Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:95–101
37:95–96Page 449
قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥
He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦
While Allāh created you and that which you do?"
﴿”قال“﴾ بَعْدَ أنْ أتَوْا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجَرى ما جَرى مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أيِ الَّذِي تَنْحِتُونَهُ مِنَ الأصْنامِ فَـ”ما“ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها وهو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً أيْ أتَعْبُدُونَ نَحْتَكَمُ، وتَوْبِيخُهم عَلى عِبادَةِ النَّحْتِ مَعَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهي لَيْسَتْ نَفْسَ النَّحْتِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا النَّحْتَ؛ لِأنَّ الأصْنامَ قَبْلَهُ حِجارَةٌ ولَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَها وإنَّما عَبَدُوها بَعْدَ أنْ نَحَتُوها، فَفي الحَقِيقَةِ ما عَبَدُوا إلّا نَحْتَهُمْ، وفِيهِ ما فِيهِ.
﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تعبدون“ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والِاحْتِجاجِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي تِلْكَ العِبادَةُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها أيْضًا أيْ خَلَقَكم وخَلَقَ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ أيْ مِنَ الأصْنامِ كَما هو الظّاهِرُ، وهي عِبارَةٌ عَنْ مَوادَّ، وهي الجَواهِرُ الحَجَرِيَّةُ، وصُوَرٍ حَصَلَتْ لَها بِالنَّحْتِ، وكَوْنُ المَوادِّ مَخْلُوقَةً لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ظاهِرٌ، وكَوْنُ الصُّوَرِ والأشْكالِ كَذَلِكَ مَعَ أنَّها بِفِعْلِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ الإقْدارَ عَلى الفِعْلِ وخَلْقِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّواعِي والأسْبابِ مِنهُ تَعالى، وكَوْنُ الأصْنامِ - وهي ما سَمِعْتَ - مَعْمُولَةً لَهم بِاعْتِبارِ جُزْئِها الصُّورِيِّ، فَهو - مَعَ كَوْنِهِ مَعْمُولًا لَهم - مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ فَلا إشْكالَ.
وفِي المُتِمَّةِ لِلْمَسْألَةِ المُهِمَّةِ تَأْلِيفِ الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ صَرِيحُ الكَلامِ دالٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِلْأصْنامِ بِجَمِيعِ أجْزائِها الَّتِي مِنها الأشْكالُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأشْكالَ إنَّما حَصَلَتْ بِتَشْكِيلِهِمْ فَتَكُونُ الأشْكالُ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى مَعْمُولَةً لَهم لِكَوْنِ نَحْتِهم وتَشْكِيلِهِمْ عَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الأشْكالَ بِهِمْ.
ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ لا قُوَّةَ لَهُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى بِالنَّصِّ، ومَن لا قُوَّةَ لَهُ إلّا بِغَيْرِهِ فالقُوَّةُ لِذَلِكَ الغَيْرِ لا لَهُ فَلا قُوَّةَ - حَقِيقَةً - إلّا لِلَّهِ تَعالى، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا فِعْلَ لِلْعَبْدِ إلّا بِقُوَّةٍ، فَلا فِعْلَ لَهُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، فَلا فِعْلَ - حَقِيقَةً - إلّا لِلَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ. كانَ النَّحْتُ والتَّشْكِيلُ عَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الأشْكالَ بِهِمْ وفِيهِمْ بِالذّاتِ، وغَيْرِهِ بِالِاعْتِبارِ، فَيَكُونُ المَعْمُولُ عَيْنَ المَخْلُوقِ بِالذّاتِ وغَيْرِهِ بِالِاعْتِبارِ فَإنَّ إيجادَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَتَعَلَّقُ بِذاتِ الفِعْلِ مِن حَيْثُ هُوَ، وفِعْلُ العَبْدِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً أوْ مُباحًا، لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا واللَّهُ تَعالى لَهُ الإطْلاقُ ولا حاكِمَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ انْتَهى. فافْهَمْ.
والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ أيْضًا ”ما“ مَوْصُولَةً إلّا أنَّهُ جَعَلَ المَخْلُوقَ لَهُ تَعالى هو الجَواهِرَ ومَعْمُولَهم هو الشَّكْلَ والصُّورَةَ؛ إمّا عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وما تَعْمَلُونَ شَكْلَهُ وصُورَتَهُ، وإمّا عَلى أنَّ الشّائِعَ في الِاسْتِعْمالِ ذَلِكَ، فَإنَّهم يَقُولُونَ عَمَلَ النَّجّارِ البابَ والصّائِغُ الخَلْخالَ والبَنّاءُ البِناءَ، ولا يَعْنُونَ إلّا عَمَلَ الشَّكْلِ بِدُونِ تَقْدِيرِ شَكْلٍ في النَّظْمِ، كَأنَّ تَعَلُّقَ العَمَلِ بِالشَّيْءِ هو هَذا التَّعَلُّقُ لا تَعَلُّقُ التَّكْوِينِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِهِ الفاسِدِ مِن أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ، والِاحْتِجاجُ في الآيَةِ عَلى الأوَّلِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ العابِدَ والمَعْبُودَ مادَّةً وصُورَةً، فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقَ المَخْلُوقُ؟ وعَلى الثّانِي بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ العابِدَ ومادَّةَ المَعْبُودِ فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقَ المَخْلُوقُ عَلى أنَّ العابِدَ مِنهُما هو الَّذِي عَمِلَ صُورَةَ المَعْبُودِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ أوْ
صفحة 125
الإتْيانِ بِهِ دُونَ ”ما تَعْمَلُونَ“ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَخْلُوقِيَّةِ الأصْنامِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَيْسَ مِن حَيْثُ نَحْتُهم لَها فَقَطْ؛ بَلْ مِن حَيْثُ سائِرُ أعْمالِهِمْ أيْضًا مِنَ التَّصْوِيرِ والتَّحْلِيَةِ والتَّزْيِينِ. وفي الكَشْفِ فائِدَةُ العُدُولِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَأْثِيرَهم فِيها لَيْسَ النَّحْتَ، ثُمَّ العَمَلُ يَقَعُ عَلى النَّحْتِ والأثَرِ الحاصِلِ مِنهُ ولا يَقَعُ النَّحْتُ عَلى الثّانِي، فَلا بُدَّ مِنَ العُدُولِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، وبِهِ يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ، أيِ الَّذِي قِيلَ عَلى اعْتِبارِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ عامًّا لِلْأصْنامِ وغَيْرِها، وتَدْخُلُ أوَّلِيًّا، ولا يَتَأتّى عَلَيْهِ حَدِيثُ العُدُولِ. وقِيلَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ المَفْعُولِ لِيُطابِقَ ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ عَلى ما هو الظّاهِرُ فِيهِ ويَتَّحِدُ المَعْنى مَعَ ما تَقَدَّمَ عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِيَّةِ، وجُوِّزَ بَقاءُ المَصْدَرِ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ، والمُرادُ بِهِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ - أعْنِي الأثَرَ - وكَثِيرًا ما يُرادُ بِهِ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّأْثِيرِ والإيقاعِ أيْ: خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم. واحْتَجَّ بِالآيَةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ العابِدَ والمَعْبُودَ جَمِيعًا خَلْقُ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقُ مَخْلُوقًا؟ ولَوْ قِيلَ: إنَّ العابِدَ وعَمَلَهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَفاتَ المُلاءَمَةُ والِاحْتِجاجُ، ولِأنَّ ”ما“ في الأوَّلِ مَوْصُولَةٌ فَهي في الثّانِي كَذَلِكَ؛ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، وما قالَهُ القاضِي البَيْضاوِيُّ مِن أنَّهُ لا يَفُوتُ الِاحْتِجاجُ بَلْ إنَّهُ أبْلَغُ فِيهِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم إذا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ مَفْعُولُهُمُ المُتَوَقِّفُ عَلى فِعْلِهِمْ أوْلى بِذَلِكَ، وأُيِّدَ بِأنَّ الأُسْلُوبَ يَصِيرُ مِن بابِ الكِنايَةِ وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، ولا فائِدَةَ في العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إلّا هَذا، فَيَجِبُ صَوْنًا لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنِ العَبَثِ. تَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يُتِمُّ لِأنَّ المُلازَمَةَ مَمْنُوعَةٌ عِنْدَ القَوْمِ؛ ألّا تَرى أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ العَبْدَ وقُدْرَتَهُ وإرادَتَهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى؟ ثُمَّ المُتَوَقِّفُ عَلَيْهِما - وهو الفِعْلُ - يَجْعَلُونَهُ خَلْقَ العَبْدِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ يُفِيدُ التَّوَقُّفَ عَلَيْهِ تَعالى وهم لا يُنْكِرُونَهُ إنَّما الكَلامُ في الإيجادِ والإحْداثِ ثُمَّ قالَ: وأظْهَرُ مِنهُ أنْ يُقالَ: لِأنَّ المَعْمُولَ مِن حَيْثُ المادَّةُ كانُوا لا يُنْكِرُونَ أنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: هو مِن حَيْثُ الصُّورَةُ أيْضًا خَلَقَهُ فَهو مَخْلُوقٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ مِثْلُكم مِن غَيْرِ فَرْقٍ فَلِمَ تُسَوُّونَهُ بِالخالِقِ؟ وما ازْدادَ بِفِعْلِكم إلّا بُعْدَ اسْتِحْقاقٍ عَنِ العِبادَةِ، ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى في تَقْرِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كانَ هَذا البِناءُ مُتَداعِيًا كَيْفَما قَرَّرَ، عَلى أنَّ فائِدَةَ العُدُولِ قَدِ اتَّضَحَتْ حَقَّ الوُضُوحِ فَبَطَلَ الحَصْرُ أيْضًا، وقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُرادَ بِالفِعْلِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ لِأنَّهُ بِالمَعْنى الآخَرِ - أعْنِي الإيقاعَ - مِنَ النِّسَبِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ عِنْدَهُمْ، وتَوَقُّفُ الحاصِلِ بِالإيقاعِ عَلى قُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ تَوَقُّفٌ بَعِيدٌ بِخِلافِ تَوَقُّفِهِ عَلى الإيقاعِ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ؛ فَيَكُونُ ما ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ السَّنَدِ مُجْتَمِعًا مَعَ المُقَدِّمَةِ المَمْنُوعَةِ فَلا يَصْلُحُ لِلسَّنْدِيَّةِ، والمُرادُ بِمَفْعُولِهِمْ أشْكالَ الأصْنامِ المُتَوَقِّفُ عَلى ذَلِكَ المَعْنى القائِمِ بِهِمْ. إذا كانَ ذاكَ بِخَلْقِهِ تَعالى فَلَأنْ يَكُونَ الَّذِي لا يَقُومُ بِهِمْ بَلْ بِما يُبايِنُهم بِخَلْقِهِ تَعالى أوْلى.
ولا مَجالَ لِلْخَصْمِ أنَّ يَمْنَعَ هَذِهِ المُلازَمَةَ إذْ قَدْ أثْبَتَ خَلْقَ المُتَوَلِّداتِ مُطْلَقًا لِلْعِبادِ بِواسِطَةِ خَلْقِهِمْ لِما يَقُومُ بِهِمْ، وانْتِفاءُ الأوَّلِ مَلْزُومٌ لِانْتِفاءٍ الثّانِي. فَتَأمَّلْ، وقالَ في التَّقْرِيبِ انْتِصارًا لِمَن قالَ بِالمَصْدَرِيَّةِ: إنَّ الجَواهِرَ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى وِفاقًا، والأعْمالَ مَخْلُوقَةٌ أيْضًا لِعُمُومِ الآيَةِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الخَلْقِ؟ فَدَعْوى فَواتِ الِاحْتِجاجِ باطِلَةٌ وكَذَلِكَ فَكُّ النَّظْمِ والتَّبْتِيرِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ أيْضًا فَقالَ فِيهِ: إنَّ المُقَدِّمَةَ الوِفاقِيَّةَ إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنها ولَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً مِن هَذا السِّياقِ يَلْزَمُ فَواتُ الِاحْتِجاجِ، وأمّا الحَمْلُ عَلى التَّغْلِيبِ في الخِطابِ فَتَوْجِيهٌ لا تَرْجِيحٌ، والكَلامُ في الثّانِي.
ثُمَّ قالَ: وأمّا أنَّ المَصْدَرِيَّةَ أوْلى لِئَلّا يَلْزَمَ حَذْفُ الضَّمِيرِ فَمُعارَضٌ بِأنَّ المَوْصُولَةَ أكْثَرُ
صفحة 126
اسْتِعْمالًا وهي أنْسَبُ بِالسِّياقِ السّابِقِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ عَمَلِهِمْ في المَنحُوتِ فَيَزْدادُ الحَذْفُ.
واعْتُرِضَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الأكْثَرِيَّةَ، وكَذا لا نُسَلِّمُ أنَّها أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِما سَمِعْتَ مِن أنَّ الأُسْلُوبَ عَلى ذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ، وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، والتَّقْدِيرُ المَذْكُورُ لَيْسَ بِلازِمٍ لِجَوازِ إبْقاءِ الكَلامِ عَلى عُمُومِهِ الشّامِلِ لِلْمَنحُوتِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، أوْ يُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مُضافٍ إضافَةً عَهْدِيَّةً. وبَعْضُهم جَعَلَها مَوْصُولَةً كِنايَةً عَنِ العَمَلِ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمْ ويَظْهَرُ احْتِجاجُ الأصْحابِ عَلى خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ. وتَعَقَّبَهُ أيْضًا بِأنَّهُ أفْسَدُ مِنَ الأوَّلِ لِما فِيهِ مِنَ التَّعْقِيدِ وفَواتِ الِاحْتِجاجِ، وكَوْنُ المَوْصُولِ في الأوَّلِ عِبارَةً عَنِ الأعْيانِ وفي الثّانِي كِنايَةً عَنِ المَعانِي وانْفِكاكُ النَّظْمِ لَيْسَ لِخُصُوصِ المَوْصُولِيَّةِ والمَصْدَرِيَّةِ بَلْ لِتَبايُنِ المَعْنَيَيْنِ وهو باقٍ. وصاحِبُ الِانْتِصافِ قالَ بِتَعَيُّنِ حَمْلِها عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا الأصْنامَ مِن حَيْثُ كَوْنُها حِجارَةً وإنَّما عَبَدُوها مِن حَيْثُ أشْكالُها، فَهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا عَمَلَهم وبِذَلِكَ تَبْتَلِجُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم وعَمَلَهم مَخْلُوقانِ لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقُ مَخْلُوقًا مِثْلَهُ مَعَ أنَّ المَعْبُودَ كَسْبُ العابِدِ وعَمَلُهُ؟ وأجابَ عَنْ حَدِيثِ لُزُومِ انْفِكاكِ النَّظْمِ بِأنَّ لَنا أنْ نَحْمِلَ الأُولى عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا فَإنَّهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا نَحْتَهُمْ، وفي دَعْوى التَّعَيُّنِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ”ما“ الثّانِيَةُ اسْتِفْهامِيَّةً لِلْإنْكارِ والتَّحْقِيرِ أيْ وأيَّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا نَحَتُّمُوها؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ، وكَوْنُها نافِيَةً أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا الِاحْتِمالَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ؛ بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، وأظْهَرُ الوُجُوهِ كَوْنُها مَوْصُولَةً، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ عَلى ما يَقُولُهُ الأصْحابُ، ثُمَّ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: والإنْصافُ أنَّ اسْتِدْلالَ الأصْحابِ بِهَذِهِ الآيَةِ لا يَتِمُّ إنْ أرادَ بِهِ تَرْجِيحَ احْتِجاجِ المُعْتَزِلَةِ - خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ، ثُمَّ إنَّها عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ دَلِيلًا لَهم لا تَكُونُ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ أيْضًا كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، هَذا ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ
37:97–98Page 449
قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧
They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."
فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.
﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ حائِطًا تُوقِدُونَ فِيهِ النّارَ، وقِيلَ: مَنجَنِيقًا.
﴿فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ في النّارِ الشَّدِيدَةِ مِنَ الجُحْمَةِ وهي شَدَّةُ التَّأجُّجِ والِاتِّقادِ، واللّامُ بَدَلٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أوْ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ جَحِيمُ ذَلِكَ البُنْيانِ الَّتِي هي فِيهِ أوْ عِنْدَهُ.
﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ سُوءًا بِاحْتِيالٍ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قَهَرَهم بِالحُجَّةِ قَصَدُوا تَعْذِيبَهُ بِذَلِكَ لِئَلّا يَظْهَرَ لِلْعامَّةِ عَجْزُهم ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ الأذَلِّينَ بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ وجَعْلِهِ بُرْهانًا ظاهِرًا ظُهُورَ نارِ القِرى لَيْلًا عَلى عِلْمٍ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ جَعَلَ سُبْحانَهُ النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وقِيلَ: أيِ الهالِكِينَ، وقِيلَ: أيِ المُعَذَّبِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، والأوَّلُ أنْسَبُ.
37:99–101Page 449
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩
And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.
رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠
My Lord, grant me [a child] from among the righteous."
فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١
So We gave him good tidings of a forbearing boy.
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي أوْ حَيْثُ أتَجَرَّدُ فِيهِ لِعِبادَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ الذَّهابِ إلى المَكانِ الَّذِي أمَرَهُ رَبُّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلَيْهِ ذَهابًا إلَيْهِ وكَذا الذَّهابُ إلى مَكانٍ يَعْبُدُهُ تَعالى فِيهِ، لا أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ المَكانِ الشّامُ، وقِيلَ: مِصْرُ، وكَأنَّ المُرادَ إظْهارُ اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ وكَراهَةِ البَقاءِ مَعَهُمْ، أيْ: إنِّي مُفارِقُكم ومُهاجِرٌ مِنكم إلى رَبِّي ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى ما فِيهِ صَلاحُ دِينِي، أوْ إلى مَقْصِدِي.
والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّها في مُقابَلَةِ ”لَنِ“ المُؤَكِّدِ لِلنَّفْيِ كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وبَتَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَوْلَ لَسَبْقِ وعْدِهِ تَعالى إيّاهُ بِالهِدايَةِ لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالذَّهابِ أوْ لِفَرْطِ تَوَكُّلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِلْبِناءِ عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَهُ،
صفحة 127
وإنَّما لَمْ يَقُلْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ ذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ قِيلَ: لِعَدَمِ سَبْقِ وعْدٍ وعَدَمِ تَقَدُّمِ عادَةٍ، واقْتِضاءِ مَقامِهِ رِعايَةَ الأدَبِ مَعَهُ تَعالى بِأنْ لا يَقْطَعَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأمْرٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى رِعايَةِ فَرْطِ التَّوَكُّلِ ومَقاماتُ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ وكُلُّها عالِيَةٌ، وقِيلَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ما قالَ قَبْلَ البَعْثَةِ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ذَلِكَ بَعْدَها، وقِيلَ لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ بِصَدَدِ أمْرٍ دِينِيٍّ فَناسَبَهُ الجَزْمُ، ومُوسى كانَ بِصَدَدِ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَناسَبَهُ عَدَمُ الجَزْمِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ ونَحا إلَيْهِ قَتادَةُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرادُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: إنِّي... إلَخِ الهِجْرَةَ، وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ الإحْراقِ ظانًّا أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ إذا أُلْقِيَ فِيها، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ الهِدايَةَ إلى الجَنَّةِ، ويَدْفَعُ هَذا القَوْلَ دُعاؤُهُ بِالوالِدِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بَعْضَ الصّالِحِينَ يُعِينُنِي عَلى الدَّعْوَةِ والطّاعَةِ ويُؤْنِسُنِي في الغُرْبَةِ، والتَّقْدِيرُ: ولَدًا مِنَ الصّالِحِينَ وحُذِفَ لِدَلالَةِ الهِبَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّها في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ غالَبُ اسْتِعْمالِها مَعَ العُقَلاءِ في الأوْلادِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ مِن غَيْرِ الغالِبِ، أوِ المُرادُ فِيهِ هِبَةُ نُبُوَّتِهِ لا هِبَةَ ذاتِهِ وهو شَيْءٌ آخَرُ، ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ ما بُشِّرَ بِهِ عَيْنُ ما اسْتَوْهَبَهُ، مَعَ أنَّ مِثْلَهُ إنَّما يُقالُ عُرْفًا في حَقِّ الأوْلادِ، ولَقَدْ جَمَعَ بِهَذا القَوْلِ بِشاراتِ أنَّهُ ذَكَرٌ؛ لِاخْتِصاصِ الغُلامِ بِهِ، وأنَّهُ يَبْلُغُ، أوْ أنَّ البُلُوغَ بِالسَّنِّ المَعْرُوفِ فَإنَّهُ لازِمٌ لِوَصْفِهِ بِالحَلِيمِ؛ لِأنَّهُ لازِمٌ لِذَلِكَ السَّنِّ بِحَسَبِ العادَةِ، إذْ قَلَّما يُوجَدُ في الصِّبْيانِ سِعَةُ صَدْرٍ وحُسْنُ صَبْرٍ، وذَلِكَ إغْضاءٌ في كُلِّ أمْرٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ تَعالى (غُلامٍ) فَإنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ بِما بَعْدَ البُلُوغِ وإنْ كانَ ورَدَ عامًّا وعَلَيْهِ العُرْفُ كَما ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا وأيُّ حِلْمٍ مِثْلُ حِلْمِهِ، عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ وهو مُراهِقٌ الذَّبْحَ فَقالَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَما ظَنُّكَ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وقِيلَ ما نَعَتَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بِالحِلْمِ - لِعِزِّهِ وجُودِهِ - غَيْرَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحالُهُما المَذْكُورَةُ فِيما بَعْدُ تَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِما.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences