Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:89
﴿فَقالَ﴾ أيْ لَهم ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أرادَ أنَّهُ سَيَسْقَمُ، ولَقَدْ صَدَقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ كُلَّ إنْسانٍ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، وكَفى بِاعْتِلالِ المِزاجِ أوَّلَ سَرَيانِ المَوْتِ في البَدَنِ سِقامًا، وقِيلَ: أرادَ مُسْتَعِدٌّ لِلسَّقَمِ الآنَ، أوْ خارِجُ المِزاجِ عَنِ الِاعْتِدالِ خُرُوجًا قَلَّ مَن يَخْلُو عَنْهُ، أوْ سَقِيمُ القَلْبِ لِكَفْرِكُمْ، والقَوْمُ تَوَهَّمُوا أنَّهُ أرادَ قُرْبَ اتِّصافِهِ بِسَقَمٍ لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الخُرُوجَ مَعَهم إلى مَعِيدِهِمْ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ وابْنِ جُبَيْرٍ سَقَمُ الطّاعُونِ، فَإنَّهُما فَسَّرا ﴿سَقِيمٌ﴾ بِمَطْعُونٍ، وكانَ - كَما قِيلَ - أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا شَدِيدِي الخَوْفِ مِنهُ لِاعْتِقادِهِمُ العَدْوى فِيهِ، وهَذا وكَذا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَوْلُهُ في زَوْجَتِهِ سارَّةَ هي أُخْتِي مِن مَعارِيضِ الأقْوالِ كَقَوْلِ نَبِيِّنا ﷺ لِمَن قالَ لَهُ في طَرِيقِ الهِجْرَةِ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ مِن ماءٍ، حَيْثُ أرادَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذِكْرَ مَبْدَأِ خَلْقِهِ، فَفَهِمَ السّائِلُ أنَّهُ بَيانُ قَبِيلَتِهِ، وكَقَوْلِ صاحِبِهِ الصِّدِّيقِ وقَدْ سُئِلَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في ذاكَ أيْضًا: هو هادٍ يَهْدِينِي، حَيْثُ أرادَ شَيْئًا وفَهِمَ السّائِلُ آخَرَ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ كَذِبًا في الحَقِيقَةِ.
وتَسْمِيَتُهُ بِهِ في بَعْضِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالنَّظَرِ لِما فَهِمَ الغَيْرُ مِنهُ لا بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَصَدَهُ المُتَكَلِّمُ، وجَعْلُهُ ذَنْبًا في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ قِيلَ لِأنَّهُ يَنْكَشِفُ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ مِنهُ خِلافَ الأُولى لا أنَّ كَلَّ تَعْرِيضٍ هو
صفحة 102
كَذَلِكَ، فَإنَّهُ قَدْ يَجِبُ والإمامُ لِضِيقِ مِحْرابِهِ ومَجالِهِ يُنْكِرُ الحَدِيثَ الوارِدَ في ذَلِكَ، وهو في الصَّحِيحَيْنِ، ويَقُولُ: إسْنادُ الكَذِبِ إلى راوِيهِ أهْوَنُ مِن إسْنادِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: كانَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حُمّى لَها نَوْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي تِلْكَ السّاعَةُ، فَإذا هي قَدْ حَضَرَتْ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي سَقِيمٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِنَ المَعارِيضِ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: أرْسَلَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَلِكَهم فَقالَ: إنَّ غَدًا عِيدُنا فاخْرُجْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ فَقالَ: إنَّ ذا النَّجْمَ لَمْ يَطْلُعْ قَطُّ إلّا طَلَعَ بِسَقَمٍ لِي.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّظَرَ المَعْدى بِـ”فِي“ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، والنَّظَرُ المُشارُ إلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْنى نَظَرَ وتَفَكَّرَ في النُّجُومِ لِيَسْتَدِلَّ بِأحْوالِها عَلى حُدُوثِها وأنَّها لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ آلِهَةً فَقالَ: إنِّي سَقِيمٌ أيْ سَقِيمُ النَّظَرِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ كَمالُ اليَقِينِ. انْتَهى. وهَذا - لَعَمْرِي - يَسْلُبُ - فِيما أرى - عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الإسْلامَ، وفِيهِ مِنَ الجَهْلِ بِمَقامِ الأنْبِياءِ - لا سِيَّما الخَلِيلَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما يَدُلُّ عَلى سَقَمِ نَظَرِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن خِذْلانِهِ ومَكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ ”نظر نظرة في النجوم“ كَلِمَةٌ مِن كَلامِ العَرَبِ تَقُولُ إذا تَفَكَّرَ الشَّخْصُ: نَظَرَ في النُّجُومِ، وعَلَيْهِ فَلَيْسَ هو مِنَ المَعارِيضِ، بَلْ قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَقَطْ مِنها، وهَذا - إنْ أيَّدَهُ نَقْلٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ - حَسَنٌ جِدًّا، وقِيلَ: المَعْنى نَظَرَ في أحْوالِ النُّجُومِ أوْ في عِلْمِها أوْ في كُتُبِها وأحْكامِها لِيَسْتَدِلَّ عَلى ما يَحْدُثُ لَهُ، والنَّظَرُ فِيها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى بَعْضِ الأُمُورِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ شَرْعًا إذا كانَ بِاعْتِقادِ إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها عَلّامَةً عَلَيْهِ، والمَمْنُوعُ الِاسْتِدْلالُ بِاعْتِقادِ أنَّها مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها، والجَزْمُ بِكُلِّيَّةِ أحْكامِها، وقَدْ ذَكَرَ الكِرْمانِيُّ في مَناسِكِهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ أرادَ السَّفَرَ في آخِرِ الشَّهْرِ أتُرِيدُ أنْ تَخْسَرَ صَفْقَتَكَ ويَخِيبَ سَعْيُكَ؟ اصْبِرْ حَتّى يُهِلَّ الهِلالُ!» انْتَهى.
وهَذا البَحْثُ مِن أهَمِّ المَباحِثِ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُعْتَرَكَ العُلَماءِ والفَلاسِفَةِ الحُكَماءِ، وقَدْ وعَدْنا بِتَحْقِيقِ الحَقِّ فِيهِ وبَيانِ كَدِرِهِ وصافِيهِ فَنَقُولُ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ إلى سُلُوكِ أقْوَمِ طَرِيقٍ:
اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ النّاسِ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرٌ في هَذا العالَمِ غَيْرَ وُجُودِ الضِّياءِ في المَواضِعِ الَّتِي تَطْلُعَ عَلَيْها الشَّمْسُ والقَمَرُ وعَدَمِهِ فِيما غابا عَنْهُ وما جَرى هَذا المَجْرى، وهَذا خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ وسُلُوكٌ في مَسالِكِ الجَوْرِ والِاعْتِسافِ، وبَعْضُهم قالُوا: إنَّ لَها تَأْثِيرًا ما يَجْرِي عَلى الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ مِثْلَ أنْ يَكُونَ البَلَدُ القَلِيلُ العَرَضِ ذا مِزاجٍ مائِلٍ عَنِ الِاعْتِدالِ إلى الحَرِّ واليُبْسِ وكَذا مِزاجُ أهْلِهِ، وتَكُونُ أجْسامُهم ضَعِيفَةً وألْوانُهم سُودٌ وصُفْرٌ كالنُّوبَةِ والحَبَشَةِ، وأنْ يَكُونَ البَلَدُ الكَثِيرُ العَرَضِ ذا مِزاجٍ مائِلٍ عَنِ الِاعْتِدالِ إلى البَرْدِ والرُّطُوبَةِ وكَذا مِزاجُ أهْلِهِ وتَكُونُ أجْسامُهم عَبْلَةً وألْوانُهم بِيضٌ وشُعُورُهم شُقْرٌ مِثْلُ التُّرْكِ والصَّقالِبَةِ، ومِثْلُ نُمُوِّ النَّباتِ واشْتِدادِهِ ونُضْجِ ثَمَرِهِ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُدْرَكُ بِالحِسِّ، ولا بَأْسَ في نِسْبَتِهِ إلى الكَوْكَبِ، عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيهِ قُوَّةً مُؤَثِّرَةً فَأثَّرَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما يُنْسَبُ الإحْراقُ إلى النّارِ والرَّيُّ إلى الماءِ - مَثَلًا - عَلى مَعْنى ذَلِكَ، وهو مَذْهَبُ السَّلَفِ عَلى ما قالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في جَمِيعِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ وصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الماتُرِيدِيَّةِ، أوْ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ولَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ مُطْلَقًا عَلى ما يَقُولُهُ الأشاعِرَةُ في كُلِّ سَبَبٍ ومُسَبِّبٍ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الماءِ والنّارِ مَثَلًا عِنْدَهم في أنَّهُ لَيْسَ في كُلٍّ قُوَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ما يَتَرَتَّبُ، وإنَّما الفَرْقُ في أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَخْلُقَ الإحْراقَ دُونَ الرَّيِّ عِنْدَ النّارِ دُونَ الماءِ ويَخْلُقُ الرَّيَّ دُونَ الإحْراقِ عِنْدَ الماءِ دُونَ النّارِ ولَيْسَ لِلنّارِ والماءِ مَدْخَلٌ في الأثَرِ مِنَ الإحْراقِ والرَّيِّ سِوى أنْ كُلًّا مُقارِنٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى الأثَرَ بِلا واسِطَةٍ.
صفحة 103
وظَواهِرُ الأدِلَّةِ مَعَ الأوَّلِينَ ولا يُنافِي مَذْهَبُهم تَوْحِيدَ الأفْعالِ وأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ.
وبَعْضُهم زَعَمَ أنَّ لَها تَأْثِيرًا يَعْرِفُهُ المُنَجِّمُ غَيْرَ ذَلِكَ كالسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ وطُولِ العُمْرِ وقَصْرِهِ وسَعَةِ العَيْشِ وضِيقِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ أحْكامِ طَوالِعِ المَوالِيدِ وطَوالِعِ السِّنِينَ والكُسُوفِ والخُسُوفِ والأعْمالِ ونَحْوِها، وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أوْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أوْ نَقْلِيٌّ بَلِ الأدِلَّةُ قائِمَةٌ عَلى بُطْلانِهِ مُتَكَفِّلَةٌ بِهَدْمِ أرْكانِهِ، والقائِلُونَ بِهِ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ والإعْطاءَ والمَنعَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ يَكُونُ في العالَمِ بِالكَواكِبِ عَلى حَسَبِ السُّعُودِ والنُّحُوسِ وكَوْنِها في البُرُوجِ المُنافَرَةِ لَها أوِ المُوافَقَةِ وحَسَبَ نَظَرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِالتَّسْدِيسِ والتَّرْبِيعِ والتَّثْلِيثِ والمُقابَلَةِ، وحَسَبَ كَوْنِها في شَرَفِها وهُبُوطِها ووَبالِها ورَجْعَتِها واسْتِقامَتِها وإقامَتِها اخْتَلَفُوا في كَثِيرٍ مِنَ الأُصُولِ، وتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ يَضْحَكُ مِنهُ أرْبابُ العُقُولِ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ؟ فَزَعَمَ قَوْمٌ مِنهم أنَّ فِعْلَها بِطَبائِعِها، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِعْلًا لَها لَكِنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَبائِعِها، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها تَفْعَلُ في البَعْضِ بِالعَرَضِ وفي البَعْضِ بِالذّاتِ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ لا بِالطَّبْعِ، إلّا أنَّ السَّعْدَ مِنها لا يَخْتارُ إلّا الخَيْرَ والنَّحْسَ لا يَخْتارُ إلّا الشَّرَّ، وهَذا مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّها قَدْ تَتَّفِقُ عَلى الخَيْرِ وقَدْ تَتَّفِقُ عَلى الشَّرِّ مِمّا يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها لا تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ بَلْ تَدُلُّ بِهِ وهو كَلامٌ لا يُعْقَلُ مَعْناهُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مِنَ الكَواكِبِ ما هو سَعْدٌ ومِنها ما هو نَحْسٌ وهي تُسْعِدُ غَيْرَها وتَنْحَسُهُ. وقالَتْ أُخْرى: هي في أنْفُسِها طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ وإنَّما تَخْتَلِفُ دَلالَتُها عَلى السُّعُودِ والنُّحُوسِ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ مِنهم إنَّ لِلْفَلَكِ طَبِيعَةً مُخالِفَةً لِطَبِيعَةِ الأُسْتَقْصاتِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ وأنَّها لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ ولا يابِسَةٌ ولا رَطْبَةٌ، ولا سَعْدَ ولا نَحْسَ فِيها وإنَّما يَدُلُّ بَعْضُ أجْرامِها وبَعْضُ أجْزائِها عَلى الخَيْرِ والبَعْضُ عَلى الشَّرِّ، وارْتِباطُ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعْدِ والنَّحْسِ بِها ارْتِباطُ المَدْلُولاتِ بِأدِلَّتِها لا ارْتِباطُ المَعْلُولاتِ بِعِلَلِها، وهو أعْقَلُ مِن أصْحابِ القَوْلِ بِالِاقْتِضاءِ الطَّبِيعِيِّ والعَلِيَّةِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ أيْضًا عِنْدَ بَعْضِ الأجِلَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الدَّلالَةَ الحِسِّيَّةَ لا تَخْتَلِفُ ولا تَتَناقَضُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَتْ فِرْقَةٌ تَفْعَلُ في الأبْدانِ والأنْفُسِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ بَطْلَيْمُوسَ وأتْباعِهِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: تَفْعَلُ في الأنْفُسِ دُونَ الأبْدانِ، ولَعَلَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ، واخْتَلَفَ رُؤَساؤُهم بَطْلَيْمُوسُ ودُورُوسُوسُ وأنْطِيقُوسُ ورِيمَسُ وغَيْرُهم مِن عُلَماءِ الرُّومِ والهِنْدِ وبابِلَ في الحُدُودِ وغَيْرِها، وتَضادُّوا في المَواضِعِ الَّتِي يَأْخُذُونَ مِنها دَلِيلَهُمْ، ومِن ذَلِكَ اخْتِلافُهم في أمْرِ سَهْمِ السَّعادَةِ فَزَعَمَ بَطْلَيْمُوسُ أنَّهُ يُعْلَّمُ بِأنْ يُؤْخَذَ أبَدًا العَدَدُ الَّذِي يَحْصُلُ مِن مَوْضِعِ الشَّمْسِ إلى مَوْضِعِ القَمَرِ ويُبْتَدَئُ مِنَ الطّالِعِ فَيُرْصَدُ مِنهُ مِثْلُ ذَلِكَ العَدَدِ عَلى التَّوالِي فَمُنْتَهى العَدَدِ مَوْضِعُ السَّهْمِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُبْتَدَئُ مِنَ الطّالِعِ فَيُعَدُّ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ التَّوالِي، وزَعَمَ بَعْضُ الفُرْسِ أنَّ سَهْمَ السَّعادَةِ يُؤْخَذُ بِاللَّيْلِ مِنَ القَمَرِ إلى الشَّمْسِ وبِالنَّهارِ مِنَ الشَّمْسِ إلى القَمَرِ، وزَعَمَ أهْلُ مِصْرَ في الحُدُودِ أنَّها تُؤْخَذُ مِن أرْبابِ البُيُوتِ وزَعَمَ الكَلْدانِيُّونَ أنَّها تُؤْخَذُ مِن مُدَبِّرِي المُثَلَّثاتِ، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَرَتَّبَتْ طائِفَةٌ البُرُوجَ المُذَكَّرَةَ والمُؤَنَّثَةَ مِنَ الطّالِعِ فَعَدُّوا واحِدًا مُذَكَّرًا وآخَرَ مُؤَنَّثًا وصَيَّرُوا الِابْتِداءَ بِالمُذَكَّرِ، وقَسَّمَتْ طائِفَةٌ أُخْرى البُرُوجَ أرْبَعَةَ أجْزاءٍ وجَعَلُوا المُذَكَّرَةَ هي الَّتِي مِنَ الطّالِعِ إلى وسَطِ السَّماءِ والَّتِي تُقابِلُها مِنَ الغارِبِ إلى وتِدِ الأرْضِ وجَعَلُوا الرُّبْعَيْنِ الباقِيَيْنِ مُؤَنَّثَيْنِ، ومِمّا يُضْحِكُ العُقَلاءَ أنَّهم جَعَلُوا البُرُوجَ قَسَمَيْنِ حارَّ المِزاجِ وبارِدَةً وجَعَلُوا الحارَّ مِنها ذِكْرًا والبارِدَ أُنْثى وابْتَدَأُوا بِالحَمَلِ فَقالُوا: هو ذَكَرٌ حارٌّ والَّذِي بَعْدَهُ مُؤَنَّثٌ بارِدٌ وهَكَذا إلى آخِرِها فَصارَتْ سِتَّةٌ ذُكُورًا وسِتَّةٌ إناثًا.
صفحة 104
وقالَ بَعْضُهُمْ: الأوَّلُ ذَكَرٌ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ إناثٌ والخامِسُ ذَكَرٌ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ إناثٌ والتّاسِعُ ذَكَرٌ وما بَعْدَهُ إناثٌ، فالذُّكُورُ ثَلاثَةٌ وبَعْدَ كُلِّ ذَكَرٍ إناثٌ ثَلاثٌ مُخالَفَةٌ لَهُ في الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ ذاتِيَّةٌ لِلْبُرُوجِ، ولَها قِسْمَةٌ ثانِيَةٌ بِالعَرْضِ وهي أنَّهم يَبْدَأُونَ مِنَ الطّالِعِ إلى الثّانِيَ عَشَرَ فَيَأْخُذُونَ واحِدًا ذَكَرًا وآخَرَ أُنْثى.
وبَعْضُهم يَقُولُ هي أرْبَعَةُ أقْسامٍ فَمِن وتِدِ المَشْرِقِ إلى وتِدٍ العاشِرِ ذَكَرٌ شَرْقِيٌّ مُجَفِّفٌ سَرِيعٌ، ومِن وتِدِ العاشِرِ إلى وتِدٍ الغارِبِ مُؤَنَّثٌ جَنُوبِيٌّ مُحْرِقٌ وسَطٌ، ومِن وتِدِ الغارِبِ إلى وتِدِ الرّابِعِ ذَكَرٌ مُعْتَلٌّ رَطْبٌ غَرْبِيٌّ بَطِيءٌ، ومِن وتِدِ الرّابِعِ إلى الطّالِعِ مُؤَنَّثٌ ذَلِيلٌ مُبَرِّدٌ شَمالِيٌّ وسَطٌ، وبَعْضُ الأوائِلِ مِنهم لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ بِالدَّرَجَةِ الأُولى مِنَ الحَمَلِ فَقالَ: هي ذَكَرٌ والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ أُنْثى، وهَكَذا إلى آخِرِ الحُوتِ، ولِبَطْلَيْمُوسَ هَذَيانٌ آخَرُ فَإنَّهُ ابْتَدَأ بِأوَّلِ دَرَجَةٍ كُلَّ بُرْجٍ ذَكَرٍ، فَنَسَبَ مِنها إلى تَمامِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَرَجَةً ونِصْفٍ إلى الذُّكُورِيَّةِ ومِنهُ إلى تَمامِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً إلى الأُنُوثِيَّةِ، ثُمَّ قَسَّمَ باقِيَ البُرُوجِ إلى قِسْمَيْنِ، فَنَسَبَ النِّصْفَ الأوَّلَ إلى الذَّكَرِ والآخَرَ إلى الأُنْثى، وفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ في كُلِّ بُرْجٍ أُنْثى، ولِدُورُوسُوسَ هَذَيانٌ آخَرُ أيْضًا، فَإنَّهُ يُقَسِّمُ البُرُوجَ كُلَّ بُرْجٍ ثَمانِيَةً وخَمْسِينَ دَقِيقَةً ومِائَةً وخَمْسِينَ دَقِيقَةً، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى الطّالِعِ فَإنْ كانَ بُرْجًا ذَكَرًا أعْطى القِسْمَةَ الأُولى لِلذَّكَرِ ثُمَّ الثّانِيَةَ لِلْأُنْثى، إلى أنْ يَأْتِيَ عَلى البُرُوجِ كُلِّها، وإنْ كانَ أُنْثى أعْطى القِسْمَةَ الأُولى لِلْأُنْثى ثُمَّ الثّانِيَةَ لِلذَّكَرِ إلى أنْ يَأْتِيَ عَلى آخِرِها، وما لَهم في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ دَلِيلٌ، مَعَ أنَّ قَوْلَهم بِبَساطَةِ الفَلَكِ يَأْبى اخْتِلافَ أجْزائِهِ بِالحَرارَةِ والبُرُودَةِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، ومِثْلُ هَذَيانِهِمْ في قِسْمَةِ الأجْزاءِ الفَلَكِيَّةِ إلى ما ذُكِرَ قِسْمَتُهُمُ الكَواكِبَ إلى ذَلِكَ، فَزَعَمُوا أنَّ القَمَرَ والزُّهْرَةَ مُؤَنَّثانِ، وأنَّ الشَّمْسَ وزُحَلَ والمُشْتَرِيَ والمِرِّيخَ مُذَكَّرَةٌ، وإنَّ عُطارِدَ ذَكَرٌ أُنْثى، وأنَّ سائِرَ الكَواكِبِ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ بِسَبَبِ الأشْكالِ الَّتِي تَكُونُ لَها بِالقِياسِ إلى الشَّمْسِ، وذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ مُشْرِقَةً مُتَقَدِّمَةً عَلى الشَّمْسِ فَهي مُذَكَّرَةٌ، وإنْ كانَتْ مُغْرِبَةً تابِعَةً كانَتْ مُؤَنَّثَةً، وإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَها بِالقِياسِ إلى أشْكالِها مِنَ الأُفُقِ، وذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ في الأشْكالِ الَّتِي مِنَ المَشْرِقِ إلى وسَطِ السَّماءِ مِمّا تَحْتَ الأرْضِ فَهي مُذَكَّرَةٌ، وإذا كانَتْ في الرُّبْعَيْنِ الباقِيَيْنِ فَهي مُؤَنَّثَةٌ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ انْقِلابُ المُذَكَّرِ مُؤَنَّثًا والمُؤَنَّثِ مُذَكَّرًا.
وأجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذا الهَذَيانِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنِ اتِّصافِ شَيْءٍ بِأمْرٍ بِالقِياسِ إلى شَيْءٍ وبِضِدِّهِ بِالقِياسِ إلى آخَرَ، وهو في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِشَيْءٍ مِنهُما؛ كالأدْكَنِ فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ أبْيَضُ بِالقِياسِ إلى الأسْوَدِ وأسْوَدُ بِالقِياسِ إلى الأبْيَضِ وهو في نَفْسِهِ لا أسْوَدُ ولا أبْيَضُ، فَكَذا الكَواكِبُ يُقالُ إنَّها ذُكْرانٌ وإناثٌ بِالقِياسِ إلى الأشْكالِ - أعْنِي الجِهاتِ - والجِهاتُ إلى الرِّياحِ كالصَّبا والدَّبُورِ، والرِّياحُ إلى الكَيْفِيّاتِ لا أنَّها ذُكْرانٌ وإناثٌ في أنْفُسِها، وهو تَلْبِيسٌ فَإنَّ الأدْكَنَ فِيهِ شائِبَةُ بَياضٍ وسَوادٍ فَمُقْتَضى التَّشْبِيهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في الكَوْكَبِ شائِبَةُ ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وأيْضًا الظّاهِرُ أنَّ الِانْقِسامَ المَذْكُورَ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ والتَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ، ولا يَكادُ يُعْرَفُ انْقِلابُ الحَقِيقَةِ والطَّبِيعَةِ بِحَسَبِ المَوْضِعِ والقُرْبِ والبُعْدِ، ومِنهُ يُعْلَمُ فَسادُ ما قالُوا: إنَّ القَمَرَ مِن أوَّلِ ما يُهِلُّ إلى وقْتِ انْتِصافِهِ الأوَّلِ في الضَّوْءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلرُّطُوبَةِ خاصَّةً، ومِن ذَلِكَ إلى وقْتِ الِامْتِلاءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْحَرارَةِ، ومِنهُ إلى وقْتِ الِانْتِصافِ الثّانِي في الضَّوْءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْيُبْسِ، ومِن ذَلِكَ إلى وقْتِ خَفائِهِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْبُرُودَةِ، وقاسُوا ذَلِكَ عَلى تَأْثِيراتِ الشَّمْسِ في الفُصُولِ، والفَرْقُ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الشَّهْرِ الواحِدِ ذا فُصُولٍ، والحِسُّ يَدْفَعُهُ، وأيْضًا كَلامُهم هَذا يُخالِفُ ما قالُوهُ مِن أنَّ قُوَّةَ القَمَرِ التَّرْطِيبُ لِقُرْبِ فَلَكِهِ مِنَ الأرْضِ وقَبُولِهِ لِلْبُخاراتِ الرَّطْبَةِ الَّتِي تَرْتَفِعُ مِنها إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ في نَفْسِهِ لِما أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ازْدِيادُ رُطُوبَةِ القَمَرِ
صفحة 105
فِي كُلِّ يَوْمٍ لَوْ سُلِّمَ تَصاعُدُ البُخاراتِ الرَّطْبَةِ إلَيْهِ وتَأثُّرُهُ مِنها، كَذا القَوْلُ بِأنَّ قُوَّةَ زُحَلَ أنْ يُبَرِّدَ ويُجَفِّفَ تَجْفِيفًا يَسِيرًا لِبُعْدِهِ عَنْ حَرارَةِ الشَّمْسِ والبُخاراتِ الرَّطْبَةِ، وإنَّ قُوَّةَ المِرِّيخِ مُجَفِّفَةٌ مُحْرِقَةٌ لِمُشاكَلَةِ لَوْنِهِ لَوْنَ النّارِ ولِقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ، وكَوْكَبُ الدُّبِّ الأكْبَرِ كالمِرِّيخِ، وإنَّ عُطارِدًا مُعْتَدِلٌ في التَّجْفِيفِ والتَّرْطِيبِ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنِ الشَّمْسِ بُعْدًا كَثِيرًا ولا وضْعُهُ فَوْقَ كُرَةِ القَمَرِ. ومِنَ العَجائِبِ اسْتِدْلالُ فُضَلائِهِمْ عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِ الكَواكِبِ بِاخْتِلافِ ألْوانِها حَيْثُ قالُوا: لَمّا كانَ لَوْنُ زُحَلَ الغُبْرَةَ والكُمُودَةَ حَكَمْنا بِأنَّهُ عَلى طَبْعِ السَّوْداءِ، وهو البَرْدُ واليُبْسُ، فَإنَّ لَها مِنَ الألْوانِ الغُبْرَةَ، ولَمّا كانَ لَوْنُ المِرِّيخِ كَلَوْنِ النّارِ قُلْنا طَبْعُهُ حارٌّ يابِسٌ، والحَرارَةُ واليُبْسُ في الشَّمْسِ ظاهِرَتانِ، ولَمّا كانَ لَوْنُ الزُّهْرَةِ كالمُرَكَّبِ مِنَ البَياضِ والصُّفْرَةِ - والبَياضُ أظْهَرُ فِيها - قُلْنا طَبْعُها البُرُودَةُ والرُّطُوبَةُ كالبَلْغَمِ، ولَمّا كانَ صُفْرَةُ المُشْتَرِي أكْثَرَ مِمّا في الزُّهْرَةِ كانَتْ سُخُونَتُهُ أكْثَرَ مِن سُخُونَةِ الزُّهْرَةِ، وكانَ في غايَةِ الِاعْتِدالِ، وأمّا القَمَرُ فَهو أبْيَضُ وفِيهِ كُمُودَةٌ فَيَدُلُّ بَياضُهُ عَلى البُرُودَةِ.
وأمّا عُطارِدٌ فَتَخْتَلِفُ ألْوانُهُ، فَرُبَّما رَأيْناهُ أخْضَرَ، ورُبَّما رَأيْناهُ أغْبَرَ، ورُبَّما رَأيْناهُ عَلى خِلافِ هَذَيْنِ اللَّوْنَيْنِ، وذَلِكَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الأُفُقِ عَلى ارْتِفاعٍ واحِدٍ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ لَهُ طَبائِعُ مُخْتَلِفَةٌ؛ إلّا أنّا لَمّا وجَدْناهُ في الأغْلَبِ أغْبَرَ كالأرْضِ قُلْنا هو مِثْلُها في الطَّبْعِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُشارَكَةَ في بَعْضِ الصِّفاتِ لا تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الطَّبِيعَةِ ولا في صِفَةٍ أُخْرى، وأنَّ دَلالَةَ مُجَرَّدِ اللَّوْنِ عَلى الطَّبِيعَةِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا لِاشْتِراكِ الكَثِيرِ في لَوْنٍ مَعَ اخْتِلافِ الطَّبائِعِ، وأيْضًا الزُّرْقَةُ أظْهَرُ في الزُّهْرَةِ، واخْتِلافُ ألْوانُ عُطارِدٍ لِأنّا نَراهُ قَرِيبَ الأُفُقِ فَيَكُونُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بُخاراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقالَ أبُو مَعْشَرٍ: إنَّ القَمَرَ لا يُنْسَبُ لَوْنُهُ إلى البَياضِ إلّا مِن عَدَمِ قُوَّةِ الحِسِّ البَصَرِيِّ، وفِيهِ بُعْدُ ما فِيهِ، ولَوْ سُلِّمَ جَمِيعُ ما قالُوهُ مِنِ اخْتِلافِ طَبائِعِ البُرُوجِ والكَواكِبِ بِالحَرارَةِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ فَقُصارى ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ما نَجِدُهُ مِنَ اخْتِلافِ الأقالِيمِ حَرارَةً وبُرُودَةً مَثَلًا، واخْتِلافِ أشْجارِها وأثْمارِها، واخْتِلافِ أجْسامِ أهْلِها وألْوانِهِمْ، واخْتِلافِ حَيَواناتِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ، ومَعَ هَذا نَقُولُ: إنَّ الكَواكِبَ جُزْءُ السَّبَبِ في ذَلِكَ؛ لَكِنْ مِن أيْنَ لَهُمُ القَوْلُ بِأنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ خَيْرِها وشَرِّها وصَلاحِها وفَسادِها، وجَمِيعَ أشْخاصِهِ وأنْواعِهِ وصُوَرِهِ وقُواهُ، ومُدَدَ بَقاءِ أشْخاصِهِ، وجَمِيعَ أحْوالِها العارِضَةِ لَها، وتَكَوُّنَ الجَنِينِ ومُدَّةَ لُبْثِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ، وخُرُوجَهُ إلى الدُّنْيا، وعُمْرَهُ، ورِزْقَهُ، وشَقاوَتَهُ، وحُسْنَهُ، وقُبْحَهُ، وأخْلاقَهُ، وحِذْقَهُ، وبَلادَتَهُ، وجَهْلَهُ، وعِلْمَهُ، إلى ما لا يُحْصى مِن أحْوالِهِ، وانْقِسامَ الحَيَوانِ إلى الطَّيْرِ وأصْنافِهِ، وإلى الحَيَوانِ البَحْرِيِّ وأنْواعِهِ، والبَرِّيِّ وأقْسامِهِ، واخْتِلافَ صُوَرِ الحَيَواناتِ وأفْعالِها وأخْلاقِها، وثُبُوتَ العَداوَةِ بَيْنَ أفْرادِ نَوْعٍ وأفْرادِ نَوْعٍ آخَرَ مِنها كالذِّئابِ والغَنَمِ، وثُبُوتَ الصَّداقَةِ كَذَلِكَ وكَذا ثُبُوتُ العَداوَةِ أوِ الصَّداقَةِ بَيْنَ أفْرادِ النَّوْعِ الواحِدِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في العالَمِ - لا يَكُونُ إلّا بِتَأْثِيرِ الكَواكِبِ، وهو مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ صِحَّتِهِ إمّا الخَبَرُ الصّادِقُ أوِ الحِسُّ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ النّاسُ، أوْ ضَرُورَةُ العَقْلِ أوْ نَظَرُهُ، وشَيْءٌ مِن هَذا كُلِّهِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ولا يُمْكِنُ الأحْكامِيِّينِ أنْ يَدَّعُوا واحِدًا مِنَ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وغايَتُهم أنْ يَدَّعُوا أنَّ التَّجْرِبَةَ قادَتْهم إلى ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ أقَلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ فِيها أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ، والوَضْعُ المُعَيَّنُ لِمَجْمُوعِ الكَواكِبِ لا يَتَكَرَّرُ أصْلًا، أوْ يَتَكَرَّرُ بَعْدَ أُلُوفِ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ وعُمْرُ الإنْسانِ الواحِدِ
صفحة 106
بَلْ عُمْرُ البَشَرِ لا تَفِي بِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم لِذَلِكَ أنَّ مَجْمُوعَ الِاتِّصالاتِ ونِسَبَ الكَواكِبِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ غَيْرُ شَرْطٍ في التَّأْثِيرِ لِتَتَوَقَّفَ التَّجْرِبَةُ عَلى تَكْرارِهِ؛ بَلْ يَكْفِي بَعْضُ الِاتِّصالاتِ، وقَدْ يَكْفِي واحِدٌ مِنها، وذَلِكَ يَتَكَرَّرُ في أزْمِنَةٍ قَلِيلَةٍ فَتَتَأتّى التَّجْرِبَةُ، مَثَلًا رَداءَةُ السَّفَرِ وقَدْ نَزَلَ القَمَرُ بُرْجَ العَقْرَبِ يَسْتَنِدُ إلى هَذا النُّزُولِ بِالتَّجْرِبَةِ؛ فَإنّا وجَدْنا تَكَرُّرَ ذَلِكَ وتَرَتُّبَ الرَّداءَةِ عَلَيْهِ كُلَّ مَرَّةٍ، وهَذا هو التَّجْرِبَةُ، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّجارِبَ الَّتِي دَلَّتْ عَلى كَذِبِ ما يَقُولُونَ بِوُقُوعِ خِلافِهِ أضْعافُ التَّجارِبِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى صِدْقِهِ، فَقَدْ أجْمَعَ حُذّاقُهم سَنَةَ سَبْعٍ وثَلاثِينَ عامَ خُرُوجِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - إلى صِفِّينَ عَلى أنَّهُ يُقْتَلُ ويُقْهَرُ جَيْشُهُ، فانْتَصَرَ عَلى أهْلِ الشّامِ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّخَلُّصِ إلّا بِالحِيلَةِ، وإنْ لَمْ يُسَلَّمْ هَذا الإجْماعُ فَإجْماعُهم عَلى مِثْلِهِ في خُرُوجِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِحَرْبِ الخَوارِجِ حَيْثُ كانَ القَمَرُ في العَقْرَبِ، وقَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: نَخْرُجُ ثِقَةً بِاللَّهِ تَعالى وتَوَكُّلًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِ المُنَجِّمِ، ونُصْرَتُهُ الخارِجَةُ عَنِ القِياسِ مِمّا شاعَ وذاعَ ولَوْ قِيلَ بِتَواتُرِهِ لَمْ يَبْعُدْ، وأجْمَعُوا سَنَةَ سِتٍّ وسِتِّينَ عَلى غَلَبَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادٍ وقَدْ سارَ بِنَحْوٍ مِن ثَمانِينَ ألْفَ مُقاتِلٍ عَلى المُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ فَلَقِيَهُ إبْراهِيمُ بْنُ الأشْتَرِ صاحِبُ المُخْتارِ بِأرْضِ نَصِيبِينَ فِيما دُونَ سَبْعَةِ آلافِ مُقاتِلٍ فَقَتَلَ مِن عَسْكَرِهِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ ألْفًا وضَرَبَهُ وهو لا يَعْرِفُهُ فَقَتَلَهُ ولَمْ يُقْتَلْ مِن أصْحابِهِ أكْثَرُ مِن مِائَةٍ.
وأجْمَعُوا يَوْمَ أُسِّسَتْ بَغْدادُ سَنَةَ سِتٍّ وأرْبَعِينَ ومِائَةٍ عَلى أنَّ طالِعَها يَقْضِي بِأنَّهُ لا يَمُوتُ فِيها خَلِيفَةٌ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى قالَ بَعْضُ شُعَراءِ المَنصُورِ مُهَنِّئًا لَهُ:
يُهْنِيكَ مِنها بَلْدَةً تَقْضِي لَنا أنَّ المَماتَ بِها عَلَيْكَ حَرامُ
لَمّا قَضَتْ أحْكامُ طالِعِ وقْتِها ∗∗∗ أنْ لا يُرى فِيها يَمُوتُ إمامُ
فَأوَّلُ ما ظَهَرَ كَذِبُ ذَلِكَ بِقَتْلِ الأمِينِ بِشارِعِ بابِ الأنْبارِ فَقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ:
كَذِبَ المُنَجِّمُ في مَقالَتِهِ الَّتِي ∗∗∗ كانَ ادَّعاها في بِنا بَغْدانِ
قَتْلُ الأمِينِ بِها لَعَمْرِي يَقْتَضِي ∗∗∗ تَكْذِيبَهم في سائِرِ الحُسْبانِ
ثُمَّ ماتَ فِيها جَماعَةٌ مِنَ الخُلَفاءِ كالواثِقِ والمُتَوَكِّلِ والمُعْتَضِدِ والنّاصِرِ وغَيْرِهِمْ، إلى أُمُورٍ أُخَرَ لا تَكادُ تُحْصى أجْمَعُوا فِيها عَلى حُكْمٍ وتَبَيَّنَ كَذِبُهم فِيهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لَهُمْ: المُؤَثِّرُ في السُّعُودِ والنُّحُوسِ ونَحْوِهِما هَلْ هو الكَوْكَبُ وحْدَهُ أوِ البُرْجُ وحْدَهُ أوِ الكَوْكَبُ بِشَرْطِ حُصُولِهِ في البُرْجِ؟ فَإنْ قالُوا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لَزِمَهم دَوامُ الأثَرِ لِدَوامِ المُؤَثِّرِ، وإنْ قالُوا بِالثّالِثِ لَزِمَهُمُ القَوْلُ بِاخْتِلافِ البُرُوجِ في الطَّبِيعَةِ وإلّا لاتَّحَدَتْ آثارُ الكَوْكَبِ فِيها، وكُلُّهم مَجْمُوعُونَ عَلى أنَّ الفَلَكَ بَسِيطٌ لا تَرْكِيبَ فِيهِ، والتِزامُ التَّرْكِيبِ مِن طَبائِعَ مُخْتَلِفَةٍ يُنافِي قَوْلَهم بِامْتِناعِ الِانْحِلالِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها تَفْعَلُ ما تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ يَسْتَدْعِي إلْغاءَ أمْرِ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ والمُقارَنَةِ والهُبُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وكَوْنُ ما ذُكِرَ شَرْطًا لِلِاخْتِيارِ لا يَخْفى حالُهُ، والقَوْلُ بِأنَّها تَسْتَدْعِي مِن حَيْثُ طَبِيعَةُ أشِعَّتِها التَّسْخِينَ والتَّبْرِيدَ وهُما يُوجِبانِ اخْتِلافَ أمْزِجَةِ الأبْدانِ واخْتِلافُها يُوجِبُ اخْتِلافَ أفْعالِ النَّفْسِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنّا نَرى التَّسْخِينَ مَثَلًا يَقْتَضِي حَرارَةً وحِدَّةً في المِزاجِ يَفْعَلُ بِها شَخْصٌ غايَةَ الخَيْرِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ وآخَرُ غايَةَ الشَّرِّ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، فَلا بُدَّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مِن مُوجِبٍ غَيْرِ التَّسْخِينِ، وأيْضًا هم يَقُولُونَ: جَمِيعُ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ مُسْتَنِدٌ إلى الكَواكِبِ، وحَدِيثُ التَّسْخِينِ والتَّبْرِيدِ واسْتِلْزامُهُما اخْتِلافَ أفْعالِ النَّفْسِ لا يَتِمُّ بِهِ
صفحة 107
هَذا الغَرَضُ، وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ المُثْبِتِينَ لِعِلْمِ الأحْكامِ والتَّأْثِيراتِ - أيْ مِنَ الإسْلامِيِّينَ - احْتَجُّوا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى بِآياتٍ وهي أنْواعٌ، الأوَّلُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى تَعْظِيمِ الكَواكِبِ فَمِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ هو الكَواكِبُ الَّتِي تَصِيرُ راجِعَةً تارَةً ومُسْتَقِيمَةً أُخْرى، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وقَدْ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِتَعْظِيمِ هَذا القَسَمِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ جَلالَةِ مَواقِعِ النُّجُومِ ونِهايَةِ شَرَفِها، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الثّاقِبُ هو زُحَلُ لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ السَّماواتِ السَّبْعِ، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إلَهِيَّتَهُ بِكَوْنِ هَذِهِ الكَواكِبِ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وتَسْخِيرِهِ، النَّوْعُ الثّانِي ما يَدُلُّ عَلى وصْفِهِ تَعالى بَعْضَ الأيّامِ بِالنُّحُوسَةِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ النَّوْعُ الثّالِثُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ لَها تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ هَذِهِ الكَواكِبُ.
الرّابِعُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ وخَلْقَها عَلى وجْهٍ يُنْتَفَعُ بِها في مَصالِحِ هَذا العالَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences