Al-AlusiAs‑Saffat · 37:142–148

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:142–148

37:142Page 451

فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢

Then the fish swallowed him, while he was blameworthy.1

﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾ أيِ ابْتَلَعَهُ مِنَ اللُّقْمَةِ. وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أتى قَوْمًا في سَفِينَةٍ فَحَمَلُوهُ وعَرَفُوهُ، فَلَمّا دَخَلَها رَكَدَتْ، والسُّفُنُ تَسِيرُ يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ: ما بالُ سَفِينَتِكُمْ؟ قالُوا: ما نَدْرِي، قالَ: ولَكِنِّي أدْرِي، إنَّ فِيها عَبْدًا آبِقٌ مِن رَبِّهِ، وإنَّها واللَّهِ لا تَسِيرُ حَتّى تُلْقُوهُ، قالُوا: أمّا أنْتَ واللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَلا نُلْقِيكَ، فَقالَ لَهُمُ: اقْتَرِعُوا فَمَن قُرِعَ فَلْيُلْقَ، فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَرَمى بِنَفْسِهِ، فَكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.

وكَيْفِيَّةُ اقْتِراعِهِمْ عَلى ما في البَحْرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم أخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ، فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ.

ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا وقَفَ عَلى شَفِيرِ السَّفِينَةِ لِيَرْمِيَ بِنَفْسِهِ رَأى حُوتًا - واسْمُهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وجَماعَةٌ، عَنْ قَتادَةَ نَجْمٌ - قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الماءِ قَدْرَ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ، يَرْقُبُهُ، ويَتَرَصَّدُهُ، فَذَهَبَ إلى رُكْنٍ آخَرَ، فاسْتَقْبَلَهُ الحُوتُ، فانْتَقَلَ إلى آخَرَ فَوَجَدَهُ.

وهَكَذا حَتّى اسْتَدارَ بِالسَّفِينَةِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَطَرَحَ نَفْسَهُ فَأخَذَهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الماءِ، ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أيْ داخِلٌ في المَلامَةِ عَلى أنَّ بِناءَ أفْعَلَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ نَحْوَ أحْرَمَ، إذا دَخَلَ الحَرَمَ، أوْ آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ، عَلى أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ نَحْوَ أغَدَّ البَعِيرُ أيْ صارَ ذا غُدَّةٍ، فَهو هُنا لِما أتى بِما يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَيْهِ صارَ ذا لَوْمٍ، أوْ مُلِيمَ نَفْسِهِ، عَلى أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ نَحْوَ أقْدَمْتُهُ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ مِن تَفْسِيرِهِ

صفحة 144

بِالمُسِيءِ والمُذْنِبِ، فَبَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. وقُرِئَ ”مَلِيمٌ“ بِفَتْحِ أوَّلِهِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وقِياسُهُ مَلْوُومٌ، لِأنَّهُ واوِيٌّ، يُقالُ: لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، لَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى لِيمَ كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٌّ في مَشُوبٍ ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شِيبَ ودُعِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قُلِبَتِ الواوُ ياءً في المَجْهُولِ جُعِلَ كالأصْلِ، فَحُمِلَ الوَصْفُ عَلَيْهِ.

37:143Page 451

فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣

And had he not been of those who exalt Allāh,

﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيْ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى كَثِيرًا بِالتَّسْبِيحِ كَما قِيلَ، وفي كَلامِ قَتادَةَ ما يُشْعِرُ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، واسْتِفادَتِها عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ مِن جَعْلِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ دُونَ أنْ يُقالَ: مُسَبِّحًا، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَرِيقٌ فِيهِمْ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ، مَعْدُودٌ في عِدادِهِمْ، ومِثْلُهُ يَسْتَلْزِمُ الكَثْرَةَ، وقِيلَ: مِنَ التَّفْعِيلِ. ورُدَّ بِأنَّ مَعْنى سَبَّحَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ، إذْ هو قالَ سُبْحانَ اللَّهِ، وقَدْ يُقالُ: هي مِن إرادَةِ الثُّبُوتِ مِنَ ﴿المُسَبِّحِينَ﴾ فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ التَّسْبِيحَ دَيْدَنٌ لَهُمْ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ ها هُنا حَقِيقَتُهُ، وهو القَوْلُ المَذْكُورُ، أوْ ما في مَعْناهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

وهَذا الكَوْنُ عِنْدَ بَعْضٍ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ أيّامَ الرَّخاءِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ، وأنَّ التَّسْبِيحَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الذِّكْرِ مُطْلَقًا، وبَعْضٌ آخَرُ عَلى العِبادَةِ كَذَلِكَ، وجَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى الصَّلاةِ بَلْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِنَ التَّسْبِيحِ فَهو بِمَعْنى الصَّلاةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ إنْ كانَ اللَّفْظُ فِيما ذُكِرَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، ولَمْ يَكُنْ لِلتَّسْبِيحِ حَقِيقَةٌ أُخْرى شَرْعِيَّةٌ أيْضًا لَمْ يَحْتَجْ إلى قَرِينَةٍ، وإنْ كانَ مَجازًا، أوْ كانَ لِلتَّسْبِيحِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ أُخْرى احْتِيجَ إلى قَرِينَةٍ، فَإنْ وُجِدَتْ فَذاكَ، وإلّا فالأمْرُ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ، وكَما اخْتُلِفَ في زَمانِ التَّسْبِيحِ بِالمَعْنى السّابِقِ اخْتُلِفَ في زَمانِهِ بِالمَعانِي الأُخَرِ، أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ. وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بَطْنَ الحُوتِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ما كانَ إلّا صَلاةٌ أحْدَثَها في بَطْنِ الحُوتِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِقَتادَةَ فَقالَ: لا إنَّما كانَ يَعْمَلُ في الرَّخاءِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرُ ما ذُكِرَ.

فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، والحاكِمُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ يُكْثِرُ الصَّلاةَ في الرَّخاءِ، فَلَمّا حَصَلَ في بَطْنِ الحُوتِ ظَنَّ أنَّهُ المَوْتُ، فَحَرَّكَ رِجْلَيْهِ، فَإذا هي تَتَحَرَّكُ، فَسَجَدَ، وقالَ: يا رَبِّ، اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا في مَوْضِعٍ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ أحَدٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: اذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، إلَخْ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنتُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾، والأوْلى حَمْلُ زَمانِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ عَلى ما يَعُمُّ زَمانَ الرَّخاءِ وزَمانَ كَوْنِهِ في بَطْنِ الحُوتِ، فَإنَّ لِاتِّصافِهِ بِذَلِكَ في كِلا الزَّمانَيْنِ مَدْخَلًا في خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ الحُوتِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾

37:144Page 451

لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤

He would have remained inside its belly until the Day they are resurrected.1

﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ كَما يُشْعِرُ بِهِ ما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا التَقَمَهُ الحُوتُ وهَوى بِهِ حَتّى انْتَهى إلى ما انْتَهى مِنَ الأرْضِ سَمِعَ تَسْبِيحَ الأرْضِ فَنادى في الظُّلُماتِ: أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَأقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: يا رَبَّنا، إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا مِن بِلادِ غُرْبَةٍ، قالَ سُبْحانَهُ: وما تَدْرُونَ

صفحة 145

ما ذاكُمْ؟ قالُوا: لا يا رَبَّنا، قالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ، قالُوا: الَّذِي كُنّا لا نَزالُ نَرْفَعُ لَهُ عَمَلًا مُتَقَبَّلًا ودَعْوَةً مُجابَةً؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: يا رَبَّنا ألا تَرْحَمُ ما كانَ يَصْنَعُ في الرَّخاءِ وتُنْجِيهِ عِنْدَ البَلاءِ؟ قالَ: بَلى، فَأمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - الحُوتَ فَلَفَظَهُ».

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ﴾ إلَخْ، لَبَقِيَ في بَطْنِهِ حَيًّا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وبِهِ أقُولُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُنافِيهِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ لا يَبْقى عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى ذُو رُوحٍ مِنَ البَشَرِ والحَيَوانِ في البَرِّ والبَحْرِ. وأُجِيبَ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُرُودِ ذَلِكَ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُبالَغَةٌ في طُولِ المُدَّةِ مَعَ أنَّهُ في حَيِّزِ لَوْ، فَلا يَرِدُ رَأْسًا، أوِ المُرادُ بِوَقْتِ البَعْثِ ما يَشْمَلُ زَمانَ النَّفْخَةِ لِأنَّهُ مِن مُقَدِّماتِهِ، فَكَأنَّهُ مِنهُ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ قَبْرًا لَهُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ أُرِيدَ لَلَبِثَ مَيِّتًا في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، ولا مانِعَ مِن بَقاءِ بِنْيَةِ الحُوتِ كَبِنْيَتِهِ مِن غَيْرِ تَسَلُّطِ البَلاءِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، وضَمِيرُ ﴿يُبْعَثُونَ﴾ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو ظاهِرٌ،

37:145Page 451

۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥

But We threw him onto the open shore while he was ill.

﴿فَنَبَذْناهُ﴾ بِأنْ حَمَلْنا الحُوتَ عَلى لَفْظِهِ، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، والنَّبْذُ عَلى ما في القامُوسِ طَرْحُكَ الشَّيْءَ أمامًا، أوْ وراءً، أوْ هو عامٌّ.

وقالَ الرّاغِبُ: النَّبْذُ إلْقاءُ الشَّيْءِ، وطَرْحُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الطَّرْحُ والرَّمْيُ، والقَيْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ الرّاغِبُ لا أرْغَبُ فِيهِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ أبِقَ وخَرَجَ مِن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ واعْتَراهُ مِن تَأْدِيبِهِ تَعالى ما اعْتَراهُ، فالرَّبُّ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْبِيائِهِ رَحِيمٌ، ولَهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ شَأْنٍ اعْتِدادٌ بِهِمْ عَظِيمٌ، فَهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُعْتَدٌّ بِهِ في حالِ الإلْقاءِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ ﴿بِالعَراءِ﴾ أيْ بِالمَكانِ الخالِي عَمّا يُغَطِّيهِ مِن شَجَرٍ أوْ نَبْتٍ، يُرْوى أنَّ الحُوتَ سارَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ يَتَنَفَّسُ، ويُونُسُ يُسَبِّحُ حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ فَلَفَظَهُ. ورُدَّ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ رَفْعِ رَأْسِهِ لِلتَّنَفُّسِ لا يَخْرُجُ مِنها، ثُمَّ إنَّ هَذا لِئَلّا يَخْتَنِقَ يُونُسُ أوْ تَنْحَصِرَ نَفْسُهُ بِحُكْمِ العادَةِ لا لِيَمْتَنِعَ دُخُولُ الماءِ جَوْفَ الحُوتِ حَتّى يُقالَ السُّمْكُ لا يَحْتاجُ لِذَلِكَ، ومَعَ هَذا نَحْنُ لا نَجْزِمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ، فَقَدْ رُوِيَ أيْضًا أنَّهُ طافَ بِهِ البِحارَ كُلَّها، ثُمَّ نَبَذَهُ عَلى شَطِّ دِجْلَةَ قُرَيْبَ نِينُوى، بِكَسْرِ النُّونِ الأُولى وضَمِّ الثّانِيَةِ كَما في الكَشْفِ مِن أرْضِ المَوْصِلِ، والِالتِقامُ كانَ في دِجْلَةَ أيْضًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ البَعْضُ، وخالَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَقْلُ كَلامِهِمْ لَكَ في هَذِهِ القِصَّةِ لِتَقِفَ عَلى ما فِيهِ.

والظّاهِرُ أنَّ الحُوتَ مِن حِيتانِ دِجْلَةَ أيْضًا، وقَدْ شاهَدْنا فِيها حِيتانًا عَظِيمَةً جِدًّا، وقِيلَ: كانَ مِن حِيتانِ النِّيلِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ جَلَسَ هو وطاوُسٌ، ونَحْوُهُما مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ فَذَكَرُوا، أيُّ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أسْرَعُ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿كَلَمْحِ البَصَرِ﴾، وقالَ بَعْضُهُمُ: السَّرِيرُ حِينَ أُتِيَ بِهِ سُلَيْمانُ، وقالَ وهْبٌ: أسْرَعُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أنَّ يُونُسَ عَلى حافَةِ السَّفِينَةِ إذْ أوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نُونٍ في نِيلِ مِصْرَ فَما خَرَّ مِن حافَتِها إلّا في جَوْفِهِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أعْظَمُ مِن ذَلِكَ لَكِنَّ الشُّبْهَةَ في صِحَّةِ الخَبَرِ.

وكَأنِّي بِكَ تَقُولُ: لا شُبْهَةَ في عَدَمِ صِحَّتِهِ. واخْتُلِفَ في مُدَّةِ لُبْثِهِ، فَأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: التَقَمَهُ الحُوتُ ضُحًى، ولَفِظَهُ عَشِيَّةً، وكَأنَّهُ أرادَ حِينَ أظْلَمَ اللَّيْلُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّهُ لَبِثَ في جَوْفِهِ ثَلاثًا، وفي كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ، وعَنْ عَطاءٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ: عِشْرِينَ يَوْمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وأبِي مالِكٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، والكَلْبِيِّ وعِكْرِمَةَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفي البَحْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ خَبَرٌ في مُدَّةِ لُبْثِهِ - عَلَيْهِ

صفحة 146

السَّلامُ - في بَطْنِ الحُوتِ، ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ مِمّا نالَهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: إنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُلْقِيَ ولا شَعْرَ لَهُ، ولا جِلْدَ، ولا ظُفْرَ. ولَعَلَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي بِحُكْمِ العادَةِ أنَّ لِمُدَّةِ لُبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ طُولًا ما.

37:146Page 451

وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ ١٤٦

And We caused to grow over him a gourd vine.1

﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ أنْبَتْناها مُطِلَّةً عَلَيْهِ مُظِلَّةً لَهُ، كالخَيْمَةِ فَعَلَيْهِ حالٌ مِن ﴿شَجَرَةً﴾ قُدِّمَتْ عَلَيْها لِأنَّها نَكِرَةٌ، واليَقْطِينُ يَفْعِيلٌ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وزادَ الطَّبَرْسِيُّ إقامَةَ زائِلٍ لا إقامَةَ راسِخٍ، والمُرادُ بِهِ عَلى ما جاءَ عَنِ الحَسَنِ والسِّبْطِ. وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُما: الدُّبّاءُ وهو القَرْعُ المَعْرُوفُ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّهُ، وأنْبَتَها اللَّهُ تَعالى مُطِلَّةً عَلَيْهِ، لِأنَّها تَجْمَعُ خِصالًا بَرْدَ الظِّلِّ والمَلْمَسِ، وعِظَمَ الوَرَقِ، وأنَّ الذُّبابَ لا يَقَعُ عَلَيْها عَلى ما قِيلَ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِرِقَّةِ جِلْدِهِ بِمُكْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ يُؤْذِيهِ الذُّبابُ ومُماسَّةُ ما فِيهِ خُشُونَةٌ، ويُؤْلِمُهُ حَرُّ الشَّمْسِ، ويَسْتَطِيبُ بارِدَ الظِّلِّ، فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بِذَلِكَ، وذُكِرَ أنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ، واشْتُهِرَ أنَّ الشَّجَرَ ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ فَيُشْكِلُ تَفْسِيرُ الشَّجَرَةِ هُنا بِالدُّبّاءِ.

وأجابَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْبَتَها عَلى ساقٍ لِتُظِلَّهُ خَرْقًا لِلْعادَةِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: العامَّةُ تُخَصِّصُ الشَّجَرَ بِما لَهُ ساقٌ، وعِنْدَ العَرَبِ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ أرُومَةٌ تَبْقى فَهو شَجَرٌ، وغَيْرُهُ نَجْمٌ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ أفْصَحِ الفُصَحاءِ ﷺ «(شَجَرَةُ الثُّومِ)» انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَكَ أنْ تَقُولَ: أصْلُ مَعْناهُ ما لَهُ أرُومَةٌ، لَكِنَّهُ غَلَبَ في عُرْفِ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى ما لَهُ ساقٌ وأغْصانٌ، فَإذا أُطْلِقَ يَتَبادَرُ مِنهُ المَعْنى الثّانِي، وإذا قُيِّدَ كَما هُنا. وفي الحَدِيثِ يَرُدُّ عَلى أصْلِهِ، وهو الظّاهِرُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ تَمَحُّلٌ في مَحَلٍّ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ لا ساقَ لَها فَهي مِنَ اليَقْطِينِ، والَّذِي يَكُونُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ البِطِّيخِ والقِثّاءِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اليَقْطِينِ أهُوَ القَرْعُ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّها شَجَرَةٌ سَمّاها اللَّهُ تَعالى اليَقْطِينَ أظَلَّتْهُ.

وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ، ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ، وفي أُخْرى: كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.

وقِيلَ: شَجَرَةُ اليَقْطِينِ هي شَجَرَةُ المَوْزِ تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها، وقِيلَ: شَجَرَةُ التِّينِ، والأصَحُّ ما تَقَدَّمَ.

ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَأْكُلُ مِن ذَلِكَ القَرْعِ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: طُرِحَ بِالعَراءِ، فَأنْبَتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ يَقْطِينَةً، فَقِيلَ لَهُ: ما اليَقْطِينَةُ؟ قالَ: شَجَرَةُ الدُّبّاءِ، هَيَّأ اللَّهُ تَعالى لَهُ أرَوِيَةً وحْشِيَّةً تَأْكُلُ مِن حِشاشِ الأرْضِ فَتُفْسِحُ عَلَيْهِ، فَتَرْوِيهِ مِن لَبَنِها كُلَّ عَشِيَّةٍ وبُكْرَةٍ، حَتّى نَبَتَتْ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَسْتَظِلُّ بِالشَّجَرَةِ، وتَخْتَلِفُ إلَيْهِ الأرْوِيَةُ، فَيَشْرَبُ مِن لَبَنِها، وفي بَعْضِ الآثارِ: أنَّها نَبَتَتْ، وأظَلَّتْهُ في يَوْمِها.

أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مِنَ البَحْرِ نامَ نَوْمَةً فَأنْبَتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، وهي الدُّبّاءُ، فَأظَلَّتْهُ، وبَلَغَتْ في يَوْمِها، فَرَآها قَدْ أظَلَّتْهُ، ورَأى خُضْرَتَها، فَأعْجَبَتْهُ، ثُمَّ نامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ، فَإذا هي قَدْ يَبِسَتْ، فَجَعَلَ يَحْزَنُ عَلَيْها، فَقِيلَ لَهُ: أنْتَ الَّذِي لَمْ تَخْلُقْ، ولَمْ تَسْقِ، ولَمْ تُنْبِتْ، تَحْزَنُ عَلَيْها؟ وأنا الَّذِي خَلَقْتُ مِائَةَ ألْفٍ مِنَ النّاسِ، أوْ يَزِيدُونَ، ثُمَّ رَحِمْتُهم فَشَقَّ عَلَيْكَ، وهَؤُلاءِ هم أهْلُ نِينُوى المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

37:147Page 451

وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧

And We sent him1 to [his people of] a hundred thousand or more.

صفحة 147

﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ والإرْسالُ عَلى ما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ: هو الإرْسالُ الأوَّلُ الَّذِي كانَ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، فالعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ﴾ إلَخْ، عَلى سَبِيلِ البَيانِ لِدِلالَتِهِ عَلى ابْتِداءِ الحالِ وانْتِهائِهِ، وعَلى ما هو المَقْصُودُ مِنَ الإرْسالِ مِنَ الإيمانِ، واعْتُرِضَ بَيْنَهُما بِقِصَّتِهِ اعْتِناءً بِها لِغَرابَتِها. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَأْبى عَنْ حَمْلِهِ عَلى الإرْسالِ الأوَّلِ

37:148Page 451

فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨

And they believed, so We gave them enjoyment [of life] for a time.

الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ فَإنَّ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا عَقِيبَ إرْسالِهِ الأوَّلِ بَلْ بَعْدَ ما فارَقَهم. وأُجِيبَ بِأنَّهُ تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ نَحْوُ: تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ. وقِيلَ: الأقْرَبُ أنَّ الفاءَ لِلتَّفْصِيلِ، أوِ السَّبَبِيَّةِ، وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أصابَهُ ما أصابَهُ، فالعَطْفُ عَلى ما عِنْدَهُ.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المَرْوِيَّ أنَّهم بَعْدَ مُفارَقَتِهِ لَهم رَأوُا العَذابَ أوْ خافُوهُ، فَآمَنُوا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ في النَّظْمِ الجَلِيلِ هُنا يَأْبى عَنْ حَمْلِهِ عَلى إرْسالٍ ثانٍ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ إيمانًا مَخْصُوصًا، أوْ أنَّ آمَنُوا، بِتَأْوِيلِ أخْلَصُوا الإيمانَ، وجَدَّدُوهُ، لِأنَّ الأوَّلَ كانَ إيمانَ بِأْسٍ، وقِيلَ: هو إرْسالٌ إلى غَيْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلِينَ بَعْدَ أنْ آمَنُوا سَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ، فَأبى لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، وقالَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا.

وفِي خَبَرٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وأنْبَتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الشَّجَرَةَ، وحَسُنَ حالُهُ، خَرَجَ فَإذا هو بِغُلامٍ يَرْعى غَنَمًا، فَقالَ: مِمَّنْ أنْتَ يا غُلامُ؟ قالَ: مِن قَوْمِ يُونُسَ، قالَ: فَإذا رَجَعْتَ إلَيْهِمْ فَأقْرِئْهُمُ السَّلامَ وأخْبِرْهم أنَّكَ لَقِيتَ يُونُسَ، فَقالَ لَهُ الغُلامُ: إنْ تَكُنْ يُونُسَ فَقَدْ تَعْلَمُ أنَّهُ مَن كَذَبَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُتِلَ، فَمَن يَشْهَدُ لِي؟ قالَ: تَشْهَدُ لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةُ وهَذِهِ البُقْعَةُ، فَقالَ الغُلامُ لِيُونُسَ: مُرْهُما، فَقالَ لَهُما يُونُسُ: إذا جاءَكُما هَذا الغُلامُ فاشْهَدا لَهُ، قالَتا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الغُلامُ إلى قَوْمِهِ، وكانَ لَهُ إخْوَةٌ، فَكانَ في مَنَعَةٍ، فَأتى المَلِكَ، فَقالَ: إنِّي لَقِيتُ يُونُسَ، وهو يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ، فَأمَرَ بِهِ المَلِكُ أنْ يُقْتَلَ، فَقالَ: إنَّ لِي بَيِّنَةً فَأرْسَلَ مَعَهُ، فانْتَهَوْا إلى الشَّجَرَةِ والبُقْعَةِ، فَقالَ لَهُما الغُلامُ: نَشَدْتُكُما بِاللَّهِ، هَلْ أشْهَدَكُما يُونُسُ ؟ قالَتا: نَعَمْ، فَرَجَعَ القَوْمُ مَذْعُورِينَ يَقُولُونَ: تَشْهَدُ لَكَ الشَّجَرَةُ والأرْضُ، فَأتَوُا المَلِكَ، فَحَدَّثُوهُ بِما رَأوْا، فَتَناوَلَ المَلِكُ يَدَ الغُلامِ، فَأجْلَسَهُ في مَجْلِسِهِ وقالَ: أنْتَ أحَقُّ بِهَذا المَكانِ مِنِّي، وأقامَ لَهم أمْرَهم ذَلِكَ الغُلامُ أرْبَعِينَ سَنَةً.

وهَذا دالٌّ بِظاهِرِهِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أنْ أصابَهُ ما أصابَهُ إلَيْهِمْ، فَإنْ صَحَّ يُرادُ بِالإرْسالِ هُنا إمّا الإرْسالُ الأوَّلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾، وإمّا إرْسالٌ آخَرُ إلى غَيْرِ أُولَئِكَ القَوْمِ، والمَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُرْسَلْ إلّا إلى أهْلِ نِينُوى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا تَفْصِيلُ قِصَّتِهِ عِنْدَهُمْ، (وأوْ)، عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ، وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ، وبِها قَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، وقالَ المُبَرِّدُ، وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: لِلشَّكِّ نَظَرًا إلى النّاظِرِ مِنَ البَشَرِ عَلى مَعْنى: مَن رَآهم شَكَّ في عَدَدِهِمْ، وقالَ: مِائَةُ ألْفٍ، أوْ يَزِيدُونَ، والمَقْصُودُ بَيانُ كَثْرَتِهِمْ، أوْ أنَّ الزِّيادَةَ لَيْسَتْ كَثِيرَةً كَثْرَةً مُفْرِطَةً كَما يُقالُ: هم ألْفٌ وزِيادَةٌ، وقالَ ابْنُ كَمالٍ: المُرادُ يَزِيدُونَ بِاعْتِبارٍ آخَرَ، وذَلِكَ أنَّ المُكَلَّفِينَ بِالفِعْلِ مِنهم كانُوا مِائَةَ ألْفٍ، وإذا ضُمَّ إلَيْهِمُ المُراهِقُونَ الَّذِينَ بِصَدَدِ التَّكْلِيفِ كانُوا أكْثَرَ، ومِن ها هُنا ظَهَرَ وجْهُ التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ التَّجَدُّدِ دُونَ الثَّباتِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ أنَّ المُناسِبَ لَهُ الواوُ تَكَلُّفٌ رَكِيكٌ، وأقْرَبُ مِنهُ أنَّ الزِّيادَةَ بِحَسَبِ الإرْسالِ الثّانِي، ويُناسِبُهُ صِيغَةُ التَّجَدُّدِ، وإنْ كانَتْ لِلْفاصِلَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿أرْسَلْناهُ﴾ بِتَقْدِيرِهِمْ يَزِيدُونَ لا عَلى ﴿مِائَةِ﴾ بِتَقْدِيرِ أشْخاصٍ يَزِيدُونَ، أوْ تَجْرِيدُهُ لِلْمَصْدَرِيَّةِ

صفحة 148

فَإنَّهُ ضَعِيفٌ، والزِّيادَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ثَلاثُونَ ألْفًا، وفي أُخْرى عَنْهُ: بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، وفي أُخْرى: بِضْعَةٌ وأرْبَعُونَ ألْفًا، وعَنْ نَوْفٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: سَبْعُونَ ألْفًا، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا».

وإذا صَحَّ هَذا الخَبَرُ بَطَلَ ما سِواهُ.

﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾، بِالحَياةِ، ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى آجالِهِمُ المُسَمّاةِ في الأزَلِ قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَمْتِيعَهم بِالحَياةِ إلى زَمانِ المَهْدِيِّ، وهم إذا ظَهَرَ مِن أنْصارِهِ فَهُمُ اليَوْمَ أحْياءٌ في الجِبالِ والقِفارِ لا يَراهم كُلُّ أحَدٍ، كالمَهْدِيِّ عِنْدَ الإمامِيَّةِ، والخَضِرِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ والصُّوفِيَّةِ، ورُبَّما يُكْشَفُ لِبَعْضِ النّاسِ فَيَرى أحَدًا مِنهُمْ، وهو كَذِبٌ مُفْتَرًى، ولَعَلَّ عَدَمَ خَتْمِ هَذِهِ القِصَّةِ، والقِصَّةِ الَّتِي قَبْلَها بِنَحْوِ ما خُتِمَ بِهِ سائِرُ القِصَصِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ /”سلام“ إلَخْ، تَفْرِقَةٌ بَيْنَ شَأْنِ لُوطٍ، ويُونُسَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وشَأْنِ أصْحابِ الشَّرائِعِ الكُبَرِ، وأُولِي العَزْمِ مِنَ المُرْسَلِينَ مَعَ الِاكْتِفاءِ فِيهِما بِالتَّسْلِيمِ الشّامِلِ لِكُلِّ الرُّسُلِ المَذْكُورِ في آخِرِ السُّورَةِ، ولِتَأخُّرِهِما في الذِّكْرِ قُرْبًا مِنهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والمَذْكُورُ في شَأْنِيُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلى دَعْوَةِ أهْلِ نِينُوى، وكانَتْ إذْ ذاكَ عَظِيمَةً جِدًّا لا تُقْطَعُ إلّا في نَحْوِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وكانُوا قَدْ عَظُمَ شَرُّهُمْ، وكَثُرَ فَسادُهُمْ، فاسْتَعْظَمَ الأمْرَ، وهَرَبَ إلى تَرْسِيسَ، فَجاءَ يافا، فَوَجَدَ سَفِينَةً يُرِيدُ أهْلُها الذَّهابَ بِها إلى تَرْسِيسَ فاسْتَأْجَرَ، وأعْطى الأُجْرَةَ، ورَكِبَ السَّفِينَةَ فَهاجَتْ رِيحٌ عَظِيمَةٌ، وكَثُرَتِ الأمْواجُ وأشْرَفَتِ السَّفِينَةُ عَلى الغَرَقِ، فَفَزِعَ المَلّاحُونَ، ورَمَوْا في البَحْرِ بَعْضَ الأمْتِعَةِ لِتَخِفَّ السَّفِينَةُ وعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَ يُونُسُ إلى بَطْنِ السَّفِينَةِ ونامَ حَتّى عَلا نَفَسُهُ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ الرَّئِيسُ فَقالَ لَهُ: ما بالُكَ نائِمًا؟ قُمْ وادْعُ إلَهَكَ لَعَلَّهُ يُخَلِّصُنا مِمّا نَحْنُ فِيهِ، ولا يُهْلِكُنا، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: تَعالَوْا نَتَقارَعْ لِنَعْرِفَ مَن أصابَنا هَذا الشَّرُّ بِسَبَبِهِ، فَتَقارَعُوا، فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالُوا لَهُ: أخْبِرْنا ماذا عَمِلْتَ، ومِن أيْنَ أتَيْتَ وإلى أيْنَ تَمْضِي، ومِن أيِّ كُورَةٍ أنْتَ؟ ومِن أيِّ شِعْبٍ أنْتَ؟ فَقالَ لَهُمْ: أنا عَبْدُ الرَّبِّ إلَهِ السَّماءِ خالِقِ البَرِّ والبَحْرِ، وأخْبَرَهم خَبَرَهُ، فَخافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. وقالُوا لَهُ: لِمَ صَنَعْتَ ما صَنَعْتَ يَلُومُونَهُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالُوا لَهُ: ما نَصْنَعُ الآنَ بِكَ لِيَسْكُنَ البَحْرُ عَنّا؟ فَقالَ: ألْقُونِي في البَحْرِ، يَسْكُنْ فَإنَّهُ مِن أجْلِي صارَ هَذا المَوْجُ العَظِيمُ، فَجَهِدَ الرِّجالُ أنْ يَرُدُّوها إلى البَرِّ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا فَأخَذُوا يُونُسَ، وألْقُوهُ في البَحْرِ لِنَجاةِ جَمِيعِ مَن في السَّفِينَةِ، فَسَكَنَ البَحْرُ، وأمَرَ اللَّهُ تَعالى حُوتًا عَظِيمًا فابْتَلَعَهُ، فَبَقِيَ في بَطْنِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ، وصَلّى في بَطْنِهِ إلى رَبِّهِ، واسْتَغاثَ بِهِ، فَأمَرَ سُبْحانَهُ الحُوتَ فَألْقاهُ إلى اليَبَسِ، ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ: قُمْ وامْضِ إلى نِينُوى، ونادِ في أهْلِها كَما أمَرْتُكَ مِن قَبْلُ فَمَضى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ونادى، وقالَ: تُخْسَفُ نِينُوى بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَآمَنَتْ رِجالُ نِينُوى بِاللَّهِ تَعالى ونادَوْا بِالصِّيامِ، ولَبِسُوا المُسُوحَ جَمِيعًا ووَصَلَ الخَبَرُ إلى المَلِكِ، فَقامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ ونَزَعَ حُلَّتَهُ، ولَبِسَ مَسْحًا، وجَلَسَ عَلى الرَّمادِ، ونُودِيَ: أنْ لا يَذُقْ أحَدٌ مِنَ النّاسِ والبَهائِمِ طَعامًا ولا شَرابًا، وجَأرُوا إلى اللَّهِ تَعالى، ورَجَعُوا عَنِ الشَّرِّ، والظُّلْمِ، فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمْ يُنْزِلْ بِهِمُ العَذابَ، فَحَزِنَ يُونُسُ، وقالَ: إلَهِي، مِن هَذا هَرَبْتُ، فَإنِّي عَلِمْتُ أنَّكَ الرَّحِيمُ الرَّؤُوفُ الصَّبُورُ التَّوّابُ يا رَبِّ خُذْ نَفْسِي، فالمَوْتُ خَيْرٌ لِي مِنَ الحَياةِ، فَقالَ: يا يُونُسُ، حَزِنْتَ مِن هَذا جِدًّا؟ فَقالَ: نَعَمْ، يا رَبِّ، وخَرَجَ يُونُسُ وجَلَسَ مُقابِلَ المَدِينَةِ، وصَنَعَ لَهُ هُناكَ مِظَلَّةً، وجَلَسَ تَحْتَها إلى أنْ يَرى ما يَكُونُ في المَدِينَةِ

صفحة 149

فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى يَقْطِينًا، فَصَعِدَ عَلى رَأْسِهِ لِيَكُونَ ظِلالَهُ مِن كَرْبِهِ، فَفَرِحَ بِاليَقْطِينِ فَرَحًا عَظِيمًا، وأمَرَ اللَّهُ تَعالى دُودَةً فَضَرَبَتِ اليَقْطِينَ فَجَفَّ، ثُمَّ هَبَّتْ رِيحُ سَمُومٍ، وأشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلى رَأْسِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِ واسْتَطْيَبَ المَوْتَ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: يا يُونُسُ، أحَزِنْتَ جِدًّا عَلى اليَقْطِينِ؟ فَقالَ: نَعَمْ يا رَبِّ، حَزِنْتُ جِدًّا، فَقالَ سُبْحانَهُ: حَزِنْتَ عَلَيْهِ، وأنْتَ لَمْ تَتْعَبْ فِيهِ، ولَمْ تُرَبِّهِ بَلْ صارَ مِن لَيْلَتِهِ، وهَلَكَ مِن لَيْلَتِهِ، فَأنا لا أُشْفِقُ عَلى نِينُوى المَدِينَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي فِيها سُكّانُ أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ رَبْوَةً مِنَ النّاسِ، قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ يَمِينَهم ولا شِمالَهم وبَهائِمُهم كَثِيرَةٌ انْتَهى، وفِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْحَقِّ ما فِيهِ، ولِتَطَّلِعَ عَلى حالِهِ نَقَلْتُهُ لَكَ وكَمْ لِأهْلِ الكِتابِ مِن باطِلٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском