Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:9–15
39:9Page 459
أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩
Is one who is devoutly obedient during periods of the night, prostrating and standing [in prayer], fearing the Hereafter and hoping for the mercy of his Lord, [like one who does not]? Say, "Are those who know equal to those who do not know?" Only they will remember [who are] people of understanding.
﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ إلَخْ، مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ في قَوْلٍ، (وأمْ) إمّا مُتَّصِلَةٌ قَدْ حُذِفَ مُعادِلُها ثِقَةً بِدِلالَةِ مَساقِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهْدِيدِ وتَهَكُّمًا بِهِ: أأنْتَ أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمْ مَن هو قائِمٌ بِمَواجِبِ الطّاعاتِ ودائِمٌ عَلى وظائِفِ العِباداتِ في ساعاتِ اللَّيْلِ الَّتِي فِيها العِبادَةُ أقْرَبُ إلى القَبُولِ
صفحة 246
وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ حالَتَيِ السَّرّاءِ، والضَّرّاءِ، لا عِنْدَ مِساسِ الضُّرِّ فَقَطْ، كَدَأْبِكَ حالَ كَوْنِهِ ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ وإلى كَوْنِ المَحْذُوفِ المُعادِلَ الأوَّلَ ذَهَبَ الأخْفَشُ ووافَقَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ولا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ المَعْنى لَكِنْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، ونَصْبُ ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ عَلى الحالِيَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أيْ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَحْمُودَيْنِ وصاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ﴿قانِتٌ﴾ .
وجُوِّزَ كَوْنُ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿يَحْذَرُ﴾ الآتِي قُدِّمَ عَلَيْهِ، ولا داعِيَ لِذَلِكَ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ”ساجِدٌ وقائِمٌ“ بِرَفْعِ كُلٍّ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ نَعْتًا لِقانِتٍ، ولَيْسَ بِذاكَ، والواوُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، وتُرِكَ العَطْفُ عَلى ﴿قانِتٌ﴾ قِيلَ: لِأنَّ القُنُوتَ مُطْلَقُ العِبادَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُغايِرًا لِلسُّجُودِ، والقِيامِ، فَلَمْ يُعْطَفا عَلَيْهِ بِخِلافِ السُّجُودِ والقِيامِ فَإنَّهُما وصْفانِ مُتَغايِرانِ، فَلِذا عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وتَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلُ في مَعْنى العِبادَةِ، وذَهَبَ المُعْظَمُ إلى أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ القِيامِ لِحَدِيثِ: «”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ“،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ حالٌ أُخْرى عَلى التَّداخُلِ أوِ التَّرادُفِ، أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَحْذَرُ الآخِرَةَ أيْ عَذابَ الآخِرَةِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَيَنْجُو بِذَلِكَ مِمّا يَحْذَرُهُ، ويَفُوزُ بِما يَرْجُوهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الرّاجِي، لا أنَّهُ يَحْذَرُ ضُرَّ الدُّنْيا، ويَرْجُو خَيْرَها فَقَطْ، وإمّا مُنْقَطِعَةٌ، وما فِيها مِنَ الإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّبْكِيتِ بِتَكْلِيفِ الجَوابِ المُلْجِئِ إلى الِاعْتِرافِ بِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أمَّنْ هو قانِتٌ إلَخْ، وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَغَيْرِهِ: مِثْلُكَ أيُّها الكافِرُ. وقالَ النَّحّاسُ: بِمَعْنى بَلْ، ومَن بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ إلَخْ، أفْضَلُ مِمّا قَبْلَهُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلَ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ: مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، لِدِلالَةِ مُقابِلِهِ، أعْنِي ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ عَلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدَّرَ: أفْضَلُ مِنكَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ ”أمَن“ بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وضَعَّفَها الأخْفَشُ، وأبُو حاتِمٍ، ولا التِفاتَ إلى ذَلِكَ، وخُرِّجَتْ عَلى إدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ عَلى مَن، والمُقابِلُ مَحْذُوفٌ، أيِ الَّذِي هو قانِتٌ إلَخْ، خَيْرٌ أمْ أنْتَ أيُّها الكافِرُ، ومِثْلُهُ في حَذْفِ المُعادَلَةِ قَوْلُهُ:
دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
فَإنَّهُ أرادَ أمْ غَيٌّ؟ وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ خِطابًا لَهُ، وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وهو كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُ أيْضًا بَيانًا لِلْحَقِّ، وتَصْرِيحًا بِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى شَرَفِ العِلْمِ والعَمَلِ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى عِلْمِهِمْ، ويَقْنُتُونَ اللَّيْلَ سُجَّدًا ورُكَّعًا يَحْذَرُونَ الآخِرَةَ ويَرْجُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ، ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى جَهْلِهِمْ، وضَلالِهِمْ كَدَأْبِكَ أيُّها الكافِرُ الجاعِلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كَوْنَ الأوَّلِينَ في أعْلى مَعارِجِ الخَيْرِ، وكَوْنَ الآخِرِينَ في أقْصى مَدارِجِ الشَّرِّ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِن مُنْصِفٍ ومُكابِرٍ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا
صفحة 247
أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ العامِلُونَ مِن عُلَماءِ الدِّيانَةِ، وصَرَّحَ بِإرادَةِ ذَلِكَ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى تَقْدِيرَيِ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ، وأنَّ الكَلامَ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ المُساواةِ بَيْنَ القانِتِ وغَيْرِهِ المُضَمَّنَةِ مِن حَرْفَيِ الِاسْتِفْهامِ أعْنِي الهَمْزَةَ، وأمْ عَلى الِاتِّصالِ، أوْ مِنَ التَّشْبِيهِ عَلى الِانْقِطاعِ، وعَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ أيْضًا قالَ: وإنَّما عُدِلَ إلى هَذِهِ العِبارَةِ دِلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى العِلْمِ وأنَّ العِلْمَ الَّذِي لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العَمَلُ لَيْسَ بِعِلْمٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ جُعِلَ مِن بابِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ المَذْكُورِ، أوِ اسْتِئْنافُ سُؤالٍ تَبْكِيتِيٍّ تَوْضِيحًا لِلْأوَّلِ مِن حَيْثُ التَّصْرِيحُ، ومِن حَيْثُ إنَّهم وُصِفُوا بِوَصْفٍ آخَرَ يَقْتَضِي اتِّصافَهم بِتِلْكَ الأوْصافِ، ومُبايَنَتَهم لِطَبَقَةِ مَن لا يَتَّصِفُ. وهَذا أبْلَغُ وأظْهَرُ لَفْظًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ وارِدًا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَيَكُونَ مُقَرِّرًا لِنَفْيِ المُساواةِ لا تَصْرِيحًا بِمُقْتَضى الأوَّلِ، أيْ كَما لا اسْتِواءَ بَيْنَ العالِمِ وغَيْرِهِ عِنْدَكم مِن غَيْرِ رِيبَةٍ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ لَكُمُ ارْتِيابٌ في نَفْيِ المُساواةِ بَيْنَ القانِتِ المَذْكُورِ وغَيْرِهِ، وكَوْنُهُ لِلتَّصْرِيحِ بِنَفْيِ المُساواةِ، وحَمْلُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ عَلى العامِلِينَ مِن عُلَماءِ الدِّيانَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتارَ غَيْرُهُ لِتَكْثِيرِ الفائِدَةِ، وأمّا مَنِ ارْتابَ في ذَلِكَ الواضِحِ فَلا يَبْعُدُ مِنهُ الِارْتِيابُ في هَذا الواضِحِ أيْضًا بِجَوابِهِ أنَّ الِاسْتِنْكافَ عَنِ الجَهْلِ مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ بِخِلافِ الأوَّلِ، ويُشْعِرُ كَلامُ كَثِيرٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ هُوَ﴾ إلَخْ، غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ القَوْلِ والمَعْنى عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ بِتَغْيِيرٍ يَسِيرٍ لا يَخْفى، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَلا: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ عَنْهُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: الِاقْتِصارُ عَلى عَمّارٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ: المُرادُ بِمَن هو قانِتٌ عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ، وفي رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ المُتَّصِفَ بِذَلِكَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ نُزُولُها فِيمَن عَلِمْتَ، وفِيها دِلالَةٌ عَلى فَضْلِ الخَوْفِ والرَّجاءِ.
وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى رَجُلٍ، وهو في المَوْتِ، فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قالَ: أرْجُو وأخافُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يَجْتَمِعانِ في قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ إلّا أعْطاهُ الَّذِي يَرْجُو، وآمَنَهُ الَّذِي يَخافُ».
وفِيها رَدٌّ عَلى مَن ذَمَّ العِبادَةَ خَوْفًا مِنَ النّارِ، ورَجاءَ الجَنَّةِ، وهو الإمامُ الرّازِيُّ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ، نَعَمِ العِبادَةُ لِذَلِكَ لَيْسَ إلّا مَذْمُومَةً، بَلْ قالَ بَعْضُهم بِكُفْرِ مَن قالَ: لَوْلا الجَنَّةُ والنّارُ ما عَبَدْتُ اللَّهَ تَعالى، عَلى مَعْنى نَفْيِ الِاسْتِحْقاقِ الذّاتِيِّ، وفِيها دِلالَةٌ أيْضًا عَلى فَضْلِ صَلاةِ اللَّيْلِ وأنَّها أفْضَلُ مِن صَلاةِ النَّهارِ، ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ إلَخْ، عَلى فَضْلِ العِلْمِ، ورِفْعَةِ قَدْرِهِ، وكَوْنِ الجَهْلِ بِالعَكْسِ. واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى أنَّ الجاهِلَ لا يُكافِئُ العالِمَةَ، كَما أنَّهُ لا يُكافِئُ بِنْتَ العالِمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ غَيْرُ داخِلٍ عِنْدَ الكافَّةِ في الكَلامِ المَأْمُورِ، وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بَعْدَ الأمْرِ بِما تَضَمَّنَ القَوارِعَ الزّاجِرَةَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي لِبَيانِ عَدَمِ تَأْثِيرِها في قُلُوبِ الكَفَرَةِ لِاخْتِلالِ عُقُولِهِمْ كَما في قَوْلِهِ:
عُوجُوا فَحَيُّوا لِنُعْمى دِمْنَةَ الدّارِ ∗∗∗ ماذا تُحَيُّونَ مِن نُؤْيٍ وأحْجارِ
وهُوَ أيْضًا كالتَّوْطِئَةِ لِأفْرادِ المُؤْمِنِينَ بَعْدُ بِالخِطابِ، والإعْراضِ عَنْ غَيْرِهِمْ، أيْ إنَّما يَتَّعِظُ بِهَذِهِ البَياناتِ الواضِحَةِ أصْحابُ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الخَلَلِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَبِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ. وقُرِئَ (يَذَّكَّرُ) بِالإدْغامِ.
39:10Page 459
قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠
Say,1 "O My servants who have believed, fear your Lord. For those who do good in this world is good, and the earth of Allāh is spacious. Indeed, the patient will be given their reward without account [i.e., limit]."
صفحة 248
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ، ويَحْمِلَهم عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ إثْرَ تَخْصِيصِ التَّذَكُّرِ بِأُولِي الألْبابِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم هُمْ، أيْ: قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لَهم بِإضافَتِهِمْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ومَزِيدُ اعْتِناءٍ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، فَإنَّ نَقْلَ عَيْنِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أدْخَلُ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إلى آخِرِهِ، تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأحْسَنُوا، واسْمُ الإشارَةِ لِلْإحْضارِ، وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿حَسَنَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ لِلْمُحْسِنِينَ في الدُّنْيا حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ أيُّ حَسَنَةٍ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ إزاحَةً لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِنَ التَّعَلُّلِ في التَّفْرِيطِ بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ في الوَطَنِ مِن رِعايَةِ الأوامِرِ والنَّواهِي، عَلى ما هي عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مِن تَتِمَّةِ الِاعْتِراضِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّقُوا رَبَّكم فَإنَّ لِلْمُحْسِنِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا الجَنَّةَ في الأُخْرى ولا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ في الإحْسانِ، بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ في الأوْطانِ، فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ، وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَلْيَتَحَوَّلُوا، إنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا عَنْها، ولْيُهاجِرُوا إلى رَبِّهِمْ لِنَيْلِ الرِّضْوانِ، فَإنَّ لَهم في جَنْبِ ذَلِكَ ما يَتَقاصَرُ عَنْهُ الجَنَّةُ، ويُسْتَلَذُّ لَهُ كُلُّ مِحْنَةٍ، وكَأنَّهُ لَمّا أزاحَ سُبْحانَهُ عِلَّتَهم بِأنَّ في أرْضِ اللَّهِ تَعالى سَعَةً وقَعَ في خَلَدِهِمْ: هَلْ نَكُونُ نَحْنُ، ومَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الإحْسانِ في بَلْدَتِهِ فارِغَ البالِ، رافِعَ الحالِ سَواءٌ بِسَواءٍ؟ فَأجِيبُوا إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الهِجْرَةِ، ومُفارَقَةِ المَحابِّ، والِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، وأصْلُهُ: إنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم بِغَيْرِ حِسابٍ عَلى الخِطابِ، وعُدِلَ عَنْهُ إلى المُنَزَّلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُقْتَضِيَ لِذَلِكَ صَبْرُهُمْ، فَيُفِيدُ أنَّكم تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم بِصَبْرِكُمْ، كَما وُفِّيَ أجْرُ مَن قَبْلَكم بِصَبْرِهِمْ، وهو مَحْمُولٌ عَلى العُمُومِ، شامِلٌ لِلصَّبْرِ عَلى كُلِّ بَلاءٍ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالصَّبْرِ عَلى المُهاجَرَةِ لَكِنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ في الآيَةِ لِذَلِكَ، ولِيَشْمَلَ الصّابِرِينَ عَلى ألَمِ المُهاجَرَةِ شُمُولًا أوَّلِيًّا، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الأجْرِ، أيْ إنَّما يُوَفَّوْنَ أجْرَهم كائِنًا بِغَيْرِ حِسابٍ، وذَلِكَ بِأنْ يُغْرَفَ لَهم غَرْفًا، ويُصَبَّ عَلَيْهِمْ صَبًّا، وأمّا مِنَ الصّابِرِينَ أيْ إنَّما يُوَفَّوْنَ ذَلِكَ كائِنِينَ بِغَيْرِ حِسابٍ عَلَيْهِ، والمُرادُ عَلى الوَجْهَيْنِ المُبالَغَةُ في الكَثْرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا يَهْتَدِي إلَيْهِ حِسابُ الحُسّابُ، ولا يُعْرَفُ، وجُوِّزَ جَعْلُ الحالِ مِنَ الصّابِرِينَ عَلى مَن لا يُحاسَبُونَ أصْلًا، والمُتَبادِرُ ما يُفِيدُ المُبالَغَةَ في كَثْرَةِ الأجْرِ، ومَعْنى القَصْرِ: ما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم إلّا بِغَيْرِ حِسابٍ، جَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ حالًا مِنَ المَنصُوبِ، أوِ المَرْفُوعِ، لِأنَّ القَصْرَ في الجُزْءِ الأخِيرِ، وفِيهِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الأجْرِ ما فِيهِ، وأمّا اخْتِصاصُهُ بِالصّابِرِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَمِن تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى المُشْتَقِّ، هَذا ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِحَسَنَةٌ)، مِن حَيْثُ المَعْنى، فَقِيلَ: هو حِينَئِذٍ حالٌ مِن ﴿حَسَنَةٌ﴾ ورُدَّ بِأنَّها مُبْتَدَأٌ، ولا يَجُوزُ الحالُ مِنهُ عَلى الصَّحِيحِ، فَإنْ قِيلَ: يُلْتَزَمُ جَعْلُها فاعِلَ الظَّرْفِ قِيلَ: لا يَتَسَنّى إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وهو ضَعِيفٌ.
وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ الرّاجِعِ إلى ﴿حَسَنَةٌ﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو بَيانٌ (لِحَسَنَةٌ)، والتَّقْدِيرُ هي في الدُّنْيا، والمُرادُ بِها الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، أيْ لِلْمُحْسِنِينَ صِحَّةٌ وعافِيَةٌ في الدُّنْيا، قالَ في الكَشْفِ: وإنَّما آثَرَ كَوْنَهُ بَيانًا مَعَ جَوازِ كَوْنِهِ حالًا عَنِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ﴿حَسَنَةٌ﴾ في الخَبَرِ لِأنَّ المَعْنى عَلى البَيانِ لا عَلى التَّقْيِيدِ بِالحالِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ لِلْمُحْسِنِينَ جَزاءً يَسِيرًا في الدُّنْيا هو الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وإنَّما تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ
صفحة 249
فِي الآخِرَةِ، ولَوْ قُيِّدَ بِالحالِ لَمْ يُلائِمْ عَلى ما لا يَخْفى، وحَقُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا إزاحَةً لِما قَدْ يَخْتَلِجُ في بَعْضِ النُّفُوسِ مِن خِلافِ ذَلِكَ الجَزاءِ بِواسِطَةِ اخْتِلافِ الهَواءِ والتُّرْبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى آفاتٍ في البَدَنِ، فَقِيلَ: وأرْضُ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ فَلا يَعْدَمُ أحَدٌ مَحَلًّا يُناسِبُ حالَهُ، فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْهُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُلائِمْهُ، ثُمَّ يَكُونُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن جَعَلَ الأرْضَ ذاتَ الطُّولِ والعَرْضِ قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ تَكْمِيلًا لِانْتِعاشِهِمْ، وارْتِياشِهِمْ يَجِبُ أنْ تُقابَلَ نِعَمُهُ بِالشُّكْرِ لِيُعَدُّوا مِنَ المُحْسِنِينَ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾ أيْ تَوْفِيَةَ الأجْرِ لِهَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ، إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، والَّذِي نالُوهُ في الدُّنْيا عاجِلُ حَظِّهِمْ، وأمّا الأجْرُ المُوَفّى بِغَيْرِ حِسابٍ، فَذَلِكَ لِلصّابِرِينَ، ومَن سَلَبْناهُ تِلْكَ العاجِلَةَ تَمْحِيصًا لَهُ وتَقْرِيبًا، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِأهْلِ البَلاءِ وتَنْشِيطٌ لِلْعِبادِ عَلى مُكابَدَةِ العِباداتِ وتَحْرِيضٌ عَلى مُلازَمَةِ الطّاعاتِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا أيْضًا وجْهٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ والرُّجْحانُ لِلْأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها أنَّ الِاعْتِراضَ لِإزاحَةِ العِلَّةِ في التَّفْرِيطِ أظْهَرُ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ عَلى ما يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ . الثّانِي أنَّهُ المُطابِقُ لِما ورَدَ في التَّنْزِيلِ مِن نَحْوِ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ . الثّالِثُ أنَّ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِالمَذْكُورِ المُتَقَدِّمِ هو الوَجْهُ ما لَمْ يَصْرِفْ صارِفٌ.
الرّابِعُ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، ولا أكْثَرِيٍّ، فَإنَّ الحَسَنَةَ بِذَلِكَ المَعْنى في شَأْنِ المُخالِفِينَ أتَمُّ، والقَوْلُ بِأنَّها اسْتِدْراجٌ في شَأْنِهِمْ لا حَسَنَةٌ لَيْسَ بِالظّاهِرِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ انْتَهى، ولَعَمْرِي، إنَّ ما رَجَّحَهُ بِالتَّرْجِيحِ حَقِيقٌ، وما اسْتَحْسَنَهُ واسْتَدَقَّهُ لَيْسَ بِالحَسَنِ ولا الدَّقِيقِ، والَّذِي نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ تَفْسِيرُ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا بِالثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ والصِّحَّةِ والسَّلامَةِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِوَلايَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُخالِفِينَ مِنها نَصِيبٌ، وفي الآيَةِ أقْوالٌ أُخَرُ، فَعَنْ عَطاءٍ: أرْضُ اللَّهِ تَعالى المَدِينَةُ، قالَ أبُو حَيّانَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿أحْسَنُوا﴾ هاجَرُوا، و﴿حَسَنَةٌ﴾ راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ، وقالَ قَوْمٌ: أرْضُ اللَّهِ تَعالى الجَنَّةُ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، والرُّجْحانُ لِما سَمِعْتَ أوَّلًا، واخْتِيرَ فِيهِ شُمُولُ الحَسَنَةِ لِحَسَناتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُرادُ بِالإحْسانِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِهِ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ، فَإنَّهُ يَراكَ“».
والآيَةُ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وفِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى فَضْلِ الصّابِرِينَ ما فِيها،
39:11Page 460
قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ مِن كُلِّ ما يُخِلُّ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، أُمِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِبَيانِ ما أُمِرَ بِهِ نَفْسِهِ مِنَ الإخْلاصِ في عِبادَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُمِرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ التَّقْوى مُبالَغَةً في حَثِّهِمْ عَلى الإتْيانِ بِما كُلِّفُوهُ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المُشْرِكُونَ.
وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالآمِرِ لِتَعَيُّنِ أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الأمْرَ مِمّا يَنْبَغِي امْتِثالُهُ سَواءٌ صَدَرَ مِنهُ تَعالى، أمْ صَدَرَ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ.
39:12Page 460
وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢
And I have been commanded to be the first [among you] of the Muslims."
﴿وأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ وأُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ أكُونَ
صفحة 250
مُقَدَّمَ المُسْلِمِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِأنَّ إحْرازَ قَصَبِ السَّبْقِ في الدِّينِ بِالإخْلاصِ فِيهِ، وإخْلاصُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أتَمُّ مِن إخْلاصِ كُلِّ مُخْلِصٍ، فالمُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ الأوَّلِيَّةُ في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ، والعَطْفُ لِمُغايَرَةِ الثّانِي الأوَّلَ بِتَقْيِيدِهِ بِالعِلَّةِ، والإشْعارُ بِأنَّ العِبادَةَ المَذْكُورَةَ كَما تَقْتَضِي الأمْرَ بِها لِذاتِها تَقْتَضِيهِ لِما يَلْزَمُها مِنَ السَّبْقِ في الدِّينِ، وإلى حَذْفِ مُتَعَلِّقِ الأمْرِ، وكَوْنِ اللّامِ تَعْلِيلِيَّةً ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، وذَهَبَ غَيْرُهم إلى أنَّها زائِدَةٌ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِتَرْكِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، و﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، و﴿أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِتَقْدِيرِ اللّامِ، فَلا تَغْفُلْ، ولا تُزادُ إلّا مَعَ إنَّ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ في المَفْعُولِ بِهِ أنْ يَكُونَ اسْمًا صَرِيحًا، فَكَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ كَما يُعَوِّضُ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعَ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ وإنْ كانَتْ شاذَّةً قِياسًا إلّا أنَّها لَمّا كَثُرَتِ اسْتِعْمالًا جازَ اسْتِعْمالُها في القُرْآنِ، والكَلامِ الفَصِيحِ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في زِيادَتِها مَعَ فِعْلِ الإرادَةِ نَحْوَ: أرَدْتُ لِأنْ أفْعَلَ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهَ زِيادَتِها مَعَهُ أنَّها لَمّا كانَ فِيها مَعْنى الإرادَةِ زِيدَتْ تَأْكِيدًا لَها، وجَعَلَ وجْهًا في زِيادَتِها مَعَ فِعْلِ الأمْرِ أيْضًا لا سِيَّما والطَّلَبُ والإرادَةُ عِنْدَهم مِن بابٍ واحِدَةٍ، وفي المَعْنى أوْجُهٌ: أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ في زَمانِي، ومِن قَوْمِي، أيْ إسْلامًا عَلى وفْقِ الأمْرِ، وأنْ أكُونَ أوَّلَ الَّذِينَ دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، وأنْ أكُونَ أوَّلَ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلِي وفِعْلِي جَمِيعًا ولا تَكُونُ صِفَتِي صِفَةَ المُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، وأنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ والشَّرَفَ مِن أعْمالِ السّابِقِينَ دِلالَةً عَلى السَّبَبِ، وهي الأعْمالُ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بِها الشَّرَفُ بِالمُسَبَّبِ، وهو الأوَّلِيَّةُ، والشَّرَفُ المَذْكُورُ في النَّظْمِ الجَلِيلِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي الكَشْفِ: المُخْتارُ مِنَ الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ الوَجْهُ الثّانِي، فَإنَّهُ المُكَرَّرُ الشّائِعُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وفِيهِ سائِرُ المَعانِي الأُخَرُ مِن مُوافَقَةِ القَوْلِ الفِعْلَ، ولُزُومِ أوَّلِيَّةِ الشَّرَفِ مِن أوَّلِيَّةِ التَّأْسِيسِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ أمْرٌ بِأنْ يَكُونَ أشْرَفَ وأسْبَقَ فافْهَمْ،
39:13Page 460
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِتَرْكِ الإخْلاصِ، والمَيْلِ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، وجُوِّزَ العُمُومُ أيْ أخافُ إنْ عَصَيْتُهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَعاصِي، ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، ووَصْفُهُ بِالعَظَمَةِ لِعَظَمَةِ ما فِيهِ مِنَ الدَّواهِي والأهْوالِ، وهو مَجازٌ في الظَّرْفِ، أوِ الإسْنادِ، وهو أبْلَغُ، ولِذا عُدِلَ عَنْ تَوْصِيفِ العَذابِ بِذاكَ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِ ذَلِكَ لَهم تَهْدِيدُهُمْ، والتَّعْرِيضُ لَهم بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ عَظَمَتِهِ لَوْ عَصى اللَّهَ تَعالى ما أمِنَ مِنَ العَذابِ، فَكَيْفَ بِهِمْ
39:14Page 460
قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤
Say, "Allāh [alone] do I worship, sincere to Him in my religion,
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ لا غَيْرَهُ سُبْحانَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾، حالٌ مِن فاعِلِ ﴿أعْبُدُ﴾، فَقِيلَ: مُؤَكِّدَةٌ لِما أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ قَدْ أفادَ الحَصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى إخْلاصِهِ عَنِ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ، وقِيلَ: مُؤَسِّسَةٌ، وفُسِّرَ إخْلاصُ الدِّينِ لَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ لِذاتِهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ رابِعَةَ: سُبْحانَكَ ما عَبَدْتُكَ خَوْفًا مِن عِقابِكَ ولا رَجاءَ ثَوابِكَ، أوْ يُفَسَّرُ بِتَجْرِيدِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِقِسْمَيْهِ، وأنْ يَكُونَ مَعَهُ ما يَشِينُهُ مِن غَيْرِ ذَلِكَ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ إلَخْ، أنَّ ذاكَ أمْرٌ بِبَيانِ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَأْمُورًا بِعِبادَتِهِ تَعالى مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وهَذا أمْرٌ بِالإخْبارِ بِامْتِثالِهِ بِالأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكَدِهِ إظْهارًا لِتَصَلُّبِهِ ﷺ في الدِّينِ، وحَسْمًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، حَيْثُ إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ دَعَوْهُ ﷺ إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ، وتَمْهِيدًا لِتَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:
39:15Page 460
فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥
So worship what you will besides Him." Say, "Indeed, the losers are the ones who will lose themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, that is the manifest loss."
صفحة 251
﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ ﴿مِن دُونِهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ ما لا يَخْفى كَأنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ أُمِرُوا بِهِ كَيْ يَحِلَّ بِهِمُ العِقابُ، ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ وهو إضاعَةُ ما بِهِمْ، وإتْلافُ ما لا بُدَّ مِنهُ لِجَمْعِهِمْ أعاظِمَ أنْواعِ الخُسْرانِ، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ لَهُما، فالمُرادُ بِالأهْلِ أتْباعُهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم أيْ أضاعُوا أنْفُسَهُمْ، وأضاعُوا أهْلِيهِمْ، وأتْلَفُوهُما ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ حِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ حَيْثُ عَرَّضُوهُما لِلْعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وأوْقَعُوهُما في هَلَكَةٍ ما وراءَها هَلَكَةٌ، ولَوْ أُبْقِيَ يَوْمُ القِيامَةِ عَلى ظاهِرِهِ لِأنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ أمْرُهُمْ، ويَتَحَقَّقَ مَبْدَأُ خُسْرانِهِمْ صَحَّ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأهْلِ الأتْباعُ مُطْلَقًا، وخُسْرانُهم إيّاهم لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوا هم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا إيابَ بَعْدَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَحْذُورَ ذَهابُ مَن لَوْ آبَ لانْتَفَعَ بِهِ الخاسِرُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في الشِّقِّ الأخِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأهْلِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ الخاصَّةِ، أيْ: وخَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَكُونُونَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ آمَنُوا، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا قَدْ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ أهْلًا في الجَنَّةِ، إنْ أطاعَهُ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، وكُلُّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ في الآيَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ فِيها أيْضًا: خَسِرُوا أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَغَبَنُوهُمْ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ الأهْلَ بِالحُورِ العِينِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
وأيًّا ما كانَ، فَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ تَعْرِيفِ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ بِما ذُكِرَ، بَلْ بَيانُ أنَّهُمُ المُخاطَبُونَ بِما تَقَدَّمَ، إمّا بِجَعْلِ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْهُمْ، أوْ بِجَعْلِهِ عِبارَةً عَمّا هم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مِنَ اسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ، وتَصْدِيرِها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، والإشارَةِ بِذَلِكَ إلى بُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الشَّرِّ وأنَّهُ لِعِظَمِهِ بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ، وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وتَعْرِيفُ الخُسْرانِ، والإتْيانُ بِهِ عَلى فُعْلانٍ الأبْلَغِ مِن فُعْلٍ، ووَصْفُهُ بِالمُبِينِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالٍ هو لَهُ، وفَظاعَتِهِ، وأنَّهُ لا نَوْعَ مِنَ الخُسْرِ وراءَهُ ما لا يَخْفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences