Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:89, continued
وأمّا ما نُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ فَهو بَعْضٌ مِن حِكايَةٍ ذَكَرَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ فِيما ألَّفَهُ في مَناقِبِهِ، والحِكاياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ في أحْكامِ النُّجُومِ ثَلاثٌ، إحْداها: قالَ الحاكِمُ: قُرِئَ عَلى أبِي يَعْلى حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ العَلَوِيِّ، وأكْثَرُ ظَنِّي أنِّي حَضَرْتُهُ، ثَنا أبُو إسْحاقَ إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ العَبّاسِ الأزْدِيُّ في آخَرِينَ قالُوا: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي يَعْقُوبَ الجَوّالُ الدِّينَوَرِيُّ، ثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ البَلَوِيُّ، حَدَّثَنِي خالِي عِمارَةُ بْنُ زَيْدٍ قالَ: كُنْتُ صَدِيقًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ يَوْمًا عَلى هارُونَ الرَّشِيدِ فَسَألَهُ، ثُمَّ إنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ وهو يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إدْرِيسَ يَزْعُمُ أنَّهُ لِلْخِلافَةِ أهْلٌ، قالَ: فاسْتَشاطَ هارُونُ مِن قَوْلِهِ غَضَبًا، ثُمَّ قالَ: عَلَيَّ بِهِ! فَلَمّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أطْرَقَ ساعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْهِ فَقالَ: أيُّها! قالَ الشّافِعِيُّ: ما أيُّها أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أنْتَ الدّاعِي وأنا المَدْعُوُّ، وأنْتَ السّائِلُ وأنا المُجِيبُ؟! فَذَكَرَ حِكايَةً طَوِيلَةً سَألَهُ فِيها عَنِ العُلُومِ ومَعْرِفَتِهِ بِها إلى أنْ قالَ: كَيْفَ عِلْمُكَ بِالنُّجُومِ؟ قالَ: أعْرِفُ الفَلَكَ الدّائِرَ، والنَّجْمَ السّائِرَ، والقُطْبَ الثّابِتَ، والمائِيَّ والنّارِيَّ، وما كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيهِ الأنْواءَ، ومَنازِلَ النَّيِّرَيْنِ، والِاسْتِقامَةَ والرُّجُوعَ، والنُّحُوسَ والسُّعُودَ، وهَيْئاتِها وطَبائِعَها وما أسْتَدِلُّ بِهِ في بَرِّي وبَحْرِي، وأسْتَدِلُّ في أوْقاتِ صَلاتِي، وأعْرِفُ ما مَضى مِنَ الأوْقاتِ في إمْسائِي وإصْباحِي، وظَعْنِي في أسْفارِي، ثُمَّ ساقَ العُلُومَ عَلى هَذا النَّحْوِ، ومَن لَهُ عِلْمٌ بِالمَنقُولاتِ يَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وإفْكٌ مُفْتَرًى عَلى الشّافِعِيِّ، والبَلاءُ فِيها مِن عِنْدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَلَوِيِّ؛ فَإنَّهُ كَذّابٌ وضّاعٌ، وهو الَّذِي وضَعَ رِحْلَةَ الشّافِعِيِّ وذَكَرَ فِيها مُناظَرَتَهُ لِأبِي يُوسُفَ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ ولَمْ يَرَ الشّافِعِيُّ أبا يُوسُفَ ولا اجْتَمَعَ بِهِ قَطُّ، وإنَّما دَخَلَ بَغْدادَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ويَشْهَدُ بِكَذِبِها أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا وشى بِالشّافِعِيِّ إلى الرَّشِيدِ وأرادَ قَتْلَهُ، ومُحَمَّدٌ أجَلُّ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ،
صفحة 114
وتَعْظِيمُهُ لِلشّافِعِيِّ ومَحَبَّتُهُ إيّاهُ هو المَعْرُوفُ، كَتَعْظِيمِ الشّافِعِيِّ لَهُ وثَنائِهِ عَلَيْهِ، وفِيها شَواهِدُ أُخَرُ عَلى الكَذِبِ يَعْرِفُها العالِمُ بِالمَنقُولِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْها كُلِّها. وثانِيَتُها: وهي الَّتِي أخَذْتُ مِنها ما ذَكَرَها الإمامُ، قالَ الحاكِمُ: أخْبَرَنا أبُو الوَلِيدِ الفَقِيهُ قالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ، عَنْ حَرْمَلَةَ قالَ: كانَ الشّافِعِيُّ يُدِيمُ النَّظَرَ في كُتُبِ النُّجُومِ، وكانَ لَهُ صَدِيقٌ وعِنْدَهُ جارِيَةٌ قَدْ حَبِلَتْ فَقالَ: إنَّها تَلِدُ إلى سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، ويَكُونُ في فَخِذِ الوَلَدِ الأيْسَرِ خالٌ أسْوَدُ، ويَعِيشُ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَمُوتُ، فَكانَ الأمْرُ كَما قالَ، فَأحْرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ تِلْكَ الكُتُبَ وما عاوَدَ النَّظَرَ في شَيْءٍ مِنها، وهَذا الإسْنادُ رِجالُهُ ثِقاتٌ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِيمَن حَدَّثَ أبا الوَلِيدِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ، أوْ فِيمَن حَدَّثَ الحَسَنَ عَنْ حَرْمَلَةَ، ويَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحِكايَةِ أنَّها لَوْ صَحَّتْ لَوَجَبَ أنَّ تُثْنى الخَناصِرُ عَلى هَذا العِلْمِ، وتُشَدَّ بِهِ الأيْدِي لا أنْ تُحْرَقَ كُتُبُهُ ولا يُعاوَدَ النَّظَرُ في شَيْءٍ مِنها. وإنَّ الطّالِعَ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ طالِعانِ: طالَعُ مَسْقَطِ النُّطْفَةِ، وهو الطّالِعُ الأصْلِيُّ الَّذِي يَزْعُمُونَ دَلالَتَهُ عَلى وقْتِ الوِلادَةِ، والحِكايَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْ أنَّ الشّافِعِيَّ نَظَرَ فِيهِ، ولَوْ كانَ لَتَضَمَّنَتْهُ. وطالَعُ الوِلادَةِ، وإخْبارُ الشّافِعِيِّ قَبْلَها ضَرُورَةُ أنَّهُ قالَ: إنَّها تَلِدُ إلى سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وثالِثَتُها: قالَ الحاكِمُ: أنْبَأنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَسَنِ القاضِي أنَّ زَكَرِيّا بْنَ يَحْيى السّاجِيَّ حَدَّثَهم قالَ: أخْبَرَنِي أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ بِنْتِ الشّافِعِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: كانَ الشّافِعِيُّ وهو حَدَثٌ يَنْظُرُ في النُّجُومِ، وما نَظَرَ في شَيْءٍ إلّا فاقَ فِيهِ، فَجَلَسَ يَوْمًا وامْرَأةٌ تَلِدُ فَحَسَبَ فَقالَ: تَلِدُ جارِيَةً عَوْراءَ عَلى فَرْجِها خالٌ أسْوَدُ وتَمُوتُ إلى كَذا وكَذا، فَوُلِدَتْ فَكانَ كَما قالَ؛ فَجَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ لا يَنْظُرَ فِيهِ أبَدًا، وأمْرُ هَذِهِ الحِكايَةِ كالَّتِي قَبْلَها؛ فَإنَّ ابْنَ بِنْتِ الشّافِعِيِّ لَمْ يَلْقَ الشّافِعِيَّ ولا رَآهُ، والشَّأْنُ فِيمَن حَدَّثَ بِها عَنْهُ، وأيْضًا طالِعُ مَسْقَطِ النُّطْفَةِ لَمْ يُؤْخَذْ، والخَبَرُ قَبْلَ تَحَقُّقِ طالِعِ الوِلادَةِ، ثُمَّ إنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الحِكايَةِ إنْ كانَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الحِكايَةِ الَّتِي قَبْلَها لَمْ تَكَدْ تَحَقَّقُ، وإنْ كانَ تَحَقُّقُ تِلْكَ قَبْلُ لَمْ تَكَدْ هَذِهِ تَحَقَّقُ، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، والَّذِي صَحَّ عَنِ الشّافِعِيِّ في أمْرِ النُّجُومِ أنَّهُ كانَ يَعْرِفُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ مِن عِلْمِ المَنازِلِ والِاهْتِداءِ بِالنُّجُومِ في الطُّرُقاتِ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي يَزْعُمُها المُنَجِّمُونَ فَلا، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَدِيدَ الإنْكارِ عَلى المُتَكَلِّمِينَ مُزْرِيًا بِهِمْ، حُكْمُهُ فِيهِمْ أنْ يُضْرَبُوا بِالجَرِيدِ، ويُطافَ بِهِمْ في القَبائِلِ، فَما تُراهُ يَرى في المُنَجِّمِينَ الَّذِينَ شاعَ هَذَيانُهُمْ، وقَبُحَ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ شَأْنُهُمْ، نَعَمْ، كانَتْ لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - اليَدُ الطُّولى في عِلْمِ الفِراسَةِ، وقَدْ خَرَجَ إلى اليَمَنِ لِجَمْعِ كُتُبِهِ، فَجَمَعَ مِنها ما جَمَعَ، ولَهُ فِيها حِكاياتٌ يُقْضى مِنها العَجَبُ، ولَعَلَّ إخْبارَهُ بِأمْرِ المَوْلُودِ - لَوْ صَحَّ - مِن ذَلِكَ العِلْمِ، والنّاقِلُ لِجَهْلِهِ أوْ لِأمْرٍ آخَرَ أسْنَدَهُ لِلنَّظَرِ في أحْكامِ النُّجُومِ وقالَ ما قالَ. وأمّا ما ذَكَرَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ مِن أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لِإخْبارِ المُنَجِّمِينَ إيّاهُ بِأنَّهُ سَيُولَدُ لَهم مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُهُ عَلى يَدِهِ، فَهو كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ومُخالِفٌ لِرِواياتِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، فَإنَّهم أحالُوا ذَلِكَ عَلى أخْبارِ الكُهّانِ. ورَوى بَعْضُهم أنَّ قَوْمَهُ أخْبَرُوهُ بِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَزْعُمُونَ أنَّهُ يُولَدُ مِنهم مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ، وفي أخْبارِ الكُهّانِ ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ. ومِنها خَبَرُهم بِظُهُورِ خاتَمِ الرُّسُلِ ﷺ وانْتِشارِ أمْرِهِ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ عِلْمَ تَقْدِمَةِ المَعْرِفَةِ بِأسْبابٍ مُفْضِيَةٍ إلى مِثْلِ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ قُوى النّاسِ في إدْراكِها وتَحْصِيلِها، وإنَّما كَلامُنا مَعَ المُنَجِّمِينَ في أُصُولِ عِلْمِ الأحْكامِ وبَيانِ فَسادِها وكَذِبِ أكْثَرِ الأحْكامِ الَّتِي يُسْنِدُونَها إلَيْها، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الِاسْتِدْلالِ بِالمَعْقُولِ مِن أنَّهُ ما خَلَتْ عَنْ هَذا العِلْمِ مِلَّةٌ مِنَ المِلَلِ ولا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، وأنَّهم لَمْ يَزالُوا مُشْتَغِلِينَ
صفحة 115
بِهِ مُعَوِّلِينَ في مَعْرِفَةِ المَصالِحِ عَلَيْهِ إلى آخَرِ ما قالَ - فَفِرْيَةٌ مِن غَيْرِ مِرْيَةٍ، ويا عَجَبًا مِن دَعْواهُ إطْباقَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مَن أوَّلِ بِناءِ العالَمِ إلى آخِرِهِ عَلَيْهِ، وهم يَقُولُونَ: إنَّما أُسِّسَتْ أُصُولُهُ وأوْضاعُهُ في زَمَنِ هُرْمُسِ الهَرامِسَةِ يَعْنُونَ بِهِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو بَعْدَ بِناءِ العالَمِ بِكَثِيرٍ، وأيْضًا قَدْ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ وجَمْعٌ غَفِيرٌ مِن أساطِينِ الإسْلامِ، حَتّى إنَّهُ قَدْ أُلِّفَ ما يَزِيدُ عَلى مِائَةِ مُصَنَّفٍ في رَدِّهِ وإبْطالِهِ، وقَدْ قالَ أبُو نَصْرٍ الفارابِيُّ: اعْلَمْ أنَّكَ لَوْ قَلَبْتَ أوْضاعَ المُنَجِّمِينَ فَجَعَلْتَ الحارَّ بارِدًا والبارِدَ حارًّا، والسَّعْدَ نَحْسًا والنَّحْسَ سَعْدًا، والذَّكَرَ أُنْثى والأُنْثى ذَكَرًا، ثُمَّ حَكَمْتَ؛ لَكانَتْ أحْكامُكَ مَن جِنْسِ أحْكامِهِمْ تُصِيبُ تارَةً وتُخْطِئُ تاراتٍ، وقَدْ زَيَّفَ أمْرَهُمُابْنُ سِينا في كِتابَيْهِ ”الشِّفاءِ“، و”النَّجاةِ“، وكَذا أبُو البَرَكاتِ البَغْدادِيُّ في كِتابِ ”التَّعْبِيرِ“ لَهُ، هَذا ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الرَّدِّ عَلى المُنَجِّمِينَ؛ وأعُودُ فَأقُولُ: الَّذِي أُراهُ في هَذا المَقامِ ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي مِن كَلامِ العُلَماءِ الأعْلامِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا باطِلًا خالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ ومَنفَعَةٍ، بَلْ خَلَقَ الأشْياءَ عُلْوِيَّها وسُفْلِيَّها، جَلِيلَها ودَنِيَّها مُشْتَمِلَةً عَلى حِكَمٍ لا تُحْصى، ومَنافِعَ لا تُسْتَقْصى وإنْ تَفاوَتَتْ في أفْرادِها قِلَّةً وكَثْرَةً، وخَصَّ كُلًّا مِنها بِخاصَّةٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِها مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وعَلِمِهِ وقُدْرَتِهِ:
ولِلَّهِ في كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ∗∗∗ وتَسْكِينَةٍ أبَدًا شاهِدُ
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
فالأجْرامُ العُلْوِيَّةُ مُشْتَرِكَةٌ في هَذِهِ الدَّلالَةِ، مُخْتَصٌّ كُلٌّ مِنها بِخاصَّةٍ، وشَأْنُ الكَواكِبِ في خَواصِّها وتَأْثِيراتِها كَشَأْنِ النَّباتاتِ والمَعْدِنِيّاتِ والحَيَوانِيّاتِ في خَواصِّها وتَأْثِيراتِها، فَمِنها ما خاصَّتُهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ، ومِنها ما خاصَّتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ، ومِنها ما إذا ضُمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ أسْقَطَ خاصَّتَهُ، وأبْطَلَ مَنفَعَتَهُ، ومِنها ما يُعْقَلُ وجْهُ تَأْثِيرِهِ ومِنها ما لا يُعْقَلُ، ومِنها ما يُؤَثِّرُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ وزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، ومِنها ما يُؤَثِّرُ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ، وكَوْنُها زِينَةً لِلسَّماءِ لا يَسْتَدْعِي نَفْيَ أنْ يَكُونَ فِيها مَنفَعَةٌ أُخْرى عَلى حَدِّ ما في الأرْضِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها﴾ مَعَ اشْتِمالِ الأزْهارِ وغَيْرِها عَلى ما تَعْلَمُ وما لا تَعْلَمُ مِنَ المَنافِعِ، وكَذَلِكَ كَوْنُها عَلاماتٍ يُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، وكَوْنُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ. ولا أقُولُ بِبَساطَةِ الأفْلاكِ ولا بِبَساطَةِ الكَواكِبِ ولا بِانْحِصارِها فِيما يُشاهَدُ بِبَصَرٍ أوْ رَصْدٍ، ولا بِذُكُورَةِ بَعْضٍ وأُنُوثَةِ آخَرَ إلى كَثِيرٍ مِمّا يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، وأقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في بَعْضِها تَأْثِيرًا حَسَبَما أوْدَعَ في أزْهارِ الأرْضِ ونَحْوِها، وإنَّها لا تُؤَثِّرُ إلّا بِإذْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما هو مَذْهَبُ السَّلَفِ في سائِرِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ كَما قالَ الأشاعِرَةُ فِيها، وأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُها عَلاماتٍ لِإحْداثِهِ تَعالى أُمُورًا لا بِواسِطَتِها في أحَدِ العالَمَيْنِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ يَعْرِفُها مَن يُوقِفُهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها مِن مَلائِكَتِهِ وخَواصِّ عِبادِهِ، وارْتِباطُ كَثِيرٍ مِنَ السُّفْلِيّاتِ بِالعُلْوِيّاتِ مِمّا قالَ بِهِ الأكابِرُ ولا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، ولا أنْسُبُ أثَرًا مِنَ الآثارِ إلى كَوْكَبٍ بِخُصُوصِهِ عَلى القَطْعِ؛ لِاحْتِمالِ شَرِكَةِ كَوْكَبٍ أوْ أمْرٍ آخَرَ، نَعَمِ الظّاهِرُ يَقْتَضِي كَثْرَةَ مَدْخَلِيَّةِ بَعْضِ الكَواكِبِ في بَعْضِ الآثارِ، كالقَمَرِ في مَدِّ البِحارِ وجَزْرِها، فَإنَّ مِنها ما يَأْخُذُ في الِازْدِيادِ حِينَ يُفارِقُ القَمَرُ الشَّمْسَ إلى وقْتِ الِامْتِلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ ولا يَزالُ نُقْصانُهُ يَسْتَمِرُّ بِحَسَبِ نُقْصانِ القَمَرِ إلى المُحاقِ، ومِنها ما يَحْصُلُ فِيهِ المَدُّ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَعَ طُلُوعِ القَمَرِ وغُرُوبِهِ، كَبَحْرِ فارِسَ وبَحْرِ الهِنْدِ وبَحْرِ الصِّينِ، وكَيْفِيَّتُهُ أنَّهُ إذا بَلَغَ
صفحة 116
القَمَرُ مَشْرِقًا مِن مَشارِقِ البَحْرِ ابْتَدَأ البَحْرُ بِالمَدِّ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرَ القَمَرُ في وسَطِ سَماءِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَإذا زالَ عَنْ مَغْرِبِ ذَلِكَ المَوْضِعِ؛ ابْتَدَأ المَدُّ مِن تَحْتِ الأرْضِ، ولا يَزالُ زائِدًا إلى أنْ يَصِلَ القَمَرُ إلى وتِدِ الأرْضِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَهِي المَدُّ مُنْتَهاهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الجَزْرُ ثانِيًا ويَرْجِعُ الماءُ كَما كانَ، ومِثْلُ المَدِّ والجَزْرِ بُحْراناتُ الأمْراضِ، فَإنَّها بِحَسَبِ زِيادَةِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ، عَلى مَعْنى كَثْرَةِ مَدْخَلِيَّةِ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ولا أقُولُ: إنَّ لِكَوْكَبٍ تَأْثِيرًا في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونَحْوِهِما، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ كَوْكَبٌ أوْ كَواكِبُ - بِاعْتِبارِ بَعْضِ الأحْوالِ - عَلامَةً لِنَحْوِ ذَلِكَ، يُعَرِّفُها بَعْضُ الخَواصِّ، ولا وُثُوقَ بِما قالَهُ الأحْكامِيُّونَ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْهِ، وهم فِيما أسَّسُوا عَلَيْهِ أحْكامَهم مُتَناقِضُونَ، وفي المَذاهِبِ مُخْتَلِفُونَ؛ فَلِلْبابِلِيِّينَ مَذْهَبٌ، ولِلْفُرْسِ مَذْهَبٌ، ولِأهْلِ الهِنْدِ مَذْهَبٌ، ولِأهْلِ الصِّينِ مَذْهَبٌ، وقَدْ رَدَّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وشَهِدَ بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ بِفَسادِ أُصُولِهِمْ ومَبْنى أحْكامِهِمْ، فَقَدْ كانَ أوائِلُهم مِنَ الأقْدَمِينَ وكِبارُ رُصّادِهِمْ مِن عَهْدِ بَطْلَيْمُوسَ وطَيْمُوحارِسَ ومانالارِسَ قَدْ حَكَمُوا حُكْمًا في الكَواكِبِ واتَّفَقُوا عَلى صِحَّتِهِ، وأقامَ النّاسُ عَلى تَقْلِيدِهِمْ، وبِناءِ الأمْرِ عَلى ما قالُوهُ أكْثَرَ مِن سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَجاءَ مِن بَعْدِهِمْ خالِدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ المَرْوَزِيُّ، وحَسَنٌ صاحِبُ الزِّيجِ المَأْمُونِيِّ، ومُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ ويَحْيى بْنُ أبِي مَنصُورٍ، فامْتَحَنُوا ما قالُوا فَوَجَدُوهم غالِطِينَ وأجْمَعُوا عَلى غَلَطِهِمْ وسَمَّوْا رَصْدَهُمُ الرَّصْدَ المُمْتَحَنَ. ثُمَّ حَدَّثَتْ بَعْدَهم بِنَحْوِ سِتِّينَ سَنَةً طائِفَةٌ أُخْرى زَعِيمُهم أبُو مَعْشَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وبَيَّنَ خَطَأهم كَما ذَكَرَهُ أبُو سَعِيدٍ شاذانُ المُنَجِّمُ في كِتابِ ”أسْرارِ النُّجُومِ“ لَهُ، وفِيهِ: قُلْتُ لِأبِي مَعْشَرٍ: الذَّنَبُ بارِدٌ يابِسٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّأْنِيثِ؟ فَقالَ: هَكَذا قالُوا، قُلْتُ: فَقَدْ قالُوا إنَّهُ لَيْسَ بِصادِقِ اليُبْسِ، لَكِنَّهُ بارِدٌ عَفِنٌ، مُلْتَوٍ، كُلُّ الأعْراضِ الغائِيَّةِ تَوَهُّمٌ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها يَقِينِيًّا، وإنَّما يَكُونُ تَوَهُّمٌ أقْوى مِن تَوَهُّمٍ.
ومَن تَأمَّلَ أحْوالَ القَوْمِ عَلِمَ أنَّ ما مَعَهم تَفَرُّسٌ يُصِيبُونَ مَعَهُ ويُخْطِئُونَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ بَعْدَهم طائِفَةٌ أُخْرى بِنَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً، مِنهم أبُو الحُسَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ المَعْرُوفُ بِالصُّوفِيِّ، فَرَدَّ عَلى مَن قَبْلَهُ وغَلَّطَهُ وألَّفَ كِتابًا بَيَّنَ فِيهِ مِنَ الأغْلاطِ ما بَيَّنَ، وحَمَلَهُ إلى عَضُدِ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهٍ فاسْتَحْسَنَهُ وأجْزَلَ ثَوابَهُ، ثُمَّ جاءَتْ بَعْدَ نَحْوِ ثَلاثِينَ سَنَةً طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم كُوشِيارُ الدَّيْلَمِيُّ فَألَّفَ ”المُجْمَلُ في الأحْكامِ“ وجَهَّلَ فِيهِ مَن يَحْتَجُّ لِلْأحْكامِ مِنَ الأحْكامِيِّينَ، وقالَ عَنْ صِناعَةِ التَّنْجِيمِ: هي صِناعَةٌ غَيْرُ مُبَرْهَنَةٍ ولِلْخَواطِرِ والظُّنُونِ فِيها مَجالٌ؛ إلى أنْ قالَ: ومِنَ المُنْفَرِدِينَ بِعِلْمِ الأحْكامِ مَن يَأْتِي عَلى جُزْئِيّاتِهِ بِحُجَجٍ عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ والجَدَلِ فَيَظُنُّ أنَّها بَراهِينُ لِجَهْلِهِ بِطَرِيقِ البُرْهانِ وطَبِيعَتِهِ. ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم مُنَجِّمُ الحاكِمِ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ المَعْرُوفُ بِالفِكْرِيِّ، فَوَضَعَ هو وأصْحابُهُ رَصْدًا آخَرَ سَمَّوْهُ الرَّصْدَ الحاكِمِيَّ، فَخالَفُوا فِيهِ أصْحابَ الرَّصْدِ المُمْتَحَنِ وبَنَوْا أمْرَ الأحْكامِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم أبُو الرَّيْحانِ البَيْرُوتِيُّ مُؤَلِّفُ كِتابِ ”التَّفْهِيمُ إلى صِناعَةِ التَّنْجِيمِ“ وكانَ بَعْدَ كُوشِيارَ بِنَحْوِ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَخالَفَ مَن تَقَدَّمَهُ، وأتى مِن مُناقَضاتِهِمْ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو دالٌّ عَلى فَسادِ صِناعَتِهِمْ، وخَتَمَ كِتابَهُ بُقُولِهِ في الخَبْءِ والضَّمِيرِ: ما أكْثَرَ افْتِضاحَ المُنَجِّمِينَ فِيهِ، وما أكْثَرَ إصابَةَ الزّاجِرِينَ بِما يُسْتَعْمَلُ مِنَ الكَلامِ وقْتَ السُّؤالِ ويَرَوْنَهُ بادِيًا مِنَ الآثارِ والأفْعالِ عَلى السّائِلِ إلى آخِرِ ما قالَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم أبُو الصَّلْتِ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الأنْدَلُسِيُّ وكانَ بَعْدَ البَيْرُوتِيِّ بِنَحْوِ ثَمانِينَ عامًا، وكانَ رَأْسًا في الصِّناعَةِ ومَعَ هَذا اعْتَرَفَ بِأنَّ قَوْلَ المُنَجِّمِينَ هَذَيانٌ، ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرىبِالمَغْرِبِ مِنهم أبُو إسْحاقَ الزِّرْقالِيُّ
صفحة 117
وأصْحابُهُ، وكانَ بَعْدَ أبِي الصَّلْتِ بِنَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ، فَخالَفَ الأوائِلَ والأواخِرَ في الصِّناعَتَيْنِ الرَّصْدِيَّةِ والأحْكامِيَّةِ.
وآخَرُ ما نَعْلَمُ حُدُوثَهُ زِيجُ لالِنْتْ والقُسِينِي وفِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأزْياجِ ما فِيهِ. وقَدْ ذُكِرَ فِيهِ تَقْوِيمُ هِرْشِلَ ومِقْدارُ حَرَكَتِهِ، وهو كَوْكَبٌ سَيّارٌ ظَفَرَ بِهِ هِرْشِلُ أحَدُ فَلاسِفَةِ الإفْرِنْجِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَظْفَرْ بِهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، وهَذا الزِّيجُ أضْبَطُ الأزْياجِ فِيما يَزْعُمُ المُنَجِّمُونَ اليَوْمَ، والإفْرِنْجُ - عَلى مَهارَةِ كَثِيرٍ مِنهم بِعِلْمِ الرَّصْدِ - لا يَقُولُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُ بِهِ الأحْكامِيُّونَ الأوائِلُ والأواخِرُ، ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، وقَدْ ذَكَرَ مَن يُوثَقُ بِهِ وُجُوهًا تَدُلُّ عَلى فَسادِ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، وأنَّهُ لا يُوثَقُ بِهِ، الأوَّلُ: أنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ المُؤَثِّراتِ الفَلَكِيَّةِ مِمّا لا تَتَأتّى، أمّا أوَّلًا؛ فَلِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الكَواكِبِ إلّا بِواسِطَةِ القُوى الباصِرَةِ، وإذا كانَ المَرْئِيُّ صَغِيرًا أوْ في غايَةِ البُعْدِ يَتَعَذَّرُ رُؤْيَتُهُ؛ فَإنَّ أصْغَرَ الكَواكِبِ الَّتِي في فَلَكِ الثَّوابِتِ وهو الَّذِي بِهِ قُوَّةُ البَصَرِ مِثْلَ كُرَةِ الأرْضِ بِضْعَةَ عَشَرَ مَرَّةً، وكُرَةُ الأرْضِ أعْظَمُ مِن كُرَةِ عُطارِدَ كَذا مَرَّةٍ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ حَصَلَ في الفَلَكِ الأعْظَمِ كَواكِبُ كَثِيرَةٌ كُلٌّ مِنها كَعُطارِدَ حَجْمًا فَكَيْفَ تُرى، ونَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ، ومَعَ قِيامِهِ لا يَحْصُلُ الجَزْمُ بِمَعْرِفَةِ جَمِيعِ المُؤَثِّراتِ، وإنْ قالُوا: جازَ ذَلِكَ إذْ إنَّ آثارَ هَذا الكَوْكَبِ لِصِغَرِهِ ضَعِيفَةٌ فَلا تَصِلُ إلى هَذا العالَمِ. قُلْنا: صِغَرُ الجِرْمِ لا يُوجِبُ ضَعْفَ الأثَرِ، فَقَدْ أثْبَتُّمْ لِعُطارِدَ آثارًا قَوِيَّةً مَعَ صِغَرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ السَّيّاراتِ؛ بَلْ أثْبَتُّمْ لِلرَّأْسِ والذَّنَبِ وسَهْمِ السَّعادَةِ وسَهْمِ الغَيْبِ آثارًا قَوِيَّةً وهي أُمُورٌ وهْمِيَّةٌ، وأمّا ثانِيًا فالمَرْصُودُ مِنَ الكَواكِبِ المَرْئِيَّةِ أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المَرْصُودِ، فَمِن أيْنَ لَهُمُ الوُقُوفُ عَلى طَبِيعَةِ غَيْرِ المَرْصُودِ؟ وأما ثالِثًا فَلِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الوُقُوفُ عَلى طَبائِعِ جَمِيعِ المَرْصُودِ أيْضًا، وقَلَّما تَكَلَّمُوا في مَعْرِفَةِ غَيْرِ الثَّوابِتِ الَّتِي مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ والثّانِي، وأما رابِعًا فَآلاتُ الرَّصْدِ لا تَفِي بِضَبْطِ الثَّوانِي والثَّوالِثِ فَما فَوْقُ، ولا شَكَّ أنَّ الثّانِيَةَ الواحِدَةَ مِثْلُ الأرْضِ كَذا ألْفِ مَرَّةٍ أوْ أقَلُّ أوْ أكْثَرُ، ومَعَ هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ، كَيْفَ الوُصُولُ إلى الغَرَضِ؟ وقَدْ قِيلَ: إنَّ الإنْسانَ الشَّدِيدَ الجَرْيِ بَيْنَ رَفْعِهِ رِجْلَهُ ووَضْعِهِ الأُخْرى، يَتَحَرَّكُ جِرْمُ الفَلَكِ الأقْصى ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ ضَبْطُ هَذِهِ المُؤَثِّراتِ؟ وأما خامِسًا؛ فَبِتَقْدِيرِ أنَّهم عَرَفُوا طَبائِعَ هَذِهِ الكَواكِبِ حالَ بَساطَتِها فَهَلْ وقَفُوا عَلى طَبائِعِها حالَ امْتِزاجِ بَعْضِها بِبَعْضٍ ؟ والِامْتِزاجاتُ الحاصِلَةُ مِن طَبائِعِ ألْفِ كَوْكَبٍ أوْ أكْثَرَ - بِحَسَبِ الأجْزاءِ الفَلَكِيَّةِ - تَبْلُغُ في الكَثْرَةِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ العَقْلُ عَلى ضَبْطِها.
وأمّا سادِسًا؛ فَيُقالُ: هَبْ أنّا عَرَفْنا تِلْكَ الِامْتِزاجاتِ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ؛ فَلا رَيْبَ أنَّهُ لا يُمْكِنُنا مَعْرِفَةُ الِامْتِزاجاتِ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَهُ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ الأشْكالَ السّالِفَةَ رُبَّما كانَتْ عائِقَةً ومانِعَةً عَنْ مُقْتَضَياتِ الأشْكالِ الحاصِلَةِ في الحالِ، ولا رَيْبَ أنّا نُشاهِدُ أشْخاصًا كَثِيرَةً مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ تَحْدُثُ مُقارِنَةً لِطالِعٍ واحِدٍ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُخالِفٌ لِلْآخَرِ في أكْثَرِ الأُمُورِ، وذَلِكَ أنَّ الأحْوالَ السّابِقَةَ في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ تَكُونُ مُخالِفَةً لِلْأحْوالِ السّابِقَةِ في حَقِّ الآخَرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا اعْتِمادَ عَلى مُقْتَضى طالِعِ الوَقْتِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الإحاطَةِ بِالطَّوالِعِ السّالِفَةِ، وذَلِكَ مِمّا لا وُقُوفَ عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ رُبَّما كانَتْ تِلْكَ الطَّوالِعُ دافِعَةً مُقْتَضَياتِ هَذا الطّالِعِ الحاضِرِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ عَوَّلَ ابْنُ سِينا في كِتابَيْهِ: ”الشِّفاءِ“، و”النَّجاةِ“ في إبْطالِ هَذا العِلْمِ.
الثّانِي: أنَّ تَأْثِيرَ الكَواكِبِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أقْدارِها، فَما كانَ مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ أثَّرَ بِوُقُوعِهِ عَلى الدَّرَجَةِ، وإنْ لَمْ تُضْبَطِ الدَّقِيقَةُ. وما كانَ مِنَ القَدْرِ الأخِيرِ لَمْ يُؤَثِّرْ إلّا بِضَبْطِ الدَّقِيقَةِ، ولا رَيْبَ بِجَهالَةِ مَقادِيرِ جَمِيعِ الكَواكِبِ، فَكَيْفَ تُضْبَطُ الآثارُ.
الثّالِثُ: فَسادُ أُصُولِهِمْ، وتَناقُضُ آرائِهِمْ،
صفحة 118
واخْتِلافُهُمُ اخْتِلافًا عَظِيمًا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ومَتى تَعارَضَتِ الأقْوالُ وتَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ فِيما بَيْنَها؛ لا يُعَوَّلُ عَلى شَيْءٍ مِنها.
الرّابِعُ: أنَّ أرْصادَهم لا تَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ خَلَلٍ، وهي مَبْنى أحْكامِهِمْ، وقَدْ صَنَّفَ أبُو عَلِيِّ بْنُ الهَيْثَمِ رِسالَةً بَلِيغَةً في أقْسامِ الخَلَلِ الواقِعِ في آلاتِ الرَّصْدِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِ الإنْسانِ دَفْعُهُ وإزالَتُهُ، وإصابَتُهم في أوْقاتِ الخُسُوفِ والكُسُوفِ مَعَ ذَلِكَ الخَلَلِ لا تَسْتَدْعِي إصابَتَهم في غَيْرِها مَعَهُ.
الخامِسُ: أنّا نُشاهِدُ عالَمًا كَثِيرًا يُقْتَلُونَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ في حَرْبٍ، وخَلْقًا كَثِيرًا يَغْرَقُونَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، مَعَ اخْتِلافِ طَوالِعِهِمْ واقْتِضائِها أحْوالًا مُخْتَلِفَةً عِنْدَكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ ما اعْتَبَرْتُمُوهُ أوَّلًا.
فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ الطَّوالِعَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، فَلَعَلَّ طالِعَ الوَقْتِ أقْوى مِن طالِعِ الأصْلِ، فَكانَ الحُكْمُ.
قُلْنا: هَذا بِعَيْنِهِ يُبْطِلُ عَلَيْكُمُ اعْتِبارَ طالِعِ المَوْلُودِ، فَإنَّ الطَّوالِعَ بَعْدَهُ مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ بَعْضَها أقْوى مِنهُ؛ فَلا يُفِيدُ اعْتِبارُهُ شَيْئًا.
السّادِسُ: أنَّ العَقْلَ لا مَساغَ لَهُ في اقْتِضاءِ كَوْكَبٍ مُعَيَّنٍ أوْ وضْعٍ مُعِيَّنٍ تَأْثِيرًا خاصًّا، والتَّجْرِبَةُ عَلى قُصُورِها مُعارَضَةٌ بِتَجْرِبَةٍ اقْتَضَتْ خِلافَها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُجُوهِ.
وأبُو البَرَكاتِ البَغْدادِيُّ - وإنْ زَيَّفَ ما هم عَلَيْهِ - إلّا أنَّهُ يُقِرُّ بِقَبُولِ بَعْضِ الأحْكامِ، فَإنَّهُ قالَ - بَعْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْها -: وهَذِهِ أقْوالٌ قالَها قائِلٌ، فَقَبِلَها قابِلٌ، ونَقَلَها ناقِلٌ، فَحَسُنَ بِها ظَنُّ السّامِعِ، واغْتَرَّ بِها مَن لا خِبْرَةَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى النَّظَرِ، ثُمَّ حَكَمَ بِحَسَبِها الحاكِمُونَ بِجَيِّدٍ ورَدِيءٍ، وسَلْبٍ وإيجابٍ، وسَعْدٍ ونُحُوسٍ، فَصادَفَ بَعْضُهُ مُوافَقَةَ الوُجُودِ، فَصَدَقَ، فاغْتَرَّ بِهِ المُغْتَرُّونَ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى كَذِبٍ فِيهِ، بَلْ عَذَرُوهُ وقالُوا: هو مُنَجِّمٌ، ما هو نَبِيٌّ حَتّى يَصْدُقَ في كُلِّ ما يَقُولُ. واعْتَذَرُوا لَهُ بِأنَّ العِلْمَ أوْسَعُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ، ولَوْ أحاطَ بِهِ لَصَدَقَ في كُلِّ شَيْءٍ.
ولَعَمْرُ اللَّهِ - تَعالى - إنَّهُ لَوْ أحاطَ بِهِ عِلْمًا صادِقًا؛ لَصَدَقَ، والشَّأْنُ أنْ يُحِيطَ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، لا عَلى أنْ يَفْرِضَ فَرْضًا، ويَتَوَهَّمَ وهْمًا، فَيَنْقُلَهُ إلى الوُجُودِ، ويُثْبِتَهُ في المَوْجُودِ، ويَنْسُبَ إلَيْهِ، ويَقِيسَ عَلَيْهِ، وبِالَّذِي يَصِحُّ مِنهُ ويَلْتَفِتُ إلَيْهِ العُقَلاءُ هي أشْياءُ غَيْرُ هَذِهِ الخُرافاتِ الَّتِي لا أصَلَ لَها مِمّا حَصَلَ بِتَوْقِيفٍ أوْ تَجْرِبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، كالقِراناتِ والِانْتِقالاتِ والمُقابَلَةِ، ومَمَرِّ كَوْكَبٍ مِنَ المُتَحَيِّرَةِ تَحْتَ كَوْكَبٍ مِنَ الثّابِتَةِ، وما يَعْرِضُ لِلْمُتَحَيِّرَةِ مِن رُجُوعٍ، واسْتِقامَةٍ، ورُجُوعٍ في شَمالٍ، وانْخِفاضٍ في جَنُوبٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَأنِّي أُرِيدُ أنْ أخْتَصِرَ الكَلامَ هاهُنا، وأُوافِقَ إشارَتَكَ، وأعْمَلَ بِحِسَبِ اخْتِيارِكَ رِسالَةً في ذَلِكَ، أذْكُرُ ما قِيلَ فِيها مِن عِلْمِ أحْكامِ النُّجُومِ، مِن أُصُولٍ حَقِيقِيَّةٍ أوْ مَجازِيَّةٍ، أوْ وهْمِيَّةٍ أوْ غَلَطِيَّةٍ، وفُرُوعِ نَتائِجَ أُنْتِجَتْ عَنْ تِلْكَ الأُصُولِ، وأذْكُرُ الجائِزَ مِن ذَلِكَ والمُمْتَنِعَ، والقَرِيبَ والبَعِيدَ، فَلا أرُدُّ عِلْمَ الأحْكامِ مِن كُلِّ وجْهٍ كَما رَدَّهُ مَن جَهِلَهُ، ولا أقْبَلُ فِيهِ كُلَّ قَوْلٍ كَما قَبِلَهُ مَن لَمْ يَعْقِلْهُ، بَلْ أُوَضِّحُ مَوْضِعَ القَبُولِ والرَّدِّ، ومَوْضِعَ التَّوْقِيفِ والتَّجْوِيزِ، والَّذِي مِنَ المَنجِّمِ، والَّذِي مِنَ التَّنْجِيمِ، والَّذِي مِنهُما، وأُوَضِّحُ لَكَ أنَّهُ لَوْ أمْكَنَ الإنْسانَ أنْ يُحِيطَ بِشَكْلِ كُلِّ ما في الفَلَكِ عِلْمًا؛ لَأحاطَ بِكُلِّ ما يَحْوِيهِ الفَلَكُ؛ لِأنَّ مِنهُ مَبادِئَ الأسْبابِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ، ويَبْعُدُ عَنِ الإمْكانِ بُعْدًا عَظِيمًا، والبَعْضُ المُمْكِنُ مِنهُ لا يَهْدِي إلى بَعْضِ الحُكْمِ؛ لِأنَّ البَعْضَ الآخَرَ المَجْهُولَ قَدْ يُناقِضُ المَعْلُومَ في حُكْمِهِ، ويُبْطِلُ ما يُوجِبُهُ، فَنِسْبَةُ المَعْلُومِ إلى المَجْهُولِ مِنَ الأحْكامِ كَنِسْبَةِ المَعْلُومِ إلى المَجْهُولِ مِنَ الأسْبابِ، وكَفى بِذَلِكَ بُعْدًا. انْتَهى. وفِيهِ مِنَ التَّأْيِيدِ لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْجُهِ ما فِيهِ.
وأنا أقُولُ: إنَّ الإحاطَةَ بِالأسْرارِ المُودَعَةِ في الأجْرامِ لا يَبْعُدُ أنْ تَحْصُلَ لِبَعْضِ الخَواصِّ ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ، لَكِنْ بِطَرِيقِ الكَشْفِ أوْ نَحْوِهِ، دُونَ الِاسْتِدْلالِ الفِكْرِيِّ والأعْمالِ الرَّصْدِيَّةِ مَثَلًا، وهو الَّذِي
صفحة 119
يَقْتَضِيهِ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ -، قالَ في البابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ مِنَ (الفُتُوحاتِ): ومِنَ الأوْلِياءِ النُّقَباءِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا في كُلِّ زَمانٍ، لا يَزِيدُونَ ولا يَنْقُصُونَ، عَلى عَدَدِ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، كُلُّ نَقِيبٍ عالِمٌ بِخاصِّيَّةِ كُلِّ بُرْجٍ، وبِما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في مَقامِهِ مِنَ الأسْرارِ والتَّأْثِيراتِ، وما يُعْطى لِلنُّزَلاءِ فِيهِ مِنَ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ.
ثُمَّ قالَ: ومِنهُمُ النُّجَباءُ، وهم ثَمانِيَةٌ في كُلِّ زَمانٍ. . . إلى أنْ قالَ: ولَهُمُ القَدَمُ الرّاسِخَةُ في عِلْمِ تَسْيِيرِ الكَواكِبِ مِن جِهَةِ الكَشْفِ والِاطِّلاعِ، لا مِن جِهَةِ الطَّرِيقَةِ المَعْلُومَةِ عِنْدَ العُلَماءِ بِهَذا الشَّأْنِ.
والنُّقَباءُ هُمُ الَّذِينَ حازُوا عِلْمَ الفَلَكِ التّاسِعِ، والنُّجَباءُ حازُوا عِلْمَ الثَّمانِيَةِ الأفْلاكِ الَّتِي دُونَهُ، وهي كُلُّ فَلَكٍ فِيهِ كَوْكَبٌ، ويُفْهَمُ مِن هَذا القَوْلِ بِالتَّأْثِيراتِ، وأنَّها مُفاضَةٌ مِنَ البُرْجِ عَلى النّازِلِ فِيهِ مِنَ الكَواكِبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences