفٌ، والحَقُّ أنَّ كُلَّ ما قِيلَ كَذَلِكَ.
33:47Page 424
وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧
And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَراقِبْ أحْوالَ النّاسِ وبَشِّرْ المُؤْمِنِينَ. وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى الخَبَرِ السّابِقِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ويُجْعَلُ في مَعْنى الأمْرِ لِأنَّهُ في مَعْنى اُدْعُهم شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا إلخ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ مِنهم ﴿بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ أيْ عَطاءً جَزِيلًا وهو كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ الجَنَّةُ وما أُوتُوا فِيها ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [اَلشُّورى: 22] وقِيلَ: المَعْنى فَضْلًا عَلى سائِرِ الأُمَمِ في الرُّتْبَةِ والشَّرَفِ أوْ زِيادَةً عَلى أُجُورِ أعْمالِهِمْ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ.
أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عِكْرِمَةَ عَنِ الحَسَنِ «قالَ لَمّا نَزَلَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [اَلْفَتْحِ: 2] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا ما يَفْعَلُ بِكَ فَماذا يَفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences