Al-AlusiAn‑Nisa · 4:73–76

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:73–76

4:73Page 89

وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣

But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1

﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ﴾ كَفَتْحٍ وغَنِيمَةٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(أصابَكُمْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(فَضْلٌ) وفي نِسْبَةِ إضافَةِ الفَضْلِ إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى دُونَ إضافَةِ المُصِيبَةِ تَعْلِيمٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَتِ المُصِيبَةُ فَضْلًا في الحَقِيقَةِ، وتَقْدِيمُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى لِما أنَّ مَضْمُونَها لِمَقْصِدِهِمْ أوْفَقُ، وأثَرُ نِفاقِهِمْ فِيها أظْهَرُ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ نَدامَةً عَلى تَثَبُّطِهِ، وتَهالُكًا عَلى حُطامِ الدُّنْيا، وحَسْرَةً عَلى فَواتِهِ، وفي تَأْكِيدِ القَوْلِ دَلالَةٌ عَلى فَرْطِ التَّحَسُّرِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، ولَمْ يُؤَكَّدِ القَوْلُ الأوَّلُ، وأتى بِهِ ماضِيًا إمّا لِأنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّأْكِيدِ أوْ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ المُضارِعِ لِلْماضِي تَأْكِيدٌ، وقَرَأ الحَسَنُ (لَيَقُولُنَّ) بِضَمِّ اللّامِ مُراعاةً لِمَعْنى (مَن) وذَلِكَ شائِعٌ سائِغٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مِن كَلامِهِ تَعالى اعْتِراضٌ بَيْنَ القَوْلِ ومِقْوَلِهِ الَّذِي هو ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن مَطْلَعِ كَلامِهِ أنَّ تَمَنِّيَهُ المَعِيَّةَ لِلنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ما في البَيْنِ مِنَ المَوَدَّةِ، بَلْ هو لِلْحِرْصِ عَلى حُطامِ الدُّنْيا كَما يَنْطِقُ بِهِ آخِرُهُ، فَإنَّ الفَوْزَ العَظِيمَ الَّذِي عَناهُ هو ذَلِكَ، ولَيْسَ إثْباتُ المَوَدَّةِ في البَيْنِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَقُولَنَّ) أيْ لَيَقُولَنَّ مُشَبَّهًا بِمَن لا مَوَدَّةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ حَيْثُ لَمْ يَتَمَنَّ نُصْرَتَكم ومُظاهَرَتَكُمْ، وقِيلَ: هي مِن كَلامٍ المُبَطِّئِ، داخِلَةٌ كَجُمْلَةِ التَّمَنِّي في المَقُولِ، أيْ: لَيَقُولَنَّ المُبَطِّئُ لِمَن يُثَبِّطُهُ مِنَ المُنافِقِينَ وضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ – ﷺ – مَوَدَّةٌ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَصْحَبْكم مَعَهُ في الغَزْوِ حَتّى تَفُوزُوا بِما فازَ بِهِ المُسْتَصْحَبُونَ ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ إلَخْ، وغَرَضُهُ إلْقاءُ العَداوَةِ

صفحة 81

بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وتَأْكِيدُها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ الماتُرِيدِيُّ إلى أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِالجُمْلَةِ الأُولى، أعْنِي قالَ: (قَدْ أنْعَمَ) إلَخْ، أيْ قالَ ذَلِكَ (كَأنْ لَمْ يَكُنْ) إلَخْ، ورَدَّهُ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ بِأنَّها إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالجُمْلَةِ الأُولى فَكَيْفَ يُفْصَلُ بِها بَيْنَ أبْعاضِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ومِثْلُهُ مُسْتَقْبَحٌ، واعْتُذِرَ بِأنَّ مُرادَهم أنَّها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَعْناها صَرِيحًا مُتَعَلِّقٌ بِالأُولى وضِمْنًا بِهَذِهِ، و(كَأنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وهو مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنَّها لا تَعْمَلُ إذا خُفِّفَتْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (تَكُنْ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ المَوَدَّةِ، والباقُونَ (يَكُنْ) بِالياءِ لِلْفَصْلِ، ولِأنَّها بِمَعْنى الوُدِّ، والمُنادى في (يا لَيْتَنِي) عِنْدَ الجُمْهُورِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يا قَوْمِي، وأبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في نَحْوِ هَذا: لَيْسَ في الكَلامِ مُنادًى مَحْذُوفٌ، بَلْ تَدْخُلُ (يا) خاصَّةً عَلى الفِعْلِ والحَرْفِ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ، ونُصِبَ (أفُوزَ) عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، وعَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ والحَسَنِ (فَأفُوزُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: (فَأنا أفُوزُ) في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوِ العَطْفِ عَلى خَبَرِ (لَيْتَ) فَيَكُونُ داخِلًا في التَّمَنِّي.

4:74Page 89

۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤

So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ المَوْصُولُ فاعِلُ الفِعْلِ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ الغَيْرُ الصَّرِيحُ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، و(يَشْرُونَ) مُضارِعُ شَرى، ويَكُونُ بِمَعْنى باعَ، واشْتَرى مِنَ الأضْدادِ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى (يَشْتَرُونَ) فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المُنافِقُونَ، أُمِرُوا بِتَرْكِ النِّفاقِ، والمُجاهَدَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: يَنْبَغِي بَعْدَما صَدَرَ مِنهم مِنَ التَّثْبِيطِ والنِّفاقِ تَرْكُهُ وتَدارُكُ ما فاتَ مِنَ الجِهادِ بَعْدُ.

وإنْ كانَ بِمَعْنى (يَبِيعُونَ) فالمُرادُ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ تَرَكُوا الدُّنْيا واخْتارُوا الآخِرَةَ، أُمِرُوا بِالثَّباتِ عَلى القِتالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى تَثْبِيطِ المُبَطِّئِينَ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إنْ صَدَّهُمُ المُنافِقُونَ فَلْيُقاتِلُوا ولا يُبالُوا.

﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ ولا بُدَّ، وفي الِالتِفاتِ مَزِيدُ التِفاتٍ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يَكادُ يُعْلَمُ كِمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً، وفي تَعْقِيبِ القِتالِ بِما ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُجاهِدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَمُّهُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، إمّا إكْرامُ نَفْسِهِ بِالقَتْلِ والشَّهادَةِ، أوِ إعْزازُ الدِّينِ وإعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّصْرِ، ولا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالهَرَبِ بِوَجْهٍ، ولِذا لَمْ يَقِلْ: (فَيُغْلَبْ)، (أوْ يَغْلِبْ) وتَقْدِيمُ القَتْلِ لِلْإيذانِ بِتَقَدُّمِهِ في اسْتِتْباعِ الأجْرِ، وفي الآيَةِ تَكْذِيبٌ لِلْمُبَطِّئِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ﴾ إلَخْ.

4:75Page 90

وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?

﴿وما لَكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورَيْنِ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في الحَثِّ والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ و(ما) مُبْتَدَأٌ و(لَكُمْ) خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ أوِ الظَّرْفُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: أىُّ شَيْءٍ لَكم غَيْرَ مُقاتِلِينَ، والمُرادُ: لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتِلَةِ ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: في سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وهو تَخْلِيصُهم عَنِ الأسْرِ، وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ،ِ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ تَخْلِيصَهم سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى لا سَبِيلُهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ وإنْ كانَ سَبِيلُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ لَهُ نَوْعُ اخْتِصاصٍ بِهِمْ فَلا مانِعَ مِن إضافَتِهِ إلْيَهِمْ.

واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُقاتَلَةِ في سَبِيلِهِمُ المُقاتِلَةُ في فَتْحِ طَرِيقِ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ودَفْعِ سَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ لِيَتَهَيَّأ خُرُوجُ المُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَضْعَفٌ جِدًّا، وإمّا عَطْفٌ عَلى (سَبِيلِ) بِحَذْفِ مُضافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، أيْ: وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أعَنِي أوْ أخُصُّ، فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى يَعُمُّ أبْوابَ الخَيْرِ، وتَخْلِيصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ مِن أعَظَمِها وأخَصِّها، ومَعْنى المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ طَلَبَ المُشْرِكُونَ ضَعْفَهم وذُلَّهُمْ، أوِ الضُّعَفاءُ مِنهُمْ، والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ

صفحة 82

بَقُوا بِمَكَّةَ لِمَنعِ المُشْرِكِينَ لَهم مِنَ الخُرُوجِ، أوْ ضَعْفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» وقَدْ ذُكِرَ مِنهم سَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأبا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ، وإنَّما ذُكِرَ الوِلْدانُ تَكْمِيلًا لِلِاسْتِعْطافِ، والتَّنْبِيهِ عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ، والإيذانِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ الآتِي، واقْتِرابِ زَمانِ الخَلاصِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الحَثِّ عَلى القِتالِ.

ومِن ها يُعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيٍّ بِناءً عَلى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَما وجَبَ تَخْلِيصُهُمْ، عَلى أنَّ في انْحِصارِ وُجُوبِ التَّخْلِيصِ في المُسْلِمِ نَظَرًا؛ لَأنَّ صَبِيَّ المُسْلِمِ يُتَوَقَّعُ إسْلامُهُ، فَلا يَبْعُدُ وُجُوبُ تَخْلِيصِهِ لِيَنالَ مَرْتَبَةَ السُّعَداءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ، وهو عَلى الأوَّلِ جَمْعُ ولِيدٍ ووَلِيدَةٍ، بِمَعْنى صَبِيٍّ وصِبْيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلالٍ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ الوَلِيدَ والوَلِيدَةَ بِمَعْنى العَبْدِ والجارِيَةِ.

وفِي الصِّحاحِ: الوَلِيدُ الصَّبِيُّ والعَبْدُ، والجَمْعُ وِلْدانٌ، والوَلِيدَةُ الصَّبِيَّةُ والأمَةُ، والجَمْعُ ولائِدُ، فالتَّعْبِيرُ بِالوِلْدانِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِيَشْمَلَ الذُّكُورَ والإناثَ ﴿الَّذِينَ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ لِما في حَيِّزِ البَيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أعْنِي أوْ أخَصُّ الَّذِينَ.

﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ بِالشِّرْكِ الَّذِي هو ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وبِأذِيَّةِ المُؤْمِنِينَ، ومَنعِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، والوَصْفُ صِفَةُ قَرْيَةٍ، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إذا أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَتَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ عَلى حَسَبِ الِاسْمِ الظّاهِرِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ، ولَمْ يُنْسَبِ الظُّلْمُ إلَيْها مَجازًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ”وكَأيْنٍ مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها“ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِها مَكَّةُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ، فَوُقِّرَتْ عَنْ نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها؛ تَشْرِيفًا لَها، شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى.

﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ يَلِي أمْرَنا حَتّى يُخَلِّصَنا مِن أيْدِي الظَّلَمَةِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(اجْعَلْ) لِاخْتِلافِ مَعْنَيْهِما، وتَقْدِيمُهُما عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما، وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ بِتَقْدِيمِ أحْوالِهِ، وتَقْدِيمُ اللّامِ عَلى (مِن) لِلْمُسارَعَةِ إلى إبْرازِ كَوْنِ المَسْؤُولِ نافِعًا لَهم مَرْغُوبًا فِيهِ لَدَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيًّا) وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أيْ حُجَّةً ثابِتَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: المُرادُ ولِّ عَلَيْنا والِيًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوالِينا، ويَقُومُ بِمَصالِحِنا، ويَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا وشَرْعَنا، ويَنْصُرُنا عَلى أعْدائِنا، ولَقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ دُعاءَهُمْ، حَيْثُ يَسَّرَّ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ، وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وأعَزَّ ناصِرٍ، فَفَتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَتَوَلّاهم أيَّ تَوَلٍّ، ونَصَرَهم أيَّ نُصْرَةٍ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وكانَ ابْنَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَحَماهم ونَصَرَهم حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها، وقِيلَ: المُرادُ: اجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، أيْ كُنْ أنْتَ ولِيُّنا وناصِرُنا، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ.

* * *

هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ أمْرٌ لِلْعارِفِينَ أنْ يُظْهِرُوا ما كُوشِفُوا بِهِ مِنَ الأسْرارِ الآلِهِيَّةِ لِأمْثالِهِمْ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ عَنِ الجاهِلِينَ، أوْ أنْ يُؤَدُّوا حَقَّ كُلِّ ذِي حَقٍّ إلَيْهِ، فَيُعْطُوا الِاسْتِعْدادَ حَقَّهُ، و(ألْقَوْا) حَقَّها، وآخِرُ الأماناتِ أداءً أمانَةُ الوُجُودِ، فَلْيُؤَدِّهِ العَبْدُ إلى سَيِّدِهِ سُبْحانَهُ، ولْيَفْنَ فِيهِ عِزَّ وجَلَّ.

﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ﴾ بِالإرْشادِ، ولا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى البَقاءِ ”فاحْكُمُوا بِالعَدْلِ“ وهو الإفاضَةُ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ﴾ بِتَطْهِيرِ كَعْبَةِ تَجَلِّيهِ، وهو القَلْبُ

صفحة 83

عَنْ أصْنامِ السِّوى ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ بِالمُجاهَدَةِ، وإتْعابِ البَدَنِ بِأداءِ رُسُومِ العِبادَةِ الَّتِي شَرَعَها لَكم ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ وهُمُ المَشايِخُ المُرْشِدُونَ، بِامْتِثالِ أمْرِهِمْ فِيما يَرَوْنَهُ صَلاحًا لَكم وتَهْذِيبًا لِأخْلاقِكم.

ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الطّاعَةَ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، وهي في الأصْلِ تَرْجِعُ إلى واحِدَةٍ: فَمَن كانَ أهْلًا لِبِساطِ القُرْبَةِ وفَهَمَ خِطابَ الحَقِّ بِلا واسِطَةٍ، كالقائِلِ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَلْيُطْلِعِ اللَّهَ تَعالى بِمُرادِهِ، ولْيَتَمَثَّلْ ما فَهَمَهُ مِنهُ، ومَن لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَلْيَرْجِعْ إلى بَيانِ الواسِطَةِ العُظْمى، وهو الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنْ فَهَمَ بَيانَهُ أوِ اسْتَطاعَ الأخْذَ مِنهُ، كَبَعْضِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى تَعالى، ولْيُطِعْهُ فِيما أمَرَ ونَهى، ومَن لَمْ يُبْلُغْ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَلْيَرْجِعْ إلى أكابِرِ عُلَماءِ الأُمَّةِ، ولْيَتَقَيَّدْ بِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ، ولْيَقِفْ عِنْدَهُ في الأوامِرِ والنَّواهِي.

﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ أنْتُمْ والمَشايِخُ، وذَلِكَ في مُبادِئِ السُّلُوكِ حَيْثُ النَّفْسُ قَوِيَّةٌ ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ تَعالى ﴿والرَّسُولِ﴾ فارْجِعُوا إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَإنَّ فِيهِما ما يُزِيلُ النِّزاعَ عِبارَةً أوْ إشارَةً، أوْ إذا وقَعَ عَلَيْكم حُكْمٌ مِن أحْكامِ الغَيْبِ المُتَشابِهَةِ، وظَهَرَ في أسْرارِكم مُعارَضاتُ الِامْتِحانِ فارْجِعُوا إلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ فِيهِ بِحارَ عُلُومِ الحَقائِقِ، فَكُلُّ خاطِرٍ لا يُوافِقُ خِطابَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ فَهو مَرْدُودٌ.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِن عِلْمِ التَّوْحِيدِ ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ مَن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ وهو النَّفْسُ الأمّارَةُ الحاكِمَةُ بِما تُؤَدِّي إلَيْهِ أفْكارُها، الغَيْرُ المُسْتَنِدَةُ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ ﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ويُخالِفُوهُ ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ .

﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ وهو الطّاغُوتُ ﴿أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وهي مُصِيبَةُ التَّحَيُّرِ وفَقْدِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِن تَقْدِيمِ أفْكارِهِمُ الفاسِدَةِ، وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلَيْكَ ﴿ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا﴾ بِأنْفُسِنا لِتُمَرِّنَها عَلى التَّفَكُّرِ حَتّى يَكُونَ لَها مَلَكَةُ اسْتِنْباطِ الأسْرارِ والدَّقائِقِ مِن عِباراتِكَ وإشاراتِكَ ﴿وتَوْفِيقًا﴾ أيْ جَمْعًا بَيْنَ العَقْلِ والنَّقْلِ، أوْ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِما يَقْرُبُ مِن عُقُولِهِمْ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَتَكَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِن رَيْنِ الشُّكُوكِ، فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تَقْبَلْ عُذْرَهم ﴿وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ مُؤَثِّرًا؛ لِيَرْتَدِعُوا، أوْ كَلِّمْهم عَلى مَقادِيرِ عُقُولِهِمْ ومُتَحَمَّلِ طاقَتِهِمْ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِغالِهِمْ بِحُظُوظِها ﴿جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ سَتْرَ صِفاتِ نُفُوسِهِمُ الَّتِي هي مَصادِرُ تِلْكَ الأفْعالِ ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ بِإمْدادِهِ إيّاهم بِأنْوارِ صِفاتِهِ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ مُطَهِّرًا لِنُفُوسِهِمْ، مُفِيضًا عَلَيْها الكَمالَ اللّائِقَ بِها.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: لَوْ جَعَلُوكَ الوَسِيلَةَ لَدَيَّ لَوَصَلُوا إلَيَّ.

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حَبِيبِهِ خُلْعَةً مِن خُلَعِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَجَعَلَ الرِّضا بِحُكْمِهِ ساءَ أمْ سَتَرَ سَبَبًا لِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما جَعَلَ الرِّضا بِقَضائِهِ سَبَبًا لِإيقانِ المُوقِنِينَ، فَأسْقَطَ عَنْهُمُ اسْمَ الواسِطَةِ؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُتَّصِفٌ بِأوْصافِ الحَقِّ، مُتَخَلِّقٌ بِأخْلاقِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ حَسّانُ:

وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ

وقالَ آخَرُونَ: سَدَّ سُبْحانَهُ الطَّرِيقَ إلى نَفْسِهِ عَلى الكافَّةِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ بِحَبِيبِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن لَمْ يَمْشِ تَحْتَ قِبابِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، ثُمَّ جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ مِن شَرْطِ الإيمانِ زَوالُ المُعارَضَةِ

صفحة 84

بِالكُلِّيَّةِ، فَلا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِن تَلَقِّي المَهالِكِ بِقَلْبٍ راضٍ ووَجْهٍ ضاحِكٍ.

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِسَيْفِ المُجاهَدَةِ لِتَحْيا حَياةً طَيِّبَةً ﴿أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ وهي المَلاذُّ الَّتِي رَكَنْتُمُ إلَيْها، وخَيَّمْتُمْ فِيها، وعَكَفْتُمْ عَلَيْها، أوْ لَوْ فَرَضْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْمَعُوا الهَوى، أوِ اخْرُجُوا مِن مَقاماتِكُمُ الَّتِي حُجِبْتُمْ بِها عَنِ التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ كالصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ مَثَلًا ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ وهم أهْلُ التَّوْفِيقِ والهِمَمِ العالِيَةِ.

وأُيِّدَ الِاحْتِمالُ الثّانِي بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ سَألَ إبْراهِيمَ بْنَ أدْهَمَ عَنْ حالِهِ فَقالَ إبْراهِيمُ: أدُورُ في الصَّحارى، وأطُوفُ في البَرارِي، حَيْثُ لا ماءٌ، ولا شَجَرٌ، ولا رَوْضٌ، ولا مَطَرٌ، فَهَلْ يَصِحُّ حالِي في التَّوَكُّلِ؟ فَقالَ لَهُ: إذا أفْنَيْتَ عُمُرَكَ في عُمْرانِ بَطْنِكَ فَأيْنَ الفَناءُ في التَّوْحِيدِ؟!

﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ بِالِاسْتِقامَةِ بِالدِّينِ ﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو كَشْفُ الجَمالِ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ﴾ بِما لا يَدْخُلُ في حَيْطَةِ الفِكْرِ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أرْبابِ التَّشْرِيعِ، الَّذِينَ ارْتَفَعُوا قَدْرًا، فَلا يُدْرَكُ شَأْوُهُمْ، ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾ الَّذِينَ قادَهم نُورُهُمُ إلى الِانْخِلاعِ عَنْ أنْواعِ الرَّبُوبِ والشُّكُوكِ، فَصَدَّقُوا بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ولا تَوَقُّفٍ ﴿والشُّهَداءِ﴾ أهْلِ الحُضُورِ ﴿والصّالِحِينَ﴾ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ مِن أنْفُسِكُمْ؛ فَإنَّها أعْدى أعْدائِكم ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ اسْلُكُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَماعاتٍ، كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى طَرِيقَةٍ شَيْخٍ كامِلٍ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ في طَرِيقِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، واتَّبِعُوا أفْعالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ: لَيُثَبِّطَنَّ المُجاهِدِينَ المُرْتاضِينَ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ شِدَّةٌ في السَّيْرِ ﴿قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ حَيْثُ لَمْ أفْعَلْ كَما فَعَلُوا ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مَواهِبُ غَيْبِيَّةٌ، وعُلُومٌ لَدُنِّيَّةٌ، ومَراتِبُ سُنِّيَّةٌ، وقَبُولٌ عِنْدَ الخَواصِّ والعَوّامِ ﴿لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أيْ حَسَدًا لَكم ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ﴾ دُونَهم ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وأنالَ ذَلِكَ وحْدِي ﴿ومَن يُقاتِلْ﴾ نَفْسَهُ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ بِسَيْفِ الصِّدْقِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ عَلَيْها بِالظَّفَرِ لِتُسْلِمَ عَلى يَدِهِ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الوُصُولُ إلَيْنا ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وخَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ العُقُولِ ﴿والنِّساءِ﴾ الأرْواحِ ﴿والوِلْدانِ﴾ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ وهي قَرْيَةُ البَدَنِ ﴿الظّالِمِ أهْلُها﴾ وهي النَّفْسُ الأمّارَةُ ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَنا ويُرْشِدُنا ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُنا عَلى مَن ظَلَمَنا، وهو الفَيْضُ الأقْدَسُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

4:76Page 90

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، سِيقَ لِتَشْجِيعِ المُؤْمِنِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الجِهادِ، أيِ المُؤْمِنُونَ إنَّما يُقاتِلُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى المُوصِلِ لَهم إلْيَهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي إعْلاءِ كَلِمَتِهِ، فَهو ولِيُّهم وناصِرُهم لا مَحالَةَ.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ فِيما يَبْلُغُ بِهِمْ إلى الشَّيْطانِ، وهو الكُفْرُ، فَلا ناصِرَ لَهم سِواهُ ﴿فَقاتِلُوا﴾ يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ جَمِيعَ الكُفّارِ، فَإنَّكم تَغْلِبُونَهم.

﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ في حَدِّ ذاتِهِ، فَكَيْفَ بِالقِياسِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى؟! الَّذِي يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ، وهو سُبْحانُهُ ولِيُّكُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيانِ قُوَّةِ جَنابِهِ تَعالى إيذانًا بِظُهُورِها، وفائِدَةُ (كانَ) التَّأْكِيدُ بِبَيانِ أنَّ كَيْدَهُ مُذْ كانَ ضَعِيفٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى صارَ، أيْ: صارَ ضَعِيفًا بِالإسْلامِ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском