Al-AlusiAn‑Nisa · 4:26–31

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:26–31

4:26Page 82

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦

Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ قَدِيمًا، وخَرَّجَهُ النُّحاةُ - كَما قالَ الشِّهابُ - عَلى مَذاهِبَ، فَقِيلَ: مَفْعُولٌ يُرِيدُ: (مَحْذُوفٌ) أيْ: تَحْلِيلَ ما أحَلَّ وتَحْرِيمَ ما حَرَّمَ ونَحْوُهُ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أوِ العاقِبَةِ، أيْ: ذَلِكَ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، ونُسِبَ هَذا إلى سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، فَتَعَلُّقُ الإرادَةِ غَيْرُ التَّبْيِينِ، وإنَّما فَعَلُوهُ لِئَلّا يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى مَفْعُولِهِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ بِاللّامِ، وهو مُمْتَنِعٌ أوْ ضَعِيفٌ.

قِيلَ: إنَّهُ إذا قُصِدَ التَّأْكِيدُ جازَ مِن غَيْرِ ضَعْفٍ، وقَدْ قُصِدَ هُنا تَأْكِيدُ الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ، وإلّا فَإرادَةُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ، وسَمّى صاحِبُ اللُّبابِ هَذِهِ اللّامَ لامَ التَّكْمِلَةِ، وجَعَلَها مُقابِلَةً لِلامِ التَّعْدِيَةِ.

وذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ الفِعْلَ مُؤَوَّلُ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ سابِكٍ، كَما قِيلَ بِهِ فِي: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُهُ، أيْ: إرادَتِي كائِنَةٌ لِلتَّبْيِينِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ هي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ (أنْ) وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّمِ؛ لِأنَّ اللّامَ قَدْ تُقامُ مَقامَ (أنْ) في فِعْلِ الإرادَةِ والأمْرِ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: إنَّ وظِيفَةَ اللّامِ الجَرُّ، والنَّصْبُ بِـ(أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَها، ومَفْعُولُ (يُبَيِّنَ) عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ مَحْذُوفٌ، أيْ (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) ما هو خَفِيٌّ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكُمْ، أوْ ما تَعَبَّدَكم بِهِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: (لِيُبَيِّنَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكُمْ﴾ تَنازَعا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مَناهِجَ مَن تَقَدَّمَكم مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ؛ لِتَقْتَفُوا أثَرَهُمْ، وتَتَّبِعُوا سَيْرَهُمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ الحُكْمَ كانَ كَذَلِكَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ، كَما قِيلَ بِهِ، بَلِ المُرادُ كَوْنُ ما ذُكِرَ مِن نَوْعِ طَرائِقِ المُتَقَدِّمِينَ الرّاشِدِينَ وجِنْسِها في بَيانِ المَصالِحِ ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وحَيْثُ كانَتِ التَّوْبَةُ تُرِكَ الذَّنْبُ مَعَ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وهو مِمّا يَسْتَحِيلُ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ارْتَكَبُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ في هَذا المَقامِ بِأحَدِ أُمُورٍ:

فَقِيلَ إنَّ التَّوْبَةَ هُنا بِمَعْنى المَغْفِرَةِ مَجازًا؛ لِتَسَبُّبِها عَنْها، أوْ بِمَعْنى الإرْشادِ إلى ما يَمْنَعُ عَنِ المَعاصِي عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ تَمْنَعُ عَنْها، كَما أنَّ إرْشادَهُ تَعالى كَذَلِكَ، أوْ مَجازٌ عَنْ حَثِّهِ تَعالى عَلَيْها؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَها عَكْسَ الأوَّلِ، أوْ بِمَعْنى الإرْشادِ إلى ما يُكَفِّرُها عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، وإلى جَمِيعِ ذَلِكَ أشارَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ.

وقَرَّرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ هَذا مِن وضْعِ المُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ، وذَلِكَ لِعَطْفِ (ويَتُوبُ) عَلى (ويَهْدِيَكُمْ)

صفحة 14

إلَخْ عَلى سَبِيلِ البَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم ويُرْشِدَكم إلى الطّاعاتِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ (ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ) وما يَرِدُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ مِن لُزُومِ تَخالُفِ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ - وهي عِلَّةٌ تامَّةٌ - يَدْفَعُهُ كَوْنُ الخِطابِ لَيْسَ عامًّا لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، بَلْ لِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَصَلَتْ لَهم هَذِهِ التَّوْبَةُ، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ، فَيَعْلَمُ ما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ، وما سَلَكَهُ المُهْتَدُونَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، وما يَنْفَعُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ وما يَضُرُّهم ﴿حَكِيمٌ﴾ مَراعٍ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ، فَيُبَيِّنُ لِمَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، ويَتُوبُ عَلى مَن يَشاءُ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ

4:27Page 83

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧

Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ جَعَلَهُ بَعْضُهم تَكْرارًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وهو ظاهِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِنَ التَّوْبَةِ هُناكَ وهُنا شَيْئًا واحِدًا، وأمّا إذا فُسِّرَ (يَتُوبَ) أوَّلًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ والإرْشادِ مَثَلًا، وثانِيًا بِأنْ يَفْعَلُوا ما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ القَبُولَ فَلا يَكُونُ تَكْرارًا، وأيْضًا إنَّما يَتَمَشّى ذَلِكَ عَلى كَوْنِ (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) مَفْعُولًا، وإلّا فَلا تَكْرارَ أيْضًا؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالتَّوْبَةِ في الأوَّلِ عَلى جِهَةِ العَلِيَّةِ، وفي الثّانِي عَلى جِهَةِ المَفْعُولِيَّةِ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الِاخْتِلافُ لا مَحالَةَ.

﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ يَعْنِي الفَسَقَةَ؛ لِأنَّهم يَدُورُونَ مَعَ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ تَحاشٍ عَنْها، فَكَأنَّهم بِانْهِماكِهِمْ فِيها أمَرَتْهُمُ الشَّهَواتُ بِاتِّباعِها فامْتَثَلُوا أمْرَها واتَّبَعُوها، فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وأمّا المُتَعاطِي لِما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ مِنها دُونَ غَيْرِهِ فَهو مُتَّبِعٌ لَهُ لا لَها.

ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وأخْرَجَ مُجاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُمُ الزُّناةُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: إنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً؛ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ الأُخْتَ مِنَ الأبِ حَلالٌ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ المَجُوسُ؛ حَيْثُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ لِأبٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَجْمَعْهم رَحِمٌ، وبَناتِ الأخِ والأُخْتِ قِياسًا عَلى بَناتِ العَمَّةِ والخالَةِ بِجامِعِ أنَّ أُمَّهُما لا تَحِلُّ، فَكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يُضِلُّوا المُؤْمِنِينَ بِما ذُكِرَ، ويَقُولُونَ: لِمَ جَوَّزْتُمْ تِلْكَ ولَمْ تُجَوِّزُوا هَذِهِ؟! فَنَزَلَتْ، وغُويِرَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَةِ الزّائِغِينَ ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِمُوافَقَتِهِمْ، فَتَكُونُوا مِثْلَهُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنْ تَزْنُوا كَما يَزْنُونَ.

وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً عَلى نُدْرَةٍ، واعْتَرَفَ بِأنَّها خَطِيئَةٌ، ولَمْ يَسْتَحِلَّ.

4:28Page 83

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨

And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أيْ في التَّكْلِيفِ في أمْرِ النِّساءِ والنِّكاحِ بِإباحَةِ نِكاحِ الإماءِ، قالَهُ طاوُسٌ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: يُخَفِّفُ في التَّكْلِيفِ عَلى العُمُومِ، فَإنَّهُ تَعالى خَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ما لَمْ يُخَفِّفْ عَنْ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وقِيلَ: يُخَفِّفُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ والتَّوْفِيقِ لَها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ أيْ في أمْرِ النِّساءِ، لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، قالَهُ طاوُسٌ، وفي الخَبَرِ: ««لا خَيْرَ في النِّساءِ، ولا صَبْرَ عَنْهُنَّ، يَغْلِبْنَ كَرِيمًا، ويَغْلِبُهُنَّ لَئِيمٌ، فَأُحِبُّ أنْ أكُونَ كَرِيمًا مَغْلُوبًا، ولا أُحِبُّ أنْ أكُونَ لَئِيمًا غالِبًا»» وقِيلَ: يَسْتَمِيلُهُ هَواهُ وشَهْوَتُهُ ويَسْتَشِيطُهُ خَوْفُهُ وحُزْنُهُ، وقِيلَ: عاجِزٌ عَنْ مُخالَفَةِ الهَوى وتَحَمُّلِ مَشاقِّ الطّاعَةِ، وقِيلَ: ضَعِيفُ الرَّأْيِ، لا يُدْرِكُ الأسْرارَ والحِكَمَ إلّا بِنُورٍ إلَهِيٍّ.

وعَنِ الحَسَنِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المُرادَ ضَعِيفُ الخِلْقَةِ، يُؤْلِمُهُ أدْنى حادِثٍ نَزَلَ بِهِ، ولا يَخْفى ضَعْفُ مُساعَدَةِ المَقامِ لَهُما؛ فَإنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ بِالرُّخْصَةِ في نِكاحِ الإماءِ، ولَيْسَ لِضَعْفِ الرَّأْيِ ولا لِضَعْفِ البِنْيَةِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ، وكَوْنُهُ إشارَةً إلى تَجْهِيلِ المَجُوسِ في قِياسِهِمْ عَلى أوَّلِ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

صفحة 15

ونُصِبَ (ضَعِيفًا) عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ مِن ضَعِيفٍ، وأُرِيدَ بِهِ الطِّينَ أوِ النُّطْفَةُ، وكَلاهُما كَما تَرى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (وخَلَقَ الإنْسانَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشَّعْبِ) عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ثَمانِي آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هي خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتِ:

الأُولى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

والثّانِيَةُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخِرِها.

والثّالِثَةُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ إلى آخِرِها.

والرّابِعَةُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ .

والخامِسَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ .

والسّادِسَةُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

والسّابِعَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ إلى آخِرِها.

والثّامِنَةُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الآيَةَ.

4:29Page 83

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ المُحَرَّماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ إثْرَ بَيانِ تَحْرِيمِ النِّساءِ عَلى غَيْرِ الوُجُوهِ المَشْرُوعَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِنايَةِ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ، والمُرادُ مِنَ الأكْلِ سائِرُ التَّصَرُّفاتِ، وعَبَّرَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَنافِعِ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ، والمُرادُ ﴿بِالباطِلِ﴾ ما يُخالِفُ الشَّرْعَ كالرِّبا والقِمارِ والبَخْسِ والظُّلْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، .وهُوَ المَرْوِيُّ عَنِ الباقِرِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَنِ الحَسَنِ: هو ما كانَ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ مِن طَرِيقِ الأعْواضِ.

وأخْرَجَ عَنْهُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ، ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُما قالا: كانَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّ ما أُكِلَ عَلى وجْهِ مَكارِمِ الأخْلاقِ لا يَكُونُ أكْلًا بِالباطِلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّها مُحْكَمَةٌ، ما نُسِخَتْ، ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، و(بَيْنَكُمْ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوِ الحالِيَّةِ مِن (أمْوالِكُمْ).

﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ونَقَلَ أبُو البَقاءِ القَوْلَ بِالِاتِّصالِ وضَعَّفَهُ و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(تِجارَةً) و(مِنكُمْ) صِفَةُ (تَراضٍ) أيْ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةٌ صادِرَةٌ عَنْ تَراضٍ كائِنٍ مِنكُمْ، أوْ إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ أمْوالَ تِجارَةٍ، والنَّصْبُ قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةً.

وحاصِلُ المَعْنى: لا تَقْصِدُوا أكْلَ الأمْوالِ بِالباطِلِ، لَكِنِ اقْصُدُوا كَوْنَ أيْ: وُقُوعَ تِجارَةٍ (عَنْ تَراضٍ)، أوْ لا تَأْكُلُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، لَكِنَّ وُجُودَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أسْبابِ المِلْكِ لِكَوْنِها أغْلَبَ وُقُوعًا، وأوْفَقَ لِذَوِي المُرُوءاتِ، وقَدْ أخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أطْيَبُ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجّارِ، الَّذِينَ إذا حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا، وإذا وعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، وإذا اشْتَرَوْا لَمْ يَذُمُّوا، وإذا باعُوا لَمْ يَمْدَحُوا، وإذا كانَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وإذا كانَ لَهم لَمْ يُعَسِّرُوا»».

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأزْدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««تِسْعَةُ أعْشارِ الرِّزْقِ في التِّجارَةِ، والعُشْرُ في المَواشِي»».

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها انْتِقالُ المالِ مِنَ الغَيْرِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، سَواءٌ كانَ تِجارَةً أوْ إرْثًا أوْ هِبَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، مِنِ

صفحة 16

اسْتِعْمالِ الخاصِّ وإرادَةِ العامِّ، وقِيلَ: المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ المَنعُ عَنْ صَرْفِ المالِ فِيما لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى، وبِالتِّجارَةِ صَرْفُهُ فِيما يَرْضاهُ، وهَذا أبْعَدُ مِمّا قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالتَّراضِي مُراضاةُ المُتَبايِعَيْنِ بِما تَعاقَدا عَلَيْهِ في حالِ المُبايَعَةِ وقْتَ الإيجابِ والقَبُولِ عِنْدَنا، وعِنْدَ الإمامِ مالِكٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ حالَةَ الِافْتِراقِ عَنْ مَجْلِسِ العَقْدِ، وقِيلَ: التَّراضِي التَّخْيِيرُ بَعْدَ البَيْعِ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي زُرْعَةَ أنَّهُ باعَ فَرَسًا لَهُ فَقالَ لِصاحِبِهِ: اخْتَرْ، فَخَيَّرَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ لَهُ: خَيِّرْنِي، فَخَيَّرَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ: «هَذا البَيْعُ عَنْ تَراضٍ».

﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وعَبَّرَ عَنِ البَعْضِ المَنهِيِّ عَنْ قَتْلِهِمْ بِالأنْفُسِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُونَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ»» وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ، والجُبّائِيُّ، وقِيلَ: المَعْنى لا تُهْلِكُوا أنْفُسَكم بِارْتِكابِ الآثامِ، كَأكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وغَيْرِهِ، مِنَ المَعاصِي الَّتِي تَسْتَحِقُّونَ بِها العِقابَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ في حالِ غَضَبٍ أوْ ضَجَرٍ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ البَلْخِيِّ.

وقِيلَ: المَعْنى: لا تُخاطِرُوا بِنُفُوسِكم في القِتالِ، فَتُقاتِلُوا مَن لا تُطِيقُونَهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: المُرادُ لا تَتَّجِرُوا في بِلادِ العَدُوِّ فَتُفْرِدُوا بِأنْفُسِكُمْ، وبِهِ اسْتَدَلَّ مالِكٌ عَلى كَراهَةِ التِّجارَةِ إلى بِلادِ الحَرْبِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُلْقُوا بِأنْفُسِكم إلى التَّهْلُكَةِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «لَمّا بَعَثَنِي النَّبِيُّﷺعامَ ذاتِ السَّلاسِلِ احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصْحابِي صَلاةَ الصُّبْحِ، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِﷺذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: «يا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، وذَكَرْتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا».

وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: (ولا تُقَتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، ولا يَخْفى ما في الجَمْعِ بَيْنَ التَّوْصِيَةِ بِحِفْظِ المالِ والوَصِيَّةِ بِحِفْظِ النَّفْسِ مِنَ المُلائِمَةِ لِما أنَّ المالَ شَقِيقُ النَّفْسِ، مِن حَيْثُ أنَّهُ سَبَبٌ لِقِوامِها، وتَحْصِيلِ كَمالاتِها، واسْتِيفاءِ فَضائِلِها، والمُلائِمَةُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ - عَلى قَوْلِ مالِكٍ – أتَمُّ، وقَدَّمَ النَّهْيَ الأوَّلَ لِكَثْرَةِ التَّعَرُّضِ لِما نَهى عَنْهُ فِيهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُبالِغًا في الرَّحْمَةِ، ومِن رَحْمَتِهِ بِكم نَهْيُكم عَنْ أكْلِ الحَرامِ وإهْلاكِ الأنْفُسِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ كانَ بِكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحِيمًا، إذْ لَمْ يُكَلِّفْكم قَتْلَ الأنْفُسِ في التَّوْبَةِ، كَما كَلَّفَ بَنِي إسْرائِيلَ بِذَلِكَ.

4:30Page 83

وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ: قَتْلَ النَّفْسِ فَقَطْ، أوْ هو وما قَبْلَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، أوْ مَجْمُوعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحَرَّماتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ أوْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أقْوالٌ:

رُوِيَ الأوَّلُ مِنها عَنْ عَطاءٍ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ إيذانٌ بِفَظاعَةِ قَتْلِ النَّفْسِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَسادِ، وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَدُّدِ المُشارِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِما سَبَقَ.

﴿عُدْوانًا﴾ أيْ: إفْراطًا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ، وقُرِئَ (عِدْوانًا) بِكَسْرِ العَيْنِ ﴿وظُلْمًا﴾ أيْ: إيتاءً بِما لا يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، فالعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ، وبِالظُّلْمِ الظُّلْمُ عَلى النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وأيًّا ما كانَ فَهُما مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، وقِيلَ: وخَرَجَ بِهِما السَّهْوُ والغَلَطُ والخَطَأُ وما كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ، ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ أيْ نُدْخِلُهُ إيّاها، ونُحَرِّقُهُ بِها، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ.

صفحة 17

وقُرِئَ: (نُصَلِّيهِ) بِالتَّشْدِيدِ و(نَصْلِيهِ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن (صَلّاهُ) لُغَةٌ كَـ(أصْلاهُ) و(يُصْلِيهِ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لِذَلِكَ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ.

﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا، لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ولا يَدْفَعُهُ عَنْهُ دافِعٌ، ولا يَشْفَعُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ شافِعٌ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.

4:31Page 83

إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أيْ: تَتْرُكُوا جانِبًا ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ﴾ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُﷺ –عَنْهُ، أيْ: عَنِ ارْتِكابِهِ مِمّا ذُكِرَ، ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ، وقُرِئَ: (كَبِيرَ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، فَيُطابِقُ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكَ ﴿نُكَفِّرْ﴾ أيْ: نَغْفِرُ ونَمْحُو، واخْتِيارُ ما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ الغُفْرانِ، وقُرِئَ: (يُغْفَرْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ ﴿عَنْكُمْ﴾ أيُّها المُجْتَنِبُونَ ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: صَغائِرَكُمْ، كَما قالَ السُّدِّيُّ، واخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أنَّها ما لَحِقَ صاحِبَها عَلَيْها بِخُصُوصِها وعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّها كُلُّ مَعْصِيَةٍ أوْجَبَتِ الحَدَّ، وبِهِ قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ.

والثّالِثُ: أنَّها كُلُّ ما نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ، أوْ وجَبَ في جِنْسِهِ حَدٌّ.

والرّابِعُ: أنَّها كُلُّ جَرِيرَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ، ورِقَّةِ الدِّيانَةِ، وبِهِ قالَ الإمامُ.

والخامِسُ: أنَّها ما أوْجَبَ الحَدَّ، أوْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الوَعِيدُ، وبِهِ قالَ الماوَرْدِيُّ في فَتاوِيهِ.

والسّادِسُ: أنَّها كُلُّ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ، مَنهِيٌّ عَنْهُ لِمَعْنًى في نَفْسِهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ بِتَفْصِيلٍ مَذْكُورٍ في مَحَلِّهِ عَنِ الحَلِيمِيِّ.

والسّابِعُ: أنَّها كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ.

وقالَ الواحِدِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّ الكَبِيرَةَ لَيْسَ لَها حَدٌّ يَعْرِفُها العِبادُ بِهِ، وإلّا لاقْتَحَمَ النّاسُ الصَّغائِرَ واسْتَباحُوها، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْفى ذَلِكَ عَنِ العِبادِ؛ لِيَجْتَهِدُوا في اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ رَجاءَ أنْ تُجْتَنَبَ الكَبائِرُ.

ونَظِيرُ ذَلِكَ إخْفاءُ الصَّلاةِ الوُسْطى ولَيْلَةِ القَدْرِ، وساعَةِ الإجابَةِ، انْتَهى.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ البارِزَيُّ: التَّحْقِيقُ أنَّ الكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ أوْ حَدٌّ أوْ لَعْنٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، أوْ عُلِمَ أنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ ما قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ أوْ حَدٌّ أوْ لَعْنٌ، أوْ أكْثَرُ مِن مَفْسَدَتِهِ، أوْ أشْعَرَ بِتَهاوُنِ مُرْتَكِبِهِ في دِينِهِ إشْعارَ أصْغَرِ الكَبائِرِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِذَلِكَ، كَما لَوْ قَتَلَ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِهِ، أوْ وطِئَ امْرَأةً ظانًّا أنَّهُ زانٍ بِها فَإذا هي زَوْجَتُهُ أوْ أمَتُهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ الحُدُودِ إنَّما قَصَدُوا بِهِ التَّقْرِيبَ فَقَطْ، وإلّا فَهي لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جامِعَةٍ، وكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ ما لا مَطْمَعَ في ضَبْطِهِ؟! وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى ضَبْطِها بِالعَدِّ مِن غَيْرِ ضَبْطِها بِحَدٍّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مَن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هُنا، وقِيلَ: هي سَبْعٌ، ويُسْتَدَلُّ لَهُ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ»» وفي رِوايَةِ لَهُما: ««الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى، والسِّحْرُ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ» زادَ البُخارِيُّ:

صفحة 18

«واليَمِينُ الغَمُوسُ»، ومُسْلِمٌ بَدَّلَها: «وقَوْلُ الزُّورِ»» والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَهُ قَصْدًا لِبَيانِ المُحْتاجِ مِنها وقْتَ الذِّكْرِ، لا لِحَصْرِهِ الكَبائِرَ فِيهِ.

ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ الكَبائِرَ سَبْعٌ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – وعَطاءٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وقِيلَ: تِسْعٌ؛ لِما أخْرَجَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّهُ قالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «هُنَّ تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والإلْحادُ بِالبَيْتِ الحَرامِ قِبْلَتِكم أحْياءً وأمْواتًا»».

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها ثَلاثٌ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها عَشَرَةٌ، وقِيلَ: أرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلِ الكَبائِرُ سَبْعٌ؟ فَقالَ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ، ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لَهُ: هي إلى السَّبْعِمِائَةِ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ، غَيْرَ أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، وأنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّ في الذُّنُوبِ صَغِيرَةً، وقالُوا: بَلْ سائِرُ المَعاصِي كَبائِرُ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ، وابْنُ القُشَيْرِيِّ في المُرْشِدِ، بَلْ حَكاهُ ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الأشاعِرَةِ، واخْتارَهُ في تَفْسِيرِهِ، فَقالَ: مَعاصِي اللَّهِ تَعالى كُلُّها عِنْدَنا كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ بِالإضافَةِ، وأوَّلَ الآيَةَ بِما يَنْبُو عَنْهُ ظاهِرُها، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الذُّنُوبُ عَلى ضَرْبَيْنِ: صَغائِرُ وكَبائِرُ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، انْتَهى.

ورُبَّما ادَّعى في بَعْضِ المَواضِعِ اتِّفاقَ الأصْحابِ عَلى ما ذَكَرَهُ، واعْتَمَدَ ذَلِكَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في مَعْصِيَةٍ: إنَّها صَغِيرَةٌ، إلّا عَلى مَعْنى أنَّها تَصْغُرُ عِنْدَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ، ويُوافِقُ هَذا القَوْلَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ - أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الكَبائِرُ فَقالَ: «كُلُّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ»، وفي رِوايَةٍ: «كُلُّ ما عُصِيَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ» قالَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ، وذَكَرَ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى الِانْقِسامِ، وأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ في المَعْنى، وإنَّما الخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، والإطْلاقُ لِإجْماعِ الكُلِّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ ما يَقْدَحُ في العَدالَةِ، ومِنها ما لا يَقْدَحُ فِيها، وإنَّما الأوَّلُونَ فَرُّوا مِنَ التَّسْمِيَةِ، فَكَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى صَغِيرَةً؛ نَظَرًا إلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وشِدَّةِ عِقابِهِ، وإجْلالًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ تَسْمِيَةِ مَعْصِيَتِهِ صَغِيرَةً؛ لِأنَّها إلى باهِرِ عَظَمَتِهِ تَعالى كَبِيرَةٌ، وأيُّ كَبِيرَةٍ، ولَمْ يَنْظُرِ الجُمْهُورُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، بَلْ قَسَّمُوها إلى قِسْمَيْنِ كَما يَقْتَضِيهِ صَرائِحُ الآياتِ والأخْبارِ، لا سِيَّما هَذِهِ الآيَةُ، وكَوْنُ المَعْنى ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ﴾ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ المَناكَحِ الحَرامِ، وأكْلِ الأمْوالِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ ما كانَ مِنِ ارْتِكابِها فِيما سَلَفَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيلِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، ولِذَلِكَ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: لا يَلِيقُ إنْكارُ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ، وقَدْ عُرِفَتا مِن مَدارِكِ الشَّرْعِ، نَعَمْ، قَدْ يُقالُ لِذَنْبٍ واحِدٍ: كَبِيرٌ وصَغِيرٌ بِاعْتِبارَيْنِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ تَتَفاوَتُ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ والأحْوالِ، ومِن هُنا قالَ الشّاعِرُ:

لا يَحْقِرُ الرَّجُلُ الرَّفِيعُ دَقِيقَةً في السَّهْوِ فِيها لِلْوَضِيعِ مَعاذِرُ

فَكَبائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرِ صَغائِرُ ∗∗∗ وصَغائِرُ الرَّجُلِ الكَبِيرِ كَبائِرُ

قالَ سَيِّدِي ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ:

ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي

وأشارَ إلى التَّفاوُتِ مَن قالَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، هَذا، وقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما في

صفحة 19

حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الصَّلَواتُ الخَمْسُ مُكَفِّرَةٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ»» ووَجْهُهُ أنَّ الصَّلَواتِ إذا كَفَّرَتْ لَمْ يَبْقَ ما يُكَفِّرُهُ غَيْرُها، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَضْمُونُ الآيَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأجْوِبَةٍ أصَحِّها - عَلى ما قالَهُ الشِّهابُ-: إنَّ الآيَةَ والحَدِيثَ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فِيهِ: ««ما اجْتُنِبَتْ»» إلَخْ دالٌّ عَلى بَيانِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُصَلِّ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وأيَّ كَبِيرَةٍ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ونُدْخِلْكم مُدْخَلا﴾ الجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِفَتْحِها، وهو عَلى الضَّمِّ إمّا مَصْدَرٌ، ومَفْعُولُ (نُدْخِلْكُمْ) مَحْذُوفٌ، أيْ: نُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ إدْخالًا، أوْ مَكانٌ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عِنْدَ الأخْفَشِ، وهَكَذا كُلُّ مَكانٍ مُخْتَصٍّ بَعْدَ دَخَلَ فِيهِ الخِلافُ، وعَلى الفَتْحِ قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ: (نُدْخِلْكُمْ) فَتَدْخُلُونَ مَدْخَلًا، ونُصْبُهُ كَما مَرَّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ورُجِّحَ حَمْلُهُ عَلى المَكانِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ العَظِيمِ وصْفُ المَكانِ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском