Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:14–22
35:14Page 436
إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤
If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].
﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ كاشِفٌ عَنْ جَلِيَّةِ حالِ ما يَدْعُونَهُ بِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ، هَذا إذا كانَ الكَلامُ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عَبَدَتِها وعَبَدَةِ المَلائِكَةِ وعِيسى وغَيْرِهِمْ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وعَدَمُ السَّماعِ حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّ المَعْبُودَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ كالأصْنامِ، وإمّا لِأنَّهُ في شُغْلٍ شاغِلٍ وبُعْدٍ بَعِيدٍ عَنْ عابِدِهِ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ البَلْخِيِّ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ سَمْعَهُ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْهِ مِثْلُ هَذا الدُّعاءِ لِغايَةِ قُبْحِهِ وثِقَلِهِ عَلى سَمْعِ مَن هو في غايَةِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُرَدُّ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَسْمَعُونَ، وهم في السَّماءِ كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ دُعاءُ المُؤْمِنِينَ رَبَّهم سُبْحانَهُ، وفي نَظْمِ ذِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ في سِلْكِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثِيَّةِ السَّماعِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ تَوَقُّفٌ عِنْدِي، بَلْ في سَماعِ كُلٍّ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم في السَّماءِ وذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ نِداءَ مَن ناداهم غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ تَوَقُّفٌ عِنْدِي أيْضًا، إذْ لَمْ أظْفَرْ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ عَلى ذَلِكَ، والعَقْلُ يُجَوِّزُهُ لَكِنْ لا يُكْتَفى بِمُجَرَّدِ تَجْوِيزِهِ في القَوْلِ بِهِ.
﴿ولَوْ سَمِعُوا﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ لِأنَّهم لَمْ يُرْزَقُوا قُوَّةَ التَّكَلُّمِ، والسَّماعُ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالِاسْتِجابَةِ الِاسْتِجابَةُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِجابَةُ بِالفِعْلِ، أيْ ولَوْ سَمِعُوا ما نَفَعُوكم لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأفْعالِ بِالمَرَّةِ، هَذا إذا كانَ المُدَّعُونَ الأصْنامَ وأمّا إذا كانُوا المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ نَحْوَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ فَعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ القَوْلِيَّةِ لِأنَّ دُعاءَهم مِن حَيْثُ زَعَمَ أنَّهم آلِهَةٌ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَكَيْفَ يُجِيبُونَ زاعِمَ ذَلِكَ فِيهِمْ وفِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ ما فِيهِ، وعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ الفِعْلِيَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِهَذا أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ نَفْعَ مَن دَعاهم لَيْسَ مِن وظائِفِهِمْ، وقِيلَ لِأنَّهم يَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا في العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِلْأوَّلِ أيْضًا فَتَأمَّلْ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إذا دَعَوْتُمُوهُمْ، وشِرْكٌ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ إشْراكَكم إيّاهم
صفحة 183
وعِبادَتَكم إيّاهُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ تَعالى الأصْنامَ عَلى الكَلامِ فَيَقُولُونَ لَهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، أوْ يَظْهَرُ مِن حالِها ظُهُورُ نارِ القُرى لَيْلًا عَلى عِلْمِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولِسانُ الحالِ أفْصَحُ مِن لِسانِ المَقالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ يُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ
وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وإنْ كانَ المَدْعُوُّونَ المَلائِكَةَ ونَحْوَهم فَأمْرُ التَّكَلُّمِ ظاهِرٌ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المَلائِكَةِ لِلْمُشْرِكِينَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: 40، 41].
﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أيْ لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ مُخْبِرٍ خَبِيرٍ أخْبَرَكَ بِهِ، يَعْنِي بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الخَبِيرُ بِكُنْهِ الأُمُورِ، وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ، أيْ لا يُخْبِرُكَ أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كُنْتَ مُخْبِرٌ هو مِثْلُ الخَبِيرِ العالَمِ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ ونَفْيِ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يُخْبِرُكَ مُخْبِرٌ مِثْلُ مَن يُخْبِرُكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أنْفُسِها بِأنَّها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
35:15Page 436
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥
O mankind, you are those in need of Allāh, while Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ في أنْفُسِكم وفِيما يَعِنُّ لَكم مِن أمْرٍ مُهِمٍّ أوْ خَطْبٍ مُلِمٍّ، وتَعْرِيفُ ﴿الفُقَراءُ﴾ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لا عَهْدَ، وعُرِّفَ كَذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في فَقْرِهِمْ كَأنَّهم لِكَثْرَةِ اِفْتِقارِهِمْ وشِدَّةِ اِحْتِياجِهِمْ هُمُ الفُقَراءُ فَحَسْبُ وأنَّ اِفْتِقارَ سائِرِ الخَلائِقِ بِالنِّسْبَةِ إلى فَقْرِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [اَلنِّساءِ: 28] ولا يَرِدُ الجِنُّ إذْ هم لا يَحْتاجُونَ في المَطْعَمِ والمَلْبَسِ وغَيْرِهِما كَما يَحْتاجُ الإنْسانُ، وضَعْفُهم لَيْسَ كَضَعْفِهِ فَلا حاجَةَ إلى إدْخالِهِمْ في النّاسِ تَغْلِيبًا عَلى أنَّهُ قِيلَ لا يَضُرُّ ذَلِكَ إذِ الكَلامُ مَعَ مَن يُظْهِرُ القُوَّةَ والعِنادَ مِنَ النّاسِ، والقَوْلُ إنَّ القَصْرَ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى لا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: الوَجْهُ أنْ يُقالَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ المُرادُ النّاسُ وغَيْرُهم وهو عَلى طَرِيقَةِ تَغْلِيبِ الحاضِرِ عَلى الغائِبِ وأُولِي العِلْمِ عَلى غَيْرِهِمْ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا.
وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ أنْ يُحْمَلَ التَّعْرِيفُ في النّاسِ عَلى العَهْدِ وفي الفُقَراءِ عَلى الجِنْسِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ الَّذِي خُوطِبُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ الآيَةَ، أيْ ذَلِكُمُ المَعْبُودُ هو الَّذِي وُصِفَ بِصِفاتِ الجَلالِ لا الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، وأنْتُمْ أشَدُّ الخَلائِقِ اِحْتِياجًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.
﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لا غَيْرُهُ ﴿الحَمِيدُ﴾ المُنْعِمُ عَلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ المُسْتَحِقُّ بِإنْعامِهِ سُبْحانَهُ لِلْحَمْدِ، وأصْلُهُ المَحْمُودُ وأُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِيُناسِبَ ذِكْرَهُ بَعْدَ فَقْرِهِمْ، إذِ الغَنِيُّ لا يَنْفَعُ الفَقِيرَ إلّا إذا كانَ جَوادًا مُنْعِمًا، ومِثْلُهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، وهَذا كالتَّكْمِيلِ لِما قَبْلَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ الغَنَوِيِّ:
حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَهُ مَعَ الحِلْمِ في عَيْنِ العَدُوِّ مَهِيبُ
ويَدْخُلُ في عُمُومِ المُسْتَغْنى عَنْهُ المُخاطَبُونَ وعِبادَتُهُمْ، وفي كَلامِ الطِّيبِيِّ رائِحَةُ التَّخْصِيصِ حَيْثُ قالَ: ما سَمِعْتُ
صفحة 184
نَقْلَهُ وهو سُبْحانُهُ غَنِيٌّ عَنْكم وعَنْ عِبادَتِكم لِأنَّهُ تَعالى حَمِيدٌ لَهُ عِبادٌ يَحْمَدُونَهُ وإنْ لَمْ تَحْمَدُوهُ أنْتُمْ، والأوْلى التَّعْمِيمُ.
وما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ مِن أنَّهُ لَمّا كَثُرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الدُّعاءُ وكَثُرَ الإصْرارُ مِنَ الكُفّارِ قالُوا لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى مُحْتاجٌ لِعِبادَتِنا فَنَزَلَتْ لا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنَ التَّخْصِيصِ في الآيَةِ كَما لا يَخْفى.
35:16Page 436
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٦
If He wills, He can do away with you and bring forth a new creation.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ إنْ يَشَأْ سُبْحانَهُ إذْهابَكم أيُّها النّاسُ والإتْيانَ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يُذْهِبْكم ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بِعالَمٍ غَيْرِ النّاسِ لا تَعْرِفُونَهُ، هَذا إذا كانَ الخِطابُ عامًّا، أوْ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها المُشْرِكُونَ أوِ العَرَبُ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ لَيْسُوا عَلى صِفَتِكم بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى طاعَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، وهَذا إذا كانَ الخِطابُ خاصًّا، وتَفْسِيرُ الجَدِيدِ بِما سَمِعْتَ مَرْوِيٌّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِاسْتِغْنائِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وما ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن إذْهابِهِمْ والإتْيانِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ بِصَعْبٍ فَإنَّ أمْرَهُ تَعالى إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وإنْ كانَ في النّاسِ تَغْلِيبُ الحاضِرِ عَلى الغائِبِ وأُولِي العِلْمِ عَلى غَيْرِهِمْ، وكانَ الخِطابُ هُنا عَلى ذَلِكَ الطُّرُزِ، وقُلْنا إنَّ الآيَةَ تُشْعِرُ بِأنَّ ما يَأْتِي بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ العالَمِ أبْدَعُ، أُشْكِلَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ قَوْلُ حُجَّةِ الإسْلامِ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ وُقُوعِهِ داخِلًا في حَيِّزِ ما كانَ، وهو مَعَ هَذا العالَمِ كَبَعْضِ أجْزاءِ هَذا العالَمِ مَعَ بَعْضٍ أوْ بِأنَّ الأبْدَعِيَّةَ المَشْعُورَ بِها بِمَعْنًى والأبْدَعِيَّةَ في كَلامِ حُجَّةِ الإسْلامِ بِمَعْنًى آخَرَ، فَتَدَبَّرْ.
35:18Page 436
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨
And no bearer of burdens will bear the burden of another. And if a heavily laden soul calls [another] to [carry some of] its load, nothing of it will be carried, even if he should be a close relative. You can only warn those who fear their Lord unseen and have established prayer. And whoever purifies himself only purifies himself for [the benefit of] his soul. And to Allāh is the [final] destination.
﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ تَحْمِلُ كُلُّ نَفْسٍ وِزْرَها، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ﴾ [اَلْعَنْكَبُوتِ: 13] فَإنَّهُ في الضّالِّينَ المُضِلِّينَ وهم يَحْمِلُونَ إثْمَ إضْلالِهِمْ مَعَ إثْمِ ضَلالِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ آثامُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن آثامِ غَيْرِهِمْ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِأثْقالِهِمْ ما كانَ بِمُباشَرَتِهِمْ وبِما مَعَها ما كانَ بِسَوْقِهِمْ وتَسَبُّبِهِمْ، فَهو لِلْمُضِلِّينَ مِن وجْهٍ ولِلْآخَرِينَ مِن آخَرَ.
﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أيْ نَفْسٌ أثْقَلَتْها الأوْزارُ ﴿إلى حِمْلِها﴾ الَّذِي أثْقَلَها ووِزْرِها الَّذِي بَهَظَها لِيُحْمَلَ شَيْءٌ مِنهُ ويُخَفَّفَ عَنْها، وقِيلَ: أيْ إلى حَمْلِ حَمْلِها ﴿لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ﴾ لَمْ تُجِبْ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ولا تَزِرُ﴾ إلخ نَفْيٌ لِلْحَمْلِ الِاخْتِيارِيِّ تَكَرُّمًا مِن نَفْسِ الحامِلِ رَدًّا لِقَوْلِ المُضِلِّينَ ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ ويُؤَيِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِقَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ اُكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وعَلَيَّ وِزْرُكُمْ، فَنَزَلَتْ.
وهَذا نَفْيٌ لِلْحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَبِ مِنَ الوازِرَةِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ اِخْتِيارًا أوْ جَبْرًا، وإذا لَمْ يُجْبَرْ أحَدٌ عَلى الحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَبِ والِاسْتِعانَةِ عُلِمَ عَدَمُ الجَبْرِ بِدُونِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَيَعُمُّ النَّفْيُ أقْسامَ الحَمْلِ كُلَّها، وكَذا الحامِلُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ وازِرًا أمْ لا، وجاءَ العُمُومُ مِن عَدَمِ ذِكْرِ المَدْعُوِّ ظاهِرًا، وقَدْ يُقالُ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ في الأُولى نَفْيَ حَمْلِ جَمِيعِ الوِزْرِ بِحَيْثُ يَتَعَرّى مِنهُ المَحْمُولُ عَنْهُ، وفي الثّانِي نَفْيَ التَّخْفِيفِ فَلا اِتِّخاذَ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ كَما لا يَخْفى.
وقِيلَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما: إنَّ الأوَّلَ نَفْيُ الحَمْلِ إجْبارًا، والثّانِيَ نَفْيٌ لَهُ اِخْتِيارًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُناسِبَ عَلى هَذا ولا يُوزَرُ عَلى وازِرَةٍ وِزْرُ أُخْرى، وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حَمْلِها أحَدًا لا يَحْمِلْ مِنهُ شَيْئًا، وأيْضًا حَقُّ نَفْيِ الإجْبارِ أنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بَعْدَ نَفْيِ الِاخْتِيارِ.
وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى كَما دَلَّتْ عَلى أنَّ المُثْقَلَ بِالذُّنُوبِ لا يَحْمِلُ أحَدٌ مِن ذُنُوبِهِ شَيْئًا دَلَّتْ عَلى عَدْلِهِ تَعالى الكامِلِ، والجُمْلَةَ الثّانِيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا مُسْتَغاثَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ أيْضًا، وهُما المَقْصُودانِ مِنَ الآيَتَيْنِ
صفحة 185
فالفَرْقُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا أوْلى.
وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ في الجُمْلَةِ الأُولى ثَلاثَةَ أسْئِلَةٍ، قالَ في الأخِيرَيْنِ مِنها: لَمْ أرَ مَن تَفْطَنُ لَهُما، وقَدْ أجابَ عَنْ كُلٍّ:
الأوَّلُ: أنَّ عَدَمَ حَمْلِ الغَيْرِ عَلى الغَيْرِ عامٌّ في النَّفْسِ الآثِمَةِ وغَيْرِ الآثِمَةِ، فَلِمَ خُصَّ بِالآثِمَةِ مَعَ أنَّ التَّصْرِيحَ بِالعُمُومِ أتَمُّ في العَدْلِ وأبْلَغُ في البِشارَةِ وأخْصَرُ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حِمْلَ أُخْرى؟ وجَوابُهُ: أنَّ الكَلامَ في أرْبابِ الأوْزارِ المُعَذَّبِينَ لِبَيانِ أنَّ عَذابَهم إنَّما هو بِما اِقْتَرَفُوهُ مِنَ الأوْزارِ لا بِما اِقْتَرَفَهُ غَيْرُهم.
الثّانِي: أنَّ مَعْنى وِزْرٍ حَمْلُ الوِزْرِ لا مُطْلَقُ الحَمْلِ، عَلى ما في النِّهايَةِ الأثِيرِيَّةِ حَيْثُ قالَ: يُقالُ: وزَرَ يَزِرُ فَهو وازِرٌ إذا حَمَلَ ما يُثْقِلُ ظَهْرَهُ مِنَ الأشْياءِ المُثْقَلَةِ ومِنَ الذُّنُوبِ، فَكَيْفَ صَحَّ ذِكْرُ وِزْرٍ مَعَ يَزَرُ؟ وجَوابُهُ: أنَّهُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ.
الثّالِثُ: أنَّ وازِرَةً يُفْهَمُ مِن تَزِرُ كَما يُفْهَمُ ضارِبٌ مِن يَضْرِبُ مَثَلًا فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِهِ؟ وجَوابُهُ: أنَّهُ إذا قِيلَ ضَرَبَ ضارِبٌ زَيْدًا، فاَلَّذِي يُسْتَفادُ مِن ضَرَبَ إنَّما هو ذاتٌ قامَ بِها ضَرْبُ حَدَثٍ مِن تَعَلُّقِ هَذا الفِعْلِ بِتِلْكَ الذّاتِ، ولِما عَبَّرَ عَنْ شَيْءٍ بِما فِيهِ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ وعُلِّقَ بِهِ مَعْنًى مَصْدَرِيٌّ في صِيغَةِ فَعَلَ أوْ غَيْرِها فُهِمَ مِنهُ في عُرْفِ اللُّغَةِ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ حالَ تَعَلُّقِ ذَلِكَ المَعْنى بِهِ لا بِسَبَبِهِ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ شُرّاحِ الكَشّافِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ضارِبٍ في المِثالِ مُتَّصِفًا بِضَرْبٍ سابِقٍ عَلى تَعَلُّقِ ضَرَبَ بِهِ، وكَذا يُقالُ في ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ .
وهَذِهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ ويَزِيدُها جَلالَةً اِسْتِفادَةُ العُمُومِ إذا أُورِدَ اِسْمُ الفاعِلِ نَكِرَةً في حَيِّزِ نَفْيٍ، وبِذَلِكَ يَسْقُطُ قَوْلُ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيُّ إنَّ ذِكْرَ فاعِلِ الفِعْلِ بِلَفْظِ اِسْمِ فاعِلِهِ نَكِرَةً قَلِيلُ الجَدْوى جِدًّا، اِنْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ يُسْتَفادُ ما ذَكَرَهُ في السُّؤالِ الأوَّلِ مِنَ العُمُومِ، وفي خُصُوصِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ وذِكْرِهِما مَعًا ما لا يَخْفى مِنَ الفائِدَةِ، وفي القامُوسِ وزَرَهُ كَوَعَدَهُ وِزْرًا بِالكَسْرِ حَمَلَهُ، وفي الكَشّافِ وزَرَ الشَّيْءَ إذا حَمَلَهُ، ونَحْوُهُ في البَحْرِ، وعَلى ذَلِكَ لا حاجَةَ إلى التَّجْرِيدِ فَلا تَغْفُلْ.
وأصْلُ الحَمْلِ ما كانَ عَلى الظَّهْرِ مِن ثَقِيلٍ فاسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي مِنَ الذُّنُوبِ والآثامِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ عَنْ طَلْحَةَ وإبْراهِيمَ عَنِ الكِسائِيِّ «لا تَحْمِلْ» بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ المِيمِ، وتَقْتَضِي هَذِهِ القِراءَةُ نَصْبَ شَيْءٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِ (تَحْمِلْ) وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ تَدْعُو المَحْذُوفِ، أيْ وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ نَفْسًا إلى حِمْلِها لَمْ تَحْمِلْ مِنهُ شَيْئًا ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ المَدْعُوُّ المَفْهُومُ مِنَ الدَّعْوَةِ ﴿ذا قُرْبى﴾ ذا قَرابَةٍ مِنَ الدّاعِي، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اِسْمُ كانَ ضَمِيرُ الدّاعِي، أيْ ولَوْ كانَ الدّاعِي ذا قَرابَةٍ مِنَ المَدْعُوِّ، والأوَّلُ أحْسَنُ لِأنَّ الدّاعِيَ هو المُثْقَلَةُ بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ الظّاهِرُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ وتَأْنِيثُهُ.
وقَوْلُ أبِي حَيّانَ ذُكِرَ الضَّمِيرُ حَمْلًا عَلى المَعْنى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ لا يُرادُ بِها مُؤَنَّثُ المَعْنى فَقَطْ بَلْ كُلُّ شَخْصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ يَدْعُ شَخْصٌ مُثْقَلٌ، لا يَخْفى ما فِيهِ.
وقُرِئَ ولَوْ كانَ «ذُو قُرْبى» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ ( كانَ ) ناقِصَةٌ أيْضًا و«ذُو قُرْبى» اِسْمُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ كانَ ذُو قُرْبى مَدْعُوًّا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تامَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَها النَّظْمُ الجَلِيلُ لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ كالتَّتْمِيمِ والمُبالَغَةِ في أنَّ لا غِياثَ أصْلًا فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المُثْقَلَةَ إنْ دَعَتْ أحَدًا إلى حَمْلِها لا يُجِبْها إلى ما دَعَتْهُ إلَيْهِ ولَوْ كانَ ذُو القُرْبى مَدْعُوًّا، ولَوْ قُلْنا إنَّ المُثْقَلَةَ إنْ دَعَتْ أحَدًا إلى حِمْلِها لا يَحْمِلْ مَدْعُوُّها شَيْئًا ولَوْ حَضَرَ ذُو قُرْبى لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ الحُسْنُ، ومُلاحَظَةُ كَوْنِ ذِي القُرْبى مَدْعُوًّا بِقَرِينَةِ السِّياقَ أوْ تَقْدِيرِ فَدَعَتْهُ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ خِلافُ الظّاهِرِ، فَيَخْفى عَلَيْهِ أمْرُ الِانْتِظامِ.
﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ إلخ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَن يَتَّعِظُ بِما ذُكِرَ، أيْ إنَّما تُنْذِرُ بِهَذِهِ الإنْذاراتِ ونَحْوِها ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ يَخْشَوْنَهُ
صفحة 186
تَعالى غائِبِينَ عَنْ عَذابِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَنِ النّاسِ في خَلَواتِهِمْ أوْ يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ غائِبًا عَنْهم فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ.
﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ راعَوْها كَما يَنْبَغِي وجَعَلُوها مَنارًا مَنصُوبًا وعَلَمًا مَرْفُوعًا، أيْ إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ وتَحْذِيرُكَ هَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ دُونَ مَن عَداهم مِن أهْلِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ، ونُكْتَةُ اِخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ تُعْلَمُ مِمّا مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ فَتَذَكَّرْ ما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.
﴿ومَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن أدْناسِ الأوْزارِ والمَعاصِي بِالتَّأثُّرِ مِن هَذا الإنْذاراتِ ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ لِاقْتِصارِ نَفْعِهِ عَلَيْها كَما أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِها لا يَتَدَنَّسُ إلّا عَلَيْها، والتَّزَكِّي شامِلٌ لِلْخَشْيَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، فَهَذا تَقْرِيرٌ وحَثٌّ عَلَيْهِما.
وقَرَأ العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ومَن يَزَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى» بِالياءِ مِن تَحْتٍ وشَدِّ الزّايِ فِيهِما وهُما مُضارِعانِ أصْلُهُما ومَن يَتَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ كَما أُدْغِمَتْ في يَذَّكَّرُونَ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ «ومَن اِزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ واجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ في الِابْتِداءِ، وطَلْحَةُ أيْضًا «فَإنَّما تَزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ.
﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرَهُ اِسْتِقْلالًا أوِ اِشْتِراكًا فَيُجازِيهِمْ عَلى تَزَكِّيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ.
﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ والأعْمى والبَصِيرُ مَثَلانِ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ كَما قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هُما مَثَلانِ لِلصَّنَمِ ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَهو مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ والمَعْنى لا يَسْتَوِي اللَّهُ تَعالى مَعَ ما عَبَدْتُمْ.
35:20–21Page 437
وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ٢٠
Nor are the darknesses and the light,
وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ ٢١
Nor are the shade and the heat,1
﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ أيْ ولا الباطِلُ ولا الحَقُّ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ولا الثَّوابُ ولا العِقابُ، وقِيلَ: ولا الجَنَّةُ ولا النّارُ، والحَرُورُ فَعُولٌ مِنَ الحَرِّ، وأُطْلَقَ كَما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ عَلى شِدَّةِ الحَرِّ لَيْلًا أوْ نَهارًا، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو شِدَّةُ حَرِّ الشَّمْسِ، وفي الكَشّافِ الحَرُورُ السَّمُومُ إلّا أنَّ السَّمُومَ يَكُونُ بِالنَّهارِ والحَرُورَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وقِيلَ: بِاللَّيْلِ.
35:22Page 437
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢
And not equal are the living and the dead. Indeed, Allāh causes to hear whom He wills, but you cannot make hear those in the graves.1
﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ تَمْثِيلٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الدِّينِ بَعْدَ البَعْثَةِ والكافِرِينَ الَّذِينَ أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا، فالتَّعْرِيفُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: لِلْعُلَماءِ والجُهَلاءِ. والثَّعالِبِيُّ جَعَلَ الأعْمى والبَصِيرَ مَثَلَيْنِ لَهُما ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ يُسْمِعُهُ ويَجْعَلُهُ مُدْرِكًا لِلْأصْواتِ، وقالَ الخَفاجِيُّ وغَيْرُهُ: ولَعَلَّ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ سَماعَ تَدَبُّرٍ وقَبُولٍ لِآياتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بِالأمْواتِ وإشْباعٌ في إقْناطِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إيمانِهِمْ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ وما أنْتَ مُسْمِعٌ، والمُرادُ بِالسَّماعِ هُنا ما أُرِيدَ بِهِ في سابِقِهِ، ولا يَأْبى إرادَةُ السَّماعِ المَعْرُوفِ ما ورَدَ في حَدِيثِ القَلِيبِ لِأنَّ المُرادَ نَفِيُ الإسْماعِ بِطَرِيقِ العادَةِ، وما في الحَدِيثِ مِن بابِ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [اَلْأنْفالِ: 17] وإلى هَذا ذَهَبَ البَعْضُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، فَلا تَغْفُلْ.
وما ألْطَفَ نَظْمَ هَذِهِ التَّمْثِيلاتِ فَقَدْ شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ أوَّلًا بِالبَحْرَيْنِ وفَضَّلَ البَحْرَ الأُجاجَ عَلى الكافِرِ لِخُلُوِّهِ مِنَ النَّفْعِ، ثُمَّ بِالأعْمى والبَصِيرِ مُسْتَتْبِعًا بِالظُّلُماتِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِفِقْدانِ نُورِ البَصَرِ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ فِقْدانَ ما يَمُدُّهُ مِنَ النُّورِ الخارِجِيِّ، وقَرَنَ إلَيْهِ نَتِيجَةَ ذَلِكَ العَمى والفِقْدانِ فَكانَ فِيهِ تَرَقٍّ مِنَ التَّشْبِيهِ الأوَّلِ إلَيْهِ ثُمَّ بِالأحْياءِ والأمْواتِ تَرَقِّيًا ثانِيًا، وأرْدَفَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ .
وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ إخْلاءَ الثّانِي مِن لا المُؤَكِّدَةِ لِأنَّهُ كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾
صفحة 187
ولِهَذا كَرَّرَ ( وما يَسْتَوِي ) وأمّا ذِكْرُها في التَّمْثِيلَيْنِ بَعْدَهُ فَلِأنَّهُما مَقْصُودانِ في أنْفُسِهِما إذْ ما فِيهِما مَثَلانِ لِلْحَقِّ والباطِلِ وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ دُونَ المُؤْمِنِ والكافِرِ كَما في غَيْرِهِما، وإنَّما حُمِلَتْ عَلى أنَّها زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الظُّلُماتِ في نَفْسِها لا تَسْتَوِي بَلْ تَتَفاوَتُ فَمِن ظُلْمَةٍ هي أشَدُّ مِن أُخْرى مَثَلًا، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ بَلِ المُرادُ أنَّ الظُّلُماتِ لا تُساوِي النُّورَ والظِّلَّ لا يُساوِي الحَرُورَ والأحْياءَ لا تُساوِي الأمْواتَ.
وزَعَمَ اِبْنُ عَطِيَّةَ أنَّ دُخُولَ لا عَلى نِيَّةِ التَّكْرارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا الظُّلُماتُ والنُّورُ ولا النُّورُ والظُّلُماتُ، وهَكَذا فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الأوائِلِ عَنِ الثَّوانِي، ودَلَّ مَذْكُورُ الكَلامِ عَلى مَتْرُوكِهِ، والقَوْلُ بِأنَّها مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ يُغْنِي عَنِ اِعْتِبارِ هَذا الحَذْفِ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ.
وقالَ الإمامُ: كُرِّرَتْ لا فِيما كُرِّرَتْ لِتَأْكِيدِ المُنافاةِ فالظُّلُماتُ تُنافِي النُّورَ وتُضادُّهُ والظِّلُّ والحَرُورُ كَذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الظِّلِّ عَدَمُ الحَرِّ والبَرْدِ، بِخِلافِ الأعْمى والبَصِيرِ فَإنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ بَصِيرًا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ العَمى، فَلا مُنافاةَ إلّا مِن حَيْثُ الوَصْفُ، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ فِيهِما وإنْ كانا كالأعْمى والبَصِيرِ مِن حَيْثُ إنَّ الجِسْمَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ حَيًّا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ المَوْتُ، لَكِنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَيِّ والمَيِّتِ أتَمُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ فَإنَّهُما قَدْ يَشْتَرِكانِ في إدْراكِ أشْياءَ ولا كَذَلِكَ الحَيُّ والمَيِّتُ كَيْفَ والمَيِّتُ مُخالِفُ الحَيِّ في الحَقِيقَةِ عَلى ما تَبَيَّنَ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.
وقِيلَ: لَمْ تُكَرَّرْ، قِيلَ: وكُرِّرَتْ بَعْدُ لِأنَّ المُخاطَبَ في أوَّلِ الكَلامِ لا يُقَصِّرُ في فَهْمِ المُرادِ، وقِيلَ: كُرِّرَتْ فِيما عَدا الأخِيرَ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ والنُّورُ مَثَلًا لَتُوُهِّمَ نَفْيُ الِاسْتِواءِ بَيْنَ مَجْمُوعِ الأعْمى والبَصِيرِ ومَجْمُوعِ الظُّلُماتِ والنُّورِ، وفي الأخِيرِ لِلِاعْتِناءِ، وإدْخالُ (لا) عَلى المُتَقابِلَيْنِ لِتَذْكِيرِ نَفْيِ الِاسْتِواءِ.
وقُدِّمَ الأعْمى عَلى البَصِيرِ مَعَ أنَّ البَصِيرَ أشْرَفُ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى الكافِرِ وهو مَوْجُودٌ قَبْلَ البَعْثَةِ والدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، ولِنَحْوِ هَذا قُدِّمَ الظُّلُماتُ عَلى النُّورِ، فَإنَّ الباطِلَ كانَ مَوْجُودًا فَدَمَغَهُ الحَقُّ بِبَعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يُقَدَّمِ الحَرُورُ عَلى الظِّلِّ لِيَكُونَ عَلى طُرُزِ ما سَبَقَ مِن تَقْدِيمِ غَيْرِ الأشْرَفِ بَلْ قُدِّمَ الظِّلُّ رِعايَةً لِمُناسَبَتِهِ لِلْعَمى والظُّلْمَةِ مِن وجْهٍ أوْ لِسَبْقِ الرَّحْمَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ.
وقُدِّمَ الأحْياءُ عَلى الأمْواتِ ولَمْ يُعْكَسِ الأمْرُ لِيُوافِقَ الأوَّلَيْنِ في تَقْدِيمِ غَيْرِ الأشْرَفِ لِأنَّ الأحْياءَ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ والأمْواتَ إشارَةٌ إلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَعْدَها ولِذا قِيلَ بَعْدُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ الخ، ووُجُودُ المُصِرِّينَ بِوَصْفِ الإصْرارِ بَعْدَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ قُدِّمَ ما قُدِّمَ فِيما عَدا الأخِيرَ لِأنَّهُ عَدَمٌ ولَهُ مَرْتَبَةُ السَّبْقِ، وفي الأخِيرِ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْواتِ فاقِدُو الحَياةِ بَعْدَ الِاتِّصافِ بِها كَما يُشْعِرُ بِهِ أرْدافُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ فَيَكُونُ لِلْحَياةِ مَعَ أنَّها وُجُودِيَّةُ رُتْبَةِ السَّبْقِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ تَقْدِيمَ غَيْرِ الأشْرَفِ مَعَ اِنْفِهامِ أنَّهُ غَيْرُ أشْرَفَ عَلى الأشْرَفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّقْدِيمَ صُورَةٌ لا يُخِلُّ بِشَرَفِ الأشْرَفِ:
فالنّارُ يَعْلُوها الدُّخانُ ورُبَّما يَعْلُو الغُبارُ عَمائِمَ الفُرْسانِ
وجَمْعُ الظُّلُماتِ مَعَ إفْرادِ النُّورِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الباطِلِ واتِّحادِ الحَقِّ، وقِيلَ لِأنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ تَتَعَدَّدُ فَتَكُونُ في مَحالَّ قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُما نُورٌ، والنُّورُ في هَذا العالَمِ وإنْ تَعَدَّدَ إلّا أنَّهُ يَتَّحِدُ وراءَ مَحَلِّ تَعَدُّدِهِ، وجُمِعَ الأحْياءُ والأمْواتُ عَلى بابِهِ لِتَعَدُّدِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَمْ يُجْمَعِ الأعْمى والبَصِيرُ لِذَلِكَ لِأنَّ القَصْدَ إلى الجِنْسِ، والمُفْرَدُ أظْهَرُ فِيهِ مَعَ أنَّ في البُصَراءِ تَرْكَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ، وهو عَلى الذَّوْقِ السَّلِيمِ دُونَ البَصِيرِ، فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ.
صفحة 188
وقَرَأ الأشْهَبُ والحَسَنُ «بِمُسْمِعِ مَن» بِالإضافَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences