Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:79–83
4:79Page 90
مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩
What comes to you of good is from Allāh, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself.1 And We have sent you, [O Muḥammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allāh as Witness.2
﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ بَيانٌ لِجَلالَةِ مَنصِبِهِﷺ ومَكانَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ الذَّبِّ عَنْهُ بِأتَمِّ وجْهٍ، وفِيهِ رَدٌّ أيْضًا لِمَن زَعَمَ اخْتِصاصَ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعَرَبِ، فَتَعْرِيفُ (لِلنّاسِ)
صفحة 91
لِلِاسْتِغْراقِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ(رَسُولًا) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصاصِ النّاظِرِ إلى قَيْدِ العُمُومِ، أيْ: مُرْسَلًا لِكُلِّ النّاسِ لا لِبَعْضِهِمْ فَقَطْ كَما زَعَمُوا، و(رَسُولًا) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بِما عِنْدَهُ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (رَسُولًا) وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا، إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَما في قَوْلِهِ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِشَيْءٍ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
وإمّا عَلى أنَّ الصِّفَةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، كَما اسْتَعْمَلَ الشّاعِرُ خارِجًا بِمَعْنى خُرُوجًا في قَوْلِهِ:
عَلَيَّ حِلْفَةً لا أشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ ولا (خارِجًا) مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ
حَيْثُ أرادَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا يَخْرُجُ خُرُوجًا.
﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى رِسالَتِكَ، أوْ عَلى صِدْقِكَ في جَمِيعِ ما تَدَّعِيهِ، حَيْثُ نَصَبَ المُعْجِزاتِ، وأنْزَلَ الآياتِ البَيِّناتِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَفى اللَّهُ تَعالى شَهِيدًا عَلى عِبادِهِ بِما يَعْمَلُونَ مَن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
4:80Page 91
مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠
He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ رِسالَتِهِ ﷺ إثْرَ بَيانِ تَحَقُّقِها، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الآمِرَ والنّاهِيَ في الحَقِيقَةِ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، والرَّسُولُ إنَّما هو مُبَلِّغٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، فَلَيْسَتِ الطّاعَةُ لَهُ بِالذّاتِ، إنَّما هي لِمَن بَلَّغَ عَنْهُ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ تَعالى، ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ تَعالى» فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ؟! لَقَدْ قارَفَ الشِّرْكَ، وهو نُهِيَ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، ما يُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنَزَلَتْ».
فالمُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا ﷺ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ ووَضْعُهُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِالعَلِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ نَبِيُّنا ﷺ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَأْباهُ تَخْصِيصُ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ وجَعْلُهُ مِن بابِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ خِلافُ الظّاهِرِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ تَعْلِيلٌ لَهُ قائِمٌ مَقامَهُ، أيْ: ومَن أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ فَأعْرِضْ عَنْهُ؛ لِأنّا إنَّما أرْسَلْناكَ رَسُولًا مُبَلِّغًا لا حَفِيظًا مُهَيْمِنًا تَحْفَظُ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ وتُحاسِبُهم عَلَيْها، ونُفِيَ - كَما قِيلَ - كَوْنُهُ حَفِيظًا - أيْ: مُبالِغًا في الحِفْظِ - دُونَ كَوْنِهِ حافِظًا؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الحِفْظِ؛ لِأنَّ تَبْلِيغَ الأحْكامِ نَوْعُ حِفْظٍ عَنِ المَعاصِي والآثامِ، وانْتِصابُ الوَصْفِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكافِ، وجَعْلُهُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ(أرْسَلْناكَ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى جَعَلْنا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ، و(عَلَيْهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ، وفي إفْرادِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ وجَمْعِ ضَمِيرِ الجَرِّ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) ومَعْناها، وفي العُدُولِ عَنْ (ومَن تَوَلّى فَقَدْ عَصاهُ) الظّاهِرِ في المُقابَلَةِ إلى ما ذُكِرَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ.
4:81Page 91
وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١
And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
﴿ويَقُولُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهم أنَّهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أيْ: ويَقُولُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ ﴿طاعَةٌ﴾ أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا، وتَقْدِيرُ (طاعَتُكَ طاعَةٌ) خِلافُ الظّاهِرِ، أوْ عِنْدَنا أوْ مِنّا طاعَةٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وكانَ أصْلُهُ النَّصْبَ، كَما يَقُولُ المُحِبُّ: سَمْعًا وطاعَةً، لَكِنَّهُ يَجُوزُ في مِثْلِهِ الرَّفْعُ كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ لَهم قَبْلَ الجَوابِ.
﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن مَجْلِسِكَ وفارَقُوكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ ﴿مِنهُمْ﴾ وهم رُؤَساؤُهُمْ، والتَّبْيِيتُ إمّا مِنَ البَيْتُوتَةِ؛ لِأنَّهُ تَدْبِيرُ الفِعْلِ
صفحة 92
لَيْلًا والعَزْمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ تَبْيِيتُ نِيَّةِ الصِّيامِ، ويُقالُ: هَذا أمْرٌ تَبَيَّتَ بِلَيْلٍ، وإمّا مِن بَيْتِ الشِّعْرِ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ يُدَبِّرُهُ ويُسَوِّيهِ، وإمّا مِنَ البَيْتِ المَبْنِيِّ؛ لِأنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ، وفي هَذا بَعْدٌ، وإنْ أثْبَتَهُ الرّاغِبُ لُغَةً.
والمُرادُ: زَوَّرَتْ وسَوَّتْ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أيْ: خِلافَ ما قُلْتَ لَها، أوْ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ، والعُدُولُ عَنِ الماضِي لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى طائِفَةٍ مِنهم لِبَيانِ أنَّهُمُ المُتَصَدُّونَ لَهُ بِالذّاتِ، والباقُونَ أتْباعٌ لَهم في ذَلِكَ، لا لِأنَّهم ثابِتُونَ عَلى الطّاعَةِ، وتَذْكِيرُهُ أوَّلًا لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (بَيَّتْ طائِفَةٌ) بِالِادِّغامِ لِقُرْبِهِما في المُخْرِجِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الِادِّغامَ هُنا عَلى خِلافِ الأصْلِ والقِياسِ، ولَمْ تُدْغَمْ تاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ غَيْرُ هَذِهِ.
﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ، أوْ فِيما يُوحِيهِ إلَيْكَ فَيُطْلِعُكَ عَلى أسْرارِهِمْ ويَفْضَحُهُمْ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، والقَصْدُ عَلى الأوَّلِ لِتَهْدِيدِهِمْ، وعَلى الثّانِي لِتَحْذِيرِهِمْ.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَجافَ عَنْهُمْ، ولا تَتَصَدَّ لِلِانْتِقامِ مِنهُمْ، أوْ قَلِّلِ المُبالاةَ بِهِمْ، والفاءُ لِسَبَبِيَّةٍ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: فَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وثِقْ بِهِ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، لاسِيَّما في شَأْنِهِمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ قائِمًا بِما فُوِّضَ إلَيْهِ مِنَ التَّدْبِيرِ، فَيَكْفِيكَ مَضَرَّتَهُمْ، ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهُمْ، والإظْهارُ لِما سَبَقَ، ولِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ واسْتِغْنائِها عَمّا عَداها مِن كُلِّ وجْهٍ
4:82Page 91
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢
Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ لَعَلَّهُ جَوابُ سُؤالٍ نَشَأ مِن جَعْلِ اللَّهِ تَعالى شَهِيدًا، كَأنَّهُ قِيلَ: شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى لا شُبْهَةَ فِيها، ولَكِنْ مِن أيْنَ يُعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرْتَهُ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى مَحْكِيَّةُ عَنْهُ، فَأجابَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ) وأصْلُ التَّدَبُّرِ التَّأمُّلُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ سَواءٌ كانَ نَظَرًا في حَقِيقَةٍ الشَّيْءِ وأجْزائِهِ، أوْ سَوابِقِهِ وأسْبابِهِ، أوْ لَواحِقِهِ وأعْقابِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أيَشُكُّونَ في أنَّ ما ذُكِرَ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى فَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ هَذا النَّبِيُّ ﷺ المَشْهُودُ لَهُ، لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ حُجَّةً، وأيُّ حُجَّةٍ عَلى المَقْصُودِ!
وقِيلَ: المَعْنى أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَأمَّلُونَ فِيهِ لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِمُشاهَدَةِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الوَحْيُ الصّادِقُ، والنَّصُّ النّاطِقُ بِنِفاقِهِمُ، المَحْكِيُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ.
﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ: القُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ كَما يَزْعُمُونَ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ بِأنْ يَكُونَ بَعْضُ إخْباراتِهِ الغَيْبِيَّةِ كالإخْبارِ عَمّا يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَحَيْثُ اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَطُّ عُلِمَ أنَّهُ بِإعْلامِهِ تَعالى ومِن عِنْدِهِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ: لَوَجَدُوا فِيهِ تَناقُضًا كَثِيرًا، وذَلِكَ لِأنَّ كَلامَ البَشَرِ إذا طالَ لَمْ يَخْلُ - بِحُكْمِ العادَةِ - مِنَ التَّناقُضِ، وما يُظَنُّ مِنَ الِاخْتِلافِ، كَما في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، ومِنهُ ما سَبَقَ آنِفًا لَيْسَ مِنَ الِاخْتِلافِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِينَ، وقِيلَ - وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ خِلافًا لِزاعِمِهِ – المُرادُ: لَكانَ الكَثِيرُ مِنهُ مُخْتَلِفًا مُتَناقِضًا، قَدْ تَفاوَتَ نَظْمُهُ وبَلاغَتُهُ، فَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، وبَعْضُهُ قاصِرًا عَنْهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا بِغَيْبٍ قَدْ وافَقَ المُخْبَرَ عَنْهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى صَحِيحٍ عِنْدَ عُلَماءِ المُعانِي، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى فاسِدٍ غَيْرِ مُلْتَئِمٍ، فَلَمّا تَجاوَبَ كُلُّهُ بَلاغَةً مُعْجِزَةً فائِقَةً لِقُوى البُلَغاءِ، وتَناصَرَ صِحَّةَ مَعانٍ وصِدْقَ أخْبارٍ عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ قادِرٍ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، عالِمٍ بِما لا يَعْلَمُهُ سِواهُ، انْتَهى.
صفحة 93
وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ وجْهِ الإعْجازِ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ كَوْنَ القُرْآنِ في مَرْتَبَةِ الأعْلى مِنَ البَلاغَةِ، وكَوْنَ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ إثْباتَ القُرْآنِ كُلِّهِ وبَعْضِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ وصْفَ الِاخْتِلافِ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الِاخْتِلافُ حِينَئِذٍ إلّا بِأنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنهُ مُعْجِزًا والبَعْضُ غَيْرَ مُعْجِزٍ، وهو اخْتِلافٌ واحِدٌ، فَلِذا جُعِلَ (وجَدُوا) مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلِهِما (كَثِيرًا) وثانِيهِما (اخْتِلافًا) بِمَعْنى مُخْتَلَفًا، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ: لَكانَ الكَثِيرُ مِنهُ مُخْتَلِفًا، وإنَّما جُعِلَ اللّازِمُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَوْنَ الكَثِيرِ مُخْتَلَفًا، مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُخْتَلَفًا اقْتِصارًا عَلى الأقَلِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وهو مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما أُورِدَ مِن أنَّ الكَثْرَةَ صِفَةُ الِاخْتِلافِ، والِاخْتِلافَ صِفَةٌ لِلْكُلِّ في النَّظْمِ، وقَدْ جُعِلَ صِفَةَ الكَثْرَةِ، والكَثْرَةُ صِفَةُ الكَثِيرِ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الكَثْرَةَ صِفَةُ الِاخْتِلافِ، بَلْ هُما مَفْعُولا (وجَدُوا) وكَذا ما أُورِدَ مِن أنَّهُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: لَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ ثُبُوتُ قُدْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى عَلى الكَلامِ المُعْجِزِ، وهو باطِلٌ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ أنَّ القُرْآنَ كُلًّا وبَعْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: البَعْضُ الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّحَدِّي - وهو مِقْدارُ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ - ولَوْ كانَ بَعْضٌ مِن أبْعاضِهِ مِن غَيْرِهِ تَعالى لَوَجَدُوا فِيهِ الِاخْتِلافَ المَذْكُورَ، وهو أنْ لا يَكُونَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مَحِيصَ عَنِ الإيرادِ الأخِيرِ سِوى أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: لَوْ كانَ فِيهِ مَرْتَبَةُ الإعْجازِ فَفي البَعْضِ خاصَّةً، عَلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَدْرُ مَأْخُوذًا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، كَما في الِاقْتِباسِ ونَحْوِهِ، إلّا أنَّهُ لا يَخْفى بُعْدُهُ، وإلى تَفْسِيرِ الِاخْتِلافِ بِالتَّفاوُتِ بَلاغَةً وعَدَمَ بَلاغَةٍ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ إلى هَذا.
ونُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ في الآيَةِ فَوائِدَ: وُجُوبُ النَّظَرِ في الحُجَجِ والدَّلالاتِ، وبُطْلانُ التَّقْلِيدِ، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَعارِفَ الدِّينِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ، والدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ القِياسِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لِوُجُودِ التَّناقُضِ فِيها، انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ دَلالَتَها عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في الجُمْلَةِ وبُطْلانِ التَّقْلِيدِ لِلْكُلِّ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ المَعارِفَ الدِّينِيَّةَ كُلَّها ضَرُورِيَّةٌ إمّا عَلى صِحَّةِ القِياسِ عَلى المُصْطَلَحِ الأُصُولِيِّ فَلا، وإمّا تَقْرِيرُ الأخِيرِ - عَلى ما في الكَشْفِ - فَلِأنَّ اللّازِمَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى قَوْلِهِمْ: أنْ لَوْ عُكِسَ لَوْلا، ولَوْ كانَ أفْعالُ العِبادِ مِن خَلْقِهِ لَكانَتْ مِن عِنْدِهِ بِالضَّرُورَةِ، وكَذَبَتِ القَضِيَّةُ أوْ بَعْضُ المُخْتَلَفِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ، والمَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ الِاسْتِدْلالِ، فَيَكُونُ بَعْضُ أفْعالِ العِبادِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ لَهُ تَعالى، ويَكْفِي ذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ إذا كانَ اخْتِيارِيًّا، وأجابَ فِيهِ بِأنَّ اللّازِمَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ هو قُرْآنٌ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ.
وذُكِرَ أنَّ مَعْنى (ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) تَعالى عِنْدَ الجَماعَةِ: ولَوْ كانَ قائِمًا بِغَيْرِهِ تَعالى، ولا مَدْخَلَ لِلْخَلْقِ في هَذِهِ المُلازَمَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ ظاهِرِ الإرادَةِ هُنا، وكَذا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَّسُولِ -ﷺ - أوِ الإمامِ المَعْصُومِ كَما قالَ بَعْضُ الشِّيعَةِ.
4:83Page 91
وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣
And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.
﴿وإذا جاءَهُمْ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والضَّحّاكِ وأبِي مُعاذٍ، أوْ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ، أوِ الطّائِفَتَيْنِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ أيْ: مِمّا يُوجِبُ الأمْنَ والخَوْفَ ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ أيْ: أفْشَوْهُ، والباءُ مَزِيدَةٌ، وفي الكَشّافِ يُقالُ: أذاعَ الشَّرَّ وأذاعَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَعَلُوا بِهِ الإذاعَةَ، وهو
صفحة 94
أبْلَغُ مِن (أذاعُوهُ) لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ نَفْسَ الحَقِيقَةِ، كَما في نَحْوِ: (فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ) ولِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، وقِيلَ: الباءُ لِتُضَمُّنِ الإذاعَةِ مَعْنى التَّحْدِيثِ، وجَعْلُها بِمَعْنى مَعَ والضَّمِيرُ لِلْمَجِيءِ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ.
والكَلامُ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِ المُنافِقِينَ، أوْ لِبَيانِ جِنايَةِ الضُّعَفاءِ إثْرَ بَيانِ جِنايَةِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ خُبِّرَ النّاسُ عَنْها فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُّوِهم كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ هو الَّذِي يُخْبِرُهم بِهِ، ولا يَكادُ يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ مَفْسَدَةٍ، وقِيلَ: كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ ووُثُوقٍ بِالظُّهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ، أوْ عَلى خَوْفٍ فَيُذِيعُونَهُ، فَيُنْشَرُ فَيَبْلُغُ الأعْداءَ، فَتَعُودُ الإذاعَةُ مَفْسَدَةً، وقِيلَ: الضُّعَفاءُ يَسْمَعُونَ مِن أفْواهِ المُنافِقِينَ شَيْئًا مِنَ الخَبَرِ عَنِ السَّرايا مَظْنُونً غَيْرَ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ فَيُذِيعُونَهُ قَبْلَ أنْ يُحَقِّقُوهُ، فَيَعُودُ ذَلِكَ وبالًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ إنْكارٌ عَلى مَن يُحَدِّثُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ تَحْقِيقِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلٍّ ما سَمِعَ»» والجُمْلَةُ عِنْدَ صاحِبِ الكَشْفِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (ويَقُولُونَ طاعَةٌ).
وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ) اعْتِراضٌ، تَحْذِيرًا لَهم عَنِ الإضْمارِ لِما يُخالِفُ الظّاهِرَ، فَإنَّ في تَدَبُّرِ القُرْآنِ جارًّا إلى طاعَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أيَّ جارٍّ! وقِيلَ: الكَلامُ مَسُوقٌ لِدَفْعِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ في بَعْضِ المَوادِّ مِن شائِبَةِ الِاخْتِلافِ بِناءً عَلى عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى مَعْنى الكَلامِ، لا لِتَخَلُّفِ مَدْلُولِهِ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِن ضَعْفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا خِبْرَةَ لَهم بِالأحْوالِ كانُوا إذا أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِما أُوحِي إلَيْهِ مِن وعْدٍ بِالظَّفَرِ أوْ تَخْوِيفٍ مِنَ الكَفَرَةِ يُذِيعُونَهُ مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِمَعْناهُ ولا ضَبْطِ لِفَحْواهُ عَلى حَسَبِ ما كانُوا يَفْهَمُونَهُ ويَحْمِلُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ المُحامِلِ، وعَلى تَقْدِيرِ الفَهْمِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِأُمُورٍ تَفُوتُ بِالإذاعَةِ، فَلا يَظْهَرُ أثَرُهُ المُتَوَقَّعُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنشَأً لِتَوَهُّمِ الِاخْتِلافِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، غَيْرَ أنَّ رِواياتِ السَّلَفِ عَلى خِلافِهِ.
وأيّا ما كانَ فَقَدْ نَعى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي جاءَهم ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ ﷺ ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ وهم كَبائِرُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ - البُصَراءُ في الأُمُورِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ وقَتادَةُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِهِمْ أُمَراءُ السَّرايا والوُلاةُ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ ﴿لَعَلِمَهُ﴾ أيْ: لَعَلِمَ تَدْبِيرَ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطْنَتِهِمْ وتَجارِبِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ ومَكايِدِهِ، أوْ لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ ومَن ذُكِرَ، وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا لَعَلِمَ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ وما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، أوْ (لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ) ﷺ، وإلى كِبارِ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – وقالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِنهم ونَعْلَمَهُ هَلْ مِمّا يُذاعُ أوْ لا يُذاعُ لَعُلِمَ صِحَّتُهُ، وهَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا، هَؤُلاءِ المُذِيعُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ، أيْ: يَتَلَقَّوْنَهُ مِنهُمْ، ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، أوْ لَوْ عَرَضُوهُ عَلى رَأْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَكْشِفِينَ لِمَعْناهُ، وما يَنْبَغِي لَهُ مِنَ التَّدْبِيرِ، وإلى أجِلَّةِ صَحْبِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَعَلِمَ الرّادُّونَ مَعْناهُ وتَدْبِيرَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ وتَدْبِيرَهُ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَن تَشَرَّفَ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِالرِّسالَةِ لِما أنَّها مِن مُوجِباتِ الرَّدِّ.
وكَلِمَةُ (مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ، والظَّرْفُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَنْبِطُونَهُ)، وإمّا تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ تَجْرِيدِيَّةٌ، والظَّرْفُ حالٌ، ووُضِعَ
صفحة 95
المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ في الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ القَصْدُ بِالرَّدِّ اسْتِكْشافُ المَعْنى واسْتِيضاحُ الفَحْوى، والِاسْتِنْباطُ في الأصْلِ اسْتِخْراجُ الشَّيْءِ مِن مَأْخَذِهِ، كالماءِ مِنَ البِئْرِ، والجَوْهَرِ مِنَ المَعْدِنِ، ويُقالُ لِلْمُسْتَخْرَجِ: نَبَطٌ بِالتَّحْرِيكِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ أخْذٍ وتَلَقٍّ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِلطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، بِناءً عَلى أنَّهم ضَعْفَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ شَيْءٌ واحِدٌ، أيْ: لَوْلا فَضْلُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِإرْشادِكم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، الَّذِي هو الرَّدُّ إلى الرَّسُولِ ﷺ وإلى أُولِي الأمْرِ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ وعَمِلْتُمْ بِآرائِكُمُ الضَّعِيفَةِ، أوْ أخَذْتُمْ بِآراءِ المُنافِقِينَ فِيما تَأْتُونَ وتَذَرُوَنَ، ولَمْ تَهْتَدُوا إلى صَوْبِ الصَّوابِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ وهم أُولُو الأمْرِ المُسْتَنِيرَةِ عُقُولُهم بِأنْوارِ الإيمانِ الرّاسِخِ، الواقِفُونَ عَلى الأسْرارِ، الرّاسِخُونَ في مَعْرِفَةِ الأحْكامِ بِواسِطَةِ الِاقْتِباسِ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أوِ الخِطابُ لِلنّاسِ، أيْ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ تَعالى بِالنَّبِيِّ ﷺ ﴿ورَحْمَتُهُ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، كَما فَسَّرَهُما السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ، وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ، ولا يَبْعُدُ العَكْسُ ﴿لاتَّبَعْتُمُ﴾ كُلُّكُمُ ﴿الشَّيْطانَ﴾ وبَقَيْتُمْ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ مِنكم قَدْ تُفُضِّلَ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ راجِحٍ، فاهْتَدى بِهِ إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ، وسَلِمَ مِن مَهاوِي الضَّلالَةِ، وعُصِمَ مِن مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ مِن غَيْرِ إرْسالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإنْزالِ الكِتابِ، كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ الإيادِيِّ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وأضْرابِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأنْبارِيُّ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ النُّصْرَةُ والمَعُونَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والمَعْنى: لَوْلا حُصُولُ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ لَكم عَلى سَبِيلِ التَّتابُعِ (لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ) فِيما يُلْقِي إلَيْكم مِنَ الوَساوِسِ والخَواطِرِ المُؤَدِّيَةِ إلى الجُبْنِ والفَشَلِ والرُّكُونِ إلى الضَّلالِ وتَرْكِ الدِّينَ (إلّا قَلِيلًا) وهم مِن أهْلِ البَصائِرِ النّافِذَةِ، والعَزائِمِ المُتَمَكِّنَةِ، والنِّيّاتِ الخالِصَةِ، مَن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطُ كَوْنِ الدِّينِ حَقًّا حُصُولُ الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا، أوْ باطِلًا حُصُولُ الِانْكِسارِ والِانْهِزامِ، بَلْ مَدارُ الأمْرِ في كَوْنِهِ حَقًّا وباطِلًا عَلى الدَّلِيلِ، ولا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي ولِيَها جَوازُ أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ومِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ إلى عِصْيانِهِ وخِزْيِهِ، ولَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في ذَلِكَ فَضْلٌ، ومَعاذَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْتَقِدَ هَذا مُسْلِمٌ مُوَحِّدٌ سُنِّيًّا كانَ أوْ مُعْتَزِلِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّ لَوْلا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وقَدْ أنْبَأتْ أنَّ امْتِناعَ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ لِلشَّيْطانِ في الكُفْرِ وغَيْرِهِ إنَّما كانَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، فالفَضْلُ هو السَّبَبُ المانِعُ مِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ، فَإذا جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مِمّا ذُكِرَ فَقَدْ سَلَبْتَ تَأْثِيرَ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى في امْتِناعِ الِاتِّباعِ عَنِ البَعْضِ المُسْتَثْنى ضَرُورَةً، وجَعْلُهم مُسْتَبِدِّينَ بِالإيمانِ وعِصْيانِ الشَّيْطانِ الدّاعِي إلى الكُفْرِ بِأنْفُسِهِمْ لا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ألا تُراكَ إذا قُلْتَ لِمَن تُذَكِّرُهُ بِحَقِّكَ عَلَيْهِ: لَوْلا مُساعَدَتِي لَكَ لَسُلِبْتَ أمْوالَكَ إلّا قَلِيلًا، كَيْفَ لَمْ تَجْعَلْ لِمُساعَدَتِكَ أثَرًا في بَقاءِ القَلِيلِ لِلْمُخاطِبِ، وإنَّمًا مَنَنْتَ عَلَيْهِ في تَأْثِيرِ مُساعَدَتِكَ في بَقاءِ أكْثَرِ مالِهِ لا في كُلِّهِ، لِأنّا نَقُولُ هَذا إذا عَمَّ الفَضْلُ لا إذا خَصَّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الِاتِّباعِ إذا لَمْ يَكُنْ بِهَذا الفَضْلِ المَخْصُوصِ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِفَضْلٍ آخَرَ، نَعَمْ، ظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ مُشْكِلٌ، حَيْثُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وزادَ التَّوْفِيقَ في البَيانِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا: أرادَ بِهِ تَوْفِيقًا خاصًّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، وهَذا أوْلى مِنَ الإطْلاقِ ودَفْعِ الإشْكالِ بَأنَّ عَدَمَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى الجَمِيعِ لا يَلْزَمُ مِنهُ العَدَمُ عَلى
صفحة 96
البَعْضِ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ.
وذَهَبَ بَعْضُهم لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الإيرادِ إلى الِاسْتِثْتاءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذاعُوا بِهِ)،﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ المُبَرِّدِ، والكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والبَلْخِيِّ، والطَّبَرِيِّ، واتَّخَذَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الآيَةَ دَلِيلًا في الرَّدِّ عَلى مَن جَزَمَ بِعَوْدِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الجُمَلِ إلى الأخِيرَةِ.
وعَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ وعَنْ أكْثَرِهِمْ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ واعْتَرَضَهُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ بِأنَّ ما يُعْلَمُ بِالِاسْتِنْباطِ فالأقَلُّ يَعْلَمُهُ والأكْثَرُ يَجْهَلُهُ، وصَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى ما ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِكَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِأنَّهُ غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهَذا الِاسْتِنْباطِ ما يُسْتَخْرَجُ بِنَظَرٍ دَقِيقٍ وفِكْرٍ غامِضٍ، إنَّما هو اسْتِنْباطُ خَبَرٍ، وإذا كانَ ذَلِكَ فالأكْثَرُونَ يَعْرِفُونَهُ ولا يَجْهَلُهُ إلّا البالِغُ في البَلادَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وبَعْضُهم إلى جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُفَرَّغًا مِنَ المَصْدَرِ فَما بَعْدَ (إلّا) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُوهُ كُلَّ اتِّباعٍ إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا، بِأنْ تَبْقَوْا عَلى إجْراءِ الكُفْرِ وآثارِهِ إلّا البَقاءَ القَلِيلَ النّادِرَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الطَّبْعِ والعادَةِ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى التَّحْقِيقِ عِنْدَ الإمامِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وأُيِّدَ التَّخْصِيصُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الأنْبارِيُّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ يَشْهَدانِ لَهُ، وفي الَّذِي بَعْدَهُ بِأنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ إلَخْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences