Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:55–74
37:55Page 448
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
﴿فاطَّلَعَ﴾ أيْ عَلى أهْلِ النّارِ ﴿فَرَآهُ﴾ أيْ فَرَأى قَرِينَهُ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ في وسَطِها، ومِنهُ قَوْلُ عِيسى بْنِ عُمَرَ لِأبِي عُبَيْدَةَ كَنْتُ أكْتُبُ حَتّى يَنْقَطِعَ سَوائِي، وسُمِّيَ الوَسَطُ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ ”فَأُطْلِعَ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ وقُرِئَ ”مُطَّلِعُونَ“ مُشَدَّدًا ”فَأطَّلِعَ“ مُشَدَّدًا أيْضًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ.
وقُرِئَ ”مُطْلِعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ ”فَأطْلَعَ“ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا و”فَأطْلُعَ“ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْهُ ”مُطْلِعُونِ“ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ ”فَأُطْلِعَ“ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ، والوَجْهُ مُطْلِعِيَّ كَما «قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”أوَمُخْرِجِيِّ هُمْ“» ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، فَيُقالُ عِنْدَهُ ضارِبُونَهُ مَثَلًا كَما يُقالُ يَضْرِبُونَهُ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:
هُمُ الآمِرُونَ الخَيْرَ والفاعِلُونَهُ إذا ما خَشَوْا مِن مُحْدَثِ الدَّهْرِ مُعَظَّمًا
وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ الحَيِّ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامَلُنِي إلّا ابْنَ حَمّالِ
وهَذِهِ النُّونُ - عِنْدَ جَمْعٍ - نُونُ الوِقايَةِ أُلْحِقَتْ مَعَ الوَصْفِ حَمْلًا لَهُ عَلى الفِعْلِ ولَيْسَتْ مِثْلَ النُّونِ في القِراءَةِ وفي البَيْتِ وإنْ كانَ إلْحاقُ كُلٍّ لِلْحَمْلِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها نُونُ التَّنْوِينِ وحُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ إلْحاقُها مَعَ ”ألْ“ كَقَوْلِهِ: ”ولَيْسَ المُوافِينِي“، ومَعَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ كَما وقَعَ في الحَدِيثِ «”غَيْرُ الدَّجّالِ أخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ“».
ويُعْلَمُ مِن هَذا عَدَمُ اخْتِصاصِ إلْحاقِها بِالشِّعْرِ، نَعَمْ! هو في غَيْرِهِ قَلِيلٌ، وضَعَّفَ بَعْضُهم ما وجَّهَ بِهِ أبُو الفَتْحِ، وقالَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. وخُرِّجَتْ أيْضًا عَلى أنَّها مِن وضْعِ المُتَّصِلِ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ أنَّ الأصْلَ مُطْلِعُونَ إيّايَ، ثُمَّ جُعِلَ المُنْفَصِلُ مُتَّصِلًا فَقِيلَ: مُطْلِعُونِي، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ واكْتُفِيَ عَنْها بِالكَسْرَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ومِثْلُهُ يُقالُ في ”الفاعِلُونَهُ“ في البَيْتِ السّابِقِ، ورَدَّ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ مِن مَحالَّ المُنْفَصِلِ حَتّى يُدَّعى أنَّ المُتَّصِلَ وقَعَ مَوْقِعَهُ، وادَّعى أوْلَوِيَّةَ تَخْرِيجِ أبِي الفَتْحِ، والبَيْتُ - قِيلَ - مَصْنُوعٌ لا يَصِحُّ الِاسْتِشْهادُ
صفحة 93
بِهِ، وقِيلَ: إنَّ الهاءَ هاءُ السَّكْتِ حُرِّكَتْ لِلضَّرُورَةِ، وهو فِرارٌ مِن ضَرُورَةٍ لِأُخْرى، إذْ تَحْرِيكُها وإثْباتُها في الوَصْلِ غَيْرُ جائِزٍ، ولِلنُّحاةِ في مَسْألَةِ إثْباتِ النُّونِ مَعَ إضافَةِ الوَصْفِ إلى الضَّمِيرِ كَلامٌ طَوِيلٌ، حاصِلُهُ أنَّ نَحْوَ:”ضارِبُكَ وضارِباكَ وضارِبُوكَ“ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ في مَحَلِّ جَرٍّ بِالإضافَةِ ولِذا حُذِفَ التَّنْوِينُ ونُونُ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ وهِشامٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في مَحَلِّ نَصْبٍ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ حَتّى ورَدَتا ثابِتَتَيْنِ كَما في ”الفاعِلُونَهُ“ و”أمُسْلِمُنِي“ فالنُّونُ عِنْدَهُما في الأخِيرِ ونَحْوِهِ تَنْوِينٌ حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ، وحَدِيثُ الحَمْلِ عَلى الفِعْلِ عَلى العِلّاتِ أحْسَنُ ما قِيلَ في التَّوْجِيهِ، هَذا وطَلَعَ واطَّلَعَ بِالتَّشْدِيدِ وأطْلَعَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى واحِدٍ والكُلُّ لازِمٌ ويَجِيءُ الِاطِّلاعُ مُتَعَدِّيًا يُقالُ أطْلَعَهُ عَلى كَذا فاطَّلَعَ، و”مُطْلِعُونِ“ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِمَعْنى ”مُطَّلِعُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ ونائِبُ فاعِلِ اطَّلِعَ ضَمِيرُ القائِلِ والفاعِلُ هُمُ المُخاطَبُونَ، وإطْلاعُهم إيّاهُ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ، كَأنَّهُ لَمّا أرادَ الِاطِّلاعَ وأحَبَّ أنْ لا يَسْتَبِدَّ بِهِ - أدَبًا - عَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يَطَّلِعُوا، فَرَغِبُوا واطَّلَعُوا، فَكانَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى اطِّلاعِهِ، فَكَأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أطْلَعُوهُ؛ فَفاءَ (فاطَّلَعَ) فَصِيحَةٌ، والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الَّتِي بَعْدَها: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ حَتّى أطَّلِعَ أنا أيْضًا فاطَّلَعُوا واطَّلَعَ هو بَعْدَ ذَلِكَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ (اطَّلَعَ) بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِيَصْلُحَ تَرَتُّبِ (فَرَآهُ) عَلى ما قَبْلَهُ، و﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ عَلَيْهِ بِمَعْنى الأمْرِ تَأدُّبًا ومُبالَغَةً، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ وهي قِراءَةُ التَّخْفِيفِ في الكَلِمَتَيْنِ والثّانِيَةُ فِعْلٌ ماضٍ - المَعْنى كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وكَذا عَلى القِراءَةِ الَّتِي بَعْدَها، وعَنْ قِراءَةِ أبِي البَرَهْسَمِ ومَن مَعَهُ هَلْ أنْتُمْ مُطْلِعِيَّ فَأطْلَعُوهُ فَرَآهُ إلَخْ، وإطْلاعُهم إيّاهُ - إذا كانَ الخِطابُ لِلْجُلَساءِ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ - كَأنَّهُ طَلَبَ أنْ يَطَّلِعُوا لِيُوافِقَهم فَيَطَّلِعَ، وهو إذا كانَ الخِطابُ لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى ما يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ، وعَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ أنَّ طَلَعَ واطَّلَعَ اطِّلاعًا بِمَعْنى أقْبَلَ وجاءَ والقائِمُ مَقامُ الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ أُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أوْ جارٌّ ومَجْرُورٌ مَحْذُوفانِ أيْ أُطْلِعَ بِهِ لِأنَّ أطْلَعَ لازِمٌ كَأقْبَلَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ أطْلَعَ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا كَأطْلَعْتُ زَيْدًا. ورَدَّ أبُو حَيّانَ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ بِأنَّ نائِبَ الفاعِلِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ كالفاعِلِ، فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما ذَكَرْنا ولا تَغْفُلْ!
37:56–58Page 448
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ ٥٦
He will say, "By Allāh, you almost ruined me.
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨
Then, are we not to die
﴿قالَ﴾ أيِ القائِلُ لِقَرِينِهِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”لَتُغْوِينِ“، و”إنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وفي البَحْرِ أنَّ القَسَمَ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذْ كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ.
﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ عَلَيَّ وهي التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ وأضْرابُكَ.
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلَخْ رُجُوعٌ إلى مُحاوَرَةِ جُلَسائِهِ بَعْدَ إتْمامِ الكَلامِ مَعَ قَرِينِهِ تَبَجُّحًا وابْتِهاجًا بِما أتاحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وتَعْرِيضًا لِلْقَرِينِ بِالتَّوْبِيخِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُتَسائِلِينَ جَمِيعًا، وأنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، واخْتِيرَ الأوَّلُ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وفِيها مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتَّبِعُوهُ أيْ أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ أيْ مِمَّنْ شَأْنُهُ المَوْتُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ.
وقُرِئَ ”بِمائِتِينَ“.
37:59Page 448
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا وهي مُتَناوِلَةٌ - عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ - لِما في القَبْرِ بَعْدَ الإحْياءِ لِلسُّؤالِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالحَياةِ فِيهِ لِكَوْنِها غَيْرَ تامَّةٍ ولا قارَّةٍ وزَمانُها قَلِيلٌ جِدًّا، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ
صفحة 94
قِيلَ: أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ مَوْتَةً إلّا مَوْتَتَنا الأُولى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنِ المَوْتَةُ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، وعِلْمُهم بِأنَّهم لا يَمُوتُونَ ناشِئٌ مِن إخْبارِ أنْبِيائِهِمْ لَهم في الدُّنْيا وإعْلامِهِمْ إيّاهم بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ أوْ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَهم حِينَ دُخُولِ الجَنَّةِ ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وقَوْلُهم ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وقِيلَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ - أوَّلَ ما دَخَلُوا - لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَنُودِيَ يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُونَهُ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى واغْتِباطًا بِها، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ هُنا عِنْدَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ المَوْتِ مِن ذَبْحِهِ بَعِيدٌ في هَذا المَقامِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا بَعْدَ الِاطِّلاعِ والكَلامِ مَعَ القَرِينِ.
﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كَأصْحابِ النّارِ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وتَأْكِيدُهُ وكَذا فِيما تَقَدَّمَ، واسْتِمْرارُ هَذا النَّفْيِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ وهو مُتَضَمِّنٌ نَفْيَ زَوالِ نَعِيمِهِمُ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ الآياتِ، فَإنَّ زَوالَ النَّعِيمِ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ، بَلْ هو مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ، بَلْ تَصَوُّرُ الزَّوالِ عَذابٌ أيْضًا لا يَلِذُّ مَعَهُ عَيْشٌ، ولِذا قِيلَ:
إذا شِئْتَ أنْ تَحْيا حَياةً هَنِيَّةً فَلا تَتَّخِذْ شَيْئًا تَخافُ لَهُ فَقْدا
وكَذا يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الهَرَمِ واخْتِلالِ القُوى الَّذِي يُوهِمُهُ نَفْيُ المَوْتِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ أيْضًا، وأنَّهُ إنَّما اخْتِيرَ التَّعَرُّضُ لِاسْتِمْرارِ نَفْيِ العَذابِ دُونَ إثْباتِ اسْتِمْرارِ النَّعِيمِ؛ لِأنَّ نَفْيَ العَذابِ أسْرَعُ خُطُورًا بِبالِ مَن لَمْ يُعَذَّبْ عِنْدَ مُشاهَدَةِ مَن يُعَذَّبُ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ لِأنَّ دَرْءَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنفَعَةِ.
37:60–61Page 448
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٠
Indeed, this is the great attainment.
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى ما أُخْبِرُوا بِهِ مِنَ اسْتِمْرارِ نَفْيِ المَوْتِ واسْتِمْرارِ نَفْيِ التَّعْذِيبِ عَنْهُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ مَعَ اسْتِمْرارِ النَّفْيَيْنِ، فَإذا كانَ الكَلامُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلَخْ فَهو مُتَضَمِّنٌ إشارَةَ ذَلِكَ القائِلِ إلى ظُهُورِ النَّعِيمِ ويَكُونُ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ لِلِاسْتِغْناءِ بِذَلِكَ الظُّهُورِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَهُ تَعالى، قالَهُ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيرًا لِقَوْلِ ذَلِكَ القائِلِ وتَصْدِيقًا لَهُ، مُخاطِبًا - جَلَّ وعَلا - بِهِ حَبِيبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأمَتَّهُ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ. وقُرِئَ ”لَهُوَ الرِّزْقُ العَظِيمُ“ وهو ما رُزِقُوهُ مِنَ السَّعادَةِ العُظْمى.
﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أيْ لِنَيْلِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ الجَلِيلِ يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ لا لِلْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ السَّرِيعَةِ الِانْصِرامِ المَشُوبَةِ بِفُنُونِ الآلامِ، فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْحَصْرِ، وهَذا إنْ كانَ إشارَةً إلى مُشَخَّصٍ مِن حَيْثُ تَشَخُّصُهُ فَـ”مِثْلِ“ غَيْرُ مُقْحَمَةٍ، وإنْ كانَ إشارَةً إلى الجِنْسِ فَهي مُقْحَمَةٌ كَما فِي:”مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ“ والكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ الأمْرَ بِالعَمَلِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ.
37:62Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَمِن كَلامِهِ - جَلَّ وعَلا - عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ والقِصَّةُ بَيْنَهُما ذُكِرَتْ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ فالإشارَةُ إلى الرِّزْقِ المَعْلُومِ.
وزَعْمُ بَعْضِهِمْ جَوازَ كَوْنِهِ مِن كَلامِ القائِلِ السّابِقِ وما هو مِن كَلامِهِ - عَزَّ وجَلَّ - قَطْعًا هو ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ والرَّيْعُ في الطَّعامِ، ويُسْتَعْمَلُ في الحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ومِنهُ العَسَلُ لَيْسَ مِن أنْزالِ الأرْضِ
صفحة 95
أيْ مِمّا يَحْصُلُ مِنها، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ لا يَجِبُ في العَسَلِ العُشْرِ لِأنَّهُ نُزُلُ طائِرٍ، ويُقالُ لِما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الرِّزْقِ.
والزَّقُّومُ اسْمُ شَجَرَةٍ صَغِيرَةِ الوَرَقِ مَرَّةٍ كَرِيهَةِ الرّائِحَةِ ذاتِ لَبَنٍ إذا أصابَ جَسَدَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ، تَكُونُ في تِهامَةَ وفي البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ، سُمِّيَتْ بِها الشَّجَرَةُ المَوْصُوفَةُ بِما في الآيَةِ، وكِلا المَعْنِيِّينَ لِلنُّزُلِ مُحْتَمَلٌ هُنا؛ بَيْدَ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلى الأوَّلِ انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: أذَلِكَ الرِّزْقُ المَعْلُومُ الَّذِي حاصِلُهُ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ خَيْرٌ نُزُلًا وحاصِلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي حاصِلُها الألَمُ والغَمُّ؟ ومَعْنى التَّفاضُلِ بَيْنَ النُّزُلَيْنِ التَّوْبِيخُ والتَّهَكُّمُ، وهو أُسْلُوبٌ كَثِيرُ الوُرُودِ في القُرْآنِ، والحَمْلُ عَلى المُشارَكَةِ جائِزٌ، وعَلى الثّانِي الظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ، والمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ نُزُلُ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ نُزُلُهم شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَأيُّهُما خَيْرٌ حالَ كَوْنِهِ نُزُلًا؟ وفِيهِ ما مَرَّ مِنَ التَّهَكُّمِ.
والحَمْلُ عَلى التَّمْيِيزِ لا مانِعَ مِنهُ لَفْظًا كَما في نَحْوِ: هم أكْفاهم ناصِرًا، ولَكِنِ المَعْنى عَلى الحالِ أسَدُّ؛ لِأنَّ المَعْنى المُفاضَلَةُ بَيْنَ تِلْكَ الفَواكِهِ وهَذا الطَّعامِ في هَذِهِ الحالِ لا التَّفاضُلُ بَيْنَهُما في الوَصْفِ، وإنَّ ذَلِكَ في النُّزُلِيَّةِ أدْخَلُ مِنَ الآخَرِ فافْهَمْ.
37:63Page 448
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ مِحْنَةً وعَذابًا لَهم في الآخِرَةِ وابْتِلاءً في الدُّنْيا، فَإنَّهم سَمِعُوا أنَّها في النّارِ، قالُوا: كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ والنّارُ تُحْرِقُ الشَّجَرَ؟ وكَذا قالَ أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ اسْتِخْفافًا بِأمْرِها لا إنْكارًا لِلْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ: واللَّهِ ما نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إلّا التَّمْرَ والزُّبْدَّ. فَتَزَقَّمُوا! ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ حَيَوانٍ يَعِيشُ في النّارِ ويَتَلَذَّذُ بِها أقْدَرُ عَلى خَلْقِ الشَّجَرِ في النّارِ وحِفْظِهِ مِنَ الإحْراقِ، فالنّارُ لا تُحْرِقُ إلّا بِإذْنِهِ، أوْ أنَّ الإحْراقَ عِنْدَها لا بِها.
37:64Page 448
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ مَنبَتُها في قَعْرِ النّارِ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. وقُرِئَ ”نابِتَةٌ في أصْلِ الجَحِيمِ“ ﴿طَلْعُها﴾ أيْ حَمْلُها، وأصْلُهُ طَلْعُ النَّخْلِ وهو أوَّلُ ما يَبْدُو قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ شَمارِيخُهُ، أبْيَضُ غَضٌّ مُسْتَطِيلٌ كاللَّوْزِ، سُمِّيَ بِهِ حَمْلُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إمّا لِأنَّهُ يُشابِهُهُ في الشَّكْلِ أوِ الطُّلُوعِ، ولَعَلَّهُ الأوْلى لِمَكانِ التَّشْبِيهِ بَعْدُ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً، أوْ لِاسْتِعْمالِهِ بِمَعْنى ما يَطْلُعُ مُطْلَقًا فَيَكُونُ كالمُرْسَلِ لِلْأُنُفِ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ.
37:65Page 448
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ أيْ في تَناهِي الكَراهَةِ وقُبْحِ المَنظَرِ والعَرَبُ تُشَبِّهُ القَبِيحَ الصُّورَةِ بِالشَّيْطانِ فَيَقُولُونَ: كَأنَّهُ وجْهُ شَيْطانٍ أوْ رَأْسُ شَيْطانٍ وإنْ لَمْ يَرَوْهُ لِما أنَّهُ مُسْتَقْبَحٌ جِدًّا في طِباعِهِمْ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ لا يَخْلِطُهُ خَيْرٌ فَيَرْتَسِمُ في خَيالِهِمْ بِأقْبَحِ صُورَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
أتَقْتُلُنِي والمُشْرِفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ
فَشَبَّهَ بِأنْيابِ الأغْوالِ وهي نَوْعٌ مِنَ الشَّياطِينِ ولَمْ يَرِها لِما ارْتَسَمَ في خَيالِهِ، وعَلى عَكْسِ هَذا تَشْبِيهُهُمُ الصُّورَةَ الحَسَنَةَ بِالمَلَكِ وذَلِكَ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ لا شَرَّ فِيهِ فارْتَسَمَ في خَيالِهِمْ بِأحْسَنِ صُورَةٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وبِهَذا يُرَدُّ عَلى بَعْضِ المَلاحِدَةِ حَيْثُ طَعَنَ في هَذا التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يُعْرَفُ، وحاصِلُهُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا في الخارِجِ بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَرْكُوزًا في الذِّهْنِ والخَيالِ.
وحَمْلُ التَّشْبِيهِ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وغَيْرِهِما، وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ الشَّياطِينَ حِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ تُشَوَّهُ صُوَرُهم جِدًّا وتُسْتَبْشَعُ أعْضاؤُهُمْ، فالمُرادُ كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ
صفحة 96
الَّذِينَ في النّارِ، وفِيهِ أنَّ التَّشْبِيهَ عَلَيْهِ أيْضًا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الخارِجِ عِنْدَ النُّزُولِ، وقِيلَ: رُءُوسُ الشَّياطِينِ شَجَرَةٌ مَعْرُوفَةٌ تَكُونُ بِناحِيَةِ اليَمَنِ مُنْكَرَةُ الصُّورَةِ يُقالُ لَها الأسْتَنُ وإيّاها عَنى النّابِغَةُ بِقَوْلِهِ:
تَحِيدُ عَنْ أسْتَنٍ سُودٍ أسافِلُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الإماءِ الغَوادِي تَحْمِلُ الحُزُما
قالَ الأصْمَعِيُّ: ويُقالُ لَها الصَّوْمُ وأنْشُدُ:
مُوَكَّلٌ بِشُدُوفِ الصَّوْمِ يَرْقُبُهُ ∗∗∗ مِنَ المَغارِبِ مَهْضُومُ الحَشا زَرِمُ
وقِيلَ: الشَّياطِينُ جِنْسٌ مِنَ الحَيّاتِ ذَواتِ أعْرافٍ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
عُجَيْزٌ تَحْلِفُ حِينَ أحْلِفُ ∗∗∗ كَمِثْلِ شَيْطانِ الحَماطِ أعْرَفُ
أيْ لَهُ عُرْفٌ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ:
وفِي البَقْلِ إنْ لَمْ يَدْفَعِ اللَّهُ شَرَّهُ ∗∗∗ شَياطِينُ يَعْدُو بَعْضُهُنَّ عَلى بَعْضِ
37:66Page 448
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جَعْلِها فِتْنَةً أيْ مِحْنَةً وعَذابًا لِلظّالِمِينَ، وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ لِلشَّجَرَةِ، و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وهُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ مِن طَلْعِها، وقِيلَ: مِن تَبْعِيضِيَّةٌ والضَّمِيرُ لِلطَّلْعِ وأُنِّثَ لِإضافَتِهِ إلى المُؤَنَّثِ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالثَّمَرَةِ أوْ لِلشَّجَرَةِ عَلى التَّجَوُّزِ، ولا يَخْلُو كُلٌّ عَنْ بُعْدٍ ما ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ لِغَلَبَةِ الجُوعِ وإنْ كَرِهُوها أوْ لِلْقَسْرِ عَلى أكْلِها
37:67Page 448
ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧
Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.
﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها﴾ أيْ عَلى الشَّجَرَةِ الَّتِي مَلَأُوا مِنها بُطُونَهم ﴿لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ لَشَرابًا مَمْزُوجًا بِماءٍ شَدِيدِ الحَرارَةِ وهَذا الشَّرابُ هو الغَسّاقُ أيْ ما يَقْطُرُ مِن جِراحِ أهْلِ النّارِ وجُلُودِهِمْ، وقِيلَ: هَذا هو الصَّدِيدُ وأمّا الغَسّاقُ فَعَيْنٌ في النّارِ تَسِيلُ إلَيْها سُمُومُ الحَيّاتِ والعَقارِبِ أوْ دُمُوعُ الكَفَرَةِ فِيها، وشُرْبُهم ذَلِكَ لِغَلَبَةِ عَطَشِهِمْ بِما أكَلُوا مِنَ الشَّجَرَةِ فَإذا شَرِبُوا تَقَطَّعَتْ أمْعاؤُهم.
وقُرِئَ ”لَشُوبًا“ بِضَمِّ الشِّينِ وهو اسْمٌ لِما يُشابُ بِهِ، وعَلى الأوَّلِ هو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ قِيلَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ يَمْلَأُوا البُطُونَ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ يَعْطُشُونَ ويُؤَخَّرُ سِقْيُهم زَمانًا لِيَزْدادَ عَطَشُهم فَيَزْدادَ عَذابُهم.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ عَطْفُ الشُّرْبِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ فَلا بُدَّ مِن عَدَمِ تَوَسُّطِ زَمانٍ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُرْبُ الشَّرابِ المَمْزُوجِ بِالحَمِيمِ مُتَأخِّرًا بِزَمانٍ عَنْ مَلْئِهِمُ البُطُونَ دُونَ شُرْبِ الحَمِيمِ وحْدَهُ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ مُخْتَلِفًا، فَتارَةً يَتَأخَّرُ الشُّرْبُ مُطْلَقًا زَمانًا، وأُخْرى لا يَتَأخَّرُ كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَلْؤُهُمُ البُطُونَ أمْرٌ مُمْتَدٌّ فَبِاعْتِبارِ ابْتِدائِهِ يُعْطَفُ بِثُمَّ وبِاعْتِبارِ انْتِهائِهِ بِالفاءِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ شَرابَهم أشْنَعُ مِن مَأْكُولِهِمْ بِكَثِيرٍ، وعَطْفُ مَلْئِهِمُ البُطُونَ بِالفاءِ لِأنَّهُ يَعْقُبُ ما قَبْلَهُ، ولا يَحْسُنُ فِيهِ اعْتِبارُ التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ حُسْنَهُ في شُرْبِ الشَّرابِ المَشُوبِ بِالحَمِيمِ مَعَ الأكْلِ
37:68Page 448
ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨
Then indeed, their return will be to the Hellfire.
﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ أيْ مَصِيرَهُمْ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، وقُرِئَ أيْضًا ”ثُمَّ إنَّ مَنفَذَهُمْ“ ﴿لإلى الجَحِيمِ﴾ أيْ إلى مَقَرِّهِمْ مِنَ النّارِ فَإنَّ في جَهَنَّمَ مَواضِعَ أُعِدَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها نَوْعٌ مِنَ البَلاءِ، فالقَوْمُ يُخْرَجُونَ مِن مَحَلِّ قَرارِهِمْ حَيْثُ تَأجُّجُ النّارِ، ويُساقُونَ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ مِمّا دارَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ، فِيهِ ذَلِكَ الشَّرابُ، لِيَرِدُوهُ، ويُسْقُوا مِنهُ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى مَحَلِّهِمْ كَما تُخْرَجُ الدَّوابُّ إلى مَواضِعِ الماءِ في البَلَدِ مَثَلًا لِتَرِدَهُ ثُمَّ تُرَدُّ إلى مَحَلِّها، وإلى هَذا المَعْنى أشارَ قَتادَةُ ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ تَعالى:
صفحة 97
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”ثُمَّ إنَّ مُنْقَلَبَهُمْ“ إذِ الِانْقِلابُ أظْهَرُ في الرَّدِّ، أوِ المُرادُ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم إلى دَرَكاتِ الجَحِيمِ فَهم يُرَدَّدُونَ في الجَحِيمِ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ أدْنى مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ الشَّرابَ يُقَدَّمُ إلَيْهِمْ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ فَيَشْرَبُونَ ويَصِيرُونَ إلى الجَحِيمِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى تَوْقِيفٍ وإلّا فَهو خِلافُ الظّاهِرِ، وكَأنَّ بَيْنَ خُرُوجِ القَوْمِ لِلشُّرْبِ وعَوْدِهِمْ إلى مَساكِنِهِمْ زَمانًا غَيْرَ يَسِيرٍ يَتَجَرَّعُونَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّرابَ ولِذا جِيءَ بِثَمُّ، وهَذا الشَّرابُ في مُقابَلَةِ ما لِأهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الشَّرابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ إلَخْ كَما أنَّ الزَّقُّومَ في مُقابَلَةِ ما لَهم مِنَ الفَواكِهِ.
وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَوْ أنَّ قَطْرَةً مِن زَقُّومِ جَهَنَّمَ أُنْزِلَتْ إلى الأرْضِ لَأفْسَدَتْ عَلى النّاسِ مَعايِشَهم. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ فَكَيْفَ بِمَن هو طَعامُهُ وشَرابُهُ الغَسّاقُ والصَّدِيدُ مَعَ الحَمِيمِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى رِضاهُ والجَنَّةَ ونَعُوذُ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن غَضَبِهِ والنّارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
37:69–70Page 448
إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩
Indeed they found their fathers astray.
فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠
So they hastened [to follow] in their footsteps.
﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ العَذابِ بِتَقْلِيدِ الآباءِ في أُصُولِ الدِّينِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم ولا لِآبائِهِمْ شَيْءٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ أصْلًا، أيْ وجَدُوهم ضالِّينَ في نَفْسِ الأمْرِ لَيْسَ لَهم ما يَصْلُحُ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ صَلاحِيَّةِ كَوْنِهِ دَلِيلًا، فَهم مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ أوَّلًا مَعَ ظُهُورِ كَوْنِهِمْ عَلى الباطِلِ بِأدْنى تَأمُّلٍ، والإهْراعُ الإسْراعُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: هو إسْراعُ فِيهِ شِبْهُ رِعْدَةٍ.
وفِي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ في الإسْراعِ عَلى آثارِهِمْ كَأنَّهم يُزْعِجُونَ ويُحَثُّونَ حَثًّا عَلَيْهِ.
37:71–74Page 448
وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١
And there had already strayed before them most of the former peoples,
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢
And We had already sent among them warners.
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
Then look how was the end of those who were warned -
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٧٤
But not the chosen servants of Allāh.
﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ قَبْلِ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ الَّذِينَ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لَهم وهم قُرَيْشٌ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أنْبِياءَ أنْذَرُوهم سُوءَ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإنْذارِ ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا.
والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا إهْلاكًا فَظِيعًا اسْتَثْنى عَنْهُمُ المُخْلَصِينَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ والعَمَلِ بِمُوجِبِ الإنْذارِ. وقُرِئَ ”المُخْلِصِينَ“ بِكَسْرِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والِاسْتِثْناءُ عَلى القِراءَتَيْنِ إمّا مُنْقَطِعٌ إنْ خَصَّصَ المُنْذَرِينَ وإمّا مُتَّصِلٌ إنْ عَمَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences