Al-AlusiGhafir · 40:56–65

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:56–65

40:56Page 473

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦

Indeed, those who dispute concerning the signs of Allāh without [any] evidence having come to them - there is not within their breasts except pride, [the extent of] which they cannot reach. So seek refuge in Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Seeing.

﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ دَلائِلِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي نَصَبَها عَلى تَوْحِيدِهِ وكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وما أظْهَرَ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ أيْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ في ذَلِكَ أتَتْهم مِن جِهَتِهِ تَعالى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِيُجادِلُونَ - وتَقْيِيدُ المُجادَلَةِ بِذَلِكَ مَعَ اسْتِحالَةِ إتْيانِ الحُجَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ في أمْرِ الدِّينِ لا بُدَّ مِنَ اسْتِنادِهِ إلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ وبُرْهانٍ مُبِينٍ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ مُجادِلٍ مُبْطِلٍ وإنْ نَزَلَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وهم عَلى الأصَحِّ مُشْرِكُو مَكَّةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ﴾ خَبَرٌ لِأنْ ( وإنَّ ) نافِيَةٌ، والمُرادُ بِالصُّدُورِ القُلُوبُ أُطْلِقَتْ عَلَيْها لِلْمُجاوَرَةِ والمُلابَسَةِ، والكِبْرُ التَّكَبُّرُ والتَّعاظُمُ أيْ ما في قُلُوبِهِمْ إلّا تَكَبُّرٌ عَنِ الحَقِّ وتَعاظُمٌ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّعَلُّمِ أوْ هو مَجازٌ عَنْ إرادَةِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمُ عَلى الإطْلاقِ أوْ إرادَةِ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم أيْ ما في قُلُوبِهِمْ إلّا إرادَةُ الرِّياسَةِ أوْ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم دُونَكَ حَسَدًا وبَغْيًا حَسْبَما قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفَ: 31] وقالُوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحْقافَ: 11] ولِذَلِكَ يُجادِلُونَ في آياتِهِ تَعالى لا أنَّ فِيها مَوْقِعَ جِدالٍ ما أوْ أنَّ لَهم شَيْئًا يُتَوَهَّمُ صَلاحِيَتُهُ لِأنْ يَكُونَ مَدارًا لِمُجادَلَتِهِمْ في الجُمْلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ صِفَةٌ - لِكِبْرٍ - أيْ ما هم بِبالِغِي مُوجِبِ الكِبْرِ ومُقْتَضِيهِ وهو مُتَعَلِّقُ إرادَتِهِمْ مِن دَفْعِ الآياتِ أوْ مِنَ الرِّياسَةِ أوِ النُّبُوَّةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الكِبْرِ عَلَيْكَ وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبْرِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أذَلَّهم، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وضَمِيرُ ﴿بِبالِغِيهِ﴾ لِدَفْعِ الآياتِ المَفْهُومِ مِنَ المُجادَلَةِ، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُجادِلُونَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ اليَهُودُ عَظَّمُوا أمْرَ الدَّجّالِ فَنَزَلَتْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: إنَّ الدَّجّالَ يَكُونُ مِنّا في آخِرِ الزَّمانِ ويَكُونُ مِن أمْرِهِ ما يَكُونُ فَعَظَّمُوا أمْرَهُ وقالُوا: يَصْنَعُ كَذا وكَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾» .. إلَخْ، وهَذا كالنَّصِّ في أنَّ أمْرَ اليَهُودِ كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها، وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ. وفي رِوايَةٍ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: يَخْرُجُ صاحِبُنا المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يُرِيدُونَ الدَّجّالَ ويَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ وتَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ فَيَرْجِعُ إلَيْنا المُلْكُ، حَكاها في الكَشّافِ ثُمَّ قالَ: فَسَمّى اللَّهُ تَعالى تَمَنِّيَهم ذَلِكَ كِبْرًا ونَفى سُبْحانَهُ أنْ يَبْلُغُوا مُتَمَنّاهم، ويَخْطُرُ لِي عَلى هَذا القَوْلِ إنَّ اليَهُودَ لَمْ يُرِيدُوا مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الدَّجّالِ سِوى نَفْيِ أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ في آخِرِ الزَّمانِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ أنْبِياؤُهم وزَعَمَ أنَّ المُبَشَّرَ بِهِ هو ذَلِكَ اللَّعِينُ، فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ صاحِبَنا - يَعْنُونَ النَّبِيَّ المُبَشِّرَ بِهِ أنْبِياؤُهم، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ ويَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ، وفي ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ دَفْعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدّاعِي لَهم إلى ذَلِكَ الكِبْرُ والحَسَدُ وحُبُّ أنْ لا تُخْرِجَ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ نَحْوَ مَعْناها عَلى القَوْلِ بِكَوْنِ المُجادِلِينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ. ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ

صفحة 79

كَذَبُوا أوَّلًا بِقَوْلِهِمْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ صاحِبَنا، وثانِيًا بِقَوْلِهِمْ: بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يَعْنُونَ الدَّجّالَ، أمّا الكَذِبُ الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجّالَ وأنْذَرَهم إيّاهُ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، وهم قالُوا: هو صاحِبُنا يَعْنُونَ المُبَشَّرَ بِبَعْثَتِهِ آخِرَ الزَّمانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الجِدالِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ فالتَجِئْ إلَيْهِ تَعالى مِن كَيْدِ مَن يَحْسُدُكَ ويَبْغِي عَلَيْكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: هَذا أمْرٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَعَوَّذَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ لِأقْوالِكم وأفْعالِكم، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ قَبْلَها.

40:57Page 473

لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧

The creation of the heavens and earth is greater than the creation of mankind, but most of the people do not know.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَبْيِينٌ لِأشْهَرِ ما يُجادِلُونَ فِيهِ مِن أمْرِ البَعْثِ الَّذِي هو كالتَّوْحِيدِ في وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: 81] وإضافَةُ ( خَلْقُ ) إلى ما بَعْدَهُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ أيْ لَخَلْقُ اللَّهِ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ أعْظَمُ مِن خَلْقِهِ سُبْحانَهُ النّاسَ لِأنَّ النّاسَ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ كَلا شَيْءَ، والمُرادُ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ ذَلِكَ فَهو سُبْحانَهُ عَلى خَلْقِ ما لا يُعَدُّ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بَدْأً وإعادَةً أقْدَرُ وأقْدَرُ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: النّاسُ الدَّجّالُ وهو بِناءٌ عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ في المُجادِلِينَ، ولَعَمْرِي إنَّ تَطْبِيقَ هَذا ونَحْوِهِ عَلى ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ وأنا لا أقُولُ بِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ الكَفَرَةُ، ولَمّا كانَ ما قَبْلُ لِإثْباتِ البَعْثِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ وتَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ اقْتِضاءً ظاهِرًا ناسَبَ نَفْيَ العِلْمِ عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مِنَ العُقَلاءِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم إنْكارُهُ، ولَمْ يَذْكُرْ لِلْعِلْمِ مَفْعُولًا لِأنَّ المُناسِبَ لِلْمَقامِ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقِيلَ: المُرادُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ أيْ لا يَجْرُونَ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ بِذَلِكَ مِنَ الإقْرارِ بِالبَعْثِ ومَن لا يَجْرِي عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِ هو والجاهِلُ سَواءٌ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُجادَلَ في آياتِ اللَّهِ ولا يَتَكَبَّرَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَخَلْقُ﴾ .. إلَخْ. أيْ إنَّ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى أكْبَرُ وأجَلُّ مِن خَلْقِ البَشَرِ فَما لِأحَدِهِمْ يُجادِلُ ويَتَكَبَّرُ عَلى خالِقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ لا يَتَأمَّلُونَ لِغَلَبَةِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ ولِذَلِكَ جادَلُوا وتَكَبَّرُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ تَفْسِيرٌ قَلِيلُ الجَدْوى.

40:58Page 473

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨

And not equal are the blind and the seeing, nor are those who believe and do righteous deeds and the evildoer. Little do you remember.

﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ الغافِلُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ في مَبْدَئِهِ ومَعادِهِ ومَن كانَتْ لَهُ بَصِيرَةٌ في مَعْرِفَتِهِما، وتَفْسِيرُ ( اَلْبَصِيرُ ) بِاللَّهِ تَعالى ( والأعْمى ) بِالصَّنَمِ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ المُحْسِنُ ولِذا قُوبِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا المُسِيءُ﴾ وعَدَلَ عَنِ التَّقابُلِ الظّاهِرِ كَما في الأعْمى والبَصِيرِ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشارَةً إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلَمٌ في الإحْسانِ، وقُدِّمَ ( اَلْأعْمى ) لِمُناسَبَةِ العَمى ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ العِلْمِ، وقُدِّمَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدُ لِمُجاوِرَةِ البَصِيرِ ولِشَرَفِهِمْ، وفي مِثْلِهِ طُرُقٌ أنْ يُجاوِرَ كُلٌّ ما يُناسِبُهُ كَما هُنا، وأنْ يُقَدَّمَ ما يُقابِلُ الأوَّلَ ويُؤَخَّرُ ما يُقابِلُ الآخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطِرَ: 19 - 22] وأنْ يُؤَخَّرَ المُتَقابِلانِ كالأعْمى والأصَمِّ والسَّمِيعِ والبَصِيرِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّفَنُّنِ

صفحة 80

فِي البَلاغَةِ وأسالِيبِ الكَلامِ، والمَقْصُودُ مَن نَفْيِ اسْتِواءِ مَن ذُكِرَ بَيانُ أنَّ هَذا التَّفاوُتَ مِمّا يُرْشِدُ إلى البَعْثِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَسْتَوِي الغافِلُ والمُسْتَبْصِرُ والمُحْسِنُ والمُسِيءُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهم حالٌ أُخْرى يَظْهَرُ فِيها ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ وهي فِيما بَعْدَ البَعْثِ.

وأُعِيدَتْ لا في المُسِيءِ تَذْكِيرًا لِلنَّفْيِ السّابِقِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الفَصْلِ بِطُولِ الصِّلَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ أنَّ الكافِرَ المُسِيءَ لا يُساوِي المُؤْمِنَ المُحْسِنَ، وذِكْرُ عَدَمِ مُساواةِ الأعْمى لِلْبَصِيرِ تَوْطِئَةً لَهُ، ولَوْ لَمْ يَعُدِ النَّفْيُ فِيهِ فَرُبَّما ذَهَلَ عَنْهُ وظَنَّ أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ، ولَوْ قِيلَ: ولا الَّذِينَ آمَنُوا والمُسِيءُ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِيهِ أيْضًا لِاحْتِمالٍ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ خَبَرُهُ وجُمِعَ عَلى المَعْنى قالَهُ الخَفاجِيُّ، وهو أنَّ تَمَّ فِعْلَيِ القِراءَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ولا الَّذِينَ آمَنُوا والمُسِيءُ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ مُساواةِ المُسِيءِ لِلْمُحْسِنِ لا نَفْيُ مُساواةِ المُحْسِنِ لَهُ إذِ المُرادُ بَيانُ خَسارَتِهِ ولا يَصْفُو عَنْ كَدَرٍ فَتَدَبَّرْ، والمَوْصُولُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ عَلى ( اَلْأعْمى ) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ المَجْمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحَدِيدَ: 3] ولَمْ يُتْرَكِ العَطْفُ بَيْنَهُما بِناءً عَلى أنَّ الأوَّلَ مُشَبَّهٌ بِهِ والثّانِيَ مُشَبَّهٌ وهُما مُتَّحِدانِ مَآلًا لِأنَّ كُلًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُغايِرٌ لِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ وتَغايُرُ الصِّفاتِ كَتَغايُرِ الذَّواتِ في صِحَّةِ التَّعاطُفِ، ووَجْهُ التَّغايُرِ أنَّ الغافِلَ والمُسْتَبْصِرَ والمُحْسِنَ والمُسِيءَ صِفاتٌ مُتَغايِرَةُ المَفْهُومِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اتِّحادِ ما صَدَقَهُما وعَدَمِهِ، وقِيلَ: التَّغايُرُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ والوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِن جِهَةِ أنَّ القَصْدَ في الأوَّلَيْنِ إلى العِلْمِ، وفي الأخِيرَيْنِ إلى العَمَلِ، وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ، وقِيلَ: هُما وإنِ اتَّحَدا ذاتًا مُتَغايِرانِ اعْتِبارًا مِن حَيْثُ إنَّ الثّانِيَ صَرِيحٌ والأوَّلَ مَذْكُورٌ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِمُجَرَّدِ هَذِهِ المُغايَرَةِ لَزِمَ جَوازُ عَطْفِ المُشَبَّهِ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ وعَكْسِهِ.

﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ والأعْرَجُ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلنّاسِ أوِ الكُفّارِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتّاءُ أعَمُّ، وعَلَّلَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ فِيهِ تَغْلِيبَ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، وقالَ القاضِي: إنَّ التّاءَ لِلتَّغَيُّبِ أوِ الِالتِفاتِ أوْ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالمُخاطَبَةِ أيْ بِتَقْدِيرِ قُلْ قَبْلَهُ، وآثَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ الِالتِفاتَ لِأنَّ العُدُولَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ يَدُلُّ عَلى العُنْفِ الشَّدِيدِ والإنْكارِ البَلِيغِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِخَلْقِ السَّماواتِ وهو كَلامٌ مَعَ المُجادِلِينَ. وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ ما ذَكَرَ نُكْتَةَ التَّغْلِيبِ فَيَكُونُ أوْلى لِفائِدَةِ التَّعْمِيمِ أيْضًا فَلْيُفْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ التَّغْلِيبَ جارٍ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلنّاسِ واحْتِمالِ كَوْنِهِ لِلْكُفّارِ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ أوِ الكُفّارِ مُخاطَبٌ هُنا والتَّقْلِيلُ أيْضًا يَصِحُّ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ مِنهم مَن يَتَذَكَّرُ ويَهْتَدِي، وقالَ الجَلَبِيُّ: الضَّمِيرُ إذا كانَ لِلنّاسِ فالتَّقْلِيلُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ والمُسْتَثْنى هُمُ المُؤْمِنُونَ وإذا كانَ لِلْكَفّارِ فَهو بِمَعْنى النَّفْيِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُخاطَبَ مَن خاطَبَهُ ﷺ مِن قُرَيْشٍ فَمَن قالَ: المُخاطَبُ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ﴾ ولا يُناسِبُ إدْخالُهُ فِيمَن لَمْ يَتَذَكَّرْ فَقَدْ سَها ولَمْ يَتَذَكَّرْ.

40:59Page 474

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٩

Indeed, the Hour is coming - no doubt about it - but most of the people do not believe.

﴿إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ في مَجِيئِها أيْ لا بُدَّ مِن مَجِيئِها ولا مَحالَةَ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى جَوازِها وإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلى الوَعْدِ الصّادِقِ بِوُقُوعِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّها آتِيَةٌ وأنَّها لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلرَّيْبِ أيْ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ إلى آخِرِ ما مَرَّ، والفَرْقُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الرَّيْبِ عَلى الأوَّلِ المَجِيءُ وعَلى هَذا السّاعَةُ والحَمْلُ عَلَيْهِ أوْلى.

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بِها لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى ما يُدْرِكُونَهُ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ واسْتِيلاءِ

صفحة 81

الأوْهامِ عَلى عُقُولِهِمْ

40:60Page 474

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

And your Lord says, "Call upon Me; I will respond to you." Indeed, those who disdain My worship will enter Hell [rendered] contemptible.

﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أيِ اعْبُدُونِي أُثِبْكم عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ وجَماعَةٍ. وعَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: إنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ هو الدُّعاءُ يَعْنِي أنَّ الدُّعاءَ بِاللِّسانِ تَرْجَمَةٌ عَنْ طَلَبِ الباطِنِ وأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لِصِحَّةِ التَّوَجُّهِ وتَرْكِ المُخالَفَةِ فَمِن تَرْكِ الذُّنُوبِ فَقَدْ سَألَ الحَقَّ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وهو الدُّعاءُ الَّذِي يَلْزَمُهُ الإجابَةُ ومَن لا يَتْرُكُها فَلَيْسَ بِسائِلٍ وإنْ دَعاهُ سُبْحانَهُ ألْفَ مَرَّةٍ وما ذَكَرَ مُؤَيِّدٌ لِتَفْسِيرِ الدُّعاءِ بِالعِبادَةِ ومُحَقِّقٌ لَهُ فَإنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ مِن أجَلِّ العِباداتِ ويَنْطَبِقُ عَلى ذَلِكَ كَمالُ الِانْطِباقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ أذِلّاءَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اسْألُونِي أُعْطِكم وهو المَرْوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ دُعائِي لِأنَّ الدُّعاءَ نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ ومِن أفْضَلِ أنْواعِها، بَلْ رَوى ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أفْضَلُ العِبادَةِ الدُّعاءُ وقَرَأ الآيَةَ، والتَّوَعُّدُ عَلى الِاسْتِكْبارِ عَنْهُ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُتْرَفِينَ المُسْرِفِينَ وإنَّما المُؤْمِنُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ تَقَلُّباتِهِ، وفي إيقاعِ العِبادَةِ صِلَةَ الِاسْتِكْبارِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّ الدُّعاءَ بابٌ مِن أبْوابِ الخُضُوعِ لِأنَّ العِبادَةَ خُضُوعٌ ولِأنَّ المُرادَ بِالعِبادَةِ الدُّعاءُ والِاسْتِكْبارُ إنَّما يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ إذا أتى بِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَكْبِرًا. قالَ في الكَشْفِ: وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وأنْسَبُ إلى السِّياقِ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ المُجادَلَةَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكِبْرِ جَعَلَ الدُّعاءَ وتَسْلِيمَ آياتِهِ مِنَ الخُضُوعِ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهُ تَعالى المُلْتَجِئَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُجادِلُ في آياتِهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ مِنهُ البَتَّةَ، والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وقالَ ) مِن عَطْفِ مَجْمُوعِ قِصَّةٍ عَلى مَجْمُوعِ أُخْرى لِاسْتِوائِهِما في الغَرَضِ، ولِهَذا لَمّا تَمَّمَ هَذِهِ القِصَّةَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البَقَرَةَ: 117 وغَيْرَها] صَرَّحَ بِالغَرَضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ كَما بَنى القِصَّةَ أوَّلًا عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ [غافِرَ: 35] ولَوْ تُؤَمِّلَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ حَقَّ التَّأمُّلِ وُجِدَ جُلَّ الكَلامِ فِيها مَبْنِيًّا عَلى رَدِّ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وتَبْيِينِ وجْهِ الرَّدِّ في ذَلِكَ بِفُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ انْظُرْ إلى ما خُتِمَ بِهِ السُّورَةُ كَيْفَ يُطابِقُ ما بُدِئَتْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ﴾ [غافِرَ: 4] وكَيْفَ صَرَّحَ آخِرًا بِما رَمَزَ إلَيْهِ أوَّلًا لِتَقْضِيَ مِنهُ العَجَبَ فَهَذا وجْهُ العَطْفِ. انْتَهى. .

وما ذَكَرَهُ مِن أظَهْرِيَّةِ هَذا الوَجْهِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ ظاهِرٌ جِدًّا لِما في الأُولى مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ في مَوْضِعَيْنِ في الدُّعاءِ حَيْثُ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ العِبادَةِ لِتَضَمُّنِها لَهُ أوْ لِأنَّهُ عِبادَةٌ خاصَّةٌ أُرِيدَ بِهِ المُطْلَقُ، وفي الِاسْتِجابَةِ حَيْثُ جُعِلَتِ الإثابَةُ عَلى العِبادَةِ لِتَرَتُّبِها عَلَيْها اسْتِجابَةً مَجازًا أوْ مُشاكَلَةً بِخِلافِ الثّانِي فَإنَّ فِيهِ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ وهو التَّجَوُّزُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وهو ﴿عَنْ عِبادَتِي﴾ ومَعَ هَذا هو بَعْدَ الحاجَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَنَزْعِ الخُفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ بَلْ قِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ فِيهِ لِأنَّ الإضافَةَ مُرادٌ بِها العَهْدُ هُنا فَتُفِيدُ ما تَقَدَّمَ، لَكِنَّ كَوْنَهُ أنْسَبَ بِالسِّياقِ أيْضًا مِمّا لا يَتِمُّ في نَظَرِي، وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿أسْتَجِبْ﴾ جُزِمَ في جَوابِ الأمْرِ أيْ إنْ تَدْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم والِاسْتِجابَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَشْرُوطَةٌ بِالمَشِيئَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أُصُولُنا، وقَدْ صَرَّحَ

صفحة 82

فِي اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ [الأنْعامَ: 41] والِاسْتِكْبارُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى دُعاءً كانَتْ أوْ غَيْرَهُ كُفْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

وأمّا تَرْكُ ذَلِكَ لا عَنِ اسْتِكْبارٍ فَتَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِ لا يَخْفى، والمَقاماتُ في تَرْكِ الدُّعاءِ فَقِيلَ: مُتَفاوِتَةٌ فَقَدْ لا يَحْسُنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن لَمْ يَدْعُ اللَّهَ تَعالى يَغْضَبْ عَلَيْهِ»» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وقَدْ يَحْسُنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ مِن تَرْكِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ الدُّعاءَ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ وقَوْلِهِ عِلْمُهُ بِحالِي يُغْنِي عَنْ سُؤالِي، ورُبَّما يُقالُ: تَرْكُ الدُّعاءِ اكْتِفاءً بِعِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ دُعاءٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ «سَيُدْخَلُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإدْخالِ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو

40:61Page 474

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٦١

It is Allāh who made for you the night that you may rest therein and the day giving sight.1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ بِأنْ أغابَ سُبْحانَهُ فِيهِ الشَّمْسَ فَجَعَلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بارِدًا مُظْلِمًا وجَعَلَ عَزَّ وجَلَّ بَرْدَهُ سَبَبًا لِضَعْفِ القُوى المُحَرِّكَةِ وظُلْمَتَهُ سَبَبًا لِهُدُوِّ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ إلى أشْياءَ أُخْرى جَعَلَها أسْبابًا لِلسُّكُونِ والرّاحَةِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ يُبْصِرُ فِيهِ أوْ بِهِ فالنَّهارُ إمّا ظَرْفُ زَمانٍ لِلْإبْصارِ أوْ سَبَبٌ لَهُ.

وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ الإبْصارِ لَهُ بِجَعْلِهِ مُبْصِرًا إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ وأنَّهُ بَلَغَ الإبْصارُ إلى حَدٍّ سَرى في نَهارِ المُبْصِرِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: لِتُبْصِرُوا فِيهِ عَلى طُرُزِ ما وقَعَ في قَرِينِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا لِيَكُونَ فِيهِ المُبالَغَةُ المَذْكُورَةُ وتَخْرُجَ القَرِينَتانِ مَخْرَجًا واحِدًا في المُبالَغَةِ، قُلْتُ: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ نِعْمَةَ النَّهارِ أتَمُّ وأعْظَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّيْلِ فَسَلَكَ مَسْلَكَ المُبالَغَةِ فِيها، وتُرِكَتِ الأُخْرى عَلى الظّاهِرِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ النِّعْمَتَيْنِ فَرَسا رِهانٍ فَدَلَّ عَلى فَضْلِ الأُولى بِالتَّقْدِيمِ وعَلى فَضْلِ الأُخْرى بِالمُبالَغَةِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ يُوصَفُ عَلى الحَقِيقَةِ بِالسُّكُونِ فَيُقالُ: لَيْلٌ ساكِنٌ أيْ لا رِيحَ فِيهِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السُّكُونُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. فَلَوْ قِيلَ: ساكِنًا لَمْ يَتَمَيَّزِ المُرادُ نَظَرًا إلى الإطْلاقِ وإنْ تَمَيَّزَ نَظَرًا إلى قَرِينَةِ التَّقابُلِ.

وكانَ رُجْحانُ هَذا الأُسْلُوبِ لِأنَّ الكَلامَ المُحْكَمَ الواضِحَ بِنَفْسِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو الأصْلُ لا سِيَّما في خِطابٍ ورَدَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ لِلْخاصَّةِ والعامَّةِ، وهم مُتَفاوِتُونَ في الفَهْمِ والدِّرايَةِ النّاقِصَةِ والتّامَّةِ، وفي الكَشْفِ لَمّا لَمْ يَكُنِ الإبْصارُ عِلَّةً غائِيَّةً في نَفْسِهِ بَلِ العِلَّةُ ابْتِغاءُ الفَضْلِ كَما ورَدَ مُصَرَّحًا بِهِ في سُورَةِ القَصَصِ بِخِلافِ السُّكُونِ والدَّعَةِ في اللَّيْلِ صَرَّحَ بِذَلِكَ في الأوَّلِ ورَمَزَ في الثّانِي مَعَ إفادَةِ نُكْتَةٍ سَرِيَّةٍ في الإسْنادِ المَجازِيِّ.

وقالَ الجَلَبِيُّ: إذا حُمِلَتِ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ، وقِيلَ: المُرادُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْتَشِرُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ بِقَرِينَةِ الثّانِيَةِ ومِنَ الثّانِي بِقَرِينَةِ الأوَّلِ لَمْ يَحْتَجَّ إلى ما ذُكِرَ في تَعْلِيلِ تَرْكِ المُبالَغَةِ في القَرِينَةِ الأُولى، وهَذا هو المَشْهُورُ في الآيَةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ لا يُوازِيهِ فَضْلٌ ولِقَصْدِ الإشْعارِ بِهِ لَمْ يَقُلِ المُفَضَّلُ ﴿عَلى النّاسِ﴾ بَرُّهم وفاجِرُهم ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِالمُنْعِمِ وإغْفالِهِمْ مَواقِعَ النِّعَمِ، وتَكْرِيرُ النّاسِ لِتَخْصِيصِ الكُفْرانِ

صفحة 83

بِهِمْ، وذَلِكَ مِن إيقاعِهِ عَلى صَرِيحِ اسْمِهِمُ الظّاهِرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن شَأْنِهِمْ وخاصَّتِهِمْ في الغالِبِ.

40:62Page 474

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٦٢

That is Allāh, your Lord, Creator of all things; there is no deity except Him, so how are you deluded?

﴿ذَلِكُمُ﴾ المُتَّصِفُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ ﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ تُخَصِّصُ اللّاحِقَةُ السّابِقَةَ وتُقَلِّلُ اشْتِراكَها في المَفْهُومِ نَظَرًا إلى أصْلِ الوَضْعِ وتُقَرِّرُها، وجُوِّزَ في بَعْضِها الوَصْفِيَّةُ والبَدَلِيَّةُ، وأخَّرَ ( خالِقُ كُلِ شَيْءٍ ) عَنْ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ في آيَةِ [106 مِن سُورَةِ الأنْعامِ]، وقَدَّمَ هُنا لِما أنَّ المَقْصُودَ ها هُنا عَلى ما قِيلَ الرَّدُّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ فَناسَبَ تَقْدِيمُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَبْدَأُ كُلِّ شَيْءٍ فَكَذا إعادَتُهُ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «خالِقَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ أعْنِي أوْ أخَصُّ خالِقَ كُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اسْتِئْنافًا مِمّا هو كالنَّتِيجَةِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ ولا إلَهَ إلّا مَنِ اتَّصَفَ بِها فَلا إلَهَ إلّا هو ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ ومِن أيِّ جِهَةٍ تُصْرَفُونَ مِن عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ طَلْحَةُ في رِوايَةٍ «يُؤْفَكُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

40:63Page 474

كَذَٰلِكَ يُؤۡفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٦٣

Thus were those [before you] deluded who were rejecting the signs of Allāh.

﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ العَجِيبِ الَّذِي لا وجْهَ لَهُ ولا مُصَحِّحَ أصْلًا يُؤْفَكُ كُلُّ مَن جَحَدَ بِآياتِهِ تَعالى أيَّ آيَةٍ كانَتْ لا إفْكًا آخَرَ لَهُ وجْهٌ ومُصَحِّحٌ في الجُمْلَةِ.

40:64Page 474

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٤

It is Allāh who made for you the earth a place of settlement and the sky a structure [i.e., ceiling] and formed you and perfected your forms and provided you with good things. That is Allāh, your Lord; then blessed is Allāh, Lord of the worlds.

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ أيْ مُسْتَقَرًّا ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ قُبَّةً ومِنهُ أبْنِيَةُ العَرَبِ لِقِبابِهِمُ الَّتِي تُضْرَبُ وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى السَّماءِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وفِيهِ إشارَةٌ لِكُرَيَتِها. وهَذا بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالمَكانِ بَعْدَ بَيانِ فَضْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِالزَّمانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِأنْفُسِهِمْ، والفاءُ في ( فَأحْسَنَ ) تَفْسِيرِيَّةٌ فالمُرادُ صَوَّرَكم أحْسَنَ تَصْوِيرٍ حَيْثُ خَلَقَ كُلًّا مِنكم مُنْتَصِبَ القامَةِ بادِيَ البَشَرَةِ مُتَناسِبَ الأعْضاءِ والتَّخْطِيطاتِ مُتَهَيِّأً لِمُزاوَلَةِ الصَّنائِعِ واكْتِسابِ الكِمالاتِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو رُزَيْنٍ «صِوَرَكم» بِكَسْرِ الصّادِ فِرارًا مِنَ الضَّمَّةِ قَبْلَ الواوِ، وجَمْعُ فُعْلَةٍ بِضَمِّ الفاءِ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِها شاذٌّ ومِنهُ قُوَّةٌ وقِوى بِكَسْرِ القافِ في الجَمْعِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «صُورَكم» بِضَمِّ الصّادِ وإسْكانِ الواوِ عَلى نَحْوِ بُسْرَةٍ وبُسْرٍ ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ طَعْمًا ولِباسًا وغَيْرَهُما وقِيلَ الحَلالُ ﴿ذَلِكُمُ﴾ الَّذِي نُعِتَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ خَبَرانِ لِذَلِكم ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ تَعالى بِذاتِهِ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ والكُلُّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ تَعالى في ذاتِهِ ووُجُودِهِ وسائِرِ أحْوالِهِ جَمِيعِها بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ فَيْضُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَنْهُ آنًا لِعُدِمَ بِالكُلِّيَّةِ

40:65Page 474

هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٥

He is the Ever-Living;1 there is no deity except Him, so call upon Him, [being] sincere to Him in religion. [All] praise is [due] to Allāh, Lord of the worlds.

﴿هُوَ الحَيُّ﴾ المُنْفَرِدُ بِالحَياةِ الذّاتِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ يُدانِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فادْعُوهُ﴾ فاعْبُدُوهُ خاصَّةً لِاخْتِصاصِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ بِهِ تَعالى.

وتَفْسِيرُ الدُّعاءِ بِالعِبادَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ الطّاعَةَ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ والجَلِيِّ وأنَّهُ الألْيَقُ بِالتَّرَتُّبِ عَلى ما ذُكِرَ مِن أوْصافِ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَتْ بِعُنْوانِ الدُّعاءِ لِأنَّ اللّائِقَ هو العِبادَةُ عَلى وجْهِ التَّضَرُّعِ والِانْكِسارِ والخُضُوعِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ.

صفحة 84

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَقُلْ عَلى أثَرِها الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ﴾ .. إلَخْ. . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَـ ( اَلْحَمْدُ لِلَّهِ ) .. إلَخْ. مِن كَلامِ المَأْمُورِينَ بِالعِبادَةِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ إنْشاءُ حَمْدِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском