Al-AlusiAn‑Nisa · 4:11

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:11

4:11Page 78

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١

Allāh instructs you concerning your children [i.e., their portions of inheritance]: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate.1 And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [and/or sisters], for his mother is a sixth,2 after any bequest he [may have] made or debt.3 Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allāh. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ، «والوَصِيَّةُ كَما قالَ الرّاغِبُ: أنْ يُقَدَّمَ إلى الغَيْرِ ما يَعْمَلُ فِيهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ مِن قَوْلِهِمْ: «أرْضٌ واصِيَةٌ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ» وهي في الحَقِيقَةِ أمْرٌ لَهُ بِعَمَلِ ما عُهِدَ إلَيْهِ، فالمُرادُ يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ ويَفْرِضُ عَلَيْكم، وبِالثّانِي: فَسَّرَهُ في «القامُوسِ» وعَدَلَ عَنِ الأمْرِ إلى الإيصاءِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى الِاهْتِمامِ وطَلَبِ الحُصُولِ بِسُرْعَةٍ.

﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾ أيْ في تَوْرِيثِ أوْلادِكم، أوْ في شَأْنِهِمْ وقَدَّرَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ، وقِيلَ: في بِمَعْنى اللّامِ كَما في خَبَرِ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» أيْ لَها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ يُوصِيكم في أوْلادِ مَوْتاكم لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ الحَيُّ بِقِسْمَةِ المِيراثِ في أوْلادِهِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِذَوِي الأوْلادِ عَلى مَعْنى يُوصِيكم في تَوْرِيثِهِمْ إذا مُتُّمْ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ كَما لَوْ فُسِّرَ يُوصِيكم بِيُبَيِّنُ لَكم، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالأوْلادِ لِأنَّهم أقْرَبُ الوَرَثَةِ إلى المَيِّتِ وأكْثَرُهم بَقاءً بَعْدَ المُوَرِّثِ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعُودُنِي وأنا مَرِيضٌ فَقُلْتُ كَيْفَ أُقَسِّمُ مالِي بَيْنَ ولَدِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا فَنَزَلَتْ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾» في مَوْضِعِ التَّفْصِيلِ والبَيانِ لِلْوَصِيَّةِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ؛ وجَعَلَها أبُو البَقاءِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِيُوصِي بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ في مَعْنى القَوْلِ أوِ الفَرْضِ أوِ الشَّرْعِ وفِيهِ تَكَلُّفٌ، والمُرادُ أنَّهُ يُعِدُّ كُلَّ ذَكَرٍ بِأُنْثَيَيْنِ حَيْثُ اجْتَمَعَ الصِّنْفانِ مِنَ الذُّكُورِ

صفحة 217

والإناثِ واتَّحَدَتْ جِهَةُ إرْثِهِما فَيُضَعِّفُ لِلذَّكَرِ نَصِيبَهُ كَذا قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بَيانُ حُكْمِ اجْتِماعِ الِابْنِ والبِنْتِ عَلى الإطْلاقِ. ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الأوْلادِ مَحْذُوفٍ ثِقَةً بِظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، والتَّقْدِيرُ هُنا لِلذَّكَرِ مِنهم فَتَدَبَّرْ، وتَخْصِيصُ الذَّكَرِ بِالتَّنْصِيصِ عَلى حَظِّهِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى كَوْنِ الآيَةِ نَزَلَتْ في المَشْهُورِ لِبَيانِ المَوارِيثِ رَدًّا لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَوْرِيثِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ الِاهْتِمامُ بِالإناثِ، وأنْ يُقالَ: لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ لِأنَّ الذَّكَرَ أفْضَلُ، ولِأنَّ ذِكْرَ المَحاسِنِ ألْيَقُ بِالحَكِيمِ مِن غَيْرِهِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الإحْسانِ وكَرَّرَهُ دُونَ الإساءَةِ، ولِأنَّ في ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّضْعِيفَ كافٍ في التَّفْضِيلِ فَكَأنَّهُ حَيْثُ كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ قِيلَ لَهم: كَفى الذُّكُورَ أنْ ضُوعِفَ لَهم نَصِيبُ الإناثِ فَلا يُحْرَمْنَ عَنِ المِيراثِ بِالكُلِّيَّةِ مَعَ تَساوِيهِما في جِهَةِ الإرْثِ. وإيثارُ اسْمَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبْرِ في ذَلِكَ أصْلًا كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ كالنِّساءِ، والحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى جَعَلَ نَصِيبَ الإناثِ مِنَ المالِ أقَلَّ مِن نَصِيبِ الذُّكُورِ نُقْصانُ عَقْلِهِنَّ ودِينِهِنَّ كَما جاءَ في الخَبَرِ مَعَ أنَّ احْتِياجَهُنَّ إلى المالِ أقَلُّ لِأنَّ أزْواجَهُنَّ يُنْفِقُونَ عَلَيْهِنَّ وشَهْوَتُهُنَّ أكْثَرُ فَقَدْ يَصِيرُ المالُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ فُجُورِهِنَّ، ومِمّا اشْتُهِرَ:

إنَّ الشَّبابَ والفَراغَ والجِدَهْ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ

ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ حَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ أخَذَتْ حَفْنَةً مِنَ الحِنْطَةِ وأكَلَتْ وأخَذَتْ أُخْرى وخَبَأتْها ثُمَّ أُخْرى ودَفَعَتْها إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا جَعَلَتْ نَصِيبَ نَفْسَها ضِعْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ قُلِبَ الأمْرُ عَلَيْها فَجُعِلَ نَصِيبُ المَرْأةِ نِصْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ، ذَكَرَهُ بَعْضُهم ولَمْ أقِفْ عَلى صِحَّتِهِ.

ثُمَّ مَحَلُّ الإرْثِ إنْ لَمْ يَقُمْ مانِعٌ كالرِّقِّ والقَتْلِ واخْتِلافِ الدِّينِ كَما لا يَخْفى، واسْتُثْنِيَ مِنَ العُمُومِ المِيراثُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِناءً عَلى القَوْلِ بِدُخُولِهِ ﷺ في العُمُوماتِ الوارِدَةِ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُتَناوِلَةِ لَهُ لُغَةً، والدَّلِيلُ عَلى الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ ﷺ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ“» وأخَذَ الشِّيعَةُ بِالعُمُومِ وعَدَمِ الِاسْتِثْناءِ وطَعَنُوا بِذَلِكَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يُوَرِّثِ الزَّهْراءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن تَرِكَةِ أبِيها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى قالَتْ لَهُ بِزَعْمِهِمْ: يا ابْنَ أبِي قُحافَةَ أنْتَ تَرِثُ أباكَ وأنا لا أرِثُ أبِي أيُّ إنْصافٍ هَذا؟ وقالُوا: إنَّ الخَبَرَ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ وبِتَسْلِيمِ أنَّهُ رَواهُ غَيْرُهُ أيْضًا فَهو غَيْرُ مُتَواتِرٍ بَلْ آحادٌ، ولا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الكِتابِ بِخَبَرِ الآحادِ بِدَلِيلِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَدَّ خَبَرَ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَها سُكْنى ولا نَفَقَةً لِما كانَ مُخَصَّصًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ فَقالَ: كَيْفَ نَتْرُكُ كِتابَ رَبِّنا وسُنَّةَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِ امْرَأةٍ. فَلَوْ جازَ تَخْصِيصُ الكِتابِ بِخَبَرِ الآحادِ لَخُصِّصَ بِهِ ولَمْ يَرُدَّهُ ولَمْ يَجْعَلْ كَوْنَهُ خَبَرَ امْرَأةٍ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْكِتابِ مانِعًا مِن قَبُولِهِ، وأيْضًا العامُّ وهو الكِتابُ قَطْعِيٌّ، والخاصُّ وهو خَبَرُ الآحادِ ظَنِّيٌّ فَيَلْزَمُ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الخَبَرِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ الأنْبِياءَ يَرِثُونَ ويُورَثُونَ.

والجَوابُ أنَّ هَذا الخَبَرَ قَدْ رَواهُ أيْضًا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ والعَبّاسُ وعَلِيٌّ وعُثْمانُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ

صفحة 218

عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ فِيهِمْ عَلِيٌّ والعَبّاسُ وعُثْمانُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرْضُ أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لا نُورَثُ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ والعَبّاسِ فَقالَ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ تَعالى هَلْ تَعْلَمانِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قالَ ذَلِكَ؟ قالا: اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فالقَوْلُ بِأنَّ الخَبَرَ لَمْ يَرْوِهِ إلّا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وفي كُتُبِ الشِّيعَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، فَقَدْ رَوى الكَلِينِيُّ في «الكافِي» عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ في الكافِي عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «إنَّ العُلَماءَ ورَثَةُ الأنْبِياءِ وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا ولا دِينارًا وإنَّما ورَّثُوا أحادِيثَ فَمَن أخَذَ بِشَيْءٍ مِنها فَقَدْ أخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ» وكَلِمَةُ إنَّما مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ قَطْعًا بِاعْتِرافِ الشِّيعَةِ فَيُعْلَمُ أنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرِّثُونَ غَيْرَ العِلْمِ والأحادِيثِ.

وقَدْ ثَبَتَ أيْضًا بِإجْماعِ أهْلِ السِّيَرِ والتَّوارِيخِ وعُلَماءِ الحَدِيثِ أنَّ جَماعَةً مِنَ المَعْصُومِينَ عِنْدَ الشِّيعَةِ والمَحْفُوظِينَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ عَمِلُوا بِمُوجِبِهِ فَإنَّ تَرَكَةُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما وقَعَتْ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُعْطُوا مِنها العَبّاسَ ولا بَنِيهِ ولا الأزْواجَ المُطَهَّراتِ شَيْئًا ولَوْ كانَ المِيراثُ جارِيًا في تِلْكَ التَّرِكَةِ لَشارَكُوهم فِيها قَطْعًا، فَإذا ثَبَتَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا التَّواتُرَ فَحَبَّذا ذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ جائِزٌ اتِّفاقًا وإنْ لَمْ يَثْبُتْ وبَقِيَ الخَبَرُ مِنَ الآحادِ فَنَقُولُ: إنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الآحادِ جائِزٌ عَلى الصَّحِيحِ وبِجَوازِهِ قالَ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِهِ أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم خُصِّصُوا بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَكانَ إجْماعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ نِكاحُ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها فَخُصَّ بِقَوْلِهِ ﷺ: ««لا تُنْكِحُوا المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها»» والشِّيعَةُ أيْضًا قَدْ خَصَّصُوا عُمُوماتٍ كَثِيرَةً مِنَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الآحادِ فَإنَّهم لا يُوَرِّثُونَ الزَّوْجَةَ مِنَ العَقارِ ويَخُصُّونَ أكْبَرَ أبْناءِ المَيِّتِ مِن تَرِكَتِهِ بِالسَّيْفِ والمُصْحَفِ والخاتَمِ واللِّباسِ بِدُونِ بَدَلٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ، ويَسْتَنِدُونَ في ذَلِكَ إلى آحادٍ تَفَرَّدُوا بِرِوايَتِها مَعَ أنَّ عُمُومَ الآياتِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، والِاحْتِجاجُ عَلى عَدَمِ جَوازِ التَّخْصِيصِ بِخَبَرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ عُمَرَ إنَّما رَدَّ خَبَرَ ابْنَةِ قَيْسٍ لِتَرَدُّدِهِ في صِدْقِها وكَذِبِها، ولِذَلِكَ قالَ بِقَوْلِ امْرَأةٍ لا نَدْرِي أصَدَقَتْ أمْ كَذَبَتْ، فَعَلَّلَ الرَّدَّ بِالتَّرَدُّدِ في صِدْقِها وكَذِبِها لا بِكَوْنِهِ خَبَرَ واحِدٍ، وكَوْنُ التَّخْصِيصِ يَلْزَمُ مِنهُ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ مَرْدُودٌ بِأنَّ التَّخْصِيصَ وقَعَ في الدَّلالَةِ لِأنَّهُ دَفْعٌ لِلدَّلالَةِ في بَعْضِ المَوارِدِ فَلَمْ يَلْزَمْ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ بَلْ هو تَرْكٌ لِلظَّنِّيِّ بِالظَّنِّيِّ وما زَعَمُوهُ مِن دَلالَةِ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرُوهُما عَلى كَذِبِ الخَبَرِ في غايَةِ الوَهْنِ لِأنَّ الوِراثَةَ فِيهِما وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ لا وِراثَةُ العَرُوضِ والأمْوالِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوِراثَةَ في الآيَةِ الأُولى مِنهُما كَذَلِكَ ما رَواهُ الَكْلَيِنِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سَلِيمانَ ورِثَ داوُدَ وأنَّ مُحَمَّدًا ورِثَ سُلَيْمانَ فَإنَّ وِراثَةَ المالِ بَيْنَ نَبِيِّنا ﷺ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ بِوَجْهٍ، وأيْضًا إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ التّارِيخِ كانَ لَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ ابْنًا وكُلُّهم كانُوا ورَثَةً بِالمَعْنى الَّذِي يَزْعُمُهُ الخَصْمُ فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِالذِّكْرِ دُونَ بَعْضٍ في وِراثَةِ المالِ لِاشْتِراكِهِمْ فِيها مِن غَيْرِ خُصُوصِيَّةٍ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها بِخِلافِ وِراثَةِ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ.

وأيْضًا تَوْصِيفُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ الوِراثَةِ مِمّا لا يُوجِبُ كَمالًا ولا يَسْتَدْعِي امْتِيازًا لِأنَّ البَرَّ والفاجِرَ

صفحة 219

يَرِثُ أباهُ فَأيُّ داعٍ لِذِكْرِ هَذِهِ الوِراثَةِ العامَّةِ في بَيانِ فَضائِلِ هَذا النَّبِيِّ ومَناقِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوِراثَةَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ كَذَلِكَ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالوِراثَةِ فِيها وِراثَةَ المالِ كانَ الكَلامُ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالسَّفْسَطَةِ لَأنَّ المُرادَ بِآلِ يَعْقُوبَ حِينَئِذٍ إنْ كانَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ يَلْزَمُ أنَّ مالَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ باقِيًا غَيْرَ مَقْسُومٍ إلى عَهْدِ زَكَرِيّا وبَيْنَهُما نَحْوٌ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ وهو كَما تَرى، وإنْ كانَ المُرادُ جَمِيعَ أوْلادِهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ يَحْيى وارِثًا جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ أحْياءً وأمْواتًا، وهَذا أفْحَشُ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ المُرادُ بَعْضَ الأوْلادِ، أوْ أُرِيدَ مِن يَعْقُوبَ غَيْرُ المُتَبادَرِ وهو ابْنُ إسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ يُقالُ: أيُّ فائِدَةٍ في وصْفِ هَذا الوَلِيِّ عِنْدَ طَلَبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَرِثُ أباهُ ويَرِثُ بَعْضَ ذَوِي قَرابَتِهِ، والِابْنُ وارِثُ الأبِ ومَن يَقْرُبُ مِنهُ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ مَعَ أنَّ هَذِهِ الوِراثَةَ تُفْهَمُ مِن لَفْظِ الوَلِيِّ بِلا تَكَلُّفٍ ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ تَأْكِيدٍ، وأيْضًا لَيْسَ في الأنْظارِ العالِيَةِ وهِمَمِ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ مِن تَعَلُّقاتِ هَذا العالَمِ الفانِي واتَّصَلَتْ بِحَضائِرِ القُدْسِ الحَقّانِيِّ مَيْلٌ لِلْمَتاعِ الدُّنْيَوِيِّ قَدْرَ جَناحِ بَعُوضَةٍ حَتّى يَسْألَ حَضْرَةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ مالُهُ ويَصِلُ إلى يَدِهِ مَتاعُهُ، ويَظْهَرُ لِفَواتِ ذَلِكَ الحُزْنِ والخَوْفِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرِيحًا كَمالَ المَحَبَّةِ وتَعَلُّقَ القَلْبِ بِالدُّنْيا وما فِيها، وذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ ساحَتِهِ العَلِيَّةِ وهِمَّتِهِ القُدْسِيَّةِ، وأيْضًا لا مَعْنى لِخَوْفِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن صَرْفِ بَنِي أعْمامِهِ مالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، أمّا إنْ كانَ الصَّرْفُ في طاعَةٍ فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ في مَعْصِيَةٍ فَلِأنَّ الرَّجُلَ إذا ماتَ وانْتَقَلَ المالُ إلى الوارِثِ وصَرَفَهُ في المَعاصِي لا مُؤاخَذَةَ عَلى المَيِّتِ ولا عِتابَ عَلى أنَّ دَفْعَ هَذا الخَوْفِ كانَ مُتَيِسِّرًا لَهُ بِأنْ يَصْرِفَهُ ويَتَصَدَّقَ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ وفاتِهِ ويَتْرُكُ ورَثَتَهُ عَلى أنْقى مِنَ الرّاحَةِ واحْتِمالِ مَوْتِ الفَجْأةِ.

وعَدَمُ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ لا يَنْتَهِضُ عِنْدَ الشِّيعَةِ لِأنَّ الأنْبِياءَ عِنْدَهم يَعْلَمُونَ وقْتَ مَوْتِهِمْ فَما مُرادُ ذَلِكَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوِراثَةِ إلّا وِراثَةُ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ والعِلْمِ والنُّبُوَّةِ المُرَشَّحَةِ لِمَنصِبِ الحُبُورَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَشِيَ مِن أشْرارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُحَرِّفُوا الأحْكامَ الإلَهِيَّةَ والشَّرائِعَ الرَّبّانِيَّةَ ولا يَحْفَظُوا عِلْمَهُ ولا يَعْمَلُوا بِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفَسادِ العَظِيمِ، فَطَلَبَ الوَلَدَ لِيُجْرِيَ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى بَعْدَهُ ويُرَوِّجَ الشَّرِيعَةَ ويَكُونَ مَحَطَّ رِحالِ النُّبُوَّةِ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِتَضاعِيفِ الأجْرِ واتِّصالِ الثَّوابِ، والرَّغْبَةُ في مِثْلِهِ مِن شَأْنِ ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ والقُلُوبِ الطّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: الوِراثَةُ في وِراثَةِ العِلْمِ مَجازٌ وفي وِراثَةِ المالِ حَقِيقَةً، وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ بِلا ضَرُورَةٍ، فَما الضَّرُورَةُ هُنا؟ أُجِيبُ بِأنَّ الضَّرُورَةَ هُنا حِفْظُ كَلامِ المَعْصُومِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وأيْضًا لا نُسَلِّمُ كَوْنَ الوِراثَةِ حَقِيقَةً في المالِ فَقَطْ بَلْ صارَ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ في العُرْفِ مُخْتَصًّا بِالمالِ، وفي أصْلِ الوَضْعِ إطْلاقُهُ عَلى وِراثَةِ العِلْمِ والمالِ والمَنصِبِ صَحِيحٌ، وهَذا الإطْلاقُ هو حَقِيقَتُهُ اللُّغَوِيَّةُ سَلَّمْنا أنَّهُ مَجازٌ ولَكِنَّ هَذا المَجازَ مُتَعارَفٌ ومَشْهُورٌ بِحَيْثُ يُساوِي الحَقِيقَةَ خُصُوصًا في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ المَجِيدِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ و( أُرِثُوا الكِتابَ ) إلى غَيْرِ ما آيَةٍ.

ومِنَ الشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ هُنا بَحْثًا وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا لَمْ يُورِثُ أحَدًا فَلِمَ أُعْطِيَتْ أزْواجُهُ الطّاهِراتُ حُجُراتِهِنَّ؟ والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ مَغْلَطَةٌ لِأنَّ إفْرازَ الحُجُراتِ لِلْأزْواجِ إنَّما كانَ لِأجْلِ كَوْنِها مَمْلُوكَةً لَهُنَّ لا مِن جِهَةِ المِيراثِ بَلْ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنى كُلَّ حُجْرَةٍ لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ فَصارَتِ الهِبَةُ مَعَ القَبْضِ مُتَحَقِّقَةً وهي مُوجِبَةٌ لِلْمِلْكِ وقَدْ بَنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ لِفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وأُسامَةَ وسَلَّمَهُ إلَيْهِما؛ وكانَ كُلُّ مَن بِيَدِهِ شَيْءٌ مِمّا بَناهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَصَرَّفُ فِيهِ

صفحة 220

تَصَرُّفَ المالِكِ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ ما ثَبَتَ بِإجْماعِ أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ أنَّ الإمامَ الحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ اسْتَأْذَنَ مِن عائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وسَألَها أنْ تُعْطِيَهُ مَوْضِعًا لِلدَّفْنِ جِوارَ جَدِّهِ المُصْطَفى ﷺ فَإنَّهُ إنْ لَمْ تَكُنِ الحُجْرَةُ مِلْكَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِئْذانِ والسُّؤالِ مَعْنًى، وفي القُرْآنِ نَوْعُ إشارَةٍ إلى كَوْنِ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ مالِكاتٍ لِتِلْكَ الحُجَرِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ فَأضافَ البُيُوتَ إلَيْهِنَّ ولَمْ يَقُلْ في بُيُوتِ الرَّسُولِ.

ومِن أهْلِ السُّنَّةِ مَن أجابَ عَنْ أصْلِ البَحْثِ بِأنَّ المالَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ صارَ في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ لِخَلِيفَةِ الوَقْتِ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ كَما خَصَّ الصِّدِّيقُ جَنابَ الأمِيرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِسَيْفٍ ودِرْعٍ وبَغْلَةٍ شَهْباءَ تُسَمّى الدُّلْدُلَ أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ يَرِثِ النَّبِيَّ ﷺ بِوَجْهٍ، وقَدْ صَحَّ أيْضًا أنَّ الصِّدِّيقَ أعْطى الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ ومُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ بَعْضًا مِن مَتْرُوكاتِهِ ﷺ وإنَّما لَمْ يُعْطِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى أبِيها وعَلَيْها وسَلَّمَ فَدَكًا مَعَ أنَّها طَلَبَتْها إرْثًا وانْحَرَفَ مِزاجُ رِضاها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِالمَنعِ إجْماعًا وعَدَلَتْ عَنْ ذَلِكَ إلى دَعْوى الهِبَةِ، وأتَتْ بِعَلِيٍّ والحَسَنَيْنِ وأُمِّ أيْمَنَ لِلشَّهادَةِ فَلَمْ تَقُمْ عَلى ساقٍ بِزَعْمِ الشِّيعَةِ، ولَمْ تُمَكِّنْ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ رَآهُما الخَلِيفَةُ إذْ ذاكَ كَما ذَكَرَهُ الأسْلَمِيُّ في «التَّرْجَمَةِ العَبْقَرِيَّةِ والصَّوْلَةِ الحَيْدَرِيَّةِ» وأطالَ فِيهِ.

وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَصَّ آيَةَ المَوارِيثِ بِما سَمِعَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخَبَرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ مَن سَمِعَهُ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ اليَقِينِيِّ بِلا شُبْهَةٍ والعَمَلُ بِسَماعِهِ واجِبٌ عَلَيْهِ سَواءٌ سَمِعَهُ غَيْرُهُ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ الأُصُولِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ عَلى أنَّ تَقْسِيمَ الخَبَرِ إلى المُتَواتِرِ وغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يُشاهِدُوا النَّبِيَّ ﷺ وسَمِعُوا خَبَرَهُ بِواسِطَةِ الرُّواةِ لا في حَقِّ مَن شاهَدَ النَّبِيَّ ﷺ وسَمِعَ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ، فَخَبَرُ ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»» عِنْدَ أبِي بَكْرٍ قَطْعِيٌّ لِأنَّهُ في حَقِّهِ كالمُتَواتِرِ بَلْ أعْلى كَعْبًا مِنهُ، والقَطْعِيُّ يُخَصِّصُ القَطْعِيَّ اتِّفاقًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ والآياتِ الَّتِي فِيها نِسْبَةُ الوِراثَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِما عَلِمْتَ، ودَعْوى الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَدَكًا بِحَسَبِ الوِراثَةِ لا تَدُلُّ عَلى كَذِبِ الخَبَرِ بَلْ عَلى عَدَمِ سَماعِهِ وهو غَيْرُ مُخِلٍّ بِقَدْرِها ورِفْعَةِ شَأْنِها ومَزِيدِ عِلْمِها، وكَذا أخْذُ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ حُجُراتِهِنَّ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِما مَرَّ وحَلا، وعُدُولُها إلى دَعْوى الهِبَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ عِنْدَنا بَلِ المُتَحَقِّقُ دَعْوى الإرْثِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ وقَعَ مِنها دَعْوى الهِبَةِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّها أتَتْ بِأُولَئِكَ الأطْهارِ شُهُودًا، وذَلِكَ لِأنَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ أنَّ الهِبَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقَبْضِ ولَمْ تَكُنْ فَدَكُ في قَبْضَةِ الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها في وقْتٍ فَلَمْ تَكُنِ الحاجَةُ ماسَّةً لِطَلَبِ الشُّهُودِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ أُولَئِكَ الأطْهارَ شَهِدُوا فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّدِّيقَ رَدَّ شَهادَتَهم بَلْ لَمْ يَقْضِ بِها، وفَرْقٌ بَيْنَ عَدَمِ القَضاءِ هُنا والرَّدِّ، فَإنَّ الثّانِيَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ القَبُولِ لِتُهْمَةِ كَذِبٍ مَثَلًا، والأوَّلُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الإمْضاءِ لِفَقْدِ بَعْضِ الشُّرُوطِ المُعْتَبَرِ بَعْدَ العَدالَةِ، وانْحِرافُ مِزاجِ رِضا الزَّهْراءِ كانَ مِن مُقْتَضَياتِ البَشَرِيَّةِ، وقَدْ غَضِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أخِيهِ الأكْبَرِ هارُونَ حَتّى أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ ولَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِن قَدْرَيْهِما شَيْئًا عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ اسْتَرْضاها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مُسْتَشْفِعًا إلَيْها بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَرَضِيَتْ عَنْهُ كَما في «مَدارِجِ النُّبُوَّةِ» و«كِتابِ الوَفاءِ» و«شَرْحِ المِشْكاةِ» لِلدَّهْلَوِيِّ وغَيْرِها، وفي «مَحاجِّ السّالِكِينَ» وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ الإمامِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ ما يُؤَيِّدُ هَذا الفَصْلَ حَيْثُ رَوَوْا أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا رَأى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها انْقَبَضَتْ عَنْهُ وهَجَرَتْهُ ولَمْ تَتَكَلَّمْ بَعْدَ ذَلِكَ في أمْرِ فَدَكَ كَبُرَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَأرادَ اسْتِرْضاءَها فَأتاها فَقالَ: صَدَقْتِ يا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما

صفحة 221

ادَّعَيْتِ ولَكِنْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقَسِّمُها فَيُعْطِي الفُقَراءَ والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ بَعْدَ أنْ يُؤْتِيَ مِنها قُوتَكم فَما أنْتُمْ صانِعُونَ بِها؟ فَقالَتْ: أفْعَلُ فِيها كَما كانَ أبِي صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ فِيها فَقالَ لَكِ اللَّهُ تَعالى أنْ أفْعَلَ فِيها ما كانَ يَفْعَلُ أبُوكِ، فَقالَتْ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ؟ فَقالَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ ورَضِيَتْ بِذَلِكَ، وأخَذَتِ العَهْدَ عَلَيْهِ فَكانَ أبُو بَكْرٍ يُعْطِيهِمْ مِنها قُوتَهم ويُقَسِّمُ الباقِيَ بَيْنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وبَقِيَ الكَلامُ في سَبَبِ عَدَمِ تَمْكِينِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها، وقَدْ كانَ دَفْعُ الِالتِباسِ وسَدُّ بابِ الطَّلَبِ المُنْجَرِّ إلى كَسْرِ كَثِيرٍ مِنَ القُلُوبِ، أوْ تَضْيِيقِ الأمْرِ عَلى المُسْلِمِينَ. وقَدْ ورَدَ «المُؤْمِنُ إذا ابْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ اخْتارَ أهْوَنَهُما» عَلى أنَّ رِضا الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بَعْدُ عَلى الصِّدِّيقِ سَدَّ بابَ الطَّعْنِ عَلَيْهِ أصابَ في المَنعِ أمْ لَمْ يُصِبْ، وسُبْحانَ المُوَفِّقِ لِلصَّوابِ والعاصِمِ أنْبِياءَهُ عَنِ الخَطَأِ في فَصْلِ الخِطابِ.

﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً﴾ الضَّمِيرُ لِلْأوْلادِ مُطْلَقًا والخَبَرُ مُفِيدٌ بِلا تَأْوِيلٍ، ولُزُومِ تَغْلِيبِ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ لا يَضُرُّ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا صَرَّحُوا بِجَوازِهِ مُراعاةً لِلْخَبَرِ ومُشاكَلَةً لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى المَوْلُوداتِ أوِ البَناتِ الَّتِي في ضِمْنٍ مُطْلَقِ الأوْلادِ، والمَعْنى فَإنْ كانَتِ المَوْلُوداتُ أوِ البَناتُ نِساءً خُلَّصًا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وبِهَذا يُفِيدُ الحَمْلُ وإلّا لاتَّحَدَ الِاسْمُ والخَبَرُ فَلا يُفِيدُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ إذا جُعِلَ صِفَةً لِنِساءٍ فَهو مَحَلُّ الفائِدَةِ، وأوْجَبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ فَلَمْ يُجِزْ ما أجازَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن كَوْنِهِ خَبَرًا ثانِيًا ظَنًّا مِنهُ عَدَمَ إفادَةِ الحَمْلِ حِينَئِذٍ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ كَما عَلِمْتَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ كانَ تامَّةً، والضَّمِيرُ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِالمَنصُوبِ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ ولَمْ يَرْتَضِهِ النُّحاةُ لِأنَّ كانَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَكُونُ فاعِلُها مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ لِاخْتِصاصِهِ بِبابِ نِعْمَ، والتَّنازُعُ كَما قالَهُ الشِّهابُ والمُرادُ مِنَ الفَوْقِيَّةِ زِيادَةُ العَدَدِ لا الفَوْقِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، وفائِدَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ التَّصْرِيحِ بِعَدَمِ اخْتِصاصِ المُرادِ بِعَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ أيْ فَإنْ كُنَّ نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ بالِغاتٍ ما بَلَغْنَ.

﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أيِ المُتَوَفّى مِنكم وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ شائِعٌ سائِغٌ ﴿وإنْ كانَتْ﴾ أيِ المَوْلُودَةُ المَفْهُومَةُ مِنَ الكَلامِ ﴿واحِدَةً﴾ أيِ امْرَأةً واحِدَةً لَيْسَ مَعَها أخٌ ولا أُخْتٌ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ( واحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ والمَرْفُوعَ فاعِلٌ لَها، ورُجِّحَتْ قِراءَةُ النَّصْبِ بِأنَّها أوْفَقُ بِما قَبْلُ، وقالَ ابْنُ تَمْجِيدٍ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى وأنْسَبَ لِلنَّظْمِ لِتَفَكُّكِ النَّظْمِ في قِراءَةِ النَّصْبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ ضَمِيرُ كانَ راجِعًا إلى الأوْلادِ فَسَدَ المَعْنى كَما هو ظاهِرٌ، وإنْ كانَ راجِعًا إلى المَوْلُودَةِ كَما قالُوهُ يَلْزَمُ الإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مُرْتَفِعٌ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ إذِ المَعْنى وإنْ وُجِدَتَ بِنْتٌ واحِدَةٌ مِن تِلْكَ الأوْلادِ، والمُحَقِّقُونَ لا يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذا الإضْمارِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا ﴿فَلَها النِّصْفُ﴾ أيْ ( مِمّا تَرَكَ ) وتَرَكَ اكْتِفاءً بِالأوَّلِ والنِّصْفُ مُثَلَّثٌ كَما في «القامُوسِ» أحَدُ شِقَّيِ الشَّيْءِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ( النُّصْفُ ) بِضَمِّ النُّونِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وذَكَرَ أنَّها أقْيَسُ لِأنَّكَ تَقُولُ: الثُّلُثُ والرُّبْعُ والخُمْسُ وهَكَذا، وكُلُّها مَضْمُومَةُ الأوائِلِ.

وأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِظاهِرِ الآيَةِ فَجَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِما زادَ عَلى البِنْتَيْنِ كالثَّلاثِ فَأكْثَرَ، وجَعَلَ نَصِيبَ الِاثْنَتَيْنِ النِّصْفَ كَنَصِيبِ الواحِدَةِ، وجُمْهُورُ الصَّحابَةِ والأئِمَّةِ والإمامِيَّةِ عَلى خِلافِهِ حَيْثُ حَكَمُوا بِأنَّ لِلِاثْنَتَيْنِ وما فَوْقَهُما الثُّلُثَيْنِ، وأنَّ النِّصْفَ إنَّما هو لِلْواحِدَةِ فَقَطْ، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ أنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ أنَّ لِلذَّكَرِ مَعَ الأُنْثى ثُلُثَيْنِ إذْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثانِ في صُورَةٍ وإلّا لَمْ يَكُنْ

صفحة 222

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском