Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:171, continued
وأمّا مَن أثْبَتَ مِنهم لِلَّهِ تَعالى صِفاتٍ أُخَرَ كالقُدْرَةِ والإرادَةِ ونَحْوِهِما فَقَدْ أصابَ، خَلا أنَّ القَوْلَ بِإخْراجِها عَنْ كَوْنِها مِنَ الأقانِيمِ مَعَ أنَّها مُشارِكَةٌ لَها في كَوْنِها مِنَ الصِّفاتِ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ، والفَرْقُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ باطِلٌ، كَما عَلِمْتَ.
وأمّا قَوْلُهُمُ: المَسِيحُ إنْسانٌ تامٌّ، وإلَهٌ تامٌّ، وهُما جَوْهَرانِ: قَدِيمٌ وحادِثٌ فَطَرِيقُ رَدِّهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: التَّعَرُّضُ لِإبْطالِ كَوْنِ الأُقْنُومِ المُتَّحِدِ بِجَسَدِ المَسِيحِ إلَهًا، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَقُولُوا: بِأنَّ ما اتَّحَدَ بِجَسَدِ المَسِيحِ هو إلَهٌ فَقَطْ، أوْ أنَّ كُلَّ أُقْنُومٍ إلَهٌ كَما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المَلْكانِيَّةُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ: فَهو مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ الأوْلَوِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو مُمْتَنِعٌ أيْضًا لِما تَقَدَّمَ.
الثّانِي أنَّهُ إذا كانَ المَسِيحُ مُشْتَمِلًا عَلى الأُقْنُومِ والنّاسُوتِ الحادِثِ، فَإمّا أنْ يَقُولُوا بِالِاتِّحادِ أوْ بِحُلُولِ الأُقْنُومِ في النّاسُوتِ أوْ حُلُولِ النّاسُوتِ في الأُقْنُومِ، أوْ أنَّهُ لا حُلُولَ لِأحَدِهِما في الآخَرِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو باطِلٌ بِما سَبَقَ في إبْطال الِاتِّحادِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو باطِلٌ بِما يُبْطِلُ حُلُولَ الصِّفَةِ القَدِيمَةِ في غَيْرِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وحُلُولَ الحادِثِ في القَدِيمِ، وإنْ كانَ الثّالِثَ فَإمّا أنْ يُقالَ بِتَجاوُرِهِما واتِّصالِهِما أوْ لا، فَإنْ قِيلَ بِالأوَّلِ فَإمّا أنْ يُقالَ بِانْفِصالِ الأُقْنُومِ القَدِيمِ عَنِ الجَوْهَرِ الحادِثِ أوْ لا يُقالَ بِهِ، فَإنْ قِيلَ بِالِانْفِصالِ فَهو مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ ما يَدُلُّ عَلى إبْطال انْتِقالِ الصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ، الثّانِي أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ قِيامُ صِفَةٍ حالَ مُجاوَرَتِها لِلنّاسُوتِ بِنَفْسِها، وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَقِلْ بِانْفِصالِ الأُقْنُومِ عَنِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذاتُ الجَوْهَرِ القَدِيمِ مُتَّصِلَةً بِجَسَدِ المَسِيحِ ضَرُورَةَ اتِّصال أُقْنُومِها بِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اتِّحادُ الأُقْنُومِ بِالنّاسُوتِ أوْلى مِنِ اتِّحادِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِهِ، ولَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَقُلْ بِتَجاوُرِهِما واتِّصالِهِما فَلا مَعْنى لِلِاتِّحادِ بِجَسَدِ المَسِيحِ، ولَيْسَ القَوْلُ بِالِاتِّحادِ مَعَ عَدَمِ الِاتِّصالِ بِجَسَدِ المَسِيحِ أوْلى مِنَ العَكْسِ.
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ مِنهُمْ: إنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وإنَّ المَسِيحَ وُلِدَ مِن مَرْيَمَ، وأنَّهُ عَبْدٌ صالِحٌ مَخْلُوقٌ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَّفَهُ بِتَسْمِيَتِهِ ابْنًا فَهو كَما يَقُولُ المُوَحِّدُونَ ولا خِلافَ مَعَهم في غَيْرِ إطْلاقِ اسْمِ الِابْنِ.
وأمّا قَوْلُ بَعْضِ اليَعْقُوبِيَّةِ: إنَّ الكَلِمَةَ انْقَلَبَتْ لَحْمًا ودَمًا، وصارَ الإلَهُ هو المَسِيحَ فَهو أظْهَرُ بُطْلانًا مِمّا تَقَدَّمَ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ أنَّهُ لَوْ جازَ انْقِلابُ الأُقْنُومِ لَحْمًا ودَمًا مَعَ اخْتِلافِ حَقِيقَتِهِما لَجازَ انْقِلابُ المُسْتَحِيلِ مُمْكِنًا، والمُمْكِنِ مُسْتَحِيلًا، والواجِبِ مُمْكِنًا أوْ مُمْتَنِعًا، والمُمْكِنِ أوِ المُمْتَنِعِ واجِبًا، ولَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ وُثُوقٌ بِشَيْءٍ مِنَ القَضايا البَدِيهِيَّةِ، ولِجازَ انْقِلابُ الجَوْهَرِ عَرَضًا والعَرَضِ جَوْهَرًا، واللَّحْمِ والدَّمِ أُقْنُومًا، والأُقْنُومِ ذاتًا، والذّاتِ أُقْنُومًا، والقَدِيمِ حادِثًا، والحادِثِ قَدِيمًا، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ.
الثّانِي أنَّهُ لَوِ انْقَلَبَ الأُقْنُومُ لَحْمًا ودَمًا فَإمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنَ الدَّمِ واللَّحْمِ اللَّذَيْنِ كانا لِلْمَسِيحِ أوْ زائِدًا عَلَيْهِ مُنْضَمًّا إلَيْهِ، والأوَّلُ ظاهِرُ الفَسادِ، والثّانِي لَمْ يَقُولُوا بِهِ.
وأمّا ما نُقِلَ عَنْ يُوحَنّا مِن قَوْلِهِ: في البَدْءِ كانَتِ الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ هو الكَلِمَةُ، فَهو مِمّا انْفَرَدَ بِهِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِنَ الأناجِيلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كَذِبٌ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ: الدِّينارُ عِنْدَ صَيْرَفِيٍّ، والصَّيْرَفِيُّ هو الدِّينارُ، ولا يَكادُ يَتَفَوَّهُ بِهِ عاقِلٌ، وكَذا قَوْلُهُ: إنَّ الكَلِمَةَ صارَتْ جَسَدًا وحَلَّتْ فِينا غَيْرُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يَحْتَمِلُ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ
صفحة 31
أيْ: إنَّ الجَسَدَ الَّذِي صارَ بِالتَّسْمِيَةِ كَلِمَةً حَلَّ فِينا، وعَنى بِذَلِكَ الجَسَدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى بُطْرُسَ كَبِيرِ التَّلامِيذِ، ووَصِيِّ المَسِيحِ، فَإنَّهُ أقامَ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَدْبِيرِ دِينِهِ، وكانَتِ النَّصارى تَفْزَعُ إلَيْهِ عَلى ما تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُهُمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ ذَهَبَتِ الكَلِمَةُ أيْ: عِيسى الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن بَيْنِنا فَإنَّها لَمْ تَذْهَبْ حَتّى صارَتْ جَسَدًا وحَلَّ فِينا، يُرِيدُ أنَّ تَدْبِيرَها حاضِرٌ في جَسَدٍ بَيْنَنا، وهو بُطْرُسُ.
ومِنَ النّاسِ مَن خَرَّجَ كَلامَهُ عَلى إسْقاطِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عِنْدَ إخْراجِهِ مِنَ العِبْرانِيِّ إلى اللِّسانِ العَرَبِيِّ، والمُرادُ: أصارَتْ، وفِيهِ بُعْدٌ.
ومِنَ العَجَبِ العَجِيبِ أنَّ يُوحَنّا ذَكَرَ أنَّ المَسِيحَ قالَ لِتَلامِيذِهِ: إنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدِي وتَشْرَبُوا دَمِي فَلا حَياةَ لَكم بَعْدِي؛ لِأنَّ جَسَدِي مَأْكَلُ حَقٍّ، ودَمِي مَشْرَبُ حَقٍّ، ومَن يَأْكُلْ جَسَدِي ويَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وأثْبُتْ فِيهِ، فَلَمّا سَمِعَ تَلامِيذُهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ قالُوا: ما أصْعَبَها! مَن يُطِيقُ سَماعَها؟! فَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنهم عَنْ صُحْبَتِهِ، فَإنَّ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ صارَتْ جَسَدًا في غايَةِ الإشْكالِ؛ إذْ فِيهِ أمْرُ الحادِثِ بِأكْلِ اللَّهِ تَعالى القَدِيمِ الأزَلِيِّ وشُرْبِهِ، والحَقُّ أنَّ شَيْئًا مِنَ الكَلامَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ، فَلا نَتَحَمَّلُ مُؤْنَةَ التَّأْوِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللّاهُوتَ ظَهَرَ بِالنّاسُوتِ فَصارَ هو هُوَ، فَإمّا أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّ اللّاهُوتَ صارَ عَيْنَ النّاسُوتِ كَما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُمْ: صارَ هو هُوَ، فَيَرْجِعُ إلى تَجْوِيزِ انْقِلابِ الحَقائِقِ، وهو مُحالٌ كَما عَلِمْتَ، وإمّا أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّ اللّاهُوتَ اتَّصَفَ بِالنّاسُوتِ فَهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِما ثَبَتَ مِنِ امْتِناعِ حُلُولِ الحادِثِ بِالقَدِيمِ، أوْ أنَّ النّاسُوتَ اتَّصَفَ بِاللّاهُوتِ وهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِامْتِناعِ حُلُولِ القَدِيمِ بِالحادِثِ.
وأمّا مَن قالَ مِنهُمْ: بِأنَّ جَوْهَرَ الإلَهِ القَدِيمِ وجَوْهَرَ الإنْسانِ المُحْدَثِ تَرَكَّبا وصارا جَوْهَرًا واحِدًا هو المَسِيحُ فَباطِلٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ ما ذُكِرَ مِن إبْطالِ الِاتِّحادِ.
الثّانِي أنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ النّاسُوتِ لاهُوتًا بِتَرَكُّبِهِ مَعَ اللّاهُوتِ أوْلى مِن جَعْلِ اللّاهُوتِ ناسُوتًا مِن جِهَةِ تَرَكُّبِهِ مَعَ النّاسُوتِ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ، وأمّا جَوْهَرُ الفَحْمَةِ إذا أُلْقِيَتْ في النّارِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ صارَ بِعَيْنِهِ جَوْهَرَ النّارِ، بَلْ صارَ مُجاوِرًا لِجَوْهَرِ النّارِ، وغايَتُهُ أنَّ بَعْضَ صِفاتِ جَوْهَرِ الفَحْمَةِ وأعْراضِها بَطَلَتْ بِمُجاوَرَةِ جَوْهَرِ النّارِ، أمّا أنَّ جَوْهَرَ أحَدِهِما صارَ جَوْهَرَ الآخَرِ فَلا.
وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الِاتِّحادَ بِالنّاسُوتِ الجُزْئِيِّ دُونَ الكُلِّيِّ فَمُحالٌ لِأدِلَّةِ إبْطالِ الِاتِّحادِ وحُلُولِ القَدِيمِ بِالحادِثِ، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلَهُمْ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، وقَوْلُهُمُ: القَتْلُ وقَعَ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ مَعًا عَلى أنَّهُ يُوجِبُ مَوْتَ الإلَهِ وهو بَدِيهِيُّ البُطْلانِ.
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَسِيحَ مَعَ اتِّحادِ جَوْهَرِهِ قَدِيمٌ مِن وجْهٍ، مُحْدَثٌ مِن وجْهٍ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جَوْهَرُ المَسِيحِ مُتَّحِدًا لا كَثْرَةَ فِيهِ فالحُدُوثُ إمّا أنْ يَكُونَ لِعَيْنِ ما قِيلَ بِقِدَمِهِ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو مُحالٌ، وإلّا لَكانَ الشَّيْءُ الواحِدُ قَدِيمًا لا أوَّلَ لَهُ، حادِثًا لَهُ أوَّلُ وهو مُتَناقِضٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو خِلافُ المَفْرُوضِ.
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ مَرَّتْ بِمَرْيَمَ كَمُرُورِ الماءِ في المِيزابِ فَيَلْزَمُ مِنهُ انْتِقالُ الكَلِمَةِ، وهو مُمْتَنِعٌ كَما لا يَخْفى، وبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ كانَتْ تَدْخُلُ جَسَدَ المَسِيحِ تارَةً وتُفارِقُهُ أُخْرى.
وقَوْلُهُمْ: إنَّ ما ظَهَرَ مِن صُورَةِ المَسِيحِ في النّاسُوتِ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا بَلْ خَيالًا كالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ في المِرْآةِ باطِلٌ؛ لِأنَّ مِن أصْلِهِمْ أنَّ المَسِيحَ إنَّما أحْيا المَيِّتَ وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِما فِيهِ مِنَ اللّاهُوتِ، فَإذًا كانَ ما ظَهَرَ فِيهِ مِنَ اللّاهُوتِ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هو خَيالٌ مَحْضٌ لا يَصْلُحُ لِحُدُوثِ ما حَدَثَ عَنِ الإلَهِ عَنْهُ.
والقَوْلُ بِأنَّ أُقْنُومَ الحَياةِ مَخْلُوقٌ حادِثٌ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى قِدَمِ الصِّفاتِ، فَهو قَدِيمٌ أزَلِيٌّ كَيْفَ وأنَّهُ لَوْ كانَ حادِثًا لَكانَ الإلَهُ قَبْلَهُ غَيْرَ حَيٍّ؟! ومَن لَيْسَ بِحَيٍّ لا يَكُونُ عالِمًا ولا ناطِقًا.
وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَسِيحَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ العالَمِ وهو خالِقٌ لِكُلِّ
صفحة 32
شَيْءٍ باطِلٌ؛ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ كانَ اللَّهُ تَعالى ولا شَيْءَ غَيْرُهُ.
وأمّا الأمانَةُ الَّتِي هم بِها مُتَقَرِّبُونَ وبِما حَوَتْهُ مُتَعَبِّدُونَ فَبَيانُ اضْطِرابِها وتَناقُضِها وتَهافُتِها مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُمْ: نُؤْمِنُ بِالواحِدِ الأبِ صانِعِ كُلِّ شَيْءٍ يُناقِضُ قَوْلَهُمْ: وبِالرَّبِّ الواحِدِ المَسِيحِ إلَخْ، مُناقِضَةً لا تَكادُ تَخْفى.
الثّانِي أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ تَعالى بِكْرُ الخَلائِقِ مُشْعِرٌ بِحُدُوثِ المَسِيحِ؛ إذْ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ ابْنَهُ إلّا تَأخُّرُهُ عَنْهُ، إذِ الوالِدُ والوَلَدُ لا يَكُونانِ مَعًا في الوُجُودِ، وكَوْنُهُما مَعًا مُسْتَحِيلٌ بِبَداهَةِ العُقُولِ؛ لِأنَّ الأبَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ ولَدَ ولَدًا لَمْ يَزَلْ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَإنْ قالُوا: ولَدَ ولَدًا لَمْ يَزَلْ، قُلْنا: فَما ولَدَ شَيْئًا، إذِ الِابْنُ لَمْ يَزَلْ، وإنْ ولَدَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فالوَلَدُ حادِثٌ مَخْلُوقٌ، وذَلِكَ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِهِمْ: إلَهٌ حَقٌّ، مِن إلَهٍ حَقٍّ، مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، وأنَّهُ أتْقَنَ العَوالِمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
الثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إلَهٌ حَقٌّ مِن إلَهٍ حَقٍّ مِن جَوْهَرِ أبِيهِ يُناقِضُهُ قَوْلُ المَسِيحِ في الإنْجِيلِ - وقَدْ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ - فَقالَ: لا أعْرِفُهُ ولا يَعْرِفُهُ إلّا الأبُ وحْدَهُ، فَلَوْ كانَ مِن جَوْهَرِ الأبِ لَعَلِمَ ما يَعْلَمُهُ الأبُ، عَلى أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ إلَهٌ ثانٍ مِن إلَهٍ أوَّلَ لَجازَ أنْ يَكُونَ إلَهٌ ثالِثٌ مِن إلَهٍ ثانٍ، ولَما وقَفَ الأمْرُ عَلى غايَةٍ، وهو مِحالٌ.
الرّابِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ أتْقَنَ العَوالِمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ باطِلٌ مُكَذِّبٌ لِما في الإنْجِيلِ؛ إذْ يَقُولُ مَتّى: هَذا مَوْلِدُ يَسُوعَ المَسِيحِ بْنِ داوُدَ، وأيْضًا خالِقُ العالَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سابِقًا عَلَيْهِ، وأنّى بِسَبْقِ المَسِيحِ وقَدْ ولَدَتْهُ مَرْيَمُ ؟! وأيْضًا في الإنْجِيلِ: إنَّ إبْلِيسَ قالَ لِلْمَسِيحِ: اسْجُدْ لِي وأُعْطِيَكَ جَمِيعَ العالَمِ، وأُمَلِّكَكَ كُلَّ شَيْءٍ، ولا زالَ يَسْحَبُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ، ويَطْمَعُ في تَعَبُّدِهِ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقُ العالَمِ مَحْصُورًا في يَدِ بَعْضِ العالَمِ؟! نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الضَّلالَةِ.
الخامِسُ أنَّ قَوْلَهُمُ: المَسِيحُ الإلَهُ الحَقُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لِخَلاصِ النّاسِ، وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ وصارَ إنْسانًا وحُبِلَ بِهِ ووُلِدَ فِيهِ عِدَّةُ مَفاسِدَ:
مِنها أنَّ المَسِيحَ لا يَخُصُّ مُجَرَّدَ الكَلِمَةِ ولا مُجَرَّدَ الجَسَدِ، بَلْ هو اسْمٌ يَخُصُّ هَذا الجَسَدَ الَّذِي ولَدَتْهُ مَرْيَمُ - عَلَيْها السَّلامُ - ولَمْ تَكُنِ الكَلِمَةُ في الأزَلِ مَسِيحًا، فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ هو الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.
ومِنها أنَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الكَلِمَةَ أوِ النّاسُوتَ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّ الَّذِي نَزَلَ هو النّاسُوتُ فَكَذِبٌ صُراحٌ؛ لِأنَّ ناسُوتَهُ مِن مَرْيَمَ، وإنْ زَعَمُوا أنَّهُ اللّاهُوتُ فَيُقالُ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الذّاتَ أوِ العِلْمَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ لُحُوقُ النَّقائِصِ لِلْبارِي عَزَّ اسْمُهُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ لَزِمَ انْتِقالُ الصِّفَةِ وبَقاءُ البارِي بِلا عِلْمٍ، وذَلِكَ باطِلٌ.
ومِنها أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّما نَزَلَ لِخَلاصِ مَعْشَرِ النّاسِ يُرِيدُونَ بِهِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَصى أوْثَقَ سائِرَ ذُرِّيَّتِهِ في حِبالَةِ الشَّيْطانِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الخُلُودَ في النّارِ، فَكانَ خَلاصُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ وصَلْبِهِ والتَّنْكِيلِ بِهِ، وذَلِكَ دَعْوى لا دَلالَةَ عَلَيْها، هَبْ أنّا سَلَّمْناها لَهُمْ، لَكِنْ يُقالُ: أخْبِرُونا مِمَّ هَذا الخَلاصُ الَّذِي تَعَنّى الإلَهُ الأزَلِيُّ لَهُ؟ وفَعَلَ ما فَعَلَ بِنَفْسِهِ لِأجْلِهِ؟ ولِمَ خَلَّصَكُمْ؟ ومِمَّنْ خَلَّصَكُمْ؟ وكَيْفَ اسْتَقَلَّ بِخَلاصِكم دُونَ الأبِ والرُّوحِ، والرُّبُوبِيَّةُ بَيْنَهُمْ؟! وكَيْفَ ابْتُذِلَ وامْتُهِنَ في خَلاصِكم دُونَ الأبِ والرُّوحِ؟! فَإنْ زَعَمُوا أنَّ الخَلاصَ مِن تَكالِيفِ الدُّنْيا وهُمُومِها أكْذَبَهُمُ الحِسُّ، وإنْ كانَ مِن تَكالِيفِ الشَّرْعِ وأنَّهم قَدْ حُطَّ عَنْهُمُ الصَّلاةُ والصَّوْمُ مَثَلًا أكْذَبَهُمُ المَسِيحُ والحَوارِيُّونَ بِما وضَعُوهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ، وإنْ زَعَمُوا أنَّهم قَدْ خَلَصُوا مِن أحْكامِ الدّارِ الآخِرَةِ فَمَنِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا مِنهم لَمْ يُؤاخَذْ أكْذَبَهُمُ الإنْجِيلُ والنُّبُوّاتُ؛ إذْ يَقُولُ المَسِيحُ في الإنْجِيلِ: إنِّي أُقِيمُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ يَمِينِي وشِمالِي فَأقُولُ لِأهْلِ اليَمِينِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا فاذْهَبُوا إلى النَّعِيمِ المُعَدِّ لَكم قَبْلَ تَأْسِيسِ الدُّنْيا، وأقُولُ لِأهْلِ الشِّمالِ:
صفحة 33
فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا، فاذْهَبُوا إلى العَذابِ المُعَدِّ لَكم قَبْلَ تَأْسِيسِ العالَمِ.
السّادِسُ أنَّ قَوْلَهُمْ: وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ باطِلٌ بِنَصِّ الإنْجِيلِ؛ إذْ يَقُولُ مَتّى في الفَصْلِ الثّانِي مِنهُ: إنَّ يُوحَنّا المَعْمَدانِيَّ حِينَ عَمَّدَ المَسِيحَ جاءَتْ رُوحُ القُدُسِ إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ في صِفَةِ حَمامَةٍ، وذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثِينَ مِن عُمُرِهِ.
السّابِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ المَسِيحَ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وحَمَلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وسَكَنَ في رَحِمَها مُكَذَّبٌ بِقَوْلِ لُوقا الإنْجِيلِيِّ إذْ يَقُولُ في قَصَصِ الحَوارِيِّينَ في الفَصْلِ الرّابِعَ عَشَرَ مِنهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ بِما فِيهِ، وهو رَبُّ السَّماءِ والأرْضِ، لا يَسْكُنُ الهَياكِلَ، ولا تَنالُهُ أيْدِي الرِّجالِ، ولا يَحْتاجُ إلى أيِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي أعْطى النّاسَ الحَياةَ، فَوُجُودُنا بِهِ وحَياتُنا وحَرَكاتُنا مِنهُ، فَقَدْ شَهِدَ لُوقا بِأنَّ البارِيَ وصِفاتِهِ لا تَسْكُنُ الهَياكِلَ ولا تَنالُهُ الرِّجالُ بِأيْدِيها، وهَذا يُنافِي كَوْنَ الكَلِمَةِ سَكَنَتْ في هَيْكَلِ مَرْيَمَ، وتَحَوَّلَتْ إلى هَيْكَلِ المَسِيحِ.
الثّامِنُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ قُتِلَ وصُلِبَ قامَ مِن بَيْنِ الأمْواتِ وصَعِدَ إلى السَّماءِ، وجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أبِيهِ مِنَ الكَذِبِ الفاحِشِ المُسْتَلْزِمِ لِلْحُدُوثِ.
التّاسِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ هَذا الرَّبُّ الَّذِي صُلِبَ وقُتِلَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تارَةً أُخْرى لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ:
لَألْفَيَنَّكَ بَعْدَ المَوْتِ تَنْدُبُنِي وفي حَياتِي ما زَوَّدْتَنِي زادا
إذْ زَعَمُوا أنَّهُ في المَرَّةِ الأُولى عَجَزَ عَنْ خَلاصِ نَفْسِهِ حَتّى تَمَّ عَلَيْهِ مِن أعْدائِهِ ما تَمَّ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلى خَلاصِهِمْ بِجُمْلَتِهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.
العاشِرُ أنَّ قَوْلَهُمْ: ونُؤْمِنُ بِمَعْمُودِيَّةٍ واحِدَةٍ لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ فِيهِ مُناقَضَةٌ لِأُصُولِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اعْتِقادَ النَّصارى أنَّهُ لَمْ تُغْفَرْ خَطاياهم بِدُونِ قَتْلِ المَسِيحِ ولِذَلِكَ سَمَّوْهُ جَمَلَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ الخَطايا، ودَعَوْهُ مُخَلِّصَ العالَمِ مِنَ الخَطِيئَةِ، فَإذا آمَنُوا بِأنَّ المَعْمُودِيَّةَ الواحِدَةَ هي الَّتِي تَغْفِرُ خَطاياهم وتُخَلِّصُ مِن ذُنُوبِهِمْ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِ المَسِيحِ لِاسْتِقْلالِ المَعْمُودِيَّةِ بِالخَلاصِ والمَغْفِرَةِ، فَإنْ كانَ التَّعْمِيدُ كافِيًا لِلْمَغْفِرَةِ فَقَدِ اعْتَرَفُوا أنَّ وُقُوعَ القَتْلِ عَبَثٌ، وإنْ كانَتْ لا تَحْصُلُ إلّا بِقَتْلِهِ فَما فائِدَةُ التَّعْمِيدِ، وما هَذا الإيمانُ؟!
فَهَذِهِ عَشَرَةُ وُجُوهٍ كامِلَةٍ في رَدِّ تِلْكَ الأمانَةِ، وإظْهارِ ما لَهم فِيها مِنَ الخِيانَةِ، ومَن أمْعَنَ نَظَرَهُ رَدَّها بِأضْعافِ ذَلِكَ، وقالَ أبُو الفَضْلِ المالِكِيُّ بَعْدَ كَلامٍ:
بَطَلَتْ أمانَتُهم فَمِن مَضْمُونِها ∗∗∗ ظَهَرَتْ خِيانَتُها خِلالَ سُطُورِها
بَدَأُوا بِتَوْحِيدِ الإلَهِ وأشْرَكُوا ∗∗∗ عِيسى بِهِ فالخُلْفُ في تَعْبِيرِها
قالُوا بِأنَّ إلَهَهم عِيسى الَّذِي ∗∗∗ ذَرَّ الوُجُودَ عَلى الخَلِيقَةِ كُلِّها
خَلَقَ أُمَّهُ قَبْلَ الحُلُولِ بِبَطْنِها ∗∗∗ ما كانَ أغْنى ذاتِهِ عَنْ مِثْلِها
هَلْ كانَ مُحْتاجًا لِشُرْبِ لِبانِها ∗∗∗ أوْ أنْ يُرَبّى في مَواطِنِ حِجْرِها
جَعَلُوهُ رَبًّا جَوْهَرًا مِن جَوْهَرٍ ∗∗∗ ذَهَبُوا لِما لا يَرْتَضِيهِ أُولُو النُّهى
قالُوا وجاءَ مِنَ السَّماءِ عِنايَةً ∗∗∗ لِخَلاصِ آدَمَ مِن لَظاهُ وحَرِّها
قَدْ تابَ آدَمُ تَوْبَةً مَقْبُولَةَ ∗∗∗ فَضَلالُهم جَعَلَ الفِداءَ بِغَيْرِها
لَوْ جاءَ في ظُلَلِ الغَمامِ وحَوْلَهُ ∗∗∗ شَرَفًا مَلائِكَةُ السَّماءِ بِأسْرِها
وفَدى الَّذِي بِيَدَيْهِ أحْكَمَ طِينَهُ ∗∗∗ بِالعَفْوِ عَنْ كُلِّ الأُمُورِ وسَتْرِها
ثُمَّ اجْتَباهُ مُحَبَّبًا ومُفَضَّلًا ∗∗∗ ووَقاهُ مِن غَيِّ النُّفُوسِ وشَرِّها
صفحة 34
كُنْتُمْ تُحِلُّونَ الإلَهَ مَقامَهُ ∗∗∗ فِيما تَراهُ نُفُوسُكم مِن شِرْكِها
مِن غَيْرِ أنْ يَحْتاجَ في تَخْلِيصِهِ ∗∗∗ كُلُّ الخَلائِقِ أنْ تَبُوءَ بِضُرِّها
ويُشِينُهُ الأعْدا بِما لا يَرْتَضِي ∗∗∗ مِن كَيْدِها وبِما دَهى مِن مَكْرِها
هَذِي أمانَتُهم وهَذا شَرْحُها ∗∗∗ اللَّهُ أكْبَرُ مِن مَعانِي كُفْرِها
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لِلنَّصارى القائِلِينَ بِالتَّثْلِيثِ بِما رُوِيَ عَنْ مَتّى التِّلْمِيذِ أنَّهُ قالَ: إنَّ المَسِيحَ عِنْدَما ودَّعَهم قالَ: اذْهَبُوا وعَمِّدُوا الأُمَمَ بِاسْمِ الرَّبِّ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، ومِن هُنا جَعَلُوا مُفْتَتَحَ الإنْجِيلِ ذَلِكَ، كَما أنَّ مُفْتَتَحَ القُرْآنِ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضٍ مِنّا أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ كالبَسْمَلَةِ عِنْدَنا؛ لِأنّا نَقُولُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ - ودُونَها خَرْطُ القَتادِ -: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأبِ المَبْدَأُ؛ فَإنَّ القُدَماءَ كانُوا يُسَمُّونَ المَبادِيَ بِالآباءِ، ومِنَ الِابْنِ الرَّسُولُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا وإكْرَمًا كَما سُمِّيَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – خَلِيلًا، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهم يُسَمُّونَ الآثارَ أبْناءً، وقَدْ رَوَوْا عَنِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمْ، وقالَ: لا تُعْطُوا صَدَقاتِكم قُدّامَ النّاسِ لِتُراءُوهُمْ؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ لَكم أجْرٌ عِنْدَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماءِ.
ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الِابْنَ بِمَعْنى الحَبِيبِ أوْ نَحْوِهِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما رَوَوْهُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ عَقِيبَ وصِيَّةٍ وصّى بِها الحَوارِيِّينَ: لِكَيْ تَكُونُوا أبْناءَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماءِ وتَكُونُوا تامِّينَ كَما أنَّ أباكُمُ الَّذِي في السَّماءِ تامٌّ، ويُرادُ بِرُوحِ القُدُسِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَعْنى عَمِّدُوا بِبَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمَلَكِ المُؤَيِّدِ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى تَبْلِيغِ أوامِرِ رَبِّهِمْ.
وفِي كَشْفِ الغَيْنِ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ البَسْمَلَتَيْنِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الغَنِيِّ النّابُلُسِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ بَسْمَلَةَ النَّصارى مُشِيرَةٌ إلى ثَلاثِ حَضَراتٍ لِلْأمْرِ الإلَهِيِّ الواحِدِ الأحَدِ الغَيْبِ المُطْلَقِ، فالأبُ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّذِي هو أوَّلُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، كَما في الخَبَرِ، وهو المُسَمّى بِالعَقْلِ والقَلَمِ والحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيُقالُ: رُوحُ اللَّهِ تَعالى؛ لِلتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ، كَناقَةِ اللَّهِ تَعالى، ورُوحُ القُدُسِ إشارَةً إلَيْهِ أيْضًا، بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ بِصُورَةِ البَشَرِ السَّوِيِّ النّافِخِ في دِرْعِ مَرْيَمَ، عَلَيْها السَّلامُ.
والِابْنُ إشارَةٌ إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ابْنٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ بِاعْتِبارِ أنَّ تَكَوُّنَهُ بِسَبَبِ نَفْخِهِ.
والأبُ هو الِابْنُ، والِابْنُ هو رُوحُ القُدُسِ في الحَقِيقَةِ، والغَيْبُ المُطْلَقُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هو لا شَيْءَ مَعَهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ، فَبَسْمَلَةُ الإنْجِيلِ مِن مَقامِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ والأسْماءِ الرَّبّانِيَّةِ لا مِن مَقامِ الذّاتِ الأقْدَسِيَّةِ.
ثُمَّ لا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أنَّ كَلِماتِ سادَتِنا الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم - تُدَنْدِنُ حَوْلَ كَلِماتِ النَّصارى، كَما يَزْعُمُهُ مَن لا اطِّلاعَ لَهُ عَلى تَحْقِيقِ كَلامِهِمْ ولا ذَوْقَ لَهُ في مَشْرَبِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ - نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ - مُبَرَّءُونَ عَمّا نَسَبَهُ المَحْجُوبُونَ إلَيْهِمْ مِنِ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ والعَيْنِيَّةِ والِاتِّحادِ والحُلُولِ.
أمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالتَّجْسِيمِ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ هو الوُجُودُ المَحْضُ، المَوْجُودُ بِذاتِهِ، القائِمُ بِذاتِهِ، المُتَعَيِّنُ بِذاتِهِ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو صُورَةٌ في الوُجُودِ المُنْبَسِطِ عَلى الحَقائِقِ، المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالعَماءِ، مُتَعَيِّنَةٌ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِ ماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ ولا شَيْءَ مِنَ الوُجُودِ المُجَرَّدِ مِنَ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ بِالصُّورَةِ المُتَعَيَّنَةِ في الوُجُودِ المُنْبَسِطِ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ فَلا شَيْءَ مِنَ الجِسْمِ بِالوُجُودِ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ، وتَنْعَكِسُ إلى لا شَيْءَ مِنَ الوُجُودِ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ وهو المَطْلُوبُ.
وأمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالعَيْنِيَّةِ؛ فَلِأنَّ الحَقَّ تَعالى هو ما عَلِمْتَ مِنَ الوُجُودِ المَحْضِ إلَخْ، والمَخْلُوقُ هو الصُّورَةُ الظّاهِرَةُ في الوُجُودِ، المُنْبَسِطُ عَلى الحَقائِقِ، المُتَعَيَّنُ بِحَسَبِ ماهِيَّتِهِ المَعْدُومَةِ، ولا شَيْءَ مِنَ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ بِالمُقْتَرِنِ بِالماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ
صفحة 35
بِحَسَبِها، ومِمّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في البابِ الثّامِنِ والخَمْسِينَ وخَمْسِمِائَةِ مِنَ الفُتُوحاتِ في حَضْرَةِ البَدِيعِ بَعْدَ بَسْطٍ: وهَذا يَدُلُّكَ عَلى أنَّ العالَمَ ما هو عَيْنُ الحَقِّ، وإنَّما ظَهَرَ في الوُجُودِ الحَقِّ، إذْ لَوْ كانَ عَيْنَ الحَقِّ ما صَحَّ كَوْنُهُ بَدِيعًا.
وقَوْلُهُ في هَذا البابِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ انْفَرَدَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِها ونَفى العِلْمَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَأثْبَتَكَ في هَذِهِ الآيَةِ وأعْلَمَكَ أنَّكَ لَسْتَ هُوَ؛ إذْ لَوْ كُنْتَ هو لَعَلِمْتَ مَفاتِحَ الغَيْبِ بِذاتِكَ وما لا تَعْلَمُهُ إلّا بِمَوْقِفٍ فَلَسْتَ عَيْنَ المَوْقِفِ، وكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ إسْماعِيلُ بْنُ سُودِكِينَ في شَرْحِ التَّجَلِّياتِ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ أيْضًا: لَمّا ظَهَرَتِ المُمَكَّناتُ بِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى لَها وتَحَقَّقَ ذَلِكَ تَحَقُّقًا لا يُمْكِنُ لِلْمُمَكَّنِ أنْ يُزِيلَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ أبَدًا فَبَقِيَ مُتَواضِعًا لِكِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى خاشِعًا لَهُ، وهَذِهِ سَجْدَةُ الأبَدِ، وهي عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ العَبْدِ بِحَقِيقَتِهِ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ««كُنْتُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ»» الحَدِيثَ، ولَمّا لاحَ مِن هَذا المَشْهَدِ لِبَعْضِ الضُّعَفاءِ لائِحٌ قالَ: أنا الحَقُّ، فَسَكِرَ وصاحَ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ لِغَيْبَتِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، انْتَهى.
وأمّا أنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالِاتِّحادِ؛ فَلِأنَّ الِاتِّحادَ إمّا بِصَيْرُورَةِ الوُجُودِ المَحْضِ المُجَرَّدِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ وجُودًا مُقْتَرِنًا بِالماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ مُتَعَيَّنًا بِحَسَبِها أوْ بِالعَكْسِ، وذَلِكَ مُحالٌ بِوَجْهَيْهِ؛ لِأنَّ التَّجَرُّدَ عَنِ الماهِيَّةِ ذاتِيٌّ لِلْحَقِّ تَعالى، والِاقْتِرانَ بِها ذاتِيٌّ لِلْمُمَكَّنِ، وما بِالذّاتِ لا يَزُولُ.
وفِي كِتابِ المَعْرِفَةِ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ: إذا كانَ الِاتِّحادُ مُصَيِّرَ الذّاتَيْنِ واحِدَةً فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ عَيْنُ كُلٍّ مِنهُما مَوْجُودًا في حالِ الِاتِّحادِ فَهُما ذاتانِ، وإنْ عُدِمَتِ العَيْنُ الواحِدَةُ وثَبَتَتِ الأُخْرى فَلَيْسَتْ إلّا واحِدَةً.
وقالَ في كِتابِ الياءِ - وهو كِتابُ الهَوِّ -: الِاتِّحادُ مُحالٌ، وساقَ الكَلامَ، إلى أنْ قالَ: فَلا اتِّحادَ البَتَّةَ لا مِن طَرِيقِ المَعْنى، ولا مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ.
وقالَ في البابِ الخامِسِ مِنَ الفُتُوحاتِ خِطابًا مِنَ الحَقِّ تَعالى لِلرُّوحِ الكُلِّيِّ: وقَدْ حَجَبْتُكِ عَنْ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ إمْدادِي لَكِ بِالأسْرارِ الإلَهِيَّةِ إذْ لا طاقَةَ لَكِ بِحَمْلِ مُشاهَدَتِها، إذْ لَوْ عَرَفْتِها لا تَحْدُثُ الإنْيَةُ واتِّحادُ الإنْيَةِ مُحالٌ، فَمُشاهَدَتُكِ لِذَلِكَ مُحالٌ، هَلْ تَرْجِعُ إنْيَةُ المُرَكَّبِ إنْيَةَ البَسِيطِ، لا سَبِيلَ إلى قَلْبِ الحَقائِقِ.
وأمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالحُلُولِ؛ فَلِأنَّهم فَسَّرُوا الحُلُولَ تارَةً بِأنَّهُ الحُصُولُ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، وتارَةً بِأنَّهُ كَوْنُ المَوْجُودِ في مَحَلٍّ قائِمًا بِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الواجِبَ تَعالى - وهو الوُجُودُ المَحْضُ القائِمُ بِذاتِهِ المُتَعَيَّنُ كَذَلِكَ - يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ القِيامُ بِغَيْرِهِ.
قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الثّانِي والتِّسْعِينَ ومِائَتَيْنِ مِنَ الفُتُوحاتِ: نُورُ الشَّمْسِ إذا تَجَلّى في البَدْرِ يُعْطِي مِنَ الحِكَمِ ما لا يُعْطِيهِ مِنَ الحِكَمِ بِغَيْرِ البَدْرِ لا شَكَّ في ذَلِكَ، كَذَلِكَ الِاقْتِدارُ الإلَهِيُّ إذا تَجَلّى في العَبْدِ يُظْهِرُ الأفْعالَ عَنِ الخَلْقِ، فَهو وإنْ كانَ بِالِاقْتِدارِ الإلَهِيِّ لَكِنْ يَخْتَلِفُ الحُكْمُ؛ لِأنَّهُ بِواسِطَةِ هَذا المُجَلّى الَّذِي كانَ مِثْلَ المِرْآةِ لِتَجَلِّيهِ، وكَما يُعْلَمُ عَقْلًا أنَّ القَمَرَ في نَفْسِهِ لَيْسَ فِيهِ مِن نُورِ الشَّمْسِ شَيْءٌ، وأنَّ الشَّمْسَ ما انْتَقَلَتْ إلَيْها بِذاتِها وإنَّما كانَ لَها مُجَلًّى، كَذَلِكَ العَبْدُ لَيْسَ فِيهِ مِن خالِقِهِ شَيْءٌ ولا حَلَّ فِيهِ، وإنَّما هو مُجَلًّى لَهُ وخاصَّةٌ ومَظْهَرٌ لَهُ، انْتَهى.
وهَذا نَصٌّ في نَفْيِ الحُلُولِ، ومَنشَأُ غَلَطِ المَحْجُوبِينَ المُنْكِرِينَ عَدَمُ الفَهْمِ لِكَلامِ هَؤُلاءِ السّادَةِ - نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ - عَلى وجْهِهِ، وعَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحُلُولِ والتَّجَلِّي، ولَمْ يَعْمَلُوا أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُجَلّى لِشَيْءٍ لَيْسَ كَوْنَهُ مُحِلًّا لَهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ في المِرْآةِ خارِجٌ عَنِ المِرْآةِ بِذاتِهِ قَطْعًا بِخِلافِ الحالِّ في مَحَلٍّ فَإنَّهُ حاصِلٌ فِيهِ، فالظُّهُورُ غَيْرُ الحُلُولِ
صفحة 36
فَإنَّ الظُّهُورَ في المَظاهِرِ لِلْواسِعِ القُدُّوسِ يُجامِعُ التَّنْزِيهَ بِخِلافِ الحُلُولِ، نَعَمْ، وقَعَ في كَلامِهِمُ التَّعْبِيرُ بِالحُلُولِ، ومُرادُهم بِهِ الظُّهُورَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يا قِبْلَتِي قابِلِينِي بِالسُّجُودِ فَقَدْ ∗∗∗ رَأيْتُ شَخْصًا لِشَخْصٍ فِيَّ قَدْ سَجَدا
لاهُوتُهُ حَلَّ ناسُوتِي فَقَدَّسَنِي ∗∗∗ إنِّي عَجِبْتُ لِمِثْلِي كَيْفَ ما عُبِدا
وكانَ الأوْلى بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَدَمُ التَّعْبِيرِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ولَكِنْ لِلْقَوْمِ أحْوالٌ ومَقاماتٌ لا تَصِلُ إلَيْها أفْهامُنا، ولَعَلَّ عُذْرَهم واضِحٌ عِنْدَ المُنْصِفِينَ.
إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ وتَحَقَّقْتَ اخْتِلافَ النَّصارى في عَقائِدِهِمْ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما حَكى في بَعْضِ الآياتِ قَوْلَ بَعْضٍ مِنهم وفي بَعْضٍ آخَرَ قَوْلَ آخَرِينَ، وحِكايَةُ دَعْواهم أُلُوهِيَّةَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كَدَعْواهم أُلُوهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا نَطَقَ بِها القُرْآنُ، ولَمْ يُشَعْ ذَلِكَ عَنْهم صَرِيحًا، لَكِنْ يَلْزَمُهم ذَلِكَ بِناءً عَلى ما حَقَّقَهُ الإمامُ الرّازِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences