Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:34–41
35:34Page 438
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ ٣٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has removed from us [all] sorrow. Indeed, our Lord is Forgiving and Appreciative -
﴿وقالُوا﴾ أيْ ويَقُولُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ حَزَنَ تَقَلُّبِ القَلْبِ وخَوْفِ العاقِبَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: حَزَنُ أهْوالِ القِيامَةِ وما يُصِيبُ مِن ظُلْمِ نَفْسِهِ هُنالِكَ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: حَزَنُ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: حَزَنُ المَوْتِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا ذَبَحَ المَوْتُ، وقالَ مُقاتِلٌ: حَزَنُ الِانْتِقالِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا اِسْتَقَرُّوا فِيها، وقالَ قَتادَةُ: حَزَنُ أنْ لا تُتَقَبَّلَ أعْمالُهُمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: خَوْفُ الشَّيْطانِ، وقالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: حَزَنُ مَعِيشَةِ الدُّنْيا الخُبْزِ ونَحْوِهِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: حَزَنُ الآفاتِ والأعْراضِ، وقِيلَ: حَزَنُ كِراءِ الدّارِ، والأوْلى أنْ يُرادَ جِنْسُ الحَزَنِ المُنْتَظِمِ لِجَمِيعِ أحْزانِ الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ، وكُلُّ ما سَمِعْتَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ: «إنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ» أيْ بَعْدَ أنْ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ الخ، فَلا تَغْفُلْ.
وقُرِئَ «اَلْحُزْنَ» بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، ذَكَرَهُ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ.
﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ لِلْمُذْنِبِينَ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْمُطِيعِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: غَفَرَ لَنا العَظِيمَ مِن ذُنُوبِنا وشَكَرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا، وفي الكَشّافِ ذِكْرُ الشَّكُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَوْمَ كَثِيرُو الحَسَناتِ، وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: وذِكْرُ الغَفُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كَثِيرُو الفُرُطاتِ، فَيَنْطَبِقُ عَلى الفَرْقِ ولا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، ولَكِنْ مَنعَهُ المَذْهَبُ
35:35Page 438
ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ ٣٥
He who has settled us in the home of duration [i.e., Paradise] out of His bounty. There touches us not in it any fatigue, and there touches us not in it weariness [of mind]."
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ أيْ دارَ الإقامَةِ الَّتِي لا اِنْتِقالَ عَنْها أبَدًا وهي الجَنَّةُ.
﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مِن إنْعامِهِ سُبْحانَهُ وتَفَضُّلِهِ وكَرَمِهِ، فَإنَّ العَمَلَ وإنْ كانَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ لَكِنَّ سَبَبِيَّتَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا إذْ لَيْسَ هُناكَ اِسْتِحْقاقٌ ذاتِيٌّ، ومَن عَلِمَ أنَّ العَمَلَ مُتَناهٍ زائِلٌ وثَوابَ الجَنَّةِ دائِمٌ لا يَزُولُ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أحَلَّ مَن أحَلَّ دارَ الإقامَةِ إلّا مِن مَحْضِ فَضْلِهِ سُبْحانَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِن إعْطائِهِ تَعالى وإفْضالِهِ مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ فُضُولٌ عَلى قَوْمِهِ
صفحة 200
وفَواضِلُ، ولَيْسَ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي هو التَّفَضُّلُ لِأنَّ الثَّوابَ بِمَنزِلَةِ الأجْرِ المُسْتَحَقِّ، والتَّفَضُّلُ كالتَّبَرُّعِ وفِيهِ مِنَ الِاعْتِزالِ ما فِيهِ.
﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ كَلالٌ وفُتُورٌ وهو نَتِيجَةُ النَّصَبِ، وضَمُّهُ إلَيْهِ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ اِنْتِفاءِ كُلٍّ مِنهُما، كَذا قالَ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: النَّصَبُ التَّعَبُ الجُسْمانِيُّ واللُّغُوبُ التَّعَبُ النَّفْسانِيُّ، وأخْرُجُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ فَسَّرَ النَّصَبَ بِالوَجَعِ والكَلامُ مِن بابِ:
لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
والجُمْلَةُ حالٌ مِن أحَدِ مَفْعُولَيْ أحَلَّ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسَّلَمِيُّ «لَغُوبٌ» بِفَتْحِ اللّامِ، قالَ الفَرّاءُ: هو ما يُغَبُّ بِهِ كالفَطُورِ والسَّحُورِ، وجازَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبُ لَغُوبٍ نَحْوَ شِعْرِ شاعِرٍ، كَأنَّهُ وصَفَ اللَّغُوبَ بِأنَّهُ قَدْ لَغَبَ أيْ أُعْيِيَ وتَعِبَ.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَبُولِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صِفَةً لِمُضْمَرٍ أيْ أمْرٌ لَغُوبٌ.
35:36Page 438
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ ٣٦
And for those who disbelieve will be the fire of Hell. [Death] is not decreed for them1 so they may die, nor will its torment be lightened for them. Thus do We recompense every ungrateful one.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ ﴿فَيَمُوتُوا﴾ لِيَسْتَرِيحُوا بِذَلِكَ مِن عَذابِها بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما فُسِّرَ لا يُقْضى بِما ذُكِرَ دُونَ لا يَمُوتُونَ لِئَلّا يَلْغُوا فَيَمُوتُوا، ويُحْتاجُ إلى تَأْوِيلِهِ بِ يَسْتَرِيحُوا.
ونَصْبُ يَمُوتُوا في جَوابِ النَّفْيِ بِإضْمارِ أنْ، والمُرادُ اِنْتِفاءُ المُسَبَّبِ لِانْتِفاءِ السَّبَبِ أيْ ما يَكُونُ حُكْمٌ بِالمَوْتِ فَكَيْفَ يَكُونُ المَوْتُ.
وقَرَأ عِيسى والحَسَنُ «فَيَمُوتُونَ» بِالنُّونِ عَطْفًا كَما قالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ عَلى ﴿يُقْضى﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ أيْ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ولا يَمُوتُونَ ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ المَعْهُودِ لَهم بَلْ كُلَّما خَبَتْ زِيدَ إسْعارُها، والمُرادُ دَوامُ العَذابِ فَلا يُنافِي تَعْذِيبَهم بِالزَّمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ، ونائِبُ فاعِلِ يُخَفَّفُ ﴿عَنْهُمْ﴾ و﴿مِن عَذابِها﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ويَجُوزُ العَكْسُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً فَيَتَعَيَّنُ رَفْعُ مَجْرُورِها عَلى أنَّهُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ولا يُخَفَّفْ» بِإسْكانِ الفاءِ، شَبَّهَ المُنْفَصِلَ بِالمُتَّصِلِ كَقَوْلِهِ:
فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ مُبالِغٍ في الكُفْرِ أوِ الكُفْرانِ لا جَزاءَ أخَفُّ وأدْنى مِنهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو حاتِمٍ عَنِ نافِعٍ «يُجْزى» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و«كُلُّ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ وقُرِئَ «نُجازِي» بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ.
35:37Page 438
وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧
And they will cry out therein, "Our Lord, remove us;1 we will do righteousness - other than what we were doing!" But did We not grant you life enough for whoever would remember therein to remember, and the warner had come to you? So taste [the punishment], for there is not for the wrongdoers any helper.
﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ اِفْتِعالٌ مِنَ الصُّراخِ وهو شَدَّةُ الصِّياحِ والأصْلُ يَصْتَرِخُونَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً ويُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في الِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ المُسْتَغِيثَ يَصِيحُ غالِبًا، وبِهِ فَسَّرَهُ هُنا قَتادَةُ فَقالَ: يَسْتَغِيثُونَ فِيها، واسْتِغاثَتُهم بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وقِيلَ بِبَعْضِهِمْ لِحَيْرَتِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ، أيْ ويَقُولُونَ بِالعَطْفِ أوْ يَقُولُونَ بِدُونِهِ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ أوْ قائِلِينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمْ، وتَقْيِيدُ العَمَلِ الصّالِحِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما عَمِلُوهُ مِن غَيْرِ الصّالِحِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِهِ والأشْعارِ بِأنَّ اِسْتِخْراجَهم لِتَلافِيهِ فَهو وصْفٌ مُؤَكِّدٌ، ولِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا فَكَأنَّهم قالُوا: نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَحْسَبُهُ صالِحًا فَنَعْمَلْهُ، فالوَصْفُ مُقَيَّدٌ.
وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ ﴿صالِحًا﴾ و﴿غَيْرَ الَّذِي﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وأنْ يَكُونَ ﴿صالِحًا﴾ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ و﴿غَيْرَ الَّذِي﴾ مَفْعُولُ ﴿نَعْمَلْ﴾ .
وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أخْرِجْنا مِنَ النّارِ ورُدَّنا إلى الدُّنْيا نَعْمَلْ
صفحة 201
صالِحًا، وكَأنَّهم أرادُوا بِالعَمَلِ الصّالِحِ التَّوْحِيدَ وامْتِثالَ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والِانْقِيادَ لَهُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ نَقُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وتَوْبِيخٌ لَهم في الآخِرَةِ حِينَ يَقُولُونَ ﴿رَبَّنا﴾ إلخ فَهو بِتَقْدِيرِ فَنَقُولُ لَهم أوْ فَيُقالُ لَهم ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ الخ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم يُجابُونَ بِذَلِكَ بَعْدَ مِقْدارِ الدُّنْيا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ ألَمْ نُمْهِلْكم ونُعَمِّرْكُمُ الَّذِي أيِ العُمْرَ الَّذِي أوْ عُمْرًا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ أيْ يَتَمَكَّنَ فِيهِ مَن أرادَ التَّذَكُّرَ وتَحَقَّقَتْ مِنهُ تِلْكَ الإرادَةُ مِنَ التَّذَكُّرِ والتَّفَكُّرِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أيْ ألَمْ نُعَمِّرْكم في مُدَّةِ تَذَكُّرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ضَمِيرَ (فِيهِ) يَأْباهُ لِأنَّها لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ إلّا عَلى نَظَرِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ يَرى اِسْمِيَّتَها وهو ضَعِيفٌ، ولَعَلَّهُ يَجْعَلُ الضَّمِيرَ لِلْعُمْرِ المَفْهُومِ مِن (نُعَمِّرُ) وفِيهِ بُعْدٌ.
وجَعْلُ ما نافِيَةً لا يَصِحُّ كَما قالَ اِبْنُ الحاجِبِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهَذا العُمْرُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ سِتُّونَ سَنَةً. وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أعْذَرَ اللَّهُ تَعالى إلى اِمْرِئٍ أخَّرَ عُمْرَهُ حَتّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً»».
وقِيلَ: هو خَمْسُونَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سِتٌّ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ سِنُّ البُلُوغِ، وقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ قَتادَةَ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عِشْرُونَ سَنَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ ما بَيْنَ العِشْرِينَ إلى السِّتِّينَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: «ما يَذَّكَّرُ فِيهِ» مِنِ اِذَّكَّرَ بِالإدْغامِ واجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ مَلْفُوظًا بِها في الدَّرَجِ.
﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَمَّرْناكم وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [اَلشَّرْحِ: 1، 2] وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿نُعَمِّرْكُمْ﴾ ودُخُولُ الهَمْزَةِ عَلَيْهِما فَلا تَغْفُلْ.
والمُرادُ بِالنَّذِيرِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ جِنْسُ النَّذِيرِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكُلُّ نَبِيٍّ نَذِيرُ أُمَّتِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «اَلنُّذُرُ» جَمْعًا، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ووَكِيعٍ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ والفَرّاءِ والطَّبَرِيِّ هو الشَّيْبُ وفي الأثَرِ ما مِن شَعْرَةٍ تَبِيضُ إلّا قالَتْ لِأُخْتِها اِسْتَعِدِّي فَقَدْ قَرُبَ المَوْتُ، ومِن هُنا قِيلَ:
رَأيْتُ الشَّيْبَ مِن نُذُرِ المَنايا لِصاحِبِهِ وحَسْبُكَ مِن نَذِيرِ
وقائِلَةً تَخَضَّبْ يا حَبِيبِي ∗∗∗ وسَوِّدْ شَعْرَ شَيْبِكَ بِالعَبِيرِ
فَقُلْتُ لَها المَشِيبُ نَذِيرُ عُمْرِي ∗∗∗ ولَسْتُ مُسَوِّدًا وجْهَ النَّذِيرِ
وقِيلَ: الحُمّى، وقِيلَ: مَوْتُ الأهْلِ والأقارِبِ، وقِيلَ: كَمالُ العَقْلِ، والِاقْتِصارُ عَلى النَّذِيرِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّعْمِيرِ ومَجِيءِ النَّذِيرِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا الكُفْرُ، قِيلَ كانَ الظّاهِرُ فَما لَكَمَ، لَكِنْ عَدَلَ إلى المُظْهَرِ لِتَقْرِيعِهِمْ، والمُرادُ اِسْتِمْرارُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيرٌ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.
35:38Page 438
إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيۡبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٣٨
Indeed, Allāh is Knower of the unseen [aspects] of the heavens and earth. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ كُلَّ غَيْبٍ فِيهِما أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ خافِيَةٌ فِيهِما، فَلا تَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ أحْوالُهُمُ الَّتِي اِقْتَضَتِ الحِكْمَةَ
صفحة 202
أنْ يُعامَلُوا بِها هَذِهِ المُعامَلَةَ ولا يُخْرَجُوا مِنَ النّارِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «عالِمٌ» بِالتَّنْوِينِ «غَيْبَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِعالِمٍ.
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قِيلَ: إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ مُضْمَراتِ الصُّدُورِ وهي أخْفى ما يَكُونُ كانَ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمَ بِغَيْرِها، وفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ إلخ تَقْرِيرٌ لِدَوامِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهم ما كَفَرُوا إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً فَكَأنَّ سائِلًا يَسْألُ عَنْ وجْهِ ذَلِكَ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما في الصُّدُورِ، فَكانَ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ مِنَ الكافِرِ أنَّ الكُفْرَ قَدْ تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ بِحَيْثُ لَوْ دامَ إلى الأبَدِ لَما أطاعَ اللَّهَ تَعالى ولا عَبَدَهُ اِنْتَهى.
وظاهِرُهُ أنَّ الجُمْلَةَ الأُولى تَعْلِيلٌ لِلثّانِيَةِ عَلى عَكْسِ ما قِيلَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ مُتَضَمِّنٌ نَفْيَ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيرٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ومُسْتَدْعٍ خُلُودَهم في العَذابِ، فَكانَ مَظِنَّةً أنْ يُقالَ: كَيْفَ يُنْفى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ والعادَةُ في الشّاهِدِ قاضِيَةٌ بِوُجُودِ نَصِيرٍ لِمَن تَطُولُ أيّامِ عَذابِهِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيرٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لَعَلِمَهُ ولَما نَفى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ، وكَذا مَظِنَّةُ أنْ يُقالَ: كَيْفَ يُخَلَّدُونَ في العَذابِ وهم قَدْ ظَلَمُوا في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما اِنْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم فَيَعْلَمُ أنَّهم صَمَّمُوا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ والكُفْرِ إلى الأبَدِ، فَكُلٌّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنَفٌ اِسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، فَتَأمَّلْ.
35:39Page 439
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا ٣٩
It is He who has made you successors upon the earth. And whoever disbelieves - upon him will be [the consequence of] his disbelief. And the disbelief of the disbelievers does not increase them in the sight of their Lord except in hatred; and the disbelief of the disbelievers does not increase them except in loss.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ مُلْقًى إلَيْكم مَقالِيدُ التَّصَرُّفِ والِانْتِفاعِ بِما فِيها أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ وأوْرَثَكم ما بِأيْدِيكم مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِتَشْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ أوْ جَعَلَكم بَدَلَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَهَلَكُوا فَلَمْ تَتَّعِظُوا بِحالِهِمْ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ.
والخِطابُ قِيلَ عامٌّ، واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ وقَدِ اِطَّرَدَ جَمْعُ فَعِيلَةٍ عَلى فَعائِلَ، وأمّا الخُلَفاءُ فَجَمْعُ خَلِيفٍ كَكَرِيمٍ وكُرَماءَ، وجَوَّزَ الواحِدِيُّ كَوْنَهُ جَمْعَ خَلِيفَةٍ أيْضًا وهو خِلافُ المَشْهُورِ.
﴿فَمَن كَفَرَ﴾ مِنكم مِثْلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ السَّنِيَّةِ وغَمَطَها أوْ فَمَنِ اِسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ وتَرَكَ الإيمانَ بَعْدَ أنْ لَطَفَ بِهِ وجَعَلَ لَهُ ما يُنَبِّهُهُ عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ وبالُ كُفْرِهِ وجَزاؤُهُ لا عَلى غَيْرِهِ.
﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا﴾ أشَدَّ الِاحْتِقارِ والبُغْضِ والغَضَبِ.
﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾ في الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يَزِيدُ﴾ إلخ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ولِزِيادَةِ تَفْصِيلِهِ نَزَلَ مَنزِلَةَ المُغايِرِ لَهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَفُصِلَ عَنْهُ، والتَّكْرِيرُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اِقْتِضاءَ الكُفْرِ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الأمَرَّيْنِ المَقْتِ والخَسارَةِ مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ قُبْحِهِ ووُجُوبِ التَّجَنُّبِ عَنْهُ، بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الكُفْرُ مُسْتَوْجِبًا لِشَيْءٍ سِوى مَقْتِ اللَّهِ تَعالى لَكَفى ذَلِكَ في قُبْحِهِ، وكَذا لَوْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ شَيْئًا سِوى الخَسارِ لَكَفى.
35:40Page 439
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا فَهُمۡ عَلَىٰ بَيِّنَتٖ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا ٤٠
Say, "Have you considered1 your 'partners' whom you invoke besides Allāh? Show me what they have created from the earth, or have they partnership [with Him] in the heavens? Or have We given them a book so they are [standing] on evidence therefrom? [No], rather, the wrongdoers do not promise each other except delusion."2
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ آلِهَتَكُمْ، والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى واعْتَقَدُوهم كَذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ما أصْلًا.
وقِيلَ: الإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ فِيما يَمْلِكُونَهُ أوْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شُرَكاءَ لَهم في النّارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ والصِّفَةُ عَلَيْهِما مُقَيِّدَةٌ لا مُؤَكِّدَةٌ، وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقُهُ ظاهِرانِ فِيما تَقَدَّمَ.
﴿أرُونِي﴾ ماذا ﴿خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى
صفحة 203
أخْبِرُونِي كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَنْ شُرَكائِكُمْ، أرُونِي أيَّ جُزْءٍ خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا الإلَهِيَّةَ والشَّرِكَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا تَجُوزُ البَدَلِيَّةُ لِأنَّهُ إذا أُبْدِلَ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ فَلا بُدَّ مِن دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ، وأيْضًا إبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ لَمْ يُعْهَدْ في لِسانِهِمْ ثُمَّ البَدَلُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هاهُنا لِأنَّهُ لا عامِلَ لِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: واَلَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي وهي تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما مَنصُوبٌ والآخِرُ مُشْتَمِلٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِ العَرَبِ أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ، فالأوَّلُ هُنا ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾ والثّانِي ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ و﴿أرُونِي﴾ جُمْلَةٌ اِعْتِراضِيَّةٌ فِيها تَأْكِيدٌ لِلْكَلامِ وتَسْدِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أيْضًا مِن بابِ الإعْمالِ لِأنَّهُ تَوارَدَ عَلى﴿ماذا خَلَقُوا﴾ أرَأيْتُمْ وأرُونِي، لِأنَّ أرُونِي قَدْ تَعَلَّقَ عَنْ مَفْعُولِها الثّانِي كَما عُلِّقَتْ رَأى الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْها هَمْزَةُ النَّقْلِ عَنْ مَفْعُولِها في قَوْلِهِمْ: أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هاهُنا، ويَكُونُ قَدْ أُعْمِلَ الثّانِي عَلى المُخْتارِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فانْتَهى، وما ذَكَرَهُ اِحْتِمالٌ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما أنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا اِحْتِمالٌ، وما قالَهُ في رَدِّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ لُزُومَ دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ فِيما إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ باقٍ عَلى مَعْناهُ، أمّا إذا نُسِخَ عَنْهُ كَما هُنا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أهْلَ العَرَبِيَّةِ والمَعانِي نَصُّوا عَلى خِلافِهِ وقَدْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:
أقُولُ لَهُ اِرْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا وإلّا فَكُنْ في السِّرِّ والجَهْرِ مُسْلِمًا
وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّ كَوْنَ البَدَلِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ إنَّما هو كَما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْهم في بَدَلِ المُفْرَداتِ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ العامِلُ هُنا مَوْجُودٌ، وهو ﴿قُلْ﴾ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالمَقُولِ ولا عامِلَ فِيهِ إذْ يُقالُ وهو ظاهِرٌ.
وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي بَلِ المُرادُ حَقِيقَةُ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وأرُونِي أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، أيْ أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها ما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها أوْ كُنْتُمْ تَوَهَّمْتُمْ فِيها قُدْرَةً فَأرُونِي أثَرَها، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.
﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ أيْ بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِ السَّماواتِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا ما زَعَمْتُمْ فِيهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوْلى أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ عَلى أنَّ المَعْنى أمْ لَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في السَّماواتِ خَلْقًا وإبْقاءً وتَصَرُّفًا لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ آياتِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الشُّرَكاءِ ولَيْسَتْ مَحْصُورَةً في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ، والكَلامُ قِيلَ مِن بابِ التَّدَرُّجِ مِنَ الِاسْتِقْلالِ إلى الشَّرِكَةِ ثُمَّ مِنها إلى حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِالشَّرِكَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبَرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ هَلِ اِسْتَبَدُّوا بِخَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَكُونُوا مَعْبُودِينَ مِثْلَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ.
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ أيْ بَلْ آتَيْناهم كِتابًا يَنْطِقُ بِأنّا اِتَّخَذْناهم شُرَكاءَ ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنَّ لَهم شَرِكَةً مَعَنا.
وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّرَقِّي في إثْباتِ الشَّرِكَةِ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِخَلْقِ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ شَرِكَةُ ما مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ، والِاشْتِراكُ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ أدَلُّ عَلى إثْباتِها، ثُمَّ إيتاءُ كِتابٍ مِنهُ تَعالى عَلى أنَّهم شُرَكاؤُهُ أدَلُّ وأدَلُّ، وقِيلَ: هم في ﴿آتَيْناهُمْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وكَذا في (فَهُمْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ [اَلرُّومِ: 35] إلخ فَفي الكَلامِ اِلْتِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنِ المُشْرِكِينَ وتَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الغَيْبِ.
والمَعْنى أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ ولا عَقْلَ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ عِبادَةِ مَن لا يَخْلُقُ جُزْءًا ما مِنَ الأرْضِ دَلالَةُ شِرْكٍ في السَّماءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ولَمْ نُؤْتِ المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ الأمْرُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ، وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلضَّمائِرِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ضَمِيرُ
صفحة 204
﴿آتَيْناهُمْ﴾ لِلشُّرَكاءِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ وضَمِيرُ ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، وزَعَمَ أنْ لا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ ولا تَفْكِيكَ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ «عَلى بَيِّناتٍ» بِالجَمْعِ فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الشِّرْكَ خَطِيرٌ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَعاضُدِ الدَّلائِلِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ.
﴿بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾ لَمّا نَفِي سُبْحانَهُ ما نَفى مِنَ الحُجَجِ في ذَلِكَ أضْرَبَ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ بِذِكْرِ ما حَمَلَهم عَلى الشِّرْكِ وهو تَقْرِيرُ الأسْلافِ لِلْأخْلافِ وإضْلالُ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ بِأنَّهم شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَشْفَعُونَ لَهم بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، والآيَةُ عِنْدَ الكَثِيرِ في عَبَدَةِ الأصْنامِ وحُكْمُها عامٌّ، وقِيلَ: في عَبَدَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صَنَمًا كانَ أوْ مَلِكًا أوْ غَيْرَهُما.
35:41Page 439
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤١
Indeed, Allāh holds the heavens and the earth, lest they cease. And if they should cease, no one could hold them [in place] after Him. Indeed, He is Forbearing1 and Forgiving.
﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِغايَةِ قُبْحِ الشِّرْكِ وهو لَهُ، أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُ السَّماواتِ والأرْضَ كَراهَةَ زَوالِهِما أوْ لِئَلّا تَزُولا وتَضْمَحِلّا فَإنَّ المُمْكِنَ كَما يُحْتاجُ إلى الواجِبِ سُبْحانَهُ حالَ إيجادِهِ يُحْتاجُ إلَيْهِ حالَ بَقائِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿يُمْسِكُ﴾ بِمَعْنى يَمْنَعُ و﴿أنْ تَزُولا﴾ مَفْعُولُهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ لِأنَّهُ يَتَعَدّى بِمِن أيْ يَمْنَعُهُما مِن ﴿أنْ تَزُولا﴾، وفي البَحْرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ تَزُولا﴾ بَدَلَ اِشْتِمالٍ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ يَمْنَعُ سُبْحانَهُ زَوالَ السَّماواتِ والأرْضَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الزَّوالَ بِالِانْتِقالِ عَنِ المَكانِ، أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْنَعُ السَّماواتِ مِن أنْ تَنْتَقِلَ عَنْ مَكانِها فَتَرْتَفِعُ أوْ تَنْخَفِضُ ويَمْنَعُ الأرْضَ أيْضًا مِن أنْ تَنْتَقِلَ كَذَلِكَ، وفي أثَرٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ.
وقِيلَ: زَوالُهُما دَوَرانُهُما فَهُما ساكِنَتانِ والدّائِرَةُ بِالنُّجُومِ أفْلاكُها وهي غَيْرُ السَّماواتِ، فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شَقِيقٍ قالَ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ كَعْبًا يَقُولُ: إنَّ السَّماءَ تَدُورُ في قُطْبَةٍ مِثْلَ قُطْبَةِ الرَّحى في عَمُودٍ عَلى مَنكِبِ مَلِكٍ، فَقالَ: كَذَبَ كَعْبٌ، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ وكَفى بِها زَوالًا أنْ تَدُورَ، والمَنصُورُ عِنْدَ السَّلَفِ أنَّ السَّماواتِ لا تَدُورُ وأنَّها غَيْرُ الأفْلاكِ، وكَثِيرٌ مِنَ الإسْلامِيِّينَ ذَهَبُوا إلى أنَّها تَدُورُ وأنَّها لَيْسَتْ غَيْرَ الأفْلاكِ، وأمّا الأرْضُ فَلا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في سُكُونِها، والفَلاسِفَةُ مُخْتَلِفُونَ والمُعْظَمُ عَلى السُّكُونِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها مُتَحَرِّكَةٌ وأنَّ الطُّلُوعَ والغُرُوبَ بِحَرَكَتِها، ورُدَّ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، والأوْلى في تَفْسِيرِ الآيَةِ ما سَمِعْتَ أوَّلًا وكَذا كَوْنُها مَسُوقَةً لِما ذَكَرْنا، وقِيلَ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ أمْرِ الشُّرَكاءِ ووَقَفَ عَلى الحُجَّةِ في بُطْلانِها عَقَّبَ بِذَلِكَ عَظَمَتَهُ عَزَّ وجَلَّ وقُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ لِيَتَبَيَّنَ الشَّيْءُ بِضِدِّهِ وتَتَأكَّدَ حَقارَةُ الأصْنامِ بِذِكْرِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ولَئِنْ زالَتا﴾ أيْ إنْ أشْرَفَتا عَلى الزَّوالِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «ولَوْ زالَتا» وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن طَيِّ السَّماواتِ ونَسْفِ الجِبالِ.
﴿إنْ أمْسَكَهُما﴾ أيْ ما أمْسَكَهُما ﴿مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إمْساكِهِ تَعالى أوْ مِن بَعْدِ الزَّوالِ، والجُمْلَةُ جَوابُ القِسْمِ المُقَدَّرِ قَبْلَ لامِ التَّوْطِئَةِ في «لَئِنْ» وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وأمْسَكَ بِمَعْنى يُمْسِكُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 145] ومِنَ الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ.
﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فَلِذا حَلَمَ عَلى المُشْرِكِينَ وغَفَرَ لِمَن تابَ مِنهم مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِمِ المُقْتَضِي لِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ إمْساكِ السَّماواتِ والأرْضِ وتَخْرِيبِ العالَمِ الَّذِي هم فِيهِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ
صفحة 205
المَقامَ يَقْتَضِي ذِكْرَ القُدْرَةِ لا الحِلْمَ والمَغْفِرَةَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences