Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:28–34
36:28–29Page 442
۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨
And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩
It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ قَوْمِ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَيًّا ﴿مِن جُنْدٍ﴾ أيْ جُنْدًا، فَـ (مِن) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والجُنْدُ العَسْكَرُ لِما فِيهِ مِنَ الغِلْظَةِ؛ كَأنَّهُ مِنَ الجَنَدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الجُنْدِ جُنْدُ المَلائِكَةِ؛ أيْ ما أنْزَلْنا لِإهْلاكِهِمْ مَلائِكَةً ﴿مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صَحَّ في حِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ الجُنْدَ لِإهْلاكِهِمْ لِما أنّا قَدَّرْنا لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا؛ حَيْثُ أهْلَكْنا بَعْضَ مَن أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ بِالحاصِبِ، وبَعْضَهم بِالصَّيْحَةِ، وبَعْضَهم بِالخَسْفِ، وبَعْضَهم بِالإغْراقِ، وجَعَلْنا إنْزالَ الجُنْدِ مِن خَصائِصِكَ في الِانْتِصارِ لَكَ مِن قَوْمِكَ، وكَفَيْنا أمْرَ هَؤُلاءِ بِصَيْحَةِ مَلَكٍ صاحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾، وفي ذَلِكَ اسْتِحْقارٌ لَهم ولِإهْلاكِهِمْ، وإيماءٌ إلى تَفْخِيمِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الجُنْدَ بِما يَعُمُّ المَلائِكَةَ، فَقالَ: كالحِجارَةِ والرِّيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ. والمُتَبادِرُ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الجُنْدُ مَلائِكَةُ الوَحْيِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْ قَطَعْنا عَنْهُمُ الرِّسالَةَ حِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا ولَمْ نَعْبَأْ بِهِمْ وأهْلَكْناهُمْ، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ قالا: قَطَعَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهُمُ الرِّسالَةَ حِينَ قَتَلُوا رُسُلَهُ، وهَذا التَّفْسِيرُ بَعِيدٌ جِدًّا، وقَتْلُ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ مَحْكِيٌّ في البَحْرِ بِـ (قِيلَ)، وهو ظاهِرُ هَذا المَرْوِيِّ لَكِنِ المَعْرُوفُ أنَّهم لَمْ يُقْتَلُوا وإنَّما قُتِلَ حَبِيبٌ فَقَطْ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى (جُنْدٍ) والمُرادُ ما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ وما أنْزَلْنا الَّذِي كُنّا مُنْزِلِيهِ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن حِجارَةٍ ورِيحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ زِيادَةُ (مِن) في المَعْرِفَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: الأوْلى جَعْلُها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُدْفَعُ بُعْدُهُ، ومِن أبْعَدِ ما يَكُونُ قَوْلُ أبِي البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ زائِدَةً أيْ وقَدْ كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى غَيْرِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ، بَلْ هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، و”إنْ“ نافِيَةٌ، وكانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها مُضْمَرٌ، و(صَيْحَةً) خَبَرُها، أيْ ما كانَتْ هي - أيِ الأخْذَةُ أوِ العُقُوبَةُ - إلّا صَيْحَةً واحِدَةً. رُوِيَ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - بَعَثَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ فَصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَماتُوا جَمِيعًا، وإذا فُجائِيَّةٌ وفِيها إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ هَلاكِهِمْ بِحَيْثُ كانَ مَعَ الصَّيْحَةِ، وقَدْ شُبِّهُوا بِالنّارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، والخُمُودُ تَخْيِيلٌ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ الحَيَّ كَشُعْلَةِ النّارِ والمَيِّتَ كالرَّمادِ كَما قالَ لَبِيدٌ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً في الخُمُودِ بِمَعْنى البُرُودَةِ والسُّكُونِ؛ لِأنَّ الرُّوحَ لِفَزَعِها عِنْدَ الصَّيْحَةِ تَنْدَفِعُ إلى الباطِنِ دَفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ تَنْحَصِرُ فَتَنْطَفِئُ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ لِانْحِصارِها، ولَعَلَّ في العُدُولِ عَنْ
صفحة 3
”هامِدُونَ“ إلى (خامِدُونَ) رَمْزًا خَفِيًّا إلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم سِوى حَبِيبٍ وأنَّهم هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ آمَنَ المَلِكُ وآمَنَ قَوْمٌ مِن حَواشِيهِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن هَلَكَ بِالصَّيْحَةِ، وهَذا بَعِيدٌ. فَإنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُظاهِرَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ الرُّسُلَ كَما فَعَلَ حَبِيبٌ، ولَكانَ لَهم في القُرْآنِ الجَلِيلِ ذِكْرٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهم آمَنُوا خُفْيَةً وكانَ لَهم ما يُعْذَرُونَ بِهِ عَنِ المُظاهَرَةِ، ومَعَ هَذا لا يَخْلُو - بَعْدُ - عَنْ بُعْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُعاذُ بْنُ الحارِثِ القارِئُ ”صَيْحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ”كانَ“ تامَّةٌ أيْ ما حَدَثَتْ ووَقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ. ويَنْبَغِي أنْ لا تَلْحَقَ الفِعْلَ تاءُ التَّأْنِيثِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ فَلا يُقالُ: ما قامَتْ إلّا هِنْدُ، بَلْ ما قامَ إلّا هِنْدُ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدُ، والفاعِلُ فِيهِ مُذَكَّرٌ، ولَمْ يُجَوِّزْ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ الإلْحاقَ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
طَوى النَّحْزُ والأجْرازُ ما في غُرُوضِها ∗∗∗ وما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
ما بَرِئَتْ مِن رِيبَةٍ وذَمِّ ∗∗∗ في حَرْبِنا إلّا بَناتُ العَمِّ
ومِن هُنا أنْكَرَ الكَثِيرُ - كَما قالَ أبُو حاتِمٍ - هَذِهِ القِراءَةَ، ومِنهم مَن أجازَ ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قِلَّةٍ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي بَحْرِيَّةَ ”لا تُرى إلّا مَساكِنُهُمْ“ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، ووَجْهُهُ مُراعاةُ الفاعِلِ المَذْكُورِ، وكَأنِّي بِكَ تَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”إلّا زَقْيَةً“ مِن زَقى الطّائِرُ يَزْقُو ويَزْقِي زَقْوًا وزُقاءً إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ ”أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي“ وهي الدِّيَكَةُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْمُرُونَ إلى أنْ تَزْقُوَ فَإذا صاحَتْ تَفَرَّقُوا.
36:30Page 442
يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠
How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.
﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ الحَسْرَةُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: الغَمُّ عَلى ما فاتَ والنَّدَمُ عَلَيْهِ؛ كَأنَّ المُتَحَسِّرَ انْحَسَرَ عَنْهُ قُواهُ مِن فَرْطِ ذَلِكَ أوْ أدْرَكَهُ إعْياءٌ عَنْ تَدارُكِ ما فَرَطَ مِنهُ، وفي البَحْرِ هي أنْ يَرْكَبَ الإنْسانُ مِن شِدَّةِ النَّدَمِ ما لا نِهايَةَ بَعْدَهُ حَتّى يَبْقى حَسِيرًا، والظّاهِرُ أنَّ (يا) لِلنِّداءِ و(حَسْرَةً) هو المُنادى، ونِداؤُها مَجازٌ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا حَسْرَةُ احْضُرِي فَهَذِهِ الحالُ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي مِن حَقِّها أنْ تَحْضُرِي فِيها وهي ما دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمُرادُ بِالعِبادِ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ ويَدْخُلُ فِيهِمُ المُهْلَكُونَ المُتَقَدِّمُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: هُمُ المُرادُ ولَيْسَ بِذاكَ، وبِالحَسْرَةِ المُناداةِ حَسْرَتُهُمْ، والمُسْتَهْزِئُونَ بِالنّاصِحِينَ المُخْلِصِينَ المَنُوطِ بِنُصْحِهِمْ خَيْرُ الدّارَيْنِ أحِقّاءُ بِأنْ يَتَحَسَّرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ حَيْثُ فَوَّتُوا عَلَيْها السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ وعَوَّضُوها العَذابَ المُقِيمَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأُبِيٍّ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ ”يا حَسْرَةَ العِبادِ“ بِالإضافَةِ، وكَوْنُ المُرادِ حَسْرَةَ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ خِلافُ الظّاهِرِ؛ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ القِراءاتِ: ”يا حَسْرَةَ العِبادِ عَلى أنْفُسِها ما يَأْتِيهِمْ“ إلَخْ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حَسْرَةَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وعَنِ الضَّحّاكِ تَخْصِيصُها بِحَسْرَةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وزَعَمَ أنَّ المُرادَ بِالعِبادِ الرُّسُلُ الثَّلاثَةُ، وأبُو العالِيَةِ فَسَّرَ (العِبادِ) بِهَذا أيْضًا لَكِنَّهُ حَمَلَ الحَسْرَةَ عَلى حَسْرَةِ الكُفّارِ المُهْلَكِينَ، قالَ: تَحَسَّرُوا حِينَ رَأوْا عَذابَ اللَّهِ - تَعالى - وتَلَهَّفُوا عَلى ما فاتَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِبادِ المُهْلَكُونَ، والمُتَحَسِّرُ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ؛ تَحَسَّرَ لَمّا وثَبَ القَوْمُ لِقَتْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِبادِ أُولَئِكَ، والمُتَحَسِّرُ الرُّسُلُ حِينَ قَتَلُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ وحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ يُؤْمِنُوا، ولا يَخْفى حالُ هَذِهِ الأقْوالِ، وكانَ مُرادُ
صفحة 4
مَن قالَ: المُتَحَسِّرُ الرَّجُلُ، ومَن قالَ المُتَحَسِّرُ الرُّسُلُ عَنى أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ قَوْلُ الرَّجُلِ أوْ قَوْلُ الرُّسُلِ، وفي كَلامِ أبِي حَيّانَ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ، ومَعَ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّحَسُّرُ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مَجازًا عَنِ اسْتِعْظامِ ما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ قُرِئَ ”يا حَسْرَتا عَلى العِبادِ“ فَإنَّ الأصْلَ عَلَيْها يا حَسْرَتِي فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، ونَحْوُها قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ كَما قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ ”يا حَسْرَةَ عَلى العِبادِ“ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنَّ الأصْلَ أيْضًا يا حَسْرَتِي فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ واكْتُفِيَ عَنْها بِالفَتْحَةِ، وقَرَأ أبُو الزِّنادِ، وابْنُ هُرْمُزَ، وابْنُ جُنْدُبٍ ”يا حَسْرَهْ عَلى العِبادِ“ بِالهاءِ السّاكِنَةِ، قالَ في المُنْتَقى: وقِفْ عَلى ”حَسْرَهْ“ وقْفًا طَوِيلًا تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ! ثُمَّ قِيلَ ”عَلى العِبادِ“ .
وفِي اللَّوامِحِ وقَفُوا عَلى الهاءِ مُبالَغَةً في التَّحَسُّرِ لِما في الهاءِ مِنَ التَّأهُّهِ كالتَّأوُّهِ، ثُمَّ وصَلُوهُ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ العَرَبَ إذا أخْبَرَتْ عَنِ الشَّيْءِ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ أسْرَعَتْ فِيهِ ولَمْ تَأْتِ عَلى اللَّفْظِ المُعَبِّرِ عَنْهُ نَحْوُ: قُلْتَ لَها قِفِي قالَتْ لَنا قافٌ أيْ: وقَفْتُ فاقْتَصَرَتْ مِن جُمْلَةِ الكَلِمَةِ عَلى حَرْفٍ مِنها تَهاوُنًا بِالحالِ وتَثاقُلًا عَنِ الإجابَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُناسِبُ المَقامَ، ويَنْبَغِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ لا يَكُونَ (عَلى العِبادِ) مُتَعَلِّقًا بِحَسْرَةٍ أوْ صِفَةً لَهُ إذْ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ حِينَئِذٍ بَلْ يُجْعَلُ مُتَعَلِّقًا بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (حَسْرَةً) نَحْوُ يَتَحَسَّرُ أوْ أتَحَسَّرُ عَلى العِبادِ، وتَقْدِيرُ انْظُرُوا لَيْسَ بِذاكَ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِبَيانِ المُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، أيِ الحَسْرَةُ عَلى العِبادِ. وتَخْرِيجُ قِراءَةِ ”يا حَسْرَتا“ بِالألِفِ عَلى هَذا الطِّرْزِ بِأنْ يُقالَ: قَدْرُ الوَقْفِ عَلى المَنصُوبِ المُنَوَّنِ فَإنَّهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالألِفِ كَـ ”كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا“، وضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَوْ سُلَّمَ أنَّهُ شَيْءٌ لا يُنافِي التَّأْيِيدَ، وقِيلَ (يا) لِلنِّداءِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ و(حَسْرَةً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، و(عَلى العِبادِ) مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ، أيْ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً عَلى العِبادِ.
ولَعَلَّ الأوْفَقَ لِلْمَقامِ المُتَبادِرَ إلى الأفْهامِ أنَّ المُرادَ نِداءُ حَسْرَةِ كُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّحَسُّرُ فَفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ.
وقَوْلُهُ - تَعالى -: (ما يَأْتِيهِمْ) إلَخْ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يُتَحَسَّرُ مِنهُ، و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَسْتَهْزِئُونَ). وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ الِادِّعائِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
36:31Page 442
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١
Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?
﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ الضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَمْ خَبَرِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أهْلَكْنا) و(مِنَ القُرُونِ) بَيانٌ لِـ (كَمْ)، وجَوَّزَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ كَوْنَ (كَمْ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وهو كَلامُ مَن لا خَبَرَ عِنْدَهُ، والجُمْلَةُ مَعْمُولَةٌ لِـ (يَرَوْا) نافِذٌ مَعْناها فِيها و(كَمْ) مُعَلِّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً - لَها صَدْرُ الكَلامِ كالِاسْتِفْهامِيَّةِ، فَلا يَعْمَلُ فِيها عامِلٌ مُتَقَدِّمٌ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ إلّا إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ أوِ اسْمًا مُضافًا نَحْوَ: عَلى كَمْ فَقِيرٍ تَصَدَّقْتُ أرْجُو الثَّوابَ؟ وابْنُ كَمْ رَئِيسٍ صَحِبْتُهُ؟
وحَكى الأخْفَشُ عَلى ما في البَحْرِ جَوازَ تَقَدُّمِ عامِلٍ عَلَيْها غَيْرِ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ نَحْوُ: مَلَكْتُ كَمْ غُلامٍ؛ أيْ مَلَكْتُ كَثِيرًا مِنَ الغِلْمانِ، عامَلُوها مُعامَلَةَ كَثِيرٍ؛ والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ لا بَصَرِيَّةٌ خِلافًا لِابْنِ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّها لا تُعَلَّقُ عَلى المَشْهُورِ ولِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمْ يَحْضُرُوا إهْلاكَ مَن قَبْلَهم حَتّى يَرَوْهُ بَلْ عَلِمُوهُ بِالأخْبارِ ومُشاهَدَةِ الآثارِ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ وهُمُ القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ في زَمَنٍ واحِدٍ كَعادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ. (أنَّهُمْ) الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَعْنى (كَمْ) وهي القُرُونُ، أيْ إنَّ القُرُونَ المُهْلَكِينَ (إلَيْهِمْ) أيْ إلى أهْلِ مَكَّةَ (لا يَرْجِعُونَ) وأنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ المُفْرَدِ
صفحة 5
بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (كَمْ أهْلَكْنا) عَلى المَعْنى كَما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وتَبِعَهُ الزَّجّاجُ أيْ ألَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إهْلاكِنا مَن قَبْلَهم وكَوْنَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِمْ.
وقِيلَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الكَثْرَةَ المَذْكُورَةَ وعَدَمَ الرُّجُوعِ لَيْسَ بَيْنَهُما اتِّحادٌ بِجُزْئِيَّةٍ ولا كُلِيَّةٍ ولا مُلابَسَةٍ كَما هو مُقْتَضى البَدَلِيَّةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ في مَعْنى الَّذِينَ أهْلَكْناهم ”وأنَّهم لا يَرْجِعُونَ“ بِمَعْنى ”غَيْرُ راجِعِينَ“ اتَّضَحَ فِيهِ البَدَلِيَّةُ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ قالَهُ الخَفاجِيُّ. وأفادَ صاحِبُ الكَشْفِ عَلى أنَّهُ مِن بَدَلِ الكُلِّ بِجَعْلِ كَوْنِهِمْ غَيْرَ راجِعِينَ كَثْرَةَ إهْلاكٍ تَجَوُّزًا، وعِنْدِي أنَّ هَذا الوَجْهَ - وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إبْدالُ مُفْرَدٍ مِن جُمْلَةٍ وتَحَقَّقَ فِيهِ - مُصَحَّحُ البَدَلِيَّةِ عَلى ما سَمِعْتُ ولا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وسِيبَوَيْهِ لَيْسَ بِنَبِيِّ النَّحْوِ لِيَجِبَ اتِّباعُهُ.
وقالَ السِّيرافِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ (أنَّهُمْ)... إلَخْ صِلَةَ أهْلَكْناهُمْ؛ أيْ أهْلَكْناهم بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ؛ أيْ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ الهَلاكِ، وجَوَّزَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي أنْ يَكُونَ أنَّ وصِلَتُها مَعْمُولَ (يَرَوْا)، وجُمْلَةُ (كَمْ أهْلَكْنا) مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُما، وأنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا عَنْ (كَمْ أهْلَكْنا)، و(أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) مَفْعُولًا لِأجْلِهِ، قالَ الشُّمُنِّيُّ: لِيَرَوْا، والمَعْنى: أنَّهم عَلِمُوا لِأجْلِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إهْلاكَهم. ورُدَّ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها فِيما ذُكِرَ مِنَ المَعْنى. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِقَوْلِهِ: لا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ وارِدٌ عَلى البَدَلِيَّةِ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ إمّا التَّهَكُّمُ بِهِمْ وتَحْمِيقُهُمْ، وإمّا إفادَةُ ما يُفِيدُ تَقْدِيمَ (إلَيْهِمْ) مِنَ الحَصْرِ أيْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ بَلْ إلَيْنا فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مُؤَكِّدًا لَهُ اهـ. وهو كَما تَرى، وقالَ الجَلَبِيُّ: لَعَلَّ الحَقَّ أنْ يُجْعَلَ أوَّلُ الضَّمِيرَيْنِ لِمَعْنى (كَمْ) وثانِيهُما لِلرُّسُلِ، وأنَّ وصِلَتُها مَفْعُولًا لِأجْلِهِ لِـ ”أهْلَكْناهُمْ“، والمَعْنى أهْلَكْناهم لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى عَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ إلى الرُّسُلِ وما دَعَوْهم إلَيْهِ فاخْتِيارُ (لا يَرْجِعُونَ) عَلى لَمْ يَرْجِعُوا لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ انْتَهى. وهو عَلى بُعْدِهِ رَكِيكٌ مَعْنًى، وأرَكُّ مِنهُ ما قِيلَ: الضَّمِيرانِ عَلى ما يَتَبادَرُ فِيهِما مِن رُجُوعِ الأوَّلِ لِمَعْنى (كَمْ) والثّانِي لِمَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الرُّؤْيَةُ، و”أنَّ“ وصِلَتُها عِلَّةٌ لِـ ”أهْلَكْنا“، والمَعْنى أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ فَيُخْبِرُونَهم بِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وجَزاءُ الِاسْتِهْزاءِ حَقٌّ يَنْزَجِرُ هَؤُلاءِ فَلِذا أهْلَكْناهُمْ، ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يُعْمِلُ (يَرَوْا) في (كَمْ أهْلَكْنا) وفي (أنَّهُمْ) ... إلَخْ مِن غَيْرِ إبْدالٍ ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ.
وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ”أنَّ“ وصِلَتَها بَدَلٌ مِن (كَمْ) ولا يَخْفى أنَّهُ إذا جَعَلَها مَعْمُولَ (أهْلَكْنا) كَما هو المَعْرُوفُ لا يَسُوغُ ذَلِكَ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ ولا مَعْنى لِقَوْلِكَ: أهْلَكْنا أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، ولَعَلَّهُ تَسامَحَ في ذَلِكَ، والمُرادُ بَدَلٌ مِن (كَمْ أهْلَكْنا) عَلى المَعْنى كَما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وأمّا جَعْلُ (كَمْ) مَعْمُولَةً لِـ (يَرَوْا) والإبْدالُ مِنها نَفْسِها إذْ ذاكَ فَلا يَخْفى حالُهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي تَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنَّ (أنَّهُمْ)... إلَخْ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ قَضَيْنا أوْ حَكَمْنا أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (أهْلَكْنا) عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ وأُراهُ أبْعَدَ عَنِ القِيلِ والقالِ بَيْدَ أنَّ في الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ خَفاءً فَإنْ لَمْ يَلْصَقْ بِقَلْبِكَ لِذَلِكَ فالأقْوالُ بَيْنَ يَدَيْكَ ولا حَجْرَ عَلَيْكَ.
وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ما نُقِلَ عَنِ السِّيرافِيِّ ولا بَأْسَ بِهِ، وجُوِّزَ - عَلى بَعْضِ الأقْوالِ - أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (أنَّهُمْ) عائِدًا عَلى مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ ”يَرَوْا“ وفي (إلَيْهِمْ) عائِدًا عَلى المُهْلَكِينَ، والمَعْنى أنَّ الباقِينَ لا يَرْجِعُونَ إلى المُهْلَكِينَ بِنَسَبٍ ولا وِلادَةٍ أيْ أهْلَكْناهم وقَطَعْنا نَسْلَهُمْ، والإهْلاكُ مَعَ قَطْعِ النَّسْلِ أتَمُّ وأعَمُّ، ويَحْسُنُ - هَذا عَلى الوَجْهِ - المَحْكِيُّ عَنِ السِّيرافِيِّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ ”إنَّهُ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَطَعَ الجُمْلَةَ عَمّا قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا فَإنَّهُمْ) ... إلَخْ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، بَدَلَ اشْتِمالٍ، ورُدَّ بِالآيَةِ عَلى القائِلِينَ بِالرَّجْعَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّيعَةُ.
صفحة 6
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مَبْعُوثٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؟ فَسَكَتَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: بِئْسَ القَوْمُ نَحْنُ إنْ نَكَحْنا نِساءَهُ واقْتَسَمْنا مِيراثَهُ أما تَقْرَأُونَ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ .
36:32Page 442
وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢
And indeed, all of them will yet be brought present before Us.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ بَيانٌ لِرُجُوعِ الكُلِّ إلى المَحْشَرِ بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا (وإنْ) نافِيَةٌ و(كُلٌّ) مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و(لَـمّا) بِمَعْنى إلّا، ومَجِيئُها بِهَذا المَعْنى ثابِتٌ في لِسانِ العَرَبِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ فَلا يُلْتَفَتُ إلى زَعْمِ الكِسائِيِّ أنَّهُ لا يُعْرَفُ ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: في كَوْنِها بِهَذا المَعْنى مَعْنًى مُناسِبٌ، وهو أنَّها كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ أُكِّدَ أوَّلُهُما بِثانِيهِما وهُما لَمْ وما، وكَذَلِكَ إلّا كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ وهُما إنِ النّافِيَةُ ولا، فاسْتُعْمِلَ أحَدُهُما مَكانَ الآخَرِ، وهو عِنْدِي ضَرْبٌ مِنَ الوَساوِسِ. و(جَمِيعٌ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَيُفِيدُ ما لا تُفِيدُهُ (كُلٌّ) لِأنَّها تُفِيدُ إحاطَةَ الأفْرادِ وهَذا يُفِيدُ اجْتِماعَها وانْضِمامَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ و(لَدَيْنا) ظَرْفٌ لَهُ أوْ لَـ (مُحْضَرُونَ)، و(مُحْضَرُونَ) خَبَرٌ ثانٍ أوْ نَعْتٌ وجُمِعَ عَلى المَعْنى، والمَعْنى ما كُلُّهم إلّا مَجْمُوعُونَ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
وقالَ ابْنُ سَلامٍ: مُحْضْرُونَ أيْ مُعَذَّبُونَ، فَـ (كُلٌّ) عِبارَةٌ عَنِ الكَفَرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هَذا المَعْنى عَلى الأوَّلِ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُهْلَكَ لا يُتْرَكُ. وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ (لَما) بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامَ فارِقَةٌ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ كُلُّهم مَجْمُوعُونَ إلَخْ، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ واللّامَ بِمَعْنى إلّا وما مَزِيدَةٌ والمَعْنى كَما في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ.
36:33Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣
And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّشْدِيدِ، (وآيَةٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِلِاهْتِمامِ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ و(لَهُمْ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِها لِأنَّها بِمَعْنى العَلامَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لَها، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ ومَن يَجْرِي مَجْراهم في إنْكارِ الحَشْرِ، و(الأرْضُ) مُبْتَدَأٌ و(المَيْتَةُ) صِفَتُها، وقَوْلُهُ - تَعالى -: (أحْيَيْناها) اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها (آيَةٌ) لِما فِيها مِن مَعْنى الإعْلامِ وهو تَكَلُّفٌ رَكِيكٌ، وقِيلَ: (آيَةٌ) مُبْتَدَأٌ أوَّلٌ و(لَهُمْ) صِفَتُها أوْ مُتَعَلِّقٌ بِها وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، و(الأرْضُ المَيْتَةُ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ وصْفَةٌ، وجُمْلَةُ (أحْيَيْناها) خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ الثّانِي وخَبَرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، ولِكَوْنِها عَيْنُ المُبْتَدَأِ كَخَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لَمْ تَحْتَجْ لِرابِطٍ. قالَ الخَفاجِيُّ: وهَذا حَسَنٌ جِدًّا إلّا أنَّ النُّحاةَ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ في غَيْرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وقِيلَ: إنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِمَدْلُولِ هَذا القَوْلِ؛ فَلِذا لَمَّ يُحْتَجْ لِذَلِكَ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقِيلَ: (آيَةٌ) مُبْتَدَأٌ و(الأرْضُ) خَبَرُهُ، وجُمْلَةُ (أحْيَيْناها) صِفَةُ الأرْضِ؛ لِأنَّها لَمْ يُرَدْ بِها أرْضٌ مُعَيَّنَةٌ بَلِ الجِنْسُ، فَلا يَلْزَمُ تَوْصِيفُ المَعْرِفَةِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي في حُكْمِ النَّكِرَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ولِقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتْ قُلْتُ لا يَعْنِينِي
وأنْكَرَ جَوازَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ مُخالِفًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، وجَعَلَ جُمْلَةَ (يَسُبُّنِي) حالًا مِنَ اللَّئِيمِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَعْنى عَلى اسْتِمْرارِ مُرُورِهِ عَلى مَن يَسُبُّهُ وإغْماضِهِ عَنْهُ ولِهَذا قالَ: (أمُرُّ) وعَطَفَ عَلَيْهِ (فَمَضَيْتُ)، والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لا يُؤَدِّي هَذا المُؤَدّى، ثُمَّ إنَّ مَدارَ الخَبَرِيَّةِ إرادَةُ الجِنْسِ، فَلَيْسَ هُناكَ إخْبارٌ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ لِيَكُونَ مُخالِفًا لِلْقَواعِدِ كَما قِيلَ. نِعَمْ، أرْجَحُ الأوْجُهِ ما قُرِّرَ أوَّلًا، وقَدْ مَرَّ المُرادُ بِمَوْتِ الأرْضِ وإحْيائِها فَتَذَكَّرْ.
﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ أيْ جِنْسَ الحَبِّ مِنَ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والأُرْزِ وغَيْرِها، والنَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ كَما إذا كانَتْ
صفحة 7
فِي سِياقِ الِامْتِنانِ أوْ نَحْوِهِ، وفي ذِكْرِ الإخْراجِ وكَذا الجَعْلُ الآتِي - تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ الإحْياءِ. (فَمِنهُ) أيْ مِنَ الحَبِّ بَعْدَ إخْراجِنا إيّاهُ، والفاءُ داخِلَةٌ عَلى المُسَبَّبِ ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (يَأْكُلُونَ) والتَّقْدِيمُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ ويُعاشُ بِهِ لِما في ذَلِكَ مِن إيهامِ الحَصْرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ حَتّى كَأنَّهُ لا مَأْكُولَ غَيْرُهُ.
36:34Page 442
وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤
And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ﴾ جَمْعُ نَخْلٍ، كَعَبِيدٍ جَمْعِ عَبْدٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ الأئِمَّةِ وصَرَّحَ بِهِ في القامُوسِ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّخْلُ والنَّخِيلُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ. (وأعْنابٍ) جَمْعُ عِنَبٍ، ويُقالُ عَلى الكَرْمِ نَفْسِهِ وعَلى ثَمَرَتِهِ كَما قالَ الرّاغِبُ، ولَعَلَّهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِما. وقِيلَ: حَقِيقَةٌ في الثَّمَرَةِ مَجازٌ في الشَّجَرَةِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ الأوَّلُ بِقَرِينَةِ العَطْفِ عَلى النَّخِيلِ، وجُمِعا دُونَ الحَبِّ قِيلَ: لِتَدُلَّ الجَمْعِيَّةُ عَلى تَعَدُّدِ الأنْواعِ أيْ مِن أنْواعِ النَّخْلِ وأنْواعِ العِنَبِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّخْلَ والعِنَبَ اسْمانِ لِنَوْعَيْنِ، فَكُلٌّ مِنهُما مَقُولٌ عَلى أفْرادِ حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ فَلا يَدُلّانِ عَلى اخْتِلافِ ما تَحْتَهُما وتَعَدُّدِ أنْواعِهِ إلّا إذا عُبِّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ بِخِلافِ الحَبِّ، فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ وهو يُشْعِرُ بِاخْتِلافِ ما تَحْتَهُ لِأنَّهُ المَقُولُ عَلى كَثْرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الحَقائِقِ قَوْلًا ذاتِيًّا فَلا يَحْتاجُ في الدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِلافِ إلى الجَمْعِيَّةِ، وقَوْلُهم جَمْعُ العالَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وهو اسْمُ جِنْسٍ لِيَشْمَلَ ما تَحْتَهُ مِنَ الأجْناسِ لا يُنافِي ذَلِكَ، قِيلَ: لِأنَّ المُرادَ لِيَشْمَلَ شُمُولًا ظاهِرًا مُتَعَيِّنًا وإنْ حَصَلَ الإشْعارُ بِدُونِهِ. وقِيلَ: جُمِعا لِلدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ النِّعْمَةِ، وأمّا الحَبُّ فَفِيهِ قِوامُ البَدَنِ وهو حاصِلٌ بِالجِنْسِ.
وامْتَنَّ - عَزَّ وجَلَّ - في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أمْرِ الحَشْرِ بِجَعْلِ الجَنّاتِ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ المُرادِ بِها الأشْجارُ، ولَمْ يَمْتَنَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِجَعْلِ ثَمَراتِ تِلْكَ الأشْجارِ مِنَ التَّمْرِ والعِنَبِ، كَما امْتَنَّ - جَلَّ جَلالُهُ - بِإخْراجِ الحَبِّ إعْظامًا لِلْمِنَّةِ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ الِامْتِنانَ بِالثِّمارِ وغَيْرِها مِن مَنافِعِ تِلْكَ الأشْجارِ أنْفُسِها بِسائِرِ أجْزائِها لِلْإنْسانِ نَفْسِهِ بِلا واسِطَةٍ لا سِيَّما النَّخِيلَ، ولا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى حَصْرِ ثَمَرَةِ الجَعْلِ بِأكْلِ الثَّمَرَةِ، وثَمَرَةُ التَّنْصِيصِ عَلى ذَلِكَ مِن بَيْنِ المَنافِعِ ظاهِرَةٌ وهَذا بِخِلافِ أشْجارِ الحُبُوبِ فَإنَّها لَيْسَتْ بِهَذِهِ المَثابَةِ ولِذا غَيَّرَ الأُسْلُوبَ ولَمْ يُعامِلْ ثَمَرَ ذَلِكَ مُعامَلَةَ الحُبُوبِ، وكَلامُ البَيْضاوِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالأعْنابِ الثِّمارُ المَعْرُوفَةُ لا الكُرُومُ، وعَلَّلَ ذِكْرَ النَّخِيلِ دُونَ ثِمارِها - مَعَ أنَّهُ الأوْفَقُ - بِما قَبْلُ وما بَعْدُ بِاخْتِصاصِها بِمَزِيدِ النَّفْعِ وآثارِ الصُّنْعِ، وتَفْسِيرُ الأعْنابِ بِالثِّمارِ دُونَ الكُرُومِ بَعِيدٌ عِنْدِي لِمَكانِ العَطْفِ مَعَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (جَنّاتٍ)، والمَعْرُوفُ كَوْنُها مِن أشْجارٍ لا مِن ثِمارٍ.
قالَ الرّاغِبُ: الجَنَّةُ كُلُّ بُسْتانٍ ذِي شَجَرٍ يَسْتُرُ بِأشْجارِهِ الأرْضَ، وقَدْ تُسَمّى الأشْجارُ السّاتِرَةُ جَنَّةً، وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ:
مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
عَلى أنَّ في الآيَةِ بَعْدُ - ما يُؤَيِّدُ إرادَةَ الثِّمارِ. فَتَدَبَّرْ!
﴿وفَجَّرْنا فِيها﴾ أيْ شَقَقْنا في الأرْضِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ ”فَجَرْنا“ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ بَيْدَ أنَّ المُشَدَّدَ دالٌّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ.
﴿مِنَ العُيُونِ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العُيُونِ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَحْذُوفٍ، ومِن بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها تَبْعِيضِيَّةً ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ و(مِنَ العُيُونِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَجَّرَ) ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى: فَجَّرْنا مِنَ المَنابِعِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الماءِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى زِيادَةَ (مِن) وجَعَلَ (العُيُونِ) مَفْعُولَ (فَجَّرْنا) لِأنَّهُ يَرى جَوازَ زِيادَتِها في الإثْباتِ مَعَ تَعْرِيفِ مَجْرُورِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences