Al-AlusiAs‑Saffat · 37:89–94

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:89–94, continued

وقَدْ تَكَرَّرَتِ الإشارَةُ مِنهُ إلى ذَلِكَ، فَفي الفَصْلِ الثّالِثِ مِنَ البابِ الحادِي والسَّبْعِينَ والثَّلاثِمِائَةِ مِنَ (الفُتُوحاتِ) أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جَوْفِ الكُرْسِيِّ جِسْمًا شَفّافًا مُسْتَدِيرًا - يَعْنِي الفَلَكَ الأطْلَسَ - قَسَّمَهُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا هي البُرُوجُ، وأسْكَنَ كُلَّ بُرْجٍ مِنها مَلَكًا. . . إلى أنْ قالَ: وجَعَلَ لِكُلِّ نائِبٍ مِن هَؤُلاءِ الأمْلاكِ الِاثْنَيْ عَشَرَ في كُلِّ بُرْجٍ مَلَّكَهُ إيّاهُ ثَلاثِينَ خِزانَةً، تَحْتَوِي كُلُّ خِزانَةٍ مِنها عَلى عُلُومٍ شَتّى، يَهَبُونَ مِنها لِمَن نَزَلَ بِهِمْ ما تُعْطِيهِ مَرْتَبَتُهُ، وهي الخَزائِنُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿وإن منْ شيء إلا عندنا خزائنه وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، وهَذِهِ الخَزائِنُ تُسَمّى عِنْدَ أهْلِ التَّعالِيمِ دَرَجاتِ الفَلَكِ، والنّازِلُونَ بِها هُمُ الجَوارِي، والمَنازِلُ وعَيُّوقاتُها مِنَ الثَّوابِتِ، والعُلُومُ الحاصِلَةُ مِن هَذِهِ الخَزائِنِ الإلَهِيَّةِ هي ما يَظْهَرُ في عالَمِ الأرْكانِ مِنَ التَّأْثِيراتِ؛ بَلْ ما يَظْهَرُ في مُقَعَّرِ فَلَكِ الثَّوابِتِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ لِهَؤُلاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَظَرًا في الجِنانِ وأهْلِها وما فِيها مُخْلَصًا مِن غَيْرِ حِجابٍ، فَما في الجِنانِ مِن حُكْمٍ فَهو عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ بِنُفُوسِهِمْ تَشْرِيفًا لِأهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا أهْلُ الدُّنْيا وأهْلُ النّارِ فَما يُباشِرُونَ ما لَهم مِنَ الحُكْمِ إلّا بِالنُّوّابِ وهُمُ النّازِلُونَ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ ذَكَرْناهم.

وقالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الفَصْلِ الرّابِعِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ قِطْعًا في الفَلَكِ الأطْلَسِ؛ لِيَحْصُلَ مِن تِلْكَ الخَزائِنِ الَّتِي في بُرُوجِهِ وبِأيْدِي مَلائِكَتِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِن عُلُومِ التَّأْثِيرِ ما تُعْطِيهِ حَقِيقَةُ كُلِّ كَوْكَبٍ وجَعَلَها عَلى حَقائِقَ مُخْتَلِفَةٍ. انْتَهى المُرادُ مِنهُ.

ولَهُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - كَلامٌ غَيْرُ هَذا أيْضًا، وقَدَ صَرَّحَ بِنَحْوِ ما صَرَّحَ بِهِ المُنَجِّمُونَ، مِنِ اخْتِلافِ طَبائِعِ البُرُوجِ، وأنَّ كُلَّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ في المِزاجِ، وأنا لا أزِيدُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ لِلْأجْرامِ العُلْوِيَّةِ -كَواكِبِها وأفْلاكِها- أسْرارًا وحِكَمًا وتَأْثِيراتٍ غَيْرَ ذاتِيَّةٍ، بَلْ مُفاضَةٍ عَلَيْها مِن جانِبِ الحَقِّ والفَيّاضِ المُطْلَقِ - جَلَّ شَأْنُهُ، وعَظُمَ سُلْطانُهُ - ومِنها ما هو عَلامَةٌ لِما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَتِمُّ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ ما ذُكِرَ ولا يُعْلَمُ كَمِّيَّةُ ذَلِكَ ولا كَيْفِيَّتُهُ، ولا أنَّ تَأْثِيرَ كَذا مِن كَوْكَبِ كَذا أوْ كَوْكَبِ كَذا عَلامَةٌ لِكَذا في نَفْسِ الأمْرِ إلّا اللَّهُ تَعالى العَلِيمُ البَصِيرُ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ يُطْلِعُ بَعْضَ خَواصِّ عِبادِهِ مِنَ البَشَرِ والمَلَكِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُطْلِعَ - سُبْحانَهُ - البَعْضَ عَلى الكُلِّ، ووُقُوعُ ذَلِكَ لِنَبِيِّنا ﷺ مِمّا لا أكادُ أشُكُّ فِيهِ.

وقَدْ نَصَّ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ - قُدِّسَتْ أسْرارُهم، وأشْرَقَتْ عَلَيْنا أنْوارُهم - عَلى أنَّ عُلُومَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّتِي وُهِبَتْ لَهُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: نَوْعٌ أوْجَبَ عَلَيْهِ إظْهارَهُ وتَبْلِيغَهُ، وهو عِلْمُ الشَّرِيعَةِ والتَّكالِيفِ الإلَهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ناظِرٌ إلى ذَلِكَ دُونَ العُمُومِ

صفحة 120

المُطْلَقِ، أوْ خُصُوصِ خِلافَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - كَما يَقُولُهُ الشِّيعَةُ. ونَوْعٌ أوْجَبَ عَلَيْهِ كِتْمانَهُ، وهو عِلْمُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لا تَتَحَمَّلُها قُوَّةٌ غَيْرَ قُوَّتِهِ القُدْسِيَّةِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَكَما أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِلْمًا اسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ كَذَلِكَ لِحَبِيبِهِ الأعْظَمِ ﷺ عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ بِهِ بَعْدَ رَبِّهِ - سُبْحانَهُ - لَكِنَّهُ مُفاضٌ مِنهُ - تَعالى - عَلَيْهِ، ولَعَلَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ وقَدْ يَكُونُ بَيْنَ المُحِبِّ والمَحْبُوبِ مِنَ الأسْرارِ ما يُضَنُّ بِهِ عَلى الأغْيارِ، ومِن هُنا قِيلَ:

ومُسْتَخْبِرٍ عَنْ سِرِّ لَيْلى تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِعَمْياءَ مِن لَيْلى بِغَيْرِ يَقِينِ

يَقُولُونَ: خَبِّرْنا؛ فَأنْتَ أمِينُها ∗∗∗ وما أنا إنْ خَبَّرْتُهم بِأمِينِ

ونَوْعٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهَذا مِنهُ ما أظْهَرَهُ لِمَن رَآهُ أهْلًا لَهُ، ومِنهُ ما لَمْ يُظْهِرْهُ لِأمْرٍ ما، فَلَعَلَّ ما وُهِبَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ العِلْمِ بِدَقائِقِ أسْرارِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وحِكَمِها وما أرادَ اللَّهُ تَعالى بِها مِمّا لَمْ يُظْهِرْهُ لِلنّاسِ كَعِلْمِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهُ مِمّا لا يُضْبَطُ بِقاعِدَةٍ، وتَفْصِيلُ الأمْرِ فِيهِ لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ، والبَعْضُ مُرْتَبِطٌ بِالبَعْضِ، ومَعَ هَذا لا يَسْتَطِيعُ العالِمُ بِهِ أنْ يُحَمِّلَ الإقامَةَ سَفَرًا، ولا الهَزِيمَةَ ظَفَرًا، ولا العَقْدَ فَلًّا، ولا الإبْرامَ نَقْضًا، ولا اليَأْسَ رَجاءً، ولا العَدُوَّ صَدِيقًا، ولا البَعِيدَ قَرِيبًا، ولا. . ولا. . .

ويُوشِكُ لَوِ انْتَشَرَ أمْرُهُ، وظَهَرَ حُلْوُهُ ومُرُّهُ؛ أنْ يَضْعُفَ تَوَكُّلُ كَثِيرٍ مِنَ العَوامِّ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِانْقِطاعُ إلَيْهِ، والرَّغْبَةُ فِيما عِنْدَهُ، وأنْ يَلْهُوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ويَنْبِذُوا ما سِواهُ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ لِأجْلِهِ، فَكُلٌّ يَتَمَنّى أنْ يَعْلَمَ الغَيْبَ، ويَطَّلِعَ عَلَيْهِ، ويُدْرِكَ ما يَكُونُ في غَدٍ، أوْ يَجِدَ سَبِيلًا إلَيْهِ، بَلْ رُبَّما يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِبَعْضِ الأشْخاصِ مُفْضِيًا إلى الِاعْتِقادِ القَبِيحِ والشِّرْكِ الصَّرِيحِ، وقَدْ كانَ في العَرَبِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَلَوْ فُتِحَ هَذا البابُ؛ لاتَّسَعَ الخَرْقُ، وعَظُمَ الشَّرُّ.

وقَدْ تَرَكَ ﷺ هَدْمَ الكَعْبَةِ وتَأْسِيسَها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِنَحْوِ هَذِهِ المُلاحَظَةِ.

فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: ”لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ وأسَّسْتُها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ“»

ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إظْهارُ ذَلِكَ وعِلْمُ النّاسِ بِهِ سَبَبًا لِتَعَطُّلِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ ومُنافِيًا لِلْحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ فَأوْجَبَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ كَتْمَهُ وتَرْكَ تَعْلِيمِهِ كَما عَلِمَ الشَّرائِعَ.

ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ ﷺ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِنَ العُلُومِ الوَهْبِيَّةِ الَّتِي يَمُنُّ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأنَّ مَن وهَبَ سُبْحانَهُ لَهُ مِن أُمَّتِهِ قُوَّةً قُدْسِيَّةً يَهَبُ سُبْحانَهُ لَهُ ما تَتَحَمَّلُهُ قُوَّتُهُ مِنهُ، وقَدْ سَمِعْتَ ما سَمِعْتَ في النُّقَباءِ والنُّجَباءِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلَّمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذَلِكَ أمْثالَهم ومَن هو أعْلى قَدَرا مِنهم كالأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ التَّعْلِيمِ ومِنها الإفاضَةُ الَّتِي يَذْكُرُها بَعْضُ أهْلِ الطَّرائِقِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ سِرَّ البِعْثَةِ إنَّما هو إرْشادُ الخَلْقِ إلى ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ زُلْفى، ولَيْسَ في مَعْرِفَةِ التَّأْثِيراتِ الفَلَكِيَّةِ والحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ قُرْبٌ إلى اللَّهِ تَعالى، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في دَعْوَةِ الخَلْقِ وإرْشادِهِمْ إلى ما يُقَرِّبُهم لَدَيْهِ سُبْحانَهُ ويَنْفَعُهم يَوْمَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ النُّجُومِ في أُمُورِ دِياناتِهِمْ كَمَعْرِفَةِ القِبْلَةِ وأوْقاتِ العِباداتِ قَدْ أرْشَدَ إلَيْهِ مَن أرْشَدَ مِنهُمْ، وتَرَكَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ في أُمُورِ دُنْياهم كالزِّراعَةِ إلى عاداتِهِمْ وما جَرَّبَهُ كُلُّ قَوْمٍ في أماكِنِهِمْ، وأشارَ إشارَةً إجْمالِيَّةً إلى بَعْضِ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ لِبَعْضِ الكَواكِبِ في بَعْضِ أحْوالِها كَما في حَدِيثِ

صفحة 121

الكُسُوفِ والخُسُوفِ السّابِقِ، وأرْشَدَهم إلى ما يَنْفَعُهم إذا ظَهَرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويَتَضَمَّنُ الإشارَةَ الإجْمالِيَّةَ أيْضًا أمْرُهُ تَعالى بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ القَمَرِ في بَعْضِ حالاتِهِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ ﴿من شر ما خلق﴾ ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ عَلى ما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ويَقْرُبُ في بَعْضِ الوُجُوهِ مِن شَأْنِهِ ﷺ شَأْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أمْرِ النَّباتاتِ ونَحْوِها فَبَيَّنَ لَهم ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِن ذَلِكَ، وأشارَ إلى مَنفَعَةِ بَعْضِ الأشْياءِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، ولَمْ يُفَصِّلِ القَوْلَ في الخَواصِّ، وتَرَكَ النّاسَ فِيما يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ مِمّا هو حَلالٌ عَلى عاداتِهِمْ إلّا أنَّهُ قالَ: ”كلوا واشربوا ولا تسرفوا“ . نَعَمْ؛ نَهى ﷺ عَنِ الخَوْضِ في عِلْمِ النُّجُومِ لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ بِواسِطَةِ الأوْضاعِ المُتَوَقِّفِ - بِزَعْمِ المُنَجِّمِينَ - عَلى مَعْرِفَةِ الطَّبائِعِ سَدًّا لِبابِ الشَّرِّ والوُقُوعِ في الباطِلِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ لَيْسَتْ كَسْبِيَّةً كَمَعْرِفَةِ خَواصِّ النَّباتاتِ ونَحْوِها، والمَعْرِفَةُ الكَسْبِيَّةُ الَّتِي يَزْعُمُها المُنَجِّمُونَ لَيْسَتْ بِمَعْرِفَةٍ؛ وإنَّما هي ظُنُونٌ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْها كَما تَقَدَّمَ وصَرَّحَ بِهِ أرَسْطالِيسُ أيْضًا؛ فَإنَّهُ قالَ في أوَّلِ كِتابِهِ السَّماعِ الطَّبِيعِيِّ: إنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اليَقِينِ بِمَعْرِفَةِ تَأْثِيرِ الكَواكِبِ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَطْلَيْمُوسَ، وكَوْنُ المَنهِيِّ عَنْهُ ذَلِكَ هو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ وعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ «”مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ“». وأمّا الخَوْضُ في عِلْمِ النُّجُومِ لِتَحْصِيلِ ما يُعْرَفُ بِهِ أوْقاتُ الصَّلَواتِ وجِهَةُ القِبْلَةِ وكَمْ مَضى مِنَ اللَّيْلِ أوِ النَّهارِ وكَمْ بَقِيَ وأوائِلُ الشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ ونَحْوُ ذَلِكَ، ومِنهُ - فِيما أرى - ما يُعْرَفُ بِهِ وقْتُ الكُسُوفِ والخُسُوفِ فَغَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ؛ بَلِ العِلْمُ المُؤَدِّي لِبَعْضِ ما ذُكِرَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، بَلْ إنْ كانَ عِلْمُ النُّجُومِ عِبارَةً عَنِ العِلْمِ الباحِثِ عَنِ النُّجُومِ بِاعْتِبارِ ما يَعْرِضُ لَها مِنَ المُقارَنَةِ والمُقابَلَةِ والتَّثْلِيثِ والتَّسْدِيسِ، وكَيْفِيَّةِ سَيْرِها ومِقْدارِ حَرَكاتِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُبْحَثُ عَنْهُ في الزِّيجِ، أوْ كانَ عِبارَةً عَمّا يَعُمُّ ذَلِكَ، والعِلْمُ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ ارْتِفاعِ الكَوْكَبِ وانْخِفاضِهِ ومَعْرِفَةِ الماضِي مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ومَعْرِفَةِ الأطْوالِ والأعْراضِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَهُ عِلْمُ الأسْطُرْلابِ والرُّبْعِ المُجِيبِ ونَحْوِهِما، فَهو مِمّا لا أرى بَأْسًا في تَعَلُّمِهِ مُطْلَقًا وإنْ كانَ عِبارَةً عَنِ العِلْمِ الباحِثِ عَنْ أحْكامِها وتَأْثِيراتِها الَّتِي تَقْتَضِيها بِاعْتِبارِ أوْضاعِها وطَبائِعِها عَلى ما يَزْعُمُهُ الأحْكامِيُّونَ فَهَذا الَّذِي اخْتُلِفَ في أمْرِهِ؛ فَقالَ بَعْضُهم بِحُرْمَةِ تَعَلُّمِهِ لِحَدِيثِ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ السّابِقِ، والقائِلُ بِهَذا قائِلٌ بِحُرْمَةِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ، وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ فِيها الإفْراطُ والتَّفْرِيطُ، ثانِيها أنَّهُ مَكْرُوهٌ، ثالِثُها أنَّهُ مُباحٌ، رابِعُها أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، خامِسُها أنَّهُ كَفْرٌ. والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ؛ ولِأنَّ فِيهِ تَرْوِيجَ الباطِلِ وتَعْرِيضَ الجَهَلَةِ لِاعْتِقادِ أنَّ أحْكامَ النُّجُومِ المَعْرُوفَةِ بَيْنَ أهْلِها حَقٌّ، والكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها، وقِيلَ: يَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ لِأنَّهُ مَنسُوخٌ، فَقَدْ قالَ الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ: كانَ عِلْمُ النُّجُومِ عِلْمًا نَبَوِيًّا فَنُسِخَ. وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ لا مَعْنى لِنَسْخِ العِلْمِ نَفْسِهِ، وإنْ حُمِلَ الكَلامُ عَلى مَعْنى: ”كانَ تَعَلُّمُهُ مُباحًا فَنُسِخَ ذَلِكَ إلى التَّحْرِيمِ“ كانَ في الِاسْتِدْلالِ مُصادَرَةٌ! وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حُرْمَةَ في تَعَلُّمِهِ؛ إنَّما الحُرْمَةُ في اعْتِقادِ صِحَّةِ الأحْكامِ وتَأْثِيراتِ الكَواكِبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَقُولُهُ جَهَلَةُ الأحْكامِيِّينَ لا مُطْلَقًا، وأُجِيبَ عَنِ الخَبَرِ السّابِقِ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَلُّمِ شَيْءٍ مِن عِلْمِ النُّجُومِ عَلى وجْهِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ - اقْتَبَسَ- وذَلِكَ لا يَتِمُّ بِدُونِ اعْتِقادِ صِحَّةِ حُكْمِهِ وأنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّراتٌ، وتَعَلُّمُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ حَرامٌ وبِدُونِهِ مُباحٌ وفِيهِ بَحْثٌ.

وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ الخَبَرَ فِيمَنِ ادَّعى عِلْمًا بِحُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ آخِذًا لَهُ مِنَ النُّجُومِ قائِلًا: الأمْرُ كَذا ولا بُدَّ لِأنَّ النَّجْمَ يَقْتَضِيهِ البَتَّةَ وهو لا شَكَّ في إثْمِهِ وحُرْمَةِ دَعْواهُ الَّتِي قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى كَذِبِها وهو كَما تَرى، وكَلامُ بَعْضِ

صفحة 122

أجِلَّةِ العُلَماءِ صَرِيحٌ في إباحَةِ تَعَلُّمِهِ مَتى اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى العادَةَ بِوُقُوعِ كَذا عِنْدَ حُلُولِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ مَنزِلَةَ كَذا مَثَلًا مَعَ جَوازِ التَّخَلُّفِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضٌ حُرْمَةَ التَّعَلُّمِ مُطْلَقًا مَتى كانَ فِيهِ إغْراءُ الجَهَلَةِ بِذَلِكَ العِلْمِ وإيقاعُهم في مَحْذُورِ اعْتِقادِ التَّأْثِيرِ، أوْ كانَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ، وكَراهَتُهُ - إنْ سَلِمَ مِن ذَلِكَ - لِما فِيهِ مِن تَضْيِيعِ الأوْقاتِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ، ومَبْناهُ ظُنُونٌ وأوْهامٌ وتَخَيُّلاتٌ، ولا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّهُ يُباحُ لِلْعالَمِ الرّاسِخِ النَّظَرُ في كُتُبِهِ لِلِاطِّلاعِ عَلى ما قالُوا والوُقُوفِ عَلى مُناقَضاتِهِمْ واخْتِلافاتِهِمُ الَّتِي سَمِعْتَ بَعْضًا مِنها لِيُنَفِّرَ عَنْها النّاسَ ويَرُدَّ العاكِفِينَ عَلَيْها، كَما يُباحُ لَهُ النَّظَرُ في كُتُبِ سائِرِ أهْلِ الباطِلِ كاليَهُودِ والنَّصارى لِذَلِكَ؛ بَلْ لَوْ قِيلَ بِسُنِّيَّتِهِ لِهَذا الغَرَضِ لَمْ يَبْعُدْ؛ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّلَفَ الصّالِحَ لَمْ يَحُومُوا حَوْلَ شَيْءٍ مِنهُ بِسِوى ذَمِّهِ وذَمِّ أهْلِهِ، ولَمْ يَتَطَلَّبُوا كِتابًا مِن كُتُبِهِ لِيَنْظُرُوا فِيهِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ النَّظَرُ، ونِسْبَةُ خِلافِ ذَلِكَ إلى أحَدٍ مِنهم لا تَصِحُّ فالحَزْمُ اتِّباعُهم في ذَلِكَ وسُلُوكُ مَسْلَكِهِمْ فَهو لَعَمْرِي أقُومُ المَسالِكِ، وهَذا واعْتُرِضَ القَوْلُ بِاطِّلاعِهِ ﷺ عَلى ما ذُكِرَ مِن شَأْنِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ بِأنَّ فِيهِ فَتْحَ بابِ الشُّبْهَةِ في كَوْنِ إخْبارِهِ ﷺ بِالغُيُوبِ مِنَ الوَحْيِ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مِن أحْكامِ النُّجُومِ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الشُّبْهَةَ إنَّما تَتَأتّى لَوْ ثَبَتَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَصَدَ - ولَوْ مَرَّةً - كَوْكَبًا مِنَ الكَواكِبِ وحَقَّقَ مَنزِلَتَهُ وأخْبَرَ بِغَيْبٍ إذْ مُجَرَّدُ العِلْمِ بِأنَّ لِكَوْكَبِ كَذا حُكْمَ كَذا إذا حَلَّ بِمَنزِلَةِ كَذا لا يُقَيَّدُ بِدُونِ مَعْرِفَةِ أنَّهُ حَلَّ في تِلْكَ المَنزِلَةِ، فَحَيْثُ لَمْ يُثْبِتُ أنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لا يَفْتَحُ بابَ الشُّبْهَةِ وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ، وبِأنَّ عِلْمَهُ ﷺ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأوْضاعُ عِنْدَ القائِلِينَ بِهِ لَيْسَ إلّا عَنْ وحْيٍ فَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى تِلْكَ الشُّبْهَةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ بِالغَيْبِ بِواسِطَةِ عِلْمِ أحْكامِ النُّجُومِ الَّذِي عَلِمَهُ بِالوَحْيِ وأيُّ خَلَلٍ يَحْصُلُ مِن هَذا في نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَلْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ تَسْتَدْعِي كَوْنَهُ نَبِيًّا كَما أنَّ عَدَمَها كَذَلِكَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَتى سُلِّمَ أنَّ لِلْأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ دَلالَةً عَلى الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ وأنَّهُ ﷺ يَعْلَمُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ يَقَعُ الِاشْتِباهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِن عُلَماءِ ذَلِكَ العِلْمِ المُخْبِرِينَ بِالغَيْبِ إذا وقَعَ كَما أخْبَرُوا، والتَّفْرِقَةُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ دُونَ الغَيْرِ فَرْعُ كَوْنِهِ نَبِيًّا وهو أوَّلُ المَسْألَةِ، واخْتِيرَ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ ﷺ بِالغَيْبِ إنْ كانَ بَعْدَ ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ بِمُعْجِزٍ غَيْرِ ذَلِكَ لا تَتَأتّى الشُّبْهَةُ إنْ أفْهَمَ أنَّ خَبَرَهُ بِواسِطَةِ الوَحْيِ، ولا تَضِرُّ إنْ لَمْ يُفْهِمْ؛ إذْ غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ نَبِيٌّ لِظُهُورِ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ قَبْلَ أنْ أخْبَرَ بِغَيْبٍ بِواسِطَةِ وضْعٍ فَلَكِيٍّ وشارَكَهُ غَيْرُهُ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ قَبْلَ ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ بِمُعْجِزٍ غَيْرَهُ بِأنْ كانَ التَّحَدِّي بِذَلِكَ الخَبَرِ ووُقُوعِ ما أخْبَرَ بِهِ فالَّذِي يُدْفَعُ الشُّبْهَةَ حِينَئِذٍ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى المُعارَضَةِ، فَلا يَسْتَطِيعُ مُنَجِّمٌ أنْ يُخْبِرَ صادِقًا بِمِثْلِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ بِالأوْضاعِ ومُقْتَضَياتِها فَتَدَبَّرْ! ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في النُّقَباءِ والنُّجَباءِ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - اطِّلاعًا عَلى ذَلِكَ إذْ رُتْبَةُ النَّبِيِّ فَوْقَ رُتْبَةِ الوَلِيِّ وعِلْمُهُ فَوْقَ عِلْمِهِ إذْ هو الرَّكْنُ الأعْظَمُ في الفَضْلِ.

ولا حُجَّةَ في قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى خِلافِهِ، أمّا عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّةِ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى القَوْلِ بِوِلايَتِهِ وأنَّهُ فَعَلَ ما فَعَلَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ نَبِيٍّ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِوِلايَتِهِ وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِعِلْمٍ أُوتِيَهُ بِلا واسِطَةِ نَبِيٍّ فَلِأنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى فِقْدانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العِلْمَ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وعِلْمِ الخَضِرِ بِها، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الخَضِرُ أعْلَمَ مِنهُ مُطْلَقًا، وهو ظاهِرٌ، وعَلى هَذا جُوِّزَ إبْقاءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها فَيَكُونُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ نَظَرَ في النُّجُومِ حَسَبَما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ المَلَكُوتِ الأعْلى

صفحة 123

واسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ سَيَسْقَمُ بِما اسْتَدَلَّ، ولَعَلَّ نَظَرَهُ كانَ في طالِعِ الوَقْتِ أوْ نَحْوِهِ أوْ طالِعِ وِلادَتِهِ أوْ طالِعِ سُقُوطِ النُّطْفَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنها، والعِلْمُ بِهِ بِالوَحْيِ أوْ بِواسِطَةِ العِلْمِ بِطالِعِ الوِلادَةِ، والِاعْتِراضُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقْوِيَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ في أمْرِ النُّجُومِ - وارِدٌ أيْضًا عَلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى التَّعْرِيضِ، والجَوابُ هو الجَوابُ، هَذا وإذا أحَطْتَ خَبَرًا بِجَمِيعِ ما ذَكَرْتُ لَكَ في هَذا المَقامِ، فَأحْسِنِ التَّأمُّلَ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ! وقَدْ جَمَعْتُ لَكَ ما لَمْ أعْلَمْ أنَّهُ جُمِعَ في تَفْسِيرٍ، ولا أُبَرِّئُ نَفْسِي عَنِ الخَطَأِ والسَّهْوِ والتَّقْصِيرِ واللَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ.

37:90Page 449

فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠

So they turned away from him, departing.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ أعْرَضُوا وتَرَكُوا قُرْبَهُ، والمُرادُ أنَّهم ذَهَبُوا إلى مَعِيدِهِمْ وتَرَكُوهُ، ”ومدبرين“ إمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ حالٌ مُقَيِّدَةٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِـ”سَقِيمٌ“ مَطْعُونٌ أوْ أنَّهم تَوَهَّمُوا مَرَضًا لَهُ عَدْوى، مَرَضَ الطّاعُونِ أوْ غَيْرَهُ، فَإنَّ المَرَضَ الَّذِي لَهُ عَدْوى - بِزَعْمِ الأطِبّاءِ - لا يَخْتَصُّ بِمَرَضِ الطّاعُونِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأعْرَضُوا عَنْهُ هارِبِينَ مَخافَةَ العَدْوى

37:91–93Page 449

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١

Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1

مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢

What is [wrong] with you that you do not speak?"

فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣

And he turned upon them a blow with [his] right hand.

﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ فَذَهَبَ بِخُفْيَةٍ إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها، وأصْلُ الرَّوَغانِ مَيْلُ الشَّخْصِ في جانِبٍ لِيَخْدَعَ مَن خَلْفَهُ فَتُجُوِّزَ بِهِ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ المُناسِبُ هُنا ﴿فَقالَ﴾ لِلْأصْنامِ اسْتِهْزاءً ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي عِنْدَكُمْ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَضَعُونَ في أيّامِ أعْيادِهِمْ طَعامًا لَدى الأصْنامِ لِتُبَرِّكَ عَلَيْهِ، وأتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ لِمُعامَلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم مُعامَلَتَهم ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ بِجَوابِي ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ فَمالَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ضَرْبًا﴾ مَصْدَرٌ لِـ”راغَ عَلَيْهِمْ“ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ مِنهُ ضَرْبُهُمْ، أوْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو مَعَ فاعِلِهِ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: فَراغَ عَلَيْهِمْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، أوْ هو حالٌ مِنهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أيْ ضارِبًا، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِأجْلِ ضَرْبٍ. وقَرَأ الحَسَنُ ”سَفْقًا“ و”صَفْقًا“ أيْضًا ﴿بِاليَمِينِ﴾ أيْ بِاليَدِ اليَمِينِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَقْيِيدُ الضَّرْبِ بِاليَمِينِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ وأشَدُّهُما في الغالِبِ، وقُوَّةُ الآلَةِ تَقْتَضِي شِدَّةَ الفِعْلِ وقُوَّتَهُ، أوْ بِالقُوَّةِ عَلى أنَّ اليَمِينَ مَجازٌ عَنْها.

رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ فَيَضْرِبُها بِكَمالِ قُوَّتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاليَمِينِ الحَلِفُ، وسُمِّيَ الحَلِفُ يَمِينًا إمّا لِأنَّ العادَةَ كانَتْ إذا حَلَفَ شَخْصٌ لِآخِرِ جَعَلَ يَمِينَهُ بِيَمِينِهِ فَحَلَفَ أوْ لِأنَّ الحَلِفَ يُقَوِّي الكَلامَ ويُؤَكِّدُهُ، وأُرِيدَ بِاليَمِينِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والباءُ - عَلَيْهِ - لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ ضَرْبًا بِسَبَبِ اليَمِينِ الَّذِي حَلَفَهُ قَبْلُ، وهي - عَلى ما تَقَدَّمَ - لِلِاسْتِعانَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ

37:94Page 449

فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤

Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.

﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ أيْ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن عِيدِهِمْ وسُؤالِهِمْ عَنِ الكاسِرِ وقَوْلِهِمْ ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾، ﴿يَزِفُّونَ﴾ حالٌ مِن واوِ ”أقْبَلُوا“ أيْ يُسْرِعُونَ مَن زَفَّ النَّعامُ أسْرَعَ لِخَلْطِهِ الطَّيَرانَ بِالمَشْيِ ومَصْدَرُهُ الزَّفُّ والزَّفِيفُ، وقِيلَ ﴿يَزِفُّونَ﴾ أيْ يَمْشُونَ عَلى تُؤَدَةٍ ومَهَلٍ مِن زِفافِ العَرُوسِ إذْ كانُوا في طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أصْنامَهم بِشَيْءٍ لِعِزَّتِها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ دَخَلَ في الزَّفِيفِ فالهَمْزَةُ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ حَمَلَ غَيْرَهُ عَلى الزَّفِيفِ فَهي لَها قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ والضَّحّاكُ

صفحة 124

ويَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِي وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”يَزِفُونَ“ مُضارِعُ وزَفَ بِمَعْنى أسْرَعَ، قالَ الكِسائِيُّ والفِراءُ: لا نَعْرِفُ وزَفَ بِمَعْنى زَفَّ، وقَدْ أثْبَتَهُ الثِّقاتُ فَلا يَضُرُّ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِما. وقُرِئَ ”يُزَفُّونَ“ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ ”يَزْفُونَ“ بِسُكُونِ الزّايِ مِن زَفاهُ إذا حَداهُ كَأنَّ بَعْضَهم يَزْفُو بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском