Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:164–180
37:164Page 452
وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ١٦٤
[The angels say],1 "There is not among us any except that he has a known position.2
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ حِكايَةٌ لِاعْتِرافِ المَلائِكَةِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلرَّدِّ عَلى مَن يَزْعُمُ فِيهِمْ خِلافَها، فَهو مِن كَلامِهِ تَعالى، لَكِنَّهُ حُكِيَ بِلَفْظِهِمْ، وأصْلُهُ: وما مِنهم إلّا إلَخْ، أيْ وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في العِبادَةِ والِانْتِهاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى في تَدْبِيرِ العالَمِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِلَّ عَنْهُ خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ تَعالى وخُشُوعًا لِهَيْبَتِهِ سُبْحانَهُ وتَواضُعًا لِجَلالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَما رُوِيَ ”فَمِنهم راكِعٌ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ وساجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ“.
وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ واضِعًا جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾»
وعَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في القُرْبِ والمُشاهَدَةِ، وجَعَلَ بَعْضُهم ذَلِكَ مِن كَلامِ الجِنَّةِ بِمَعْنى المَلائِكَةِ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن كَلامِهِمْ، وهو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ إلى ﴿المُسَبِّحُونَ﴾ فَقالَ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ الجِنَّةَ بِالمَلائِكَةِ: إنَّ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ حِكايَةٌ
صفحة 154
لِتَنْزِيهِ المَلائِكَةِ إيّاهُ تَعالى عَمّا وصَفَهُ المُشْرِكُونَ بِهِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ لَهم في ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى (عَلِمَتْ)، و﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ شَهادَةٌ مِنهم بِبَراءَةِ المُخْلِصِينَ مِن أنْ يَصِفُوهُ تَعالى بِذَلِكَ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَبْرِئَتِهِمْ مِنهُ بِحُكْمِ انْدِراجِهِمْ في زُمْرَةِ المُخْلِصِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن واوِ ﴿يَصِفُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمُعَذَّبُونَ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ، لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ الَّذِينَ نَحْنُ مِن جُمْلَتِهِمْ بُرَآءُ مِن ذَلِكَ الوَصْفِ، و﴿فَإنَّكُمْ﴾ إلَخْ، تَعْلِيلٌ وتَحْقِيقٌ لِبَراءَةِ المُخْلِصِينَ عَمّا ذُكِرَ بِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ، وما تَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَبَرِّيهِمْ عَنْهُمْ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ﴾ إلَخْ، تَبْيِينٌ لِجَلِيَّةِ أمْرِهِمْ، وتَعْيِينٌ لِحَيِّزِهِمْ في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ فِيما قالُوا، وتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وتَبْرِئَةِ المُخْلِصِينَ عَنْهُ، وإظْهارٍ لِقُصُورِ شَأْنِهِمْ، وجُعِلَ تَفْسِيرُ الجِنَّةِ بِالمَلائِكَةِ هو الوَجْهُ لِاقْتِضاءِ رَبْطِ الآياتِ وتَوْجِيهِها بِما ذَكَرَ إيّاهُ، وفي التَّعْلِيلِ شَيْءٌ، نَعَمْ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُقَوِّي قَوْلَ مَن يَقُولُ: المُرادُ بِالجِنَّةِ فِيما سَبَقَ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَقْوِيَةً ظاهِرَةً جِدًّا، وإنَّ الرَّبْطَ الَّذِي ذُكِرَ في غايَةِ الحُسْنِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ وما مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فاسْتَفْتِهِمْ وقُلْ: وما مِنّا إلَخْ، عَلى مَعْنى بَكِّتْهم بِذَلِكَ وانْعَ عَلَيْهِمْ كُفْرانَهُمْ، وعَدِّدْ ما أنْتَ وأصْحابُكَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِن أضْدادِها، وإنْ شِئْتَ لَمْ تَقْدِرْ قُلْ: بَعْدَ عِلْمِكَ بِأنَّ المَعْنى يَنْساقُ إلَيْهِ، وهو بَعِيدٌ، فافْهَمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومنا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِلِاكْتِفاءِ بِصِفَتِهِ، وهي جُمْلَةٌ لَهُ مَقامٌ أيْ ﴿ما مِنّا﴾ أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. وحَذْفُ المَوْصُوفِ بِجُمْلَةٍ، أوْ شِبْهِها، إذا كانَ بَعْضَ ما قَبْلَهُ مِن مَجْرُورٍ بِمِن، أوْ في مُطَّرِدٍ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: ﴿مِنّا﴾ صِفَةٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ هي الخَبَرُ أيْ وما أحَدٌ كائِنٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وتُعُقِّبَ ما مَرَّ بِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن ما مِنّا أحَدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، فَيَكُونُ هو الخَبَرَ، وإنَّ تَخَيُّلَ أنَّ إلّا بِمَعْنى غَيْرُ، وهي صِفَةٌ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِها، وفارَقَتْ غَيْرَ إذا كانَتْ صِفَةً في ذَلِكَ لِتَمَكُّنِ غَيْرُ في الوَصْفِ، وقِلَّةِ تَمَكُّنِ إلّا فِيهِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ فِيهِ أيْضًا التَّفْرِيغَ في الصِّفاتِ، وهم مَنَعُوا ذَلِكَ، ودُفِعَ بِأنَّهُ يَنْعَقِدُ مِنهُ كَلامٌ مُفِيدٌ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ، إذْ مَعْناهُ ما مِنّا أحَدٌ مُتَّصِفٌ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ إلّا بِصِفَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ، والمَقْصُودُ بِالحَصْرِ المُبالَغَةُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ صِفَةُ بَدَلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ما مِنّا أحَدٌ إلّا أحَدٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، كَما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ في نَظِيرِهِ، وفِيهِ أنَّ فِيهِ اعْتِرافًا بِأنَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ تِلْكَ الجُمْلَةُ، وهو يَسْتَلْزِمُ أوْلَوِيَّةَ كَوْنِها خَبَرًا، وما ذُكِرَ مِنَ احْتِمالِ كَوْنِهِ صِفَةً لِبَدَلٍ مَحْذُوفٍ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المُبْدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولا نَظِيرَ لَهُ، وبِالجُمْلَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ، نَعَمْ، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: القَصْدُ هُنا لَيْسَ إفادَةَ مَضْمُونِ الخَبَرِ بَلِ الرَّدُّ عَلى الكَفَرَةِ، ولِذا جُعِلَ الظَّرْفُ خَبَرًا، وقُدِّمَ، فالمَعْنى: لَيْسَ مِنّا أحَدٌ يَتَجاوَزُ مَقامَ العُبُودِيَّةِ لِغَيْرِها بِخِلافِكم أنْتُمْ، فَقَدْ صَدَرَ مِنكم ما أخْرَجَكم عَنْ رُتْبَةِ الطّاعَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أنْفُسَنا أوْ أقْدامَنا في الصَّلاةِ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: أيْ في أداءِ الطّاعَةِ، ومَنازِلِ الخِدْمَةِ، وقِيلَ: الصّافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ نَنْتَظِرُ الأمْرَ الإلَهِيَّ، وفي البَحْرِ: داعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: صافُّونَ أجْنِحَتَنا في الهَواءِ مُنْتَظِرِينَ ما يُؤْمَرُ.
صفحة 155
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ قالَ: كانُوا لا يَصِفُّونَ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْنا عَلى النّاسِ بِثَلاثٍ، جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ لَنا تُرْبَتُها طَهُورًا، إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ»
وأخْرَجَ هو أيْضًا، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تَصِفُّونَ كَما تَصِفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ»
وهَذِهِ الأخْبارُ ونَحْوُها تُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما نَسَبَهُ إلَيْهِ تَعالى الكَفَرَةُ، وقِيلَ: أيِ القائِلُونَ: سُبْحانَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: المُسَبِّحُونَ أيِ المُصَلُّونَ، ويَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ كُلَّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ بِمَعْنى الصَّلاةِ، والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ، ولَعَلَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ أدَبِهِمُ الظّاهِرِ مَعَ رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - والثّانِيَ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِرْفانِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: لَعَلَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في الطّاعَةِ، وهَذا في المَعارِفِ، وما في إنَّ واللّامِ وتَوْسِيطِ الفَصْلِ مِنَ التَّأْكِيدِ والِاخْتِصاصِ لِأنَّهُمُ المُواظِبُونَ عَلى ذَلِكَ دائِمًا مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ، وخَواصُّ البَشَرِ لا تَخْلُو مِنَ الاشْتِغالِ بِالمَعاشِ، ولَعَلَّ الكَلامَ لا يَخْلُو عَنْ تَعْرِيضٍ بِالكَفَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ الثَّلاثَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ كَما نَزَلَتْ أخَواتُها.
وعَنْ هِبَةِ اللَّهِ المُفَسِّرِ: أنَّها نَزَلَتْ لا في الأرْضِ، ولا في السَّماءِ، وعَدَّ مَعَها آيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وآيَةً مِنَ الزُّخْرُفِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ولَعَلَّهُ أرادَ في الفَضاءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلى مُسْتَنَدٍ لِما ذَكَرَهُ إلّا آخِرَ البَقَرَةِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى) الحَدِيثَ، وفِيهِ: (فَأُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لا يُشْرِكُ مِن أُمَّتِهِ بِاللَّهِ شَيْئًا، المُقْحِماتُ)» انْتَهى، فَلا تَغْفُلْ،
37:167–170Page 452
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ ١٦٧
And indeed, they [i.e., the disbelievers] used to say,1
لَوۡ أَنَّ عِندَنَا ذِكۡرٗا مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦٨
"If we had a message from [those of] the former peoples,
لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٩
We would have been the chosen servants of Allāh."
فَكَفَرُواْ بِهِۦۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ١٧٠
But they disbelieved in it,1 so they are going to know.
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ كِتابًا مِن جِنْسِ الكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، ومِثْلِها في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، ولَكُنّا أهْدى مِنهُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَجاءَهم ذِكْرٌ وأيُّ ذِكْرٍ سَيِّدُ الأذْكارِ، وكِتابٌ مُهَيْمِنٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ والأخْبارِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الانْتِقامِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ أيْ لَوْ أنَّ عِنْدَنا عِلْمًا مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا، وما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ أنْ ماتُوا، هَلْ أثابَهم أمْ عَذَّبَهم لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، فَجاءَهم ذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
37:171–173Page 452
وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١
And Our word [i.e., decree] has already preceded for Our servants, the messengers,
إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢
[That] indeed, they would be those given victory
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣
And [that] indeed, Our soldiers [i.e., the believers] will be those who overcome.1
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ، وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِغايَةِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ سَبَقَ وعْدُنا لَهم بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا، أوْ بَدَلًا مِن ﴿كَلِمَتُنا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، والوَعْدُ ما في مَحَلٍّ آخَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُرادُ بِالجُنْدِ اتِّباعُ المُرْسَلِينَ، وأضافَهم
صفحة 156
إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهم وتَنْوِيهًا بِهِمْ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وفِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ ما فِيهِ، والمُرادُ عِنْدَ السُّدِّيِّ بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ ما كانَ بِالحُجَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ في الحَرْبِ، فَإنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ في الحَرْبِ، وإنَّما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنهم غِيلَةً، أوْ عَلى وجْهٍ آخَرَ في غَيْرِ الحَرْبِ، وإنْ ماتَ نَبِيٌّ قَبْلَ النُّصْرَةِ أوْ قُتِلَ فَقَدْ أجْرى اللَّهُ تَعالى أنْ يُنْصَرَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، فَيَكُونُ في نُصْرَةِ قَوْمِهِ نُصْرَةٌ لَهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ القَصْرَيْنِ بِاعْتِبارِ عاقِبَةِ الحالِ، ومُلاحَظَةِ المَآلِ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: هُما بِاعْتِبارِ الغالِبِ، والمَقْضِيِّ بِالذّاتِ، لِأنَّ الخَيْرَ هو مُرادُهُ تَعالى بِالذّاتِ، وغَيْرُهُ مَقْضِيٌّ بِالتَّبَعِ، لِحِكْمَةٍ وغَرَضٍ آخَرَ، أوْ لِلِاسْتِحْقاقِ بِما صَدَرَ مِنَ العِبادِ، ولِذا قِيلَ: بِيَدِهِ الخَيْرُ، ولَمْ يُذْكَرِ الشَّرُّ، مَعَ أنَّ الكُلَّ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنْ لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا نُصِرُوا في الآخِرَةِ، وظاهِرُ السِّياقِ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وأنَّهُ بِطَرِيقِ القَهْرِ والِاسْتِيلاءِ، والنَّيْلِ مِنَ الأعْداءِ، إمّا بِقَتْلِهِمْ، أوْ تَشْرِيدِهِمْ، أوْ إجْلائِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ، أوِ اسْتِئْسارِهِمْ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، والجُمْلَتانِ دالَّتانِ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ اسْتِمْرارَ ذَلِكَ عُرْفِيٌّ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ، واسْتِمْرارُ الغَلَبَةِ لِلْجُنْدِ مَشْرُوطٌ بِما تُشْعِرُ بِهِ الإضافَةُ فَلا يَغْلِبُ اتِّباعُ المُرْسَلِينَ في حَرْبٍ إلّا لِإخْلالِهِمْ بِما تُشْعِرُ بِهِ بِمَيْلٍ ما إلى الدُّنْيا، أوْ ضَعْفِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ويَكْفِي في نُصْرَةِ المُرْسَلِينَ إعْلاءُ كَلِمَتِهِمْ وتَعْجِيزُ الخَلْقِ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ، وحِفْظُهم مِنَ القَتْلِ في الحُرُوبِ، ومِنَ الفِرارِ فِيها، ولَوْ عَظُمَتْ هُنالِكَ الكُرُوبُ فافْهَمْ، ولا يَخْفى وجْهُ التَّعْبِيرِ (بِمَنصُورُونَ) مَعَ المُرْسَلِينَ، (وبِالغالِبُونَ) مَعَ الجُنْدِ، فَلا تَغْفُلْ، وسَمّى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدَهُ بِذَلِكَ كَلِمَةً، وهي كَلِماتٌ، لِأنَّها لَمّا اجْتَمَعَتْ وتَضامَّتْ وارْتَبَطَتْ غايَةَ الِارْتِباطِ صارَتْ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، والمَشْهُورُ أنَّ إطْلاقَ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، واخْتِصاصُ الكَلِمَةِ بِالمُفْرَدِ اصْطِلاحٌ لِأهْلِ العَرَبِيَّةِ، فَعَلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ ”كَلِماتُنا“ بِالجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَلَيْها وُعُودُنا فَتَفَطَّنْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”عَلى عِبادِنا“ عَلى تَضْمِينِ ”سَبَقَتْ“ مَعْنى حَقَّتْ،
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْهم واصْبِرْ، ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى وقْتِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الكَفِّ عَنِ القِتالِ، وعَنِ السُّدِّيِّ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ الفَتْحِ، وكانَ قَبْلَهُ مُهادَنَةُ الحُدَيْبِيَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: إلى يَوْمِ مَوْتِهِمْ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو والَّذِي قَبْلَهُ ظاهِرٌ أنَّ في عَدَمِ اخْتِصاصِ النُّصْرَةِ بِما كانَ في الدُّنْيا،
37:175Page 452
وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٥
And see [what will befall] them, for they are going to see.
﴿وأبْصِرْهُمْ﴾ وهم حِينَئِذٍ عَلى أسْوَإ حالٍ، وأفْظَعِ نَكالٍ، قَدْ حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ مِنَ الأسْرِ، والقَتْلِ، أوْ أبْصِرْ بَلاءَهم عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والأمْرُ بِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ، وهو غَيْرُ واقِعٍ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ لِشِدَّةِ قُرْبِهِ كَأنَّهُ حاضِرٌ قُدّامَهُ، وبَيْنَ يَدَيْهِ مُشاهَدٌ خُصُوصًا إذا قِيلَ: إنَّ الأمْرَ لِلْحالِ أوِ الفَوْرِ.
﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يَكُونُ لَكَ مِنَ التَّأْيِيدِ والنَّصْرِ، وقِيلَ: المَعْنى أبْصِرْ ما يَكُونُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما يَكُونُ لَكَ مِن مَزِيدِ الثَّوابِ، وسَوْفَ لِلْوَعِيدِ لا لِلتَّسْوِيفِ، والتَّبْعِيدِ الَّذِي هو حَقِيقَتُها، وقُرْبُ ما حَلَّ بِهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِقُرْبِ ما يَكُونُ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو قَرِينَةٌ عَلى عَدَمِ إرادَةِ التَّبْعِيدِ مِنهُ.
37:176–177Page 452
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ١٧٦
Then for Our punishment are they impatient?
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٧
But when it descends in their territory, then evil is the morning of those who were warned.
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، أخْرَجَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالُوا: (يا مُحَمَّدُ، أرِنا العَذابَ الَّذِي تُخَوِّفُنا بِهِ، وعَجِّلْهُ لَنا) فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالُوا: مَتى هَذا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ
صفحة 157
﴿بِساحَتِهِمْ﴾ وهي العَرْصَةُ الواسِعَةُ عِنْدَ الدُّورِ، والمَكانُ الواسِعُ مُطْلَقًا، وتُجْمَعُ عَلى سُوحٍ قالَ الشّاعِرُ:
فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يُسَرِّحُوا نَعَمًا أوْ يُسَرِّحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
وفِي الضَّمِيرِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَ العَذابَ بِجَيْشٍ يَهْجُمُ عَلى قَوْمٍ، وهم في دِيارِهِمْ بَغْتَةً، فَيَحِلُّ بِها، والنُّزُولُ تَخْيِيلٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”نُزِلَ“ بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وهو لازِمٌ، فالجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ، وقُرِئَ (نُزِّلَ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ أيْضًا، وهو مُتَعَدٍّ، فَنائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ العَذابِ، ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ فَبِئْسَ صَباحُ المُنْذَرِينَ صَباحُهُمْ، عَلى أنَّ ساءَ بِمَعْنى بِئْسَ، وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ واللّامُ في المُنْذَرِينَ لِلْجِنْسِ، لا لِلْعَهْدِ لِاشْتِراطِهِمُ الشُّيُوعَ فِيما بَعْدُ، فَعَلى الذَّمِّ والمَدْحِ، لِيَكُونَ التَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلُ بَعْدَ الإجْمالِ، ولَوْ كانَ ساءَ بِمَعْنى قَبُحَ عَلى أصْلِهِ جازَ اعْتِبارُ العَهْدِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، والصَّباحُ مُسْتَعارٌ لِوَقْتِ نُزُولِ العَذابِ، أيْ وقْتَ كانَ مِن صَباحِ الجَيْشِ المُبَيِّتِ لِلْعَدُوِّ، وهو السّائِرُ إلَيْهِ لَيْلًا لِيَهْجُمَ عَلَيْهِ، وهو في غَفْلَتِهِ صَباحًا، وكَثِيرًا ما يُسَمُّونَ الغارَةَ صَباحًا لِما أنَّها في الأعَمِّ الأغْلَبِ تَقَعُ فِيهِ، وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أُطْلِقَ فِيهِ الزَّمانُ، وأُرِيدَ ما وقَعَ فِيهِ، كَما يُقالُ: أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِهِمْ.
وجُوِّزَ حَمْلُ الصَّباحِ هُنا عَلى ذَلِكَ، وفي الكَشّافِ: مِثْلُ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ بَعْدَ ما أُنْذِرُوهُ، فَأنْكَرُوهُ بِجَيْشٍ أنْذَرَ بِهُجُومِهِ قَوْمًا بَعْدَ نِصاحِهِمْ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إنْذارِهِ، ولا أخَذُوا أُهْبَتَهُمْ، ولا دَبَّرُوا أمْرَهم تَدْبِيرًا يُنْجِيهِمْ حَتّى أناخَ بِفِنائِهِمْ بَغْتَةً فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الغارَةَ وقَطَعَ دابِرَهُمْ، وكانَتْ عادَةُ مَغاوِيرِهِمْ إصْباحًا، فَسُمِّيَتِ الغارَةُ صَباحًا، وإنْ وقَعَتْ في وقْتٍ آخَرَ، وما فَصُحَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولا كانَتْ لَها الرَّوْعَةُ الَّتِي يُحَسُّ بِها، ويَرُوقُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكَ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ انْتَهى، وظاهِرُهُ أنَّ الكَلامَ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وفَضْلَها عَلى غَيْرِها أشْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وأجَلُّ مِن أنْ يُنْكَرَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ نَزَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويُرادُ حِينَئِذٍ نُزُولُهُ يَوْمَ الفَتْحِ، لا يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِساحَتِهِمْ إلّا عَلى تَأْوِيلِ ولا بِخَيْبَرَ، لِقَوْلِهِ ﷺ حِينَ صَبَّحَها: «(اللَّهُ أكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ، فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ)،» لِأنَّ تِلاوَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَمَّتْ لِاسْتِشْهادِهِ بِها، والكَلامُ هُنا مَعَ المُشْرِكِينَ، ولا يَخْفى بَعْدُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
37:178–179Page 452
وَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٨
And leave them for a time.
وَأَبۡصِرۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٩
And see, for they are going to see.
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ تَسْلِيَةٍ وتَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ المِيعادِ بَعْدَ تَأْكِيدِ مَعَ ما في إطْلاقِ الفِعْلَيْنِ عَنِ المَفْعُولِ مِنَ الإيذانِ ظاهِرًا بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ المَسارِّ، وما يُبْصِرُونَهُ مِن فُنُونِ المَضارِّ، لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ والبَيانُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما تَقَدَّمَ عَذابُ الدُّنْيا، وبِهَذا عَذابُ الآخِرَةِ.
37:180Page 452
سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠
Exalted is your Lord, the Lord of might, above what they describe.
﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ بِهِ، مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ، وجَبَرُوتِهِ مِمّا حُكِيَ عَنْهم في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وما لَمْ يُحْكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَرْكُ إنْجازِ المَوْعُودِ عَلى مُوجَبِ كَلِمَتِهِ تَعالى السّابِقَةِ، لا سِيَّما في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُعْرِبَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّكْمِيلِ، والمالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوَّلًا، وإلى العِزَّةِ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: سُبْحانَ مَن هو مُرَبِّيكَ ومُكَمِّلُكَ ومالِكُ العِزَّةِ والغَلَبَةِ عَلى الإطْلاقِ، عَمّا يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِنها تَرْكُ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْجالُهم
صفحة 158
بِالعَذابِ، ومَعْنى مُلْكِهِ تَعالى العِزَّةَ عَلى الإطْلاقِ أنَّهُ ما مِن عِزَّةٍ لِأحَدٍ مِنَ المُلُوكِ وغَيْرِهِمْ إلّا وهو - عَزَّ وجَلَّ - مالِكُها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُضِيفَ الرَّبُّ إلى العِزَّةِ لِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ذُو العِزَّةِ، كَما تَقُولُ: صاحِبُ صِدْقٍ، لِاخْتِصاصِهِ بِالصِّدْقِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَوازَ إرادَةِ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، والفَرْقُ أنَّ الإضافَةَ عَلى ما ذَكَرْنا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ المُعِزُّ، وعَلى الآخَرِ عَلى أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - العَزِيزُ بِنَفْسِهِ. ولِكُلٍّ وجْهٌ مِنَ المُبالَغَةِ خَلا عَنْهُ الآخَرُ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences