Al-AlusiAs‑Saffat · 37:89

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:89, continued

النَّوْعُ الخامِسُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَمَسَّكَ بِعِلْمِ النُّجُومِ فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ السّادِسُ أنَّهُ تَعالى قالَ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولا يَكُونُ المُرادُ كِبَرَ الجُثَّةِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ كِبَرَ القَدْرِ والشَّرَفِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها لِيَسْتَدِلَّ بِتَرْكِيبِها وتَأْلِيفِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ لِأنَّ هَذا القَدْرَ حاصِلٌ في تَرْكِيبِ البَعُوضَةِ، ودَلالَةُ حُصُولِ الحَياةِ في بِنْيَةِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أقْوى مِن دَلالَةِ تَرْكِيبِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الحَياةَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى، وجِنْسُ التَّرْكِيبُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الغَيْرُ فَلَمّا خَصَّها - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا التَّشْرِيفِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ عَلِمْنا أنَّ في تَخْلِيقِها أسْرارًا عالِيَةً وحِكَمًا بالِغَةً تَتَقاصَرُ عُقُولُ البَشَرِ عَنْ إدْراكِها، ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ لِأنَّ كَوْنَها دالَّةً عَلى الِافْتِقارِ إلى الصّانِعِ أمْرٌ ثابِتٌ لَها لِذاتِها، لِأنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ مُحْدَثٌ وكُلَّ مُحْدَثٍ مُفْتَقِرٌ إلى الفاعِلِ، فَثَبَتَ أنَّ دَلالَةَ المُتَحَيِّزاتِ عَلى وُجُودِ الفاعِلِ أمْرٌ ثابِتٌ لَها لِذَواتِها وأعْيانِها، وما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ الفِعْلِ والجَعْلِ، فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ.

النَّوْعُ السّابِعُ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَيّامِ كانَ يَقْرَأُ كِتابَ المَجَسْطِي عَلى أُسْتاذِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ واحِدٌ مِنَ المُتَفَقِّهَةِ فَقالَ: ما تَقُومُونَ؟ فَقالَ عُمَرُ: نَحْنُ في تَفْسِيرِ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ فَنَحْنُ نَنْظُرُ كَيْفَ خَلَقَ السَّماءَ وكَيْفَ بَناها وكَيْفَ صانَها عَنِ الفُرُوجِ.

الثّامِنُ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا اسْتَدَلَّ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ قالَ لَهُ نُمْرُوذُ:

صفحة 108

أتَدَّعِي أنَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ بِواسِطَةِ الطَّبائِعِ والعَناصِرِ أوْ لا بِواسِطَتِها؟ فَإنِ ادَّعَيْتَ الأوَّلَ فَذَلِكَ مِمّا لا تَجِدُهُ البَتَّةَ لِأنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ في هَذا العالَمِ فَهو بِواسِطَةِ العَناصِرِ والحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، وإنِ ادَّعَيْتَ الثّانِيَ فَمِثْلُ هَذا الإحْياءِ والإماتَةِ حاصِلٌ مِنِّي ومِن كُلِّ أحَدٍ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُنازِعْ في كَوْنِ هَذِهِ الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ مُرْتَبِطَةً بِالحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، بَلْ أجابَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُبْدِئُ لِتِلْكَ الحَرَكاتِ فَيَكُونُ الفِعْلُ مِنهُ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً، والواحِدُ مِنّا لا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ عَلى خِلافِ التَّحْرِيكِ الإلَهِيِّ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وإذا عَرَفْتَ نَهْجَ الكَلامِ في هَذا البابِ عَرَفْتَ أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ مَمْلُوءٌ مِن تَعْظِيمِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وتَشْرِيفِ الكُراتِ الكَوْكَبِيَّةِ، وأمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ مِنها ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَهى عَنِ اسْتِقْبالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ واسْتِدْبارِهِما عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ، ومِنها أنَّهُ «لَمّا ماتَ ولَدُهُ ﷺ إبْراهِيمُ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقالَ النّاسُ: إنَّما انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْراهِيمَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ“،» ومِنها ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا ذُكِرَ القَدْرُ فَأمْسَكُوا وإذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسَكُوا وإذا ذُكِرَ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا» . ومِنَ النّاسِ مَن يَرْوِي أنَّهُ ﷺ قالَ: «لا تُسافِرُوا والقَمَرُ في العَقْرَبِ”،» ومِنهم مَن يَرْوِيهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ المُحَدِّثُونَ لا يَقْبَلُونَهُ، وأمّا الآثارُ فَكَثِيرَةٌ أيْضًا فَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَجُلًا أتاهُ آخِرَ الشَّهْرِ فَقالَ: أُرِيدُ الخُرُوجَ في تِجارَةٍ فَقالَ: تُرِيدُ أنْ يَمْحَقَ اللَّهُ تَعالى تِجارَتَكَ؟ اسْتَقْبِلْ هِلالَ الشَّهْرِ بِالخُرُوجِ!

وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ يَهُودِيًّا مُنَجِّمًا قالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ! تُخْبِرُ النّاسَ بِما لا تَدْرِي؟ فَقالَ: إنَّ لَكَ ابْنًا في المَكْتَبِ يُحَمُّ غَدًا ويَمُوتُ في اليَوْمِ العاشِرِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَتى تَمُوتُ أنْتَ؟ قالَ: عَلى رَأْسِ السَّنَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ولا تَمُوتُ أنْتَ حَتّى تَعْمى، فَكانَ كُلَّ ذَلِكَ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ:“قالَ أبُو الدَّرْداءِ لَقَدْ فارَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَرَكَنا ولا طائِرَ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا ونَحْنُ نَدَّعِي فِيهِ عِلْمًا”. ولَيْسَتِ الكَواكِبُ مُوَكَّلَةً بِالفَسادِ والصَّلاحِ ولَكِنْ فِيها دَلِيلُ بَعْضِ الحَوادِثِ، عُرِفَ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ، وجاءَ في الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن أُعْطِيَ هَذا العِلْمَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذَلِكَ أنَّهُ عاشَ حَتّى أدْرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أرْبَعِينَ ألْفَ أهْلِ بَيْتٍ وتَفَرَّقُوا عَنْهُ في الأرْضِ، وكانَ يَغْتَمُّ لِخَفاءِ خَبَرِهِمْ، فَأكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العِلْمِ، فَكانَ إذا أرادَ أنْ يَعْرِفَ حالَ أحَدِهِمْ نَظَرَ في النُّجُومِ فَعَرَفَهُ.

وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والتَّكْذِيبَ بِالنُّجُومِ فَإنَّهُ مِن عِلْمِ النُّبُوَّةِ، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالنُّجُومِ، وجاءَ لِبَعْضِ جِيرانِهِ ولَدٌ فَحَكَمَ لَهُ بِأنَّ هَذا الوَلَدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى عُضْوِهِ الفُلانِيِّ خالٌ صِفَتُهُ كَذا وكَذا فَوُجِدَ الأمْرُ كَما قالَ، ورَوى ابْنُ إسْحاقَ أنَّ المُنَجِّمِينَ أخْبَرُوا فِرْعَوْنَ أنَّهُ سَيَجِيءُ ولَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكُونُ هَلاكُهُ عَلى يَدِهِ. وكَذا كانَ كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ هَذا العِلْمَ ما خَلَتْ عَنْهُ مِلَّةٌ مِنَ المِلَلِ ولا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزالُوا مُشْتَغِلِينَ بِهِ مُعَوِّلِينَ عَلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَصالِحِ، ولَوْ كانَ فاسِدًا بِالكُلِّيَّةِ لاسْتَحالَ إطْباقُ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مِن أوَّلِ بِناءِ العالَمِ إلى آخِرِهِ عَلَيْهِ، والتَّجارِبُ في هَذا البابِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى اهـ كَلامُهُ.

ولَعَمْرِي لَقَدْ نَثَرَ الكِنانَةَ، ونَفَضَ الجَعْبَةَ، واسْتَفْرَغَ الوُسْعَ، وبَذَلَ الجُهْدَ، ورَوَّجَ وبَهْرَجَ، وقَعْقَعَ وفَرْقَعَ ومِن غَيْرِ

صفحة 109

طِحْنٍ جَعْجَعَ، وجَمَعَ بَيْنَ ما يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ كَذِبٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ وما يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ خَطَأٌ في تَأْوِيلِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَرُوجُ ما ذَكَرَهُ إلّا عَلى مُفْرِطٍ في الجَهْلِ أوْ مُقَلِّدٍ لِأهْلِ الباطِلِ مِنَ المُنَجِّمِينَ، وإنْ أرَدْتَ الإيضاحَ وأحْبَبْتَ الِاتِّضاحَ فاسْمَعْ لِما نَقُولُ: ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِدْلالاتِ أوْهى مِن بُيُوتِ العَناكِبِ، وأشْبَهُ شَيْءٍ بِنارِ الحُباحِبِ، فَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ فَفِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ هُناكَ قَسَمًا بِالنُّجُومِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ المُرادَ بِالخُنَّسِ بَقَرُ الوَحْشِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّها المَلائِكَةُ، وإذا سُلِّمَ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَأيُّ دَلالَةٍ فِيهِ عَلى التَّأْثِيرِ؟ وقَدْ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ والضُّحى ومَكَّةَ والوالِدِ وما ولَدَ والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والوَتْرِ والسَّماءِ والأرْضِ واليَوْمِ المَوْعُودِ وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ والمُرْسِلاتِ والعاصِفاتِ والنّاشِراتِ والفارِقاتِ والنّازِعاتِ والنّاشِطاتِ والسّابِحاتِ والسّابِقاتِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ الإقْسامُ بِشَيْءٍ دَلِيلًا عَلى تَأْثِيرِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ما أقْسَمَ بِهِ تَعالى مُؤَثِّرًا، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا فالِاسْتِدْلالُ بِهِ باطِلٌ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ وقَدْ فَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ مَواقِعَ النُّجُومِ بِمَنازِلِ القُرْآنِ ونُجُومِهِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في مُدَّةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وكَذا الِاسْتِدْلالُ بُقُولِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ .

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وعُلَماءِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ إقْسامٌ بِالنُّجُومِ؛ فَهَذا ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ وابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهم قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالمُدَبِّراتِ أمْرًا المَلائِكَةُ حَتّى قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ فَتَفْسِيرُهُما بِالنُّجُومِ تَفْسِيرُ المُنَجِّمِينَ ومَن سَلَكَ سَبِيلَهُمْ، وهو تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وأمّا وصْفُهُ تَعالى بَعْضَ الأيّامِ بِالنُّحُوسَةِ كَما في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها فَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَأْثِيرِ الكَواكِبِ ونُحُوسَتِها بِحَسَبِ ما يَزْعُمُ المُنَجِّمُ، بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَ أعْداءَهُ فِيها، فَهي أيّامٌ مَشائِيمُ عَلى الأعْداءِ، فَوَصْفُ تِلْكَ الأيّامِ بِنَحِساتٍ كَوَصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ.

وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ولَيْسَ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ فِيهِ صِفَةَ ﴿يَوْمِ﴾ بَلْ هو صِفَةُ ﴿نَحْسٍ﴾ أيْ نَحْسٍ دائِمٍ لا يُقْلِعُ عَنْهم كَما تُقْلِعُ مَصائِبُ الدُّنْيا عَنْ أهْلِها، والقَوْلُ بِأنَّهُ صِفَةُ ﴿يَوْمِ﴾ وإنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ أرْبِعاءَ آخِرِ الشَّهْرِ وأنَّهُ نَحْسٌ أبَدًا غَلَطٌ، ولا يَكادُ المُنَجِّمُ يَزْعُمُ نُحُوسَةَ يَوْمِ أرْبِعاءَ آخِرِ الشَّهْرِ ولَوْ شَهْرُ صَفَرٍ أبَدًا، بَلْ كَثِيرًا ما يَحْكُمُ بِغايَةِ سَعْدِهِ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الأوْضاعُ الفَلَكِيَّةُ فِيهِ بِزَعْمِهِ.

وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وضَعَ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ عَلى وجْهٍ يُنْتَفَعُ بِها في مَصالِحِ هَذا العالَمِ فَمِنَ الطَّرائِفِ؛ إذِ الألْيَقُ - لَوْ صَحَّ زَعْمُ المُنَجِّمِ - أنْ يَذْكُرَ في الآيَةِ ما تَقْتَضِيهِ النُّجُومُ مِنَ السَّعْدِ والنَّحْسِ وتُعْطِيهِ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وتَهَبُهُ مِنَ الأعْمارِ والأرْزاقِ والعُلُومِ والمَعارِفِ وسائِرِ ما في العالَمِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِذَلِكَ أعْظَمُ مِنَ العِبْرَةِ بِمُجَرَّدِ الضِّياءِ والنُّورِ ومَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، وأمّا ما ذَكَرَ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أنَّهُ تَمَسَّكَ بِعِلْمِ النُّجُومِ حِينَ قالَ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَسَقِيمٌ جِدًّا، وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ في الآيَةِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ بِإمامِ الحُنَفاءِ وشَيْخِ الأنْبِياءِ وخَلِيلِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ أنَّهُ كانَ يَتَعاطى عِلْمَ النُّجُومِ ويَأْخُذُ مِنهُ أحْكامَ الحَوادِثِ، ولَوْ فُتِحَ هَذا البابُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ أخْبارِهِمْ عَنِ المُسْتَقْبِلاتِ مِن

صفحة 110

أوْضاعِ النُّجُومِ لا مِنَ الوَحْيِ، وهو كَما تَرى، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾، وأنَّ المُرادَ بِهِ كِبَرُ القَدْرِ والشَّرَفُ لا كِبَرُ الجُثَّةِ - فَفي غايَةِ الفَسادِ فَإنَّ المُرادَ مِنَ الخَلْقِ هاهُنا الفِعْلُ لا المَفْعُولُ، والآيَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى المَعادِ، أيْ أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ - وخَلْقُهُما أكْبَرُ مِن خَلْقِكم - كَيْفَ يُعْجِزُهُ أنْ يُعِيدَكم بَعْدَ المَوْتِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وأيْنَ هَذا مِن بَحْثِ أحْكامِ النُّجُومِ وتَأْثِيراتِها، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى وُجُودِ فاطِرِهِما وكَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وانْفِرادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ومَن سَوّى بَيْنَهُما وبَيْنَ البَقَّةِ فَقَدْ كابَرَ، ولِذا تَرى الأشْياءَ الضَّعِيفَةَ كالبَعُوضَةِ والذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ إنَّما تُذْكَرُ في سِياقِ ضَرْبِ الأمْثالِ مُبالَغَةً في الِاحْتِقارِ والضَّعْفِ، ولا تُذْكَرُ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظَمَةِ ذِي الجَلالِ جَلَّ شَأْنُهُ، عَلى أنَّ الآيَةَ لَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا لَدَلَّتْ عَلى أنَّ لِلْأرْضِ تَأْثِيرًا أيْضًا كالكَواكِبِ وهم لَمْ يَقُولُوا بِهِ، وما ذَكَرَهُ بَعْدُ مِن أنَّ دَلالَةَ حُصُولِ الحَياةِ في أبْدانِ الحَيَواناتِ أقْوى مِن دَلالَةِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى آخِرِ ما قالَ في حَيِّزِ المَنعِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا، وغايَةُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ونَظائِرُها أنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ فِيها حِكَمٌ ومَصالِحُ ولَيْسَتْ باطِلَةً أيْ خالِيَةً عَنْ ذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لا نَقُولُ بِأنَّ تِلْكَ الحِكَمَ هي الإسْعادُ والإشْقاءُ وهِبَةُ الأعْمارِ والأرْزاقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، بَلْ هي الآثارُ الظّاهِرَةُ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ - عَلى ما سَمِعْتَ - ونَحْوُها، كالدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَثِيرٍ مِن صِفاتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - الَّتِي يُنْكِرُها الكَفَرَةُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كَذا لِتَظْهَرَ دَلالَتُهُ عَلى كَذا، ولا تَتَعَيَّنُ العِبارَةُ الَّتِي ذَكَرَها، عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِها عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ، ولَعَلَّ ما قالَهُ مِن فُرُوعِ كَوْنِ الماهِيّاتِ غَيْرَ مَجْعُولَةٍ، والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، وأمّا ما ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَيّامِ فَهو عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في مُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْرِيرِ المُناظَرَةِ عَلى ما قَرَّرَهُ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ سَلَفِهِمْ وخَلَفِهِمْ، بَلْ قَدْ يَقْطَعُ بِأنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِ المُشْرِكِ النّاظِرِ وما هو إلّا تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ والتَّشَهِّي نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِما رُوِيَ مِن نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ اسْتِقْبالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ فَبَعِيدٌ عَنْ حاجَتِهِ، بَلْ لا دَلالَةَ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ عَلى تَأْثِيرِ الكَواكِبِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ وإلّا لَدَلَّ النَّهْيُ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ عَلى أنَّ لَها تَأْثِيرًا، عَلى أنَّ بَعْضَ الأجِلَّةِ قَدْ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ ولا ضَعِيفٍ ولا مُتَّصِلٍ ولا مُرْسَلٍ، وإنَّما قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في آدابِ التَّخَلِّي: ولا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، فَقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغَ في التَّسَتُّرِ، وقِيلَ: لِأنَّ نُورَهُما مِن نُورِهِ تَعالى، وقِيلَ: لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى مَكْتُوبٌ عَلَيْهِما.

وأمّا ما ذَكَرَ مِن حَدِيثِ كُسُوفِ الشَّمْسِ يَوْمَ مَوْتِ إبْراهِيمَ وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما قالَ فَصَحِيحٌ لَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى ما يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، وصَدْرُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ ولَيْسا بِرَبَّيْنِ ولا إلَهَيْنِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّصَرُّفِ عَنْهُما، وفي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «“لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ» قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّ مَوْتَ أحَدٍ وحَياتَهُ لا يَكُونانِ سَبَبًا لِانْكَسافِهِما، وثانِيهُما أنَّهُ لا يَحْصُلُ عَنِ انْكَسافِهِما مَوْتٌ ولا حَياةٌ، وإنَّما

صفحة 111

ذَلِكَ تَخْوِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ، أجْرى العادَةَ بِحُصُولِهِ في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ بِالحِسابِ لِطُلُوعِ الهِلالِ وإبْدارِهِ وسِرارِهِ، فَأمّا سَبَبُ كُسُوفِ الشَّمْسِ فَتَوَسُّطُ القَمَرِ بَيْنَ جِرْمِ الشَّمْسِ وأبْصارِنا كَسَحابَةٍ تَمُرُّ تَحْتَها فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ عُرْضٌ سَتَرَ عَنّا كُلَّ الشَّمْسِ، وإنْ كانَ لَهُ عُرْضٌ فَبِقَدْرِ ما يُوجِبُهُ عُرْضُهُ، وأمّا سَبَبُ خُسُوفِ القَمَرِ فَهو تَوَسُّطُ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ حَتّى يَصِيرَ مَمْنُوعًا مِنَ اكْتِسابِ النُّورِ مِنَ الشَّمْسِ، ويَبْقى ظَلامُ ظَلِّ الأرْضِ المَخْرُوطِ في مَمَرِّهِ، فَقَدْ يَقَعُ كُلُّهُ في المَخْرُوطِ وقَدْ يَقَعُ بَعْضُهُ فِيهِ ويَبْقى بَعْضُهُ الآخَرُ خارِجًا إلى آخِرِ ما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ ما يَأْباهُ، والوُقُوفُ عَلى وقْتِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ ومِقْدارِهِما أمْرٌ سَهْلٌ ولا يَلْزَمُ مِن صِدْقِ المُنَجِّمِ في ذَلِكَ صِدْقُهُ فِيما يَزْعُمُ مِنَ التَّأْثِيراتِ، وما الإخْبارُ بِهِما إلّا كالإخْبارِ بِوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ في يَوْمِ كَذا في ساعَةِ كَذا وكالإخْبارِ بِوَقْتِ الهِلالِ والإبْدارِ والسِّرارِ، ثُمَّ إنّا لا نُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْدِثُ عِنْدَ الكُسُوفَيْنِ مَن أقَضَيْتِهِ وأقْدارِهِ ما يَكُونُ بَلاءً لِقَوْمٍ ومُصِيبَةً لَهُمْ، ويَجْعَلُ الكُسُوفَ سَبَبًا لِذَلِكَ ولِهَذا أمَرَ ﷺ عِنْدَ الكُسُوفِ بِالفَزَعِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والصَّلاةِ والعَتاقَةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَكُونُ سَبَبًا لِدَفْعِ مُوجِبِ الكَسْفِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لِما جَعَلَهُ، فَلَوْلا انْعِقادُ سَبَبِ التَّخْوِيفِ لَما أمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِدَفْعِ مُوجِبِهِ بِهَذِهِ العِباداتِ، ولِلَّهِ تَعالى في أيّامِ دَهْرِهِ أوْقاتٌ يُحْدِثُ فِيها ما يَشاءُ مِنَ البَلاءِ والنَّعْماءِ، ويَقْضِي مِنَ الأسْبابِ بِما يَدْفَعُ مُوجِبَ تِلْكَ الأسْبابِ لِمَن قامَتْ بِهِ أوْ يُقَلِّلُهُ أوْ يُخَفِّفُهُ، فَمَن فَزِعَ إلى تِلْكَ الأسْبابِ أوْ بَعْضِها انْدَفَعَ عَنْهُ الشَّرُّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الكُسُوفَ سَبَبًا لَهُ أوْ بَعْضِهِ، ولِهَذا قَلَّ ما يَسْلَمُ أطْرافُ الأرْضِ حَيْثُ يَخْفى الإيمانُ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فِيها - مِن شَرٍّ عَظِيمٍ يَحْصُلُ بِسَبَبِ الكُسُوفِ، ويَسْلَمُ مِنهُ الأماكِنُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها نُورُ النُّبُوَّةِ والقِيامِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ أوْ يَقِلُّ فِيها جِدًّا.

وقَدْ جاءَ أنَّهُ ﷺ «لَمّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ في عَهْدِهِ قامَ فَزِعًا مُسْرِعًا يَجُرُّ رِداءَهُ، ونادى في النّاسِ: ”الصَّلاةُ جامِعَةٌ“،» وخَطَبَهم بِتِلْكَ الخُطْبَةِ البَلِيغَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَرَ كَيَوْمِهِ ذَلِكَ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وأمَرَهم عِنْدَ حُصُولِ مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ بِالعَتاقَةِ والصَّدَقَةِ والصَّلاةِ والتَّوْبَةِ وما ذَلِكَ إلّا لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعْلَمَ الخَلْقِ بِاللَّهِ تَعالى وبِأمْرِهِ وشَأْنِهِ وتَصْرِيفِهِ أُمُورَ مَخْلُوقاتِهِ وتَدْبِيرِهِ، وأنْصَحَهم لِلْأُمَّةِ وأشْفَقَهم عَلى العِبادِ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أسْبابَ الكُسُوفَيْنِ وحِسابَهُما لِأنَّ الجَهْلَ بِذَلِكَ لا يَضُرُّ والعِلْمَ بِهِ لا يَنْفَعُ نَفْعَ العِلْمِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وقَدْ يُقالُ: الأمْرُ بِالصَّلاةِ عِنْدَهُما كالأمْرِ بِالصَّلاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ والغُرُوبِ والزَّوالِ مَعَ تَضَمُّنِ ذَلِكَ رَفْعَ مُوجِبِهِما الَّذِي جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الكُسُوفانِ سَبَبَيْنِ لِشَيْءٍ مِنَ البَلاءِ أصْلًا وأنَّ سَبَبَ حُصُولِهِما لَيْسَ ما أطالَ الكَلامَ فِيهِ المُنَجِّمُونَ - ومَرَّ بَعْضُهُ - بَلِ السَّبَبُ هو تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِما لِما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ، والإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتّى أتى المَسْجِدَ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتّى انْجَلَتْ ثُمَّ قالَ: إنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفانِ إلّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ العُظَماءِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، فَإذا تَجَلّى اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ،» وإنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ لِظُهُورِ آثارِ تَجَلِّي الجَلالِ في هَذَيْنِ الجِرْمَيْنِ العَظِيمَيْنِ، أوْ هو كالأمْرِ بِالصَّلاةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ الفَجْرِ مَثَلًا، وحِكْمَتُهُ كَحِكْمَتِهِ، والقائِلُونَ بِهَذا مُكابِرُونَ لِلْفَلاسِفَةِ في أشْياءَ لا يَنْبَغِي المُكابَرَةُ فِيها، ولَعَلَّها تَضُرُّ بِالدِّينِ وتَصِيرُ سَبَبًا لِطَعْنِ المُلْحِدِينَ

صفحة 112

فَيُكابِرُونَ في كَوْنِ الأفْلاكِ مُسْتَدِيرَةً، والأرْضِ كُرَيَّةً وأنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضِياءِ الشَّمْسِ وأنَّ الكُسُوفَ القَمَرِيَّ عِبارَةٌ عَنِ انْمِحاءِ نُورِ القَمَرِ بِتَوَسُّطِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ مِن حَيْثُ إنَّ نُورَهُ مُقْتَبَسٌ مِنها وأنَّ الكُسُوفَ الشَّمْسِيَّ عِبارَةٌ عَنْ وُقُوعِ جِرْمِ القَمَرِ بَيْنَ النّاظِرِ والشَّمْسِ عِنْدَ اجْتِماعِهِما في العُقْدَتَيْنِ عَلى دَقِيقَةٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهم بِتَأْثِيرِ الأسْبابِ المَحْسُوسَةِ في مُسَبِّباتِها وإثْباتِ القُوى والطَّبائِعِ والأفْعالِ والِانْفِعالاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقُومُ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ اليَقِينِيَّةُ ولا تُعارِضُهُ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ القَطْعِيَّةُ، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الحَدِيثِ تَعَقَّبَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ فَقالَ: إنْ زِيادَةً فَإنَّ اللَّهَ إلَخْ لَمْ يَصِحَّ نَقْلًا، فَيَجِبُ تَكْذِيبُ قائِلِها ولَوْ صَحَّتْ لَكانَ تَأْوِيلُها أهْوَنَ مِن مُكابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ، فَكَمْ مِن ظَواهِرَ أُوِّلَتْ بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ في الوُضُوحِ إلى هَذا الحَدِّ، وأعْظَمُ ما يَفْرَحُ بِهِ المُلْحِدَةُ أنْ يُصَرِّحَ ناصِرُ الشَّرْعِ بِأنَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى خِلافِ الشَّرْعِ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إبْطالُ الشَّرْعِ إنْ كانَ شَرْطُهُ أمْثالَ ذَلِكَ اهـ. ولَيْسَ الأمْرُ في هَذِهِ كَما قالَ مِن عَدَمِ الصِّحَّةِ فَإنَّ إسْنادَها لا مَطْعَنَ فِيهِ، فابْنُ ماجَهْ يَرْوِي الحَدِيثَ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنّى وأحْمَدَ بْنِ ثابِتٍ وحُمَيْدِ بْنِ الحَسَنِ، وهم يَرْوُونَهُ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وكُلُّ هَؤُلاءِ ثِقاتٌ حُفّاظٌ نَعَمِ الحَدِيثُ الخالِي عَنْها رَواهُ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحابِيًّا مِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وأسْماءُ أُخْتُها وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وقَبِيصَةُ الهِلالِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ومِن هُنا خافَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنْ تَكُونَ مُدْرَجَةً في الحَدِيثِ، لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يُوجِبُ لَهُما ضَعْفَ سُلُطاتِهِما وبَهائِهِما، وذَلِكَ يُوجِبُ لَهُما مِنَ الخُشُوعِ والخُضُوعِ لِرَبِّ العالَمِينَ وعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ سَبَبًا لِتَجَلِّيهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُما، ولا يُسْتَنْكَرُ أنْ يَكُونَ تَجَلِّي اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُما في وقْتٍ مُعَيَّنٍ كَما يَدْنُو سُبْحانَهُ مِن أهْلِ المَوْقِفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وكَما يَنْزِلُ - تَبارَكَ وتَعالى - كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا عِنْدَ مُضِيِّ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَيُحْدِثُ لَهُما ذَلِكَ التَّجَلِّي خُشُوعًا آخَرَ لَيْسَ هو الكُسُوفَ، فَإنَّهُ إنَّما حَدَثَ بِالسَّبَبِ الَّذِي عَرَفْتَ، ولَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تَجَلّى لَهُما انْكَسَفا بَلْ قالَ فَإذا تَجَلّى اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ، وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ «إذا بَدا اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ» فَهَهُنا خُشُوعانِ: خُشُوعٌ أوْجَبَهُ كُسُوفُهُما الحادِثُ مِن وضْعِهِما الخاصِّ، وخُشُوعٌ أوْجَبَهُ تَجَلِّيهِ تَعالى لَهُما لِذَلِكَ الخُشُوعِ الَّذِي أوْجَبَهُ الكُسُوفِ. وهَذا تَوْجِيهٌ لَطِيفُ المَنزَعِ يَقْبَلُهُ العَقْلُ المُسْتَقِيمُ والفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَفِيهِ - عَلى ما قِيلَ - أنَّ الحَدِيثَ لَوْ ثَبَتَ لَكانَ حُجَّةً عَلَيْهِ لا لَهُ، إذْ لَوْ كانَ عِلْمُ النُّجُومِ حَقًّا لَمْ يَأْمُرْ ﷺ بِالإمْساكِ عِنْدَ ذِكْرِ النُّجُومِ فالظّاهِرُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ إلّا لِأنَّ الخَوْضَ في ذَلِكَ خَوْضٌ فِيما لا عِلْمَ لِلْخائِضِ بِهِ فَتَأمَّلْ.

وأمّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ والقَمَرُ في العَقْرَبِ فَصَحِيحٌ مِن كَلامِ المُنَجِّمِينَ دُونَ رَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ ﷺ، ورِوايَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَذِبٌ أيْضًا، والمَشْهُورُ عَنْهُ خِلافُ ذَلِكَ كَما سَمِعْتَ في قِصَّةِ خُرُوجِهِ لِقِتالِ الخَوارِجِ، وأمّا ما احْتَجَّ بِهِ مِنَ الأثَرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَجُلًا أتاهُ إلَخْ؛ فَلا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والكَذّابُونَ كَثِيرًا ما يُنْفِقُونَ سِلَعَهُمُ الباطِلَةَ بِنِسْبَتِها إلَيْهِ أوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْهُ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِثُبُوتِ أحْكامِ النُّجُومِ بِوَجْهٍ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ بارِكْ لِأُمَّتِي في بُكُورِها» ونِسْبَةُ أوَّلِ الشَّهْرِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ أوَّلِ النَّهارِ إلَيْهِ، وكانَ صَخْرٌ راوِي الحَدِيثِ إذا بَعَثَ تِجارَةً لَهُ بَعَثَها في

صفحة 113

أوَّلِ النَّهارِ، فَأثْرى وكَثُرَ مالُهُ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ السَّنَةِ كَأوَّلِ النَّهارِ أيْضًا، فَلِلْأوائِلِ مَزِيَّةُ القُوَّةِ كَما هو مُشاهَدٌ في الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ، ولِلَّهِ تَعالى تَجَلِّياتٌ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن تَأْثِيرِ الكَواكِبِ في شَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ فِيما ذَكَرَهُ الكِرْمانِيُّ، وقَدْ مَرَّ ما ذَكَرَهُ عَنِ اليَهُودِيِّ الَّذِي أخْبَرَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ، وإنْ سَلِمَ ذَلِكَ فَهو مِن جِنْسِ إخْبارِ الكُهّانِ بِشَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ، وقَدْ أخْبَرَ ابْنُ الصَّيّادِ النَّبِيَّ ﷺ بِما أخْبَرَ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهُ «إنَّما أنْتَ مِن إخْوانِ الكُهّانِ”». وعِلْمُ مُقَدِّمَةِ المَعْرِفَةِ لا يَخْتَصُّ بِما ذَكَرَهُ المُنَجِّمُونَ بَلْ لَهُ عِدَّةُ أسْبابٍ يُصَدَّقُ الحُكْمُ مَعَها ويُكَذَّبُ، مِنها الكِهانَةُ ومِنها المَناماتُ ومِنها الفَأْلُ والزَّجْرُ وضَرْبُ الحَصى والخَطُّ والكَتِفُ والكَشْفُ المُسْتَنِدُ إلى الرِّياضَةِ؛ وهو كَشْفٌ جُزْئِيٌّ عَنْ بَعْضِ الحَوادِثِ، ويَشْتَرِكُ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ ومِنها غَيْرُ ذَلِكَ، ولِلْعُمّالِ في البَحْرِ والسُّعاةِ ونَحْوِهِمْ في البِرِّ عَلاماتٌ يَعْرِفُونَ بِها أوْقاتَ المَطَرِ والصَّحْوِ والبَرَدِ والرِّيحِ وغَيْرِها، وقَلَّما يُخْطِئُونَ في أخْبارِهِمْ بَلْ صَوابُهم في ذَلِكَ أكْثَرُ مِن صَوابِ المُنَجِّمِ.

وأمّا ما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ فالمَحْفُوظُ فِيهِ: «“تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَرَكَنا وما طائِرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ إلّا وقَدْ ذَكَرَ لَنا مِنهُ عِلْمًا» وفِيهِ رِواياتٌ أُخَرُ صَحِيحَةٌ أيْضًا وكُلُّها لَيْسَ فِيها ”ولَيْسَتِ الكَواكِبُ...“ إلَخْ، فَهو مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى بُطْلانِ دَعْوى المُنَجِّمِينَ؛ إذْ لَمْ يَذْكُرْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أحْكامِ النُّجُومِ شَيْئًا البَتَّةَ، وقَدْ عَلَّمَهم عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى الخِراءَةَ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ جاءَ في الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن أُعْطِيَ هَذا العِلْمَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَخْ، فَكَذِبٌ وافْتِراءٌ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ عَمِلَ هَذا الكاذِبُ المُفْتَرِي بِالمَثَلِ السّائِرِ: إذا كَذَبْتَ فَأبْعِدْ شاهِدَكَ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском