Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:171
4:171Page 105
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١
O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالنَّصارى زَجْرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ البَعِيدِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وأبُو مُسْلِمٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ خِطابٌ لَهم ولِلْيَهُودِ؛ لِأنَّ الغُلُوَّ أيْ: مُجاوَزَةَ الحَدِّ والإفْراطَ المَنهِيَّ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ وقَعَ مِنهم جَمِيعًا، أمّا النَّصارى فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبَعْضُهم أنَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وآخَرُونَ: ثالِثٌ ثَلاثَةٍ، وأمّا اليَهُودُ فَقالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ لِغَيْرِ رُشْدِهِ، ورُجِّحَ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ بِأنَّ قَوْلَ اليَهُودِ قَدْ نُعِيَ فِيما سَبَقَ وبِأنَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدُ.
﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ أيْ: لا تَذْكُرُوا ولا تَعْتَقِدُوا إلّا القَوْلَ الحَقَّ دُونَ القَوْلِ المُتَضَمِّنِ لِدَعْوى الِاتِّحادِ والحُلُولِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وهو مُتَّصِلٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.
وادَّعى بَعْضٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَقِّ هُنا تَنْزِيهُهُ تَعالى عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، والأشْبَهُ بِالِاسْتِثْناءِ الِانْقِطاعُ؛ لِأنَّ التَّنْزِيهَ لا يَكُونُ مَقُولًا عَلَيْهِ، بَلْ لَهُ وفِيهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ( قالَ عَلَيْهِ ) افْتَرى، وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الأكْثَرُ في الِاسْتِثْناءِ المُفْرِغِ، فافْهَمْ.
﴿إنَّما المَسِيحُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وقَدْ مَرَّ مَعْناهُ، وقُرِئَ ( المِسِّيحُ ) بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كالسِّكِّيتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿عِيسى﴾ ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ) صِفَةٌ لَهُ مُفِيدَةٌ بُطْلانَ ما زَعَمُوهُ فِيهِ مِن بُنُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ الباطِلِ المُسْتَلْزِمِ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ، أيْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَقْصُورٌ عَلى رُتْبَةِ الرِّسالَةِ لا يَتَخَطّاها إلى ما تَقُولُونَ، ( ﴿وكَلِمَتُهُ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( رَسُولُ اللَّهِ ) ومَعْنى كَوْنِهِ كَلِمَةً أنَّهُ حَصَلَ بِكَلِمَةِ ( كُنْ ) مِن غَيْرِ مادَّةٍ مُعْتادَةٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
وقالَ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: لِكُلِّ مَوْلُودٍ سَبَبٌ قَرِيبٌ وبَعِيدٌ، فالأوَّلُ المَنِيُّ، والثّانِي قَوْلُ ( كُنْ ) ولَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ القَرِيبِ في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أضافَهُ إلى البَعِيدِ، وهو قَوْلُ ( كُنْ ) إشارَةً إلى انْتِفاءِ القَرِيبِ، وأوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ أيْ: أوْصَلَها إلَيْها، وحَصَّلَها فِيها، فَجَعَلَهُ كالمَنِيِّ الَّذِي يُلْقى في الرَّحِمِ، فَهو اسْتِعارَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِشارَةُ اللَّهِ تَعالى
صفحة 25
الَّتِي بَشَّرَ بِها مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ وجُمْلَةُ ( ﴿ألْقاها﴾ ) حالٌ عَلى ما قِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( كَلِمَتُهُ ) بِتَقْدِيرِ قَدْ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: وكَلِمَتُهُ مُلْقِيًا إيّاها، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُسْتَكِنِّ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ ( ﴿وكَلِمَتُهُ﴾ ) مِن مَعْنى المُشْتَقِّ الَّذِي هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِ ( كانَ ) مَقُدَّرَةً مَعَ إذِ المُتَعَلِّقَةِ بِالكَلِمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِها المُكَوَّنُ، والتَّقْدِيرُ: إذْ كانَ ( ﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ ).
﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وسُمِّيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رُوحًا؛ لِأنَّهُ حَدَثَ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِرْعِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وجاءَ تَسْمِيَةُ النَّفْخِ رُوحًا في كَلامِهِمْ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ في نارٍ:
وأحْيِها بِرُوحِكَ.
و( مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( رُوحٌ ) وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا لا تَبْعِيضِيَّةٌ كَما زَعَمَتِ النَّصارى.
يُحْكى أنَّ طَبِيبًا نَصْرانِيًّا حاذِقًا لِلرَّشِيدِ ناظَرَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ الواقِدِيَّ المَرْوَزِيَّ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ لَهُ: إنَّ في كِتابِكم ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جُزْءٌ مِنهُ تَعالى، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقَرَأ الواقِدِيُّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ فَقالَ: إذَنْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأشْياءِ جُزْءًا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ، فَأسْلَمَ، وفَرِحَ الرَّشِيدُ فَرَحًا شَدِيدًا، ووَصَلَ الواقِدِيَّ بِصِلَةٍ فاخِرَةٍ.
وقِيلَ: سُمِّيَ رُوحًا؛ لَأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا بِمَعْنى الرَّحْمَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ عَلى وجْهٍ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالرُّوحِ الوَحْيُ الَّذِي أُوحِيَ إلى مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ – بِالبِشارَةِ، وقِيلَ: جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهم إذا أرادُوا وصْفَ شَيْءٍ بِغايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ قالُوا: إنَّهُ رُوحٌ، فَلَمّا كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَكَوِّنًا مِنَ النَّفْخِ لا مِنَ النُّطْفَةِ وُصِفَ بِالرُّوحِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالرُّوحِ السِّرُّ، كَما يُقالُ: رُوحُ هَذِهِ المَسْألَةِ كَذا، أيْ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِرٌّ مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى، وآيَةٌ مِن آياتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ ذُو رُوحٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ أوِ اسْتِعْمالِ الرُّوحِ في مَعْنى ذِي الرُّوحِ، والإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في التَّوْراةِ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلُ اللَّهِ، وعَصاهُ قَضِيبُ اللَّهِ، وأُورْشَلِيمُ بَيْتُ اللَّهِ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الرُّوحِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والعَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( ﴿ألْقاها﴾ ) والمَعْنى: ألْقاها اللَّهُ تَعالى وجِبْرِيلَ إلى مَرْيَمَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وعَلى العِلّاتِ لا حُجَّةَ لِلنَّصارى عَلى شَيْءٍ مِمّا زَعَمُوا في تَشْرِيفِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنِسْبَةِ الرُّوحِ إلَيْهِ؛ إذْ لِغَيْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُشارَكَةٌ لَهُ في ذَلِكَ، فَفي إنْجِيلِ لُوقا: قالَ يَسُوعُ لِتَلامِيذِهِ: إنَّ أباكُمُ السَّماوِيَّ يُعْطِي رُوحَ القُدُسِ الَّذِينَ يَسْألُونَهُ، وفي إنْجِيلِ مَتّى: إنَّ يُوحَنّا المَعْمَدانِيَّ امْتَلَأ مِن رُوحِ القُدُسِ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، وفي التَّوْراةِ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَرْ سَبْعِينَ مِن قَوْمِكَ حَتّى أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي عَلَيْكَ، فَيَحْمِلُوا عَنْكَ ثِقَلَ هَذا النَّعْتِ، فَفَعَلَ، فَأفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رُوحِهِ فَتَبَنُّوا لِساعَتِهِمْ، وفِيها في حَقِّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يَقُولُ المَلِكُ: هَلْ رَأيْتُمْ مِثْلَ هَذا الفَتى الَّذِي رُوحَ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ حالٌ فِيهِ، وفِيها أيْضًا: إنَّ رُوحَ اللَّهِ تَعالى حَلَّتْ عَلى دانْيالَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ولَعَلَّ الرُّوحَ في جَمِيعِ ذَلِكَ أمْرٌ قُدْسِيٌّ وسِرٌّ إلَهِيٌّ، يُفِيضُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ حَسْبَما يَشاءُ، وفي أيِّ وقْتٍ يَشاءُ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ المُبالَغَةِ، عَلى حَدِّ ما قِيلَ فِي: ( زَيْدٌ عَدْلٌ ) ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الرُّوحَ الَّذِي بِهِ الحَياةُ أصْلًا، وقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ بِصُورَةٍ كَما يَظْهَرُ القُرْآنُ بِصُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ، والمَوْتُ بِصُورَةِ الكَبْشِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ ما في إنْجِيلِ مَتّى في تَمامِ الكَلامِ عَلى تَعْمِيدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إنَّ يَسُوعَ لَمّا تَعَمَّدَ، وخَرَجَ مِنَ الماءِ انْفَتَحَتْ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ، ونَظَرَ، رُوحُ اللَّهِ تَعالى جاءَتْ لَهُ في صِفَةِ حَمامَةٍ، وإذا بِصَوْتٍ مِنَ السَّماءِ: هَذا
صفحة 26
ابْنُ الحَبِيبِ الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي، فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَهْدِمُ ما يَزْعُمُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَجَسَّدَ بِرُوحِ القُدُسِ في بَطْنِ أُمِّهِ، وما فِيهِ مِن وصْفِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنُّبُوَّةِ سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الجَوابُ عَنْهُ.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ وخُصُّوهُ بِالأُلُوهِيَّةِ ﴿ورُسُلِهِ﴾ أجْمَعِينَ، ولا تُخْرِجُوا أحَدًا مِنهم إلى ما يَسْتَحِيلُ وصْفُهُ بِهِ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أيِ: الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، والمَسِيحُ، ومَرْيَمُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إذْ مَعْناهُ إلَهَيْنِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُونَ مَعَهُ ثَلاثَةً، وحُكِيَ هَذا التَّقْدِيرُ عَنِ الزَّجّاجِ.
أوِ اللَّهُ سُبْحانَهُ ثَلاثَةٌ - إنْ صَحَّ عَنْهم - أنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ تَعالى جَوْهَرٌ واحِدٌ َثَلاثَةُ أقانِيمَ، أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِالأوَّلِ الذّاتَ أوِ الوُجُودَ، وبِالثّانِي العِلْمَ أيِ الكَلِمَةَ، وبِالثّالِثِ الحَياةَ، كَذا قِيلَ.
وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النَّصارى اتَّفَقُوا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَوْهَرٌ بِمَعْنى: قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا مُخْتَصٍّ بِجِهَةٍ، ولا مُقَدَّرٍ بِقَدْرٍ، ولا يَقْبَلُ الحَوادِثَ بِذاتِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ الحُدُوثُ والعَدَمُ، وأنَّهُ واحِدٌ بِالجَوْهَرِيَّةِ ثَلاثَةٌ بِالأُقْنُومِيَّةِ، والأقانِيمُ صِفاتٌ لِلْجَوْهَرِ القَدِيمِ، وهي الوُجُودُ والعِلْمُ والحَياةُ، وعَبَّرُوا عَنِ الوُجُودِ بِالأبِ، والحَياةِ بِرُوحِ القُدُسِ، والعِلْمِ بِالكَلِمَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ المَلْكانِيَّةُ أصْحابُ مَلْكا الَّذِي ظَهَرَ بِالرُّومِ واسْتَوْلى عَلَيْها إلى أنَّ الأقانِيمَ غَيْرُ الجَوْهَرِ القَدِيمِ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها إلَهٌ، وصَرَّحُوا بِإثْباتِ التَّثْلِيثِ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ، وأنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ، وتَدَرَّعَتْ بِناسُوتِهِ، وامْتَزَجَتْ بِهِ امْتِزاجَ الماءِ بِالخَمْرِ، وانْقَلَبَتِ الكَثْرَةُ وحْدَةً، وأنَّ المَسِيحَ ناسُوتٌ كُلِّيُّ لا جُزْئِيٌّ، وهو قَدِيمٌ أزَلِيٌّ، وأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا أزَلِيًّا، مَعَ اخْتِلافِهِمْ في مَرْيَمَ أنَّها إنْسانٌ كُلِّيٌّ أوْ جُزْئِيٌّ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ اتِّحادَ اللّاهُوتِ بِالمَسِيحِ دُونَ مَرْيَمَ، وأنَّ القَتْلَ والصَّلْبَ وقَعَ عَلى النّاسُوتِ واللّاهُوتِ مَعًا، وأطْلَقُوا لَفْظَ الأبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِابْنِ عَلى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.
وذَهَبَ نُسْطُورُ الحَكِيمُ - في زَمانِ المَأْمُونِ - إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ، والأقانِيمَ الثَّلاثَةَ لَيْسَتْ غَيْرَ ذاتِهِ ولا نَفْسَ ذاتِهِ، وأنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ لا بِمَعْنى الِامْتِزاجِ بَلْ بِمَعْنى الإشْراقِ، أيْ: أشْرَقَتْ عَلَيْهِ كَإشْراقِ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ عَلى بِلَّوْرٍ.
ومِنَ النُّسْطُورِيَّةِ مَن قالَ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ حَيٌّ ناطِقٌ مَوْجُودٌ، وصَرَّحُوا بِالتَّثْلِيثِ كالمَلْكانِيَّةِ، ومِنهم مِن مَنَعَ ذَلِكَ، ومِنهم مَن أثْبَتَ صِفاتٍ أُخَرَ كالقُدْرَةِ والإرادَةِ ونَحْوَها، لَكِنْ لَمْ يَجْعَلُوها أقانِيمَ، وزَعَمُوا أنَّ الِابْنَ لَمْ يَزَلْ مُتَوَلِّدًا مِنَ الأبِ، وإنَّما تَجَسُّدُهُ وتَوَحُّدُهُ بِجَسَدِ المَسِيحِ حِينَ وُلِدَ، والحُدُوثُ راجِعٌ إلى النّاسُوتِ، فالمَسِيحُ إلَهٌ تامٌّ وإنْسانٌ تامٌّ، وهُما قَدِيمٌ وحادِثٌ، والِاتِّحادُ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِقِدَمِ القَدِيمِ ولا لِحُدُوثِ الحادِثِ، وقالُوا: إنَّ الصَّلْبَ ورَدَ عَلى النّاسُوتِ دُونَ اللّاهُوتِ.
وذَهَبَ بَعْضُ اليَعْقُوبِيَّةِ إلى أنَّ الكَلِمَةَ انْقَلَبَتْ لَحْمًا ودَمًا، فَصارَ الإلَهُ هو المَسِيحَ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ورَوَوْا عَنْ يُوحَنّا الإنْجِيلِيِّ أنَّهُ قالَ في صَدْرِ إنْجِيلِهِ: إنَّ الكَلِمَةَ صارَتْ جَسَدًا، وحَلَّتْ فِينا، وقالَ: في البَدْءِ كانَتِ الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى هو الكَلِمَةُ.
ومِنهم مَن قالَ: ظَهَرَ اللّاهُوتُ بِالنّاسُوتِ، بِحَيْثُ صارَ هو هُوَ، وذَلِكَ كَظُهُورِ المَلَكِ في الصُّورَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ .
ومِنهم مَن قالَ: جَوْهَرُ الإلَهِ القَدِيمِ وجَوْهَرُ الإنْسانِ المُحْدَثِ تَرَكَّبا تَرَكُّبَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مَعَ البَدَنِ وصارا جَوْهَرًا واحِدًا، وهو المَسِيحُ، وهو الإلَهُ، ويَقُولُونَ: صارَ الإلَهُ إنْسانًا، وإنْ لَمْ يَصِرِ الإنْسانُ إلَهًا، كَما يُقالُ في الفَحْمَةِ المُلْقاةِ في النّارِ: صارَتْ نارًا، ولا يُقالُ: النّارُ فَحْمَةٌ.
ويَقُولُونَ: إنَّ اتِّحادَ اللّاهُوتِ بِالإنْسانِ الجُزْئِيِّ دُونَ الكُلِّيِّ، وأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، وأنَّ القَتْلَ والصَّلْبَ واقِعٌ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ جَمِيعًا؛ إذْ لَوْ كانَ عَلى
صفحة 27
أحَدِهِما بَطَلَ الِاتِّحادُ.
ومِنهم مَن قالَ: المَسِيحُ مَعَ اتِّحادِ جَوْهَرِهِ قَدِيمٌ مِن وجْهٍ، مُحْدَثٌ مَن وجْهٍ.
ومِنَ اليَعْقُوبِيَّةِ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ لَمْ تَأْخُذْ مِن مَرْيَمَ شَيْئًا، وإنَّما مَرَّتْ بِها كَمُرُورِ الماءِ بِالمِيزابِ.
ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الكَلِمَةَ كانَتْ تُداخِلُ جَسَدَ المَسِيحِ فَتَصْدُرُ عَنْهُ الآياتُ الَّتِي كانَتْ تَظْهَرُ عَنْهُ وتُفارِقُهُ تارَةً فَتُحِلُّهُ الآفاتُ والآلامُ.
ومِنَ النَّصارى مَن زَعَمَ أنَّ مَعْنى اتِّحادِ اللّاهُوتِ بِالنّاسُوتِ ظُهُورُ اللّاهُوتِ عَلى النّاسُوتِ، وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ اللّاهُوتِ إلى النّاسُوتِ شَيْءٌ ولا حَلَّ فِيهِ، وذَلِكَ كَظُهُورِ نَقْشِ الطّابَعِ عَلى الشَّمْعِ والصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ في المِرْآةِ.
ومِنهم مَن قالَ: إنَّ الوُجُودَ والكَلِمَةَ قَدِيمانِ والحَياةَ مَخْلُوقَةٌ.
ومِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ، وسَمّاهُ أبًا، وأنَّ المَسِيحَ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى وابْنُهُ عَلى طَرِيقِ الِاصْطِفاءِ، وهو مَخْلُوقٌ قَبْلَ العالَمِ، وهو خالِقٌ لِلْأشْياءِ كُلِّها.
وحَكى المُؤَرِّخُونَ وأصْحابُ النَّقْلِ أنَّ أرَيُوسَ أحَدَ كِبارِ النَّصارى كانَ يَعْتَقِدُ هو وطائِفَتُهُ تَوْحِيدَ البارِي، ولا يُشْرِكُ مَعَهُ غَيْرَهُ، ولا يَرى في المَسِيحِ ما يَراهُ النَّصارى، بَلْ يَعْتَقِدُ رِسالَتَهُ، وأنَّهُ مَخْلُوقٌ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ، فَفَشَتْ مَقالَتُهُ في النَّصْرانِيَّةِ، فَتَكاتَبُوا واجْتَمَعُوا بِمَدِينَةِ نِيقِيَةَ عِنْدَ المَلِكِ قُسْطَنْطِينَ، وتَناظَرُوا فَشَرَحَ أرَيُوسُ مَقالَتَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الإكْصَيْدُرُوسُ بِطْرِيقُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ وشَنَّعَ عَلى مَقالَتِهِ عِنْدَ المَلِكِ، ثُمَّ تَناظَرُوا فَطالَ تَنازُعُهُمْ، فَتَعَجَّبَ المَلِكُ مِنِ انْتِشارِ مَقالَتِهِمْ، وكَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ، وقامَ لَهُمُ البُتْرُكُ، وأمَرَهم أنْ يَبْحَثُوا عَنِ القَوْلِ المَرْضِيِّ، فاتَّفَقَ رَأْيُهم عَلى شَيْءٍ، فَحَرَّرُوهُ وسَمَّوْهُ بِالأمانَةِ، وأكْثَرُهُمُ اليَوْمَ عَلَيْها، وهِيَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى الواحِدِ الأبِ صانِعِ كَلِّ شَيْءٍ، مالِكِ كُلِّ شَيْءٍ، صانِعِ ما يُرى وما لا يُرى، وبِالرَّبِّ الواحِدِ المَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ، بِكْرِ الخَلائِقِ كُلِّها، الَّذِي وُلِدَ مِن أبِيهِ قَبْلَ العَوالِمِ كُلِّها، ولَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إلَهٍ حَقٍّ مِن إلَهٍ حَقٍّ، مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ، وخُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِن أجْلِنا مَعاشِرَ النّاسِ ومِن أجْلِ خَلاصِنا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ ومَرْيَمَ، وصارَ إنْسانًا، وحُبِلَ بِهِ، ووُلِدَ مِن مَرْيَمَ البَتُولِ، واتَّجَعَ، وصُلِبَ أيّامَ فِيلاطِسَ، ودُفِنَ، وقامَ في اليَوْمِ الثّالِثِ كَما هو مَكْتُوبٌ، وصَعِدَ إلى السَّماءِ، وجَلَسَ عَلى يَمِينِ أبِيهِ، وهو مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِئِ تارَةً أُخْرى لِلْقَضاءِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ، ونُؤْمِنُ بِرُوحِ القُدُسِ الواحِدِ رُوحِ الحَقِّ، الَّذِي يَخْرُجُ مِن أبِيهِ، وبِعَمُودِيَّةٍ واحِدَةٍ لِغُفْرانِ الخَطايا، والجَماعَةُ واحِدَةٌ قُدْسِيَّةٌ كاطُولِكِيَّةٌ، وبِالحَياةِ الدّائِمَةِ إلى أبَدِ الآبِدِينَ، انْتَهى.
وهَذِهِ جُمْلَةُ الأقاوِيلِ، وما لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ الأباطِيلِ، وهي مَعَ مُخالَفَتِها لِلْعُقُولِ ومُزاحَمَتِها لِلْأُصُولِ مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَها، ولا مُعَوَّلَ لَهم فِيها غَيْرُ التَّقْلِيدِ لِأسْلافِهِمْ، والأخْذِ بِظَواهِرِ ألْفاظٍ لا يُحِيطُونَ بِها، عَلى أنَّ ما سَمَّوْهُ أمانَةً لا أصْلَ لَهُ في شَرْعِ الإنْجِيلَ، ولا مَأْخُوذَةً مِن قَوْلِ المَسِيحِ، ولا مِن أقْوالِ تَلامِيذِهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضْطَرِبٌ مُتَناقِضٌ مُتَهافِتٌ، يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُعارِضُهُ، ويُناقِضُهُ، وإذْ قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ فاسْتَمِعْ لِما يُتْلى عَلَيْكَ في رَدِّهِمْ تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ وتَأْكِيدًا لِإبْطالِ تِلْكَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ.
أمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَوْهَرٌ بِالمَعْنى المَذْكُورِ فَلا نِزاعَ لَنا مَعَهم فِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى، بَلْ مِن جِهَةِ الإطْلاقِ اللَّفْظِيِّ سَمْعًا، والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وأمّا حَصْرُهُمُ الأقانِيمَ في ثَلاثَةٍ؛ صِفَةِ الوُجُودِ وصِفَةِ الحَياةِ وصِفَةِ العِلْمِ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ صِفَةَ الوُجُودِ زائِدَةٌ لَوْ طُولِبُوا بِدَلِيلِ الحَصْرِ لَمْ يَجِدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا سِوى قَوْلِهِمْ: بَحَثْنا فَلَمْ نَجِدْ غَيْرَ ما ذَكَرْناهُ، وهو غَيْرُ يَقِينِيٍّ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ هو باطِلٌ بِما تَحَقَّقَ في مَوْضِعِهِ مِن وُجُوبِ صِفَةِ القُدْرَةِ والإرادَةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ، فَإنْ قالُوا: الأقانِيمُ هي خَواصُّ الجَوْهَرِ وصِفاتُ نَفْسِهِ، ومِن حُكْمِها أنْ تَلْزَمَ الجَوْهَرَ ولا تَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الوُجُودِ والحَياةِ إذْ لا تَعَلُّقَ لِوُجُودِ الذّاتِ القَدِيمَةِ
صفحة 28
وحَياتِها بِغَيْرِها، وكَذَلِكَ العِلْمُ إذِ العِلْمُ مُخْتَصٌّ بِالجَوْهَرِ مِن حَيْثُ هو مَعْلُومٌ بِهِ، وهَذا بِخِلافِ القُدْرَةِ والإرادَةِ، فَإنَّهُما لا اخْتِصاصَ لَهُما بِالذّاتِ القَدِيمَةِ، بَلْ يَتَعَلَّقانِ بِالغَيْرِ مِمّا هو مَقْدُورٌ ومُرادٌ، والذّاتُ القَدِيمَةُ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ ولا مُرادَةٍ، وأيْضًا فَإنَّ الحَياةَ لا تُجْزِئُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الحَيَّ لا يَخْلُو عَنْهُما بِخِلافِ العِلْمِ، فَإنَّهُ قَدْ يَخْلُو عَنْهُ، ولِأنَّهُ يَمْتَنِعُ إجْزاءُ الحَياةِ عَنِ العِلْمِ لِاخْتِصاصِ الحَياةِ بِامْتِناعِ جَرَيانِ المُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ بِخِلافِ العِلْمِ قُلْنا:
أمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الوُجُودَ والحَياةَ مُخْتَصَّةٌ بِذاتِ القَدِيمِ ولا تَعَلُّقَ لَهُما بِغَيْرِهِ فَمُسَلَّمٌ، ولَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ العِلْمُ أُقْنُومًا لِتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِ ذاتِ القَدِيمِ، إذْ هو مَعْلُومٌ بِهِ، فَلَئِنْ قالُوا: العِلْمُ إنَّما كانَ أُقْنُومًا مِن حَيْثُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِذاتِ القَدِيمِ لا مِن حَيْثُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ فَيَلْزَمُهم أنْ يَكُونَ البَصَرُ أُقْنُومًا لِتَعَلُّقِهِ بِذاتِ القَدِيمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَرى نَفْسَهُ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ، ويَلْزَمْهم مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَقاءُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى أُقْنُومًا لِاخْتِصاصِ البَقاءِ بِنَفْسِهِ وعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ، كَما في الوُجُودِ والحَياةِ، فَلَئِنْ قالُوا: البَقاءُ هو نَفْسُ الوُجُودِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ في زَمانِ حُدُوثِهِ باقِيًا، وهو مُحالٌ.
وقَوْلُهُمْ: بِأنَّ الإرادَةَ تُجْزِئُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ، إمّا أنْ يُرِيدُوا أنَّ القُدْرَةَ والإرادَةَ نَفْسُ الحَياةِ، أوْ أنَّهُما خارِجَتانِ عَنْها لازِمَتانِ لَها لا تُفارِقانِها، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ نَقَضُوا مَذْهَبَهم حَيْثُ قالُوا: إنَّ الحَياةَ أُقْنُومٌ لِاخْتِصاصِها بِجَوْهَرِ القَدِيمِ، والقُدْرَةُ والإرادَةُ غَيْرُ مُخْتَصَّتَيْنِ بِذاتِ القَدِيمِ تَعالى، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالمُغايَرَةِ ولا اتِّحادَ مَعَها، وإنْ قالُوا: إنَّها لازِمَةٌ لَها مَعَ المُغايَرَةِ فَهو مَمْنُوعٌ، فَإنَّهُ كَما يَجُوزُ خُلُوُّ الحَيِّ عَنِ العِلْمِ فَكَذَلِكَ قَدْ يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ كَما في حالَةِ النَّوْمِ والإغْماءِ مَثَلًا.
وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ إجْزاءُ الحَياةِ عَنِ العِلْمِ لِاخْتِصاصِ العِلْمِ بِالمُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا تَكُونَ مُجْزِئَةً عَنِ القُدْرَةِ أيْضًا لِاخْتِصاصِها بِهَذا النَّوْعِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ الكَلِمَةَ حَلَّتْ في المَسِيحِ وتَدَرَّعَتْ بِهِ، فَهو باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ امْتِناعُ حُلُولِ صِفَةِ القَدِيمِ في غَيْرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ القَوْلُ بِحُلُولِ الكَلِمَةِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِحُلُولِ الرُّوحِ، وهي الحَياةُ، ولَئِنْ قالُوا: إنَّما اسْتَدْلَلْنا عَلى حُلُولِ العِلْمِ فِيهِ لِاخْتِصاصِهِ بِعُلُومٍ لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، قُلْنا:
أوَّلًا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوى النَّصارى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُئِلَ عَنِ القِيامَةِ فَلَمْ يُجِبْ، وقالَ: لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ.
وثانِيًا سَلَّمْنا، لَكِنَّهُ قَدِ اخْتَصَّ عِنْدَكم بِإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وبِأُمُورٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ بِزَعْمِكُمْ، والقُدْرَةُ عِنْدَكم في حُكْمِ الحَياةِ إمّا بِمَعْنى أنَّها عَيْنُها أوْ مُلازِمَةٌ لَها، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ بِحُلُولِ الحَياةِ فِيهِ، ولَمْ تَقُولُوا بِهِ.
وأمّا قَوْلُ المَلْكانِيَّةِ بِالتَّثْلِيثِ في الآلِهَةِ، وأنَّ كُلَّ أُقْنُومٍ إلَهٌ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَقُولُوا: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الإلَهِ تَعالى مِنَ الوُجُودِ والحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، أوْ ألّا يَقُولُوا بِهِ، فَإنْ قالُوا بِهِ فَهو خِلافُ أصْلِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى امْتِناعِ إلَهَيْنِ.
وأيْضًا فَإنَّهم إمّا أنْ يَقُولُوا: بِأنَّ جَوْهَرَ القَدِيمِ أيْضًا إلَهٌ أوْ ألّا يَقُولُوا، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ أبْطَلُوا مَذْهَبَهُمْ؛ فَإنَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الثّالُوثِ، وبِقَوْلِهِمْ هَذا يَلْزَمُ التَّرْبِيعُ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَجِدُوا إلى الفَرْقِ سَبِيلًا، مَعَ أنَّ جَوْهَرَ القَدِيمِ أصْلٌ والأقانِيمَ صِفاتٌ تابِعَةٌ، فَكانَ أوْلى أنْ يَكُونَ إلَهًا، وإنْ قالُوا بِالثّانِي فَحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى مُنازَعَةٍ لَفْظِيَّةٍ، والمَرْجِعُ فِيها إلى وُرُودِ الشَّرْعِ بِجَوازِ إطْلاقِ ذَلِكَ.
وأمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ الكَلِمَةَ امْتَزَجَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ فَيُبْطِلُهُ امْتِناعُ حُلُولِ صِفاتِ القَدِيمِ بِغَيْرِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، ودَعْواهُمُ الِاتِّحادَ مُمْتَنِعَةٌ مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ والإلْزامِ، أمّا الأوَّلُ فَإنَّهُما عِنْدَ الِاتِّحادِ إمّا أنْ يُقالَ: بِبَقائِهِما
صفحة 29
أوْ بِعَدَمِهِما، أوْ بِبَقاءِ أحَدِهِما وعَدَمِ الآخَرِ، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَهُما اثْنانِ كَما كانا، وإنْ كانَ الثّانِي فالواحِدُ المَوْجُودُ غَيْرُهُما، وإنْ كانَ الثّالِثُ فَلا اتِّحادَ لِلْاثِنَيْنِيَّةِ وعَدَمِ أحَدِهِما، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَمِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ أنَّهُ إذا جازَ اتِّحادُ أُقْنُومِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِالحادِثِ فَما المانِعُ مِنِ اتِّحادِ صِفَةِ الحادِثِ بِالجَوْهَرِ القَدِيمِ، فَلَئِنْ قالُوا: المانِعُ أنَّ اتِّحادَ صِفَةِ الحادِثِ بِالجَوْهَرِ القَدِيمِ يُوجِبُ نَقْصَهُ وهو مُمْتَنِعٌ، واتِّحادَ صِفَةِ القَدِيمِ بِالحادِثِ يُوجِبُ شَرَفَهُ، وشَرَفُ الحادِثِ بِالقَدِيمِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، قُلْنا: فَكَما أنَّ ذاتَ القَدِيمِ تَنْقُصُ بِاتِّحادِ صِفَةِ الحادِثِ بِها فالأُقْنُومُ القَدِيمُ يَنْقُصُ بِاتِّحادِهِ بِالنّاسُوتِ الحادِثِ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا.
الثّانِي أنَّهُ قَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى امْتِناعِ اتِّحادِ أُقْنُومِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِغَيْرِ ناسُوتِ المَسِيحِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ ناسُوتٍ وناسُوتٍ؟! فَلَئِنْ قالُوا: إنَّما اتَّحَدَ بِالنّاسُوتِ الكُلِّيِّ دُونَ الجُزْئِيِّ رَدَدْناهُ بِما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الثّالِثُ أنَّ مَذْهَبَهم أنَّ الأقانِيمَ زائِدَةٌ عَلى ذاتِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ، مَعَ اخْتِصاصِها بِهِ، ولَمْ يُوجِبْ قِيامَها بِهِ الِاتِّحادُ، فَأنْ لا يُوجِبَ اتِّحادَ الأُقْنُومِ بِالنّاسُوتِ أوْلى.
الرّابِعُ أنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ أُقْنُومَ الجَوْهَرِ القَدِيمِ مُخالِفٌ لِلنّاسُوتِ، كَما أنَّ صِفَةَ نَفْسِ الجَوْهَرِ تُخالِفُ نَفْسَ العَرَضِ، وصِفَةَ نَفْسِ العَرَضِ تُخالِفُ الجَوْهَرِ، فَإنْ قالُوا بِجَوازِ اتِّحادِ صِفَةِ الجَوْهَرِ بِالعَرَضِ أوْ صِفَةِ العَرَضِ بِالجَوْهَرِ، حَتّى أنَّهُ يَصِيرُ الجَوْهَرُ في حُكْمِ العَرَضِ، والعَرَضُ في حُكْمِ الجَوْهَرِ فَقَدِ التَزَمُوا مَجالًا مُخالِفًا لِأُصُولِهِمْ.
وإنْ قالُوا بِامْتِناعِ اتِّحادِ صِفَةِ نَفْسِ الجَوْهَرِ بِالعَرَضِ ونَفْسِ العَرَضِ بِالجَوْهَرِ مَعَ أنَّ العَرَضَ والجَوْهَرَ أقْبَلُ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ فَلِأنْ يَمْتَنِعَ في القَدِيمِ والحادِثِ أوْلى.
وقَوْلُهُمْ: إنَّ المَسِيحَ إنْسانٌ كُلِّيٌّ باطِلٌ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ أنَّ الإنْسانَ الكُلِّيَّ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِجُزْئِيٍّ دُونَ جُزْئِيٍّ مِنَ النّاسِ، وقَدِ اتَّفَقَتِ النَّصارى أنَّ المَسِيحَ مَوْلُودٌ مِن مَرْيَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وعِنْدَ ذَلِكَ فَإمّا أنْ يُقالَ أنَّ إنْسانَ مَرْيَمَ أيْضًا كُلِّيٌّ كَما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أوْ جُزْئِيٌّ، فَإنْ كانَ كُلِّيًّا فَإمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنَ إنْسانِ المَسِيحِ أوْ غَيْرِهِ، فَإنْ كانَ عَيْنَهُ لَزِمَ أنْ يُولَدَ الشَّيْءُ مِن نَفْسِهِ وهو مُحالٌ، ثُمَّ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ مَرْيَمَ ومَرْيَمُ المَسِيحَ، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فالإنْسانُ الكُلِّيُّ ما يَكُونُ عامًّا مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمِيعٍ، وطَبِيعَتُهُ جُزْءٌ مِن مَعْنى كُلِّ إنْسانٍ ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إنْسانُ المَسِيحِ بِطَبِيعَتِهِ جُزْءًا مِن مَفْهُومِ إنْسانِ مَرْيَمَ وبِالعَكْسِ، وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ كانَ إنْسانُ مَرْيَمَ جُزْئِيًّا فَمِن ضَرُورَةِ كَوْنِ المَسِيحِ مَوْلُودًا عَنْها أنْ يَكُونَ الكُلِّيُّ الصّالِحُ لِاشْتِراكِ الكَثْرَةِ مُنْحَصِرًا في الجُزْئِيِّ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِذاتِهِ وهو مُمْتَنِعٌ.
الثّانِي أنَّ النَّصارى مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ المَسِيحَ كانَ مَرْئِيًّا ومُشارًا إلَيْهِ، والكُلِّيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ.
الثّالِثُ أنَّهم قائِلُونَ: إنَّ الكَلِمَةَ حَلَّتْ في المَسِيحِ إمّا بِجِهَةِ الِاتِّحادِ أوْ لا بِجِهَةِ الِاتِّحادِ، فَلَوْ كانَ المَسِيحُ إنْسانًا كُلِّيًّا لَما اخْتَصَّ بِهِ بَعْضُ أشْخاصِ النّاسِ دُونَ البَعْضِ، ولَما كانَ المَوْلُودُ مِن مَرْيَمَ مُخْتَصًّا بِحُلُولِ الكَلِمَةِ دُونَ غَيْرِهِ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ.
الرّابِعُ أنَّ المَلْكانِيَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ القَتْلَ وقَعَ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ، ولَوْ كانَ ناسُوتُ المَسِيحِ كُلِّيًّا لَما تُصُوِّرَ وُقُوعُ الجُزْئِيِّ عَلَيْهِ.
وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ نُسْطُورُ مِنَ أنَّ الأقانِيمَ ثَلاثَةٌ فالكَلامُ مَعَهُ في الحَصْرِ عَلى طِرْزِ ما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: لَيْسَتْ عَيْنَ ذاتِهِ ولا غَيْرَ ذاتِهِ فَإنْ أرادَ بِذَلِكَ ما أرادَ بِهِ الأشْعَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنَّ الصِّفاتِ لا عَيْنَ ولا غَيْرَ فَهو حَقٌّ، وإنْ أرادَ غَيْرَهُ فَغَيْرُ مَفْهُومٍ، وأمّا تَفْسِيرُهُ العِلْمَ بِالكَلِمَةِ فالنِّزاعُ مَعَهُ في هَذا الإطْلاقِ لَفْظِيٌّ، ثُمَّ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُرِيدَ بِالكَلِمَةِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ أوِ الكَلامَ اللِّسانِيَّ، والكَلامُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ.
وقَوْلُهُ: إنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِالمَسِيحِ بِمَعْنى أنَّها أشْرَقَتْ عَلَيْهِ لا حاصِلَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرِيدَ بِإشْراقِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو مَفْهُومٌ مِن مِثالِهِ
صفحة 30
وهُوَ أنْ يَكُونَ مَطْرَحًا لِشُعاعِها عَلَيْهِ، أوْ يُرِيدُ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ كَتَعَلُّقِ العِلْمِ القَدِيمِ بِالمَعْلُوماتِ، أوْ يُرِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ذاتَ شُعاعٍ، وفي جِهَةٍ مِن مَطْرَحِ شُعاعِها، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ جِسْمًا، وأنْ لا تَكُونَ صِفَةً لِلْجَوْهَرِ القَدِيمِ، وهو مُحالٌ.
وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو حَقٌّ غَيْرَ أنَّ تَعَلُّقَ الأُقْنُومِ بِالمَسِيحِ بِهَذا التَّفْسِيرِ لا يَكُونَ خاصَّةً.
وإنْ كانَ الثّالِثَ فَلا بُدَّ مِن تَصْوِيرِهِ لِيَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ.
وأمّا قَوْلُ بَعْضِ النُّسْطُورِيَّةِ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ إلَهٌ حَيٌّ ناطِقٌ فَهو باطِلٌ بِأدِلَّةِ إبْطالِ التَّثْلِيثِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences