Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:25–29
42:25Page 486
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٢٥
And it is He who accepts repentance from His servants and pardons misdeeds, and He knows what you do.
﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَمّا تابُوا عَنْهُ والقَبُولُ يُعَدّى بِعْنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اَلْإبانَةِ وبِمِن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اَلْأخْذِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ أيْ تُؤْخَذَ، وقِيلَ: اَلْقَبُولُ مُضَمَّنٌ هُنا مَعْنى اَلتَّجاوُزِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ مُتَجاوِزًا عَنْ ذُنُوبِ عِبادِهِ وهو تَكَلُّفٌ.
والتَّوْبَةُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ اَلْقَبِيحِ والإخْلالِ بِالواجِبِ في اَلْحالِ ويَنْدَمَ عَلى ما مَضى ويَعْزِمَ عَلى تَرْكِهِ في اَلْمُسْتَقْبَلِ
صفحة 36
وزادُوا اَلتَّفَصِّي مِنهُ بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَ إنْ كانَ اَلذَّنْبُ لِعَبْدٍ فِيهِ حَقٌّ وذَلِكَ بِالرَّدِّ إلَيْهِ أوْ إلى وكِيلِهِ أوِ اَلِاسْتِحْلالِ مِنهُ إنْ كانَ حَيًّا وبِالرَّدِّ إلى ورَثَتِهِ إنْ كانَ مَيِّتًا ووَجَدُوا ثَمَّ اَلْقاضِي لَوْ كانَ أمِينًا وهو كالإكْسِيرِ ومَن رَأى اَلْإكْسِيرَ؟ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ وإلّا يَدْعُ لَهُ ويَسْتَغْفِرُ.
وفِي اَلْكَشْفِ اَلتَّفَصِّي داخِلٌ في اَلرُّجُوعِ إذْ لا يَصِحُّ اَلرُّجُوعُ عَنْهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِهِ بَعْدُ، واخْتِيرَ أنَّ حَقِيقَتَها اَلرُّجُوعُ وإنَّما اَلنَّدَمُ والعَزْمُ لِيَكُونَ اَلرُّجُوعُ إقْلاعًا ويَتَحَقَّقَ أنَّهُ اَلتَّوْبَةُ اَلَّتِي نَدَبْنا إلَيْها وهو مُوافِقٌ لِما في اَلْإحْياءِ مِن أنَّها اِسْمٌ لِتِلْكَ اَلْحالَةِ بِالحَقِيقَةِ والباقِي شُرُوطُ اَلتَّحَقُّقِ ويُشْتَرَطُ أيْضًا أنْ يَكُونَ اَلْباعِثُ عَلى اَلرُّجُوعِ مَعَ اَلنَّدَمِ والعَزْمِ دِينِيًّا فَلَوْ رَجَعَ لِمانِعٍ آخَرَ مِن ضَعْفِ بَدَنٍ أوْ غُرْمٍ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلتَّوْبَةِ في شَيْءٍ، وأشارَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ إلى ذَلِكَ بِكَوْنِ اَلرُّجُوعِ لِأنَّ اَلْمَرْجُوعَ عَنْهُ قَبِيحٌ وإخْلالٌ بِالواجِبِ وخَرَجَ عَنْهُ ما لَوْ رَجَعَ طَلَبًا لِلثَّناءِ أوْ رِياءً أوْ سُمْعَةً لَأنَّ قُبْحَ اَلْقَبِيحِ مَعْناهُ كَوْنُهُ مُقْتَضِيًا لِلْعِقابِ آجِلًا ولِلذَّمِّ عاجِلًا فَلَوْ رَجَعَ لِما سَبَقَ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا لِذَلِكَ.
ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ وكَبَّرَ فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ وجْهَهُ: إنَّ سُرْعَةَ اَللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ اَلْكَذّابِينَ وتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى اَلتَّوْبَةِ فَقالَ يا أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ: ما اَلتَّوْبَةُ؟ قالَ: اِسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ مَعانٍ عَلى اَلْماضِي مِنَ اَلذُّنُوبِ اَلنَّدامَةُ ولِتَضِيعَ اَلْفَرائِضُ اَلْإعادَةُ ورَدُّ اَلْمَظالِمِ وإذابَةُ اَلنَّفْسِ في اَلطّاعَةِ كَما رَبَّيْتَها في اَلْمَعْصِيَةِ وإذاقَةُ اَلنَّفْسِ مَرارَةَ اَلطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ والبُكاءُ بَدَلَ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اَلتَّوْبَةُ مَجْمُوعَ هَذِهِ اَلْأُمُورِ فالمُرادُ أكْمَلُ أفْرادِها، ويَحْتَمِلُ أنَّها اِسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها والأوَّلُ أظْهَرُ. واخْتُلِفَ في اَلتَّوْبَةِ عَنْ بَعْضِ اَلْمَعاصِي مَعَ اَلْإصْرارِ عَلى اَلْبَعْضِ هَلْ هي صَحِيحَةٌ أمْ لا واَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْأصْحابُ أنَّها صَحِيحَةٌ لِظَواهِرِ اَلْآياتِ والأحادِيثِ وصِدْقِ اَلتَّعْرِيفِ عَلَيْها، وأكْثَرُ اَلْمُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ قالَ أبُو هاشِمٍ مِنهُمْ: لَوْ تابَ عَنِ اَلْقَبِيحِ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا وجَبَ أنْ يَتُوبَ عَنْ كُلِّ اَلْقَبائِحِ وإنْ تابَ عَنْهُ لا لِمُجَرَّدِ قُبْحِهِ بَلْ لِغَرَضٍ آخَرَ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْباعِثُ شِدَّةَ اَلْقُبْحِ أوْ أمْرًا دِينِيًّا آخَرَ وأيْضًا يَجْرِي نَظِيرُ هَذا في فِعْلِ اَلْحَسَنِ بَلْ يُقالُ: لَوْ فَعَلَ اَلْحَسَنَ لِكَوْنِهِ حَسَنًا وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ حَسَنٍ وإنْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ لَمْ يُقْبَلْ وفِيهِ بَحْثٌ.
واسْتَدَلَّ اَلْمُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى قَبُولُ اَلتَّوْبَةِ واسْتَدَلَّ أهْلُ اَلسُّنَّةِ بِها عَلى عَدَمِ اَلْوُجُوبِ لِمَكانِ اَلتَّمَدُّحِ ولا تَمَدُّحَ بِالواجِبِ، وفِيهِ أيْضًا بَحْثٌ والأنْفَعُ في هَذا اَلْمَقامِ أدِلَّةُ نَفْيِ اَلْوُجُوبِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ صَغائِرِها وكَبائِرِها لِمَن يَشاءُ مِن غَيْرِ اِشْتِراطِ شَيْءٍ كالتَّوْبَةِ لِلْكَبائِرِ واجْتِنابِها لِلصَّغائِرِ.
وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: اَلْمَعْنى مِن شَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ قَبُولُ اَلتَّوْبَةِ عَنْ عِبادِهِ إذا تابُوا والعَفْوُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ بِمَحْضِ رَحْمَتِهِ أوْ بِشَفاعَةِ شافِعٍ، وقالَ اَلْمُعْتَزِلَةُ: أيْ يَعْفُو عَنِ اَلْكَبائِرِ إذا تِيبَ عَنْها وعَنِ اَلصَّغائِرِ إذا اِجْتُنِبَتِ اَلْكَبائِرُ فالعَفْوُ عَنِ اَلسَّيِّئاتِ عَلَيْهِ أعَمُّ مِن قَبُولِ اَلتَّوْبَةِ لِشُمُولِهِ اَلصَّغائِرَ إذا اِجْتُنِبَتِ اَلْكَبائِرُ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، والظّاهِرُ مَعَ أهْلِ اَلسُّنَّةِ إذْ لا دَلالَةَ في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ عَلى تَخْصِيصِ اَلسَّيِّئاتِ نَعَمِ اَلْمُرادُ بِها غَيْرُ اَلشِّرْكِ بِالإجْماعِ.
﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ بِتاءِ اَلْخِطابِ عِنْدَ حَفْصٍ. والأخَوَيْنِ. وعَلْقَمَةَ. وعَبْدِ اَللَّهِ وبِياءِ اَلْغَيْبَةِ عِنْدَ اَلْجُمْهُورِ وعَلى اَلْأوَّلِ فَفِيهِ اِلْتِفاتٌ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُ اَلَّذِي تَفْعَلُونَهُ كائِنًا ما كانَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازى بِالثَّوابِ والعِقابِ أوْ يُتَجاوَزُ سُبْحانَهُ بِالعَفْوِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ جَلَّ وعَلا اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ.
صفحة 37
وقِيلَ: يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيُجازِي اَلتّائِبَ ويَتَجاوَزُ عَنْ غَيْرِهِ إذا شاءَ سُبْحانَهُ والأوَّلُ أظْهَرُ. وفي اَلْكَشّافِ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَيُثِيبُ عَلى اَلْحَسَناتِ ويُعاقِبُ عَلى اَلسَّيِّئاتِ. وفي اَلْكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِهِ هو أيْ قَوْلُهُ تَعالى.
﴿ويَعْلَمُ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ اَلسّابِقِ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرَهُ مِنَ اَلْقَبُولِ والعَفْوِ لِأنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ اَلْعَمَلَيْنِ والعامِلِينَ جازى كُلًّا بِما فَعَلَ فَأوْلى أنْ يُجازِيَ هَؤُلاءِ اَلْمُحْسِنِينَ بِأفْعالِهِمْ، ثُمَّ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى لُزُومِ اَلْحَذَرِ مِنهُ تَعالى والإخْلاصِ لَهُ سُبْحانَهُ في إمْحاضِ اَلتَّوْبَةِ، ونَحْنُ أيْضًا لا نُنْكِرُ أنَّهُ تَذْيِيلٌ فِيهِ تَأْكِيدٌ كَما لا يَخْفى
42:26Page 486
وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ٢٦
And He answers [the supplication of] those who have believed and done righteous deeds and increases [for] them from His bounty. But the disbelievers will have a severe punishment.
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَطْفٌ عَلى يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ فالفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى واَلَّذِينَ مَفْعُولٌ بِدُونِ تَقْدِيرِ شَيْءٍ بِناءً عَلى أنَّ يَسْتَجِيبُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما يَتَعَدّى بِاللّامِ نَحْوُ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ أوْ بِتَقْدِيرِ اَللّامِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ اَلْحَذْفِ والإيصالِ والأصْلُ يَسْتَجِيبُ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِناءً عَلى أنَّهُ يَتَعَدّى لِلدّاعِي بِاللّامِ ولِلدُّعاءِ بِنَفْسِهِ ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى اَلنَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
وأجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى أيْ ويُجِيبُ اَللَّهُ تَعالى اَلَّذِينَ آمَنُوا إذا دَعَوْا وحاصِلُهُ يُجِيبُ دُعاءَهُمْ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اَلْكَلامُ بِتَقْدِيرِ هَذا اَلْمُضافِ قِيلَ: وهو أوْلى مِنَ اَلْقَوْلِ بِإيصالِ اَلْفِعْلِ بِحَذْفِ اَلصِّلَةِ لِأنَّ حَذْفَ اَلْمُضافِ إذا لَمْ يُلْبِسُ مُنْقاسٌ وذاكَ مَسْمُوعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ يُثِيبُهم عَلى طاعَتِهِمْ فَإنَّ اَلطّاعَةَ لِكَوْنِها طَلَبَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ اَلثَّوابِ شابَهَتِ اَلدُّعاءَ وشابَهَتِ اَلْإثابَةُ عَلَيْها اَلْإجابَةَ، ومِن هَذا يُسَمّى اَلثَّناءُ دُعاءً لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وسُئِلَ سُفْيانُ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في اَلْحَدِيثِ: «(أكْثَرُ دُعائِي ودُعاءِ اَلْأنْبِياءِ قَبْلِي لا إلَهَ إلّا اَللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ اَلْمُلْكُ ولَهُ اَلْحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)» فَقالَ: هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في اَلْحَدِيثِ اَلْقُدْسِيِّ: «(مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي اَلسّائِلِينَ)» ألا تَرى قَوْلَ أُمِّيَّةَ بْنِ اَلصَّلْتِ لِابْنِ جُدْعانَ حِينَ أتاهُ يَبْغِي نائِلَهُ:
أأذْكُرُ حاجَتِي أمْ قَدْ كَفانِي ∗∗∗ ثَناؤُكَ إنَّ شِيمَتَكَ اَلْحَياءُ
إذا أثْنى عَلَيْكَ اَلْمَرْءُ يَوْمًا ∗∗∗ كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِكَ اَلثَّناءُ
وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(أفْضَلُ اَلدُّعاءِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ)» عَلى مَعْنى أنَّ اَلْحَمْدَ يَدُلُّ عَلى اَلدُّعاءِ والسُّؤالِ بِطَرِيقِ اَلْكِنايَةِ والتَّعْرِيضِ، وقِيلَ: هو عَلى إطْلاقِ اَلدُّعاءِ عَلى اَلْحَمْدِ لِشَبَهِهِ بِهِ في طَلَبِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإجابَةِ مَعْناها اَلْحَقِيقِيُّ والإثابَةُ بِناءً عَلى اَلْقَوْلِ بِصِحَّةِ اَلْجَمْعِ بَيْنَ اَلْحَقِيقَةِ والمَجازِ أيْ يُجِيبُ دُعاءَهم ويُثِيبُهم عَلى اَلطّاعَةِ ﴿ويَزِيدُهُمْ﴾ عَلى ما سَألُوا واسْتَحَقُّوا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ اَلْواسِعِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ إلَخْ أيْ يَنْقادُونَ لِلَّهِ تَعالى ويُجِيبُونَهُ سُبْحانَهُ إذا دَعاهُمْ، وهو اَلْمَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُبَيْرٍ، وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما لَنا نَدْعُو فَلا نُجابُ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ ثُمَّ قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهَذا يُؤَكِّدُ هَذا اَلْوَجْهَ لِأنَّهُ قُدِّسَ سِرُّهُ ذَكَرَ أنَّ اَللَّهَ تَعالى دَعاكم بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ وذَكَرَ أنَّ اَلْمُؤْمِنَ مَنِ اِسْتَجابَ دَعْوَةَ رَبِّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَمَن لا يُجِيبُ دُعاءَهُ تَعالى لا يُجِيبُ تَعالى أيْضًا دُعاءَهُ، وكَوْنُ اَلْفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى قَدْ رَوى ما يَقْتَضِيهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴿ويَزِيدُهُمْ﴾ عَلَيْهِ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ وعَلى اَلْوَجْهِ اَلْآخَرِ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم عَلَيْها عَلى أُسْلُوبِ ﴿وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن
صفحة 38
فَضْلِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَزِيدُهم مُطْلَقًا، وجُوِّزَ تَعْلِيقُهُ بِالفِعْلَيْنِ عَلى اَلتَّنازُعِ فَإنَّ اَلْإجابَةَ والثَّوابَ فَضْلٌ مِنهُ تَعالى كالزِّيادَةِ.
وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ عُمُومُ اَلَّذِينَ آمَنُوا ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ اَلْمَدِينَةَ واسْتَحْكَمَ اَلْإسْلامُ قالَتِ اَلْأنْصارُ فِيما بَيْنَها: نَأْتِي رَسُولَ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ونَقُولُ لَهُ: إنْ تُعِرْكَ أُمُورٌ فَهَذِهِ أمْوالُنا تَحْكُمُ فِيها فَنَزَلَتْ قُلْ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، وقالَ تَوَدُّونَ قَرابَتِي مِن بَعْدِي فَخَرَجُوا مُسَلِّمِينَ فَقالَ اَلْمُنافِقُونَ: إنَّ هَذا لَشَيْءٌ اِفْتَراهُ في مَجْلِسِهِ أرادَ بِذَلِكَ عِزَّ قَرابَتِهِ مِن بَعْدِهِ فَنَزَلَتْ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَتَلاها عَلَيْهِمْ فَبَكَوْا ونَدِمُوا فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ فَأرْسَلَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ فَبَشَّرَهم وقالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهُمُ اَلَّذِينَ سَلَّمُوا لِقَوْلِهِ» ذَكَرَ ذَلِكَ اَلطَّبَرْسِيُّ، وذَكَرَ قَرِيبًا مِنهُ في اَلدُّرِّ اَلْمَنثُورِ لَكِنْ قالَ: أخْرَجَهُ اَلطَّبَرانِيُّ في اَلْأوْسَطِ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ جُبَيْرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى اَلظَّنِّ اَلْوَضْعُ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بَدَلَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ اَلْإجابَةِ والتَّفَضُّلِ.
42:27Page 486
۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٢٧
And if Allāh had extended [excessively] provision for His servants, they would have committed tyranny throughout the earth. But He sends [it] down in an amount which He wills. Indeed He is, of His servants, Aware and Seeing.
﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ لَتَكَبَّرُوا فِيها بَطَرًا وتَجاوَزُوا اَلْحَدَّ اَلَّذِي يَلِيقُ بِالعَبِيدِ أوْ لَظَلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنَّ اَلْغِنى مَبْطَرَةٌ مَأْشَرَةٌ، وكَفى بِحالِ قارُونَ عِبْرَةً، وفي اَلْحَدِيثِ «(أخْوَفُ ما أخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ اَلدُّنْيا وكَثْرَتُها)» ولِبَعْضِ اَلْعَرَبِ:
وقَدْ جَعَلَ اَلْوَسْمِيُّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
وأصْلُ اَلْبَغْيُ طَلَبُ أكْثَرَ مِمّا يَجِبُ بِأنْ يَتَجاوَزَ في اَلْقَدْرِ والكَمِّيَّةِ أوْ في اَلْوَصْفِ والكَيْفِيَّةِ ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ مِنَ اَلْإنْزالِ ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ ﴿ما يَشاءُ﴾ وهو ما اِقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مُحِيطٌ بِخَفِيّاتِ أُمُورِهِمْ وجَلاياها فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِهِمْ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ فَيُفْقِرُ ويُغْنِي ويَمْنَعُ ويُعْطِي ويَقْبِضُ ويَبْسُطُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ اَلرَّبّانِيَّةُ ولَوْ أغْناهم جَمِيعًا لَبَغَوْا ولَوْ أفْقَرَهم لَهَلَكُوا. واسْتَشْكَلَتِ اَلْآيَةُ بِأنَّ اَلْغِنى كَما يَكُونُ سَبَبَ اَلْبَغْيِ فَكَذَلِكَ اَلْفَقْرُ قَدْ يَكُونُ فَلا يَظْهَرُ اَلشَّرْطِيَّةُ، وأجابَ جارُ اَللَّهِ بِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ اَلْبَغْيَ مَعَ اَلْفَقْرِ أقَلُّ ومَعَ اَلْبَسْطِ أكْثَرُ وأغْلَبُ وكِلاهُما سَبَبٌ ظاهِرٌ لِلْإقْدامِ عَلى اَلْبَغْيِ والإحْجامِ عَنْهُ فَلَوْ عَمَّ اَلْبَسْطُ لَغَلَبَ اَلْبَغْيُ حَتّى يَنْقَلِبَ اَلْأمْرُ إلى عَكْسِ ما عَلَيْهِ اَلْآنَ وأرادَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ نِظامَ اَلْعالَمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ يَسْتَمِرُّ وإنْ كانَ قَدْ يَصْدُرُ مِنَ اَلْغَنِيِّ في بَعْضِ اَلْأحْيانِ بَغْيٌ ومِنَ اَلْفَقِيرِ كَذَلِكَ لَكِنْ في أحَدِهِما ما يَدْفَعُ اَلْآخَرَ أمّا لَوْ أفْقَرَهم كُلَّهم لَكانَ اَلضَّعْفُ والهَلَكُ لازِمًا ولَوْ بَسَطَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ مَعَ أنَّ اَلْحاجَةَ طَبِيعِيَّةٌ لَكانَ مِنَ اَلْبَغْيِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِأنَّ نِظامَ اَلْعالَمِ بِالفَقْرِ أكْثَرُ مِنهُ بِالغِنى، وهَذا أمْرٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ ثُمَّ إنَّ اَلْفَقْرَ اَلْكُلِّيَّ لا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ اَلْبَغْيُ لِلضَّعْفِ اَلْعامِّ ولِأنَّهُ لا يَجِدُ حاجَتَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ لِيَظْلِمَهُ، وأمّا اَلْغِنى اَلْكُلِّيُّ فَعِنْدَهُ اَلْبَغْيُ اَلتّامُّ، وأمّا اَلَّذِي عَلَيْهِ سُنَّةُ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو اَلَّذِي جَمَعَ اَلْأمْرَيْنِ مُشْتَمِلًا عَلى خَوْفٍ لِلْغَنِيِّ مِنَ اَلْفُقَراءِ يَزَعُهُ عَنِ اَلظُّلْمِ وخَوْفٍ لِلْفَقِيرِ مِنَ اَلْأغْنِياءِ أكْثَرَ مِنهُ يَدْعُوهُ إلى اَلتَّعاوُنِ لِيَفُوزَ بِمُبْتَغاهُ ويَزَعَهُ عَنِ اَلْبَغْيِ، ثُمَّ قَدْ يَتَّفِقُ بَغْيٌ مِن هَذا أوْ ذاكَ كَذا قَرَّرَهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ ثُمَّ قالَ: وهَذا جَوابٌ حَسَنٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ وهو إشارَةٌ إلى رَدِّ اَلْعَلّامَةِ اَلطَّيِّبِيِّ فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ جَوابٌ مُتَكَلَّفٌ وأنَّ اَلسُّؤالَ قَوِيٌّ، وذَهَبَ هو إلى أنَّ اَلْمُرادَ ﴿بِعِبادِهِ﴾ مَن خَصَّهُمُ اَللَّهُ تَعالى بِالكَرامَةِ وجَعَلَهم مِن أوْلِيائِهِ ثُمَّ قالَ: ويَنْصُرُهُ اَلتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
صفحة 39
ووَضَعَ اَلْمُظْهَرَ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ أيْ إنَّهُ تَعالى خَبِيرٌ بِأحْوالِ عِبادِهِ اَلْمُكْرَمِينَ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم وما يُرْدِيهِمْ، وإلَيْهِ يُنْظَرُ ما ورَدَ عَنْهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أحَبَّ اَللَّهُ تَعالى عَبْدًا حَماهُ اَلدُّنْيا كَما يَظَلُّ أحَدُكم يَحْمِي سَقِيمَهُ اَلْماءَ، ويَشُدُّ مِن عَضُدِهِ قَوْلُ خَبّابِ بْنِ اَلْأرَتِّ نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها فَنَزَلَتْ ﴿ولَوْ بَسَطَ﴾ اَلْآيَةَ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اَلصُّفَّةِ مِنَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُغْنِيَهُمُ اَللَّهُ تَعالى ويَبْسُطَ لَهُمُ اَلْأمْوالَ والأرْزاقَ فَنَزَلَتْ وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ اِنْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ اَلْأنْسَبَ بِحالِ اَلْمُكْرَمِينَ اَلْمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ تَعالى أنْ لا يُبْطِرَهُمُ اَلْغِنى لِصَفاءِ بَواطِنِهِمْ وقُوَّةِ تَوَجُّهِهِمْ إلى حَظائِرِ اَلْقُدْسِ ومَزِيدِ تَعَلُّقِ قُلُوبِهِمْ بِمَحْبُوبِهِمْ ووُقُوفِهِمْ عَلى حَقائِقِ اَلْأشْياءِ وكَمالِ عِلْمِهِمْ بِمُنْتَهى زَخارِفِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا، وأبْناءُ اَلدُّنْيا لَوْ فَكَّرُوا في ذَلِكَ حَقَّ اَلتَّفَكُّرِ لَهانَ أمْرُهم وقَلَّ شَغَفُهم كَما قِيلَ:
لَوْ فَكَّرَ اَلْعاشِقُ في مُنْتَهى ∗∗∗ حُسْنِ اَلَّذِي يَسْبِيهِ لَمْ يَسْبِهْ
فَلَعَلَّ اَلْأوْلى ما تَقَدَّمَ أوْ يُقالُ إنَّ هَذا في بَعْضِ اَلْعِبادِ اَلْمُؤْمِنِينَ فَتَأمَّلْ
42:28Page 486
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨
And it is He who sends down the rain after they had despaired and spreads His mercy. And He is the Protector, the Praiseworthy.
﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ اَلْمَطَرَ اَلَّذِي يُغِيثُهم مِنَ اَلْجَدَبِ ولِذَلِكَ خُصَّ بِالنّافِعِ مِنهُ فَلا يُقالُ غَيْثٌ لِكُلِّ مَطَرٍ، وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ (يُنْزِلُ) مُخَفَّفًا.
﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ يَئِسُوا مِنهُ، وتَقْيِيدُ تَنْزِيلِهِ بِذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِ أيْضًا لِتَذْكِيرِ كَمالِ اَلنِّعْمَةِ؛ وقَرَأ اَلْأعْمَشُ. وابْنُ وثّابٍ (قَنِطُوا) بِكَسْرِ اَلنُّونِ ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ مَنافِعَ اَلْغَيْثِ وآثارَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ اَلسَّهْلِ والجَبَلِ والنَّباتِ والحَيَوانِ أوْ رَحْمَتَهُ اَلْواسِعَةَ اَلْمُنْتَظِمَةَ لِما ذُكِرَ اِنْتِظامًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: اَلرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ اَلشَّمْسِ لِأنَّهُ إذا دامَ اَلْمَطَرُ سُئِمَ فَتَجِيءُ اَلشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ اَلْمَوْقِعِ ذَكَرَهُ اَلْمَهْدَوِيُّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِنَ اَلْبَعِيدِ جِدًّا ما قالَهُ اَلسُّدِّيُّ مِن أنَّ اَلرَّحْمَةَ هُنا اَلْغَيْثُ نَفْسُهُ عَدَّدَ اَلنِّعْمَةَ نَفْسَها بِلَفْظَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ ﴿رَحْمَتَهُ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ عَلى اَلْأوَّلِ كَوْنُهُ لِلْغَيْثِ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ اَلَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِالإحْسانِ ونَشْرِ اَلرَّحْمَةِ ﴿الحَمِيدُ﴾ اَلْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ عَلى ذَلِكَ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ.
42:29Page 486
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩
And of His signs is the creation of the heavens and earth and what He has dispersed throughout them of creatures. And He, for gathering them when He wills, is competent.
﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِن تَعاجِيبِ اَلصَّنائِعِ فَإنَّها بِذاتِها وصِفاتِها تَدُلُّ عَلى شُؤُونِهِ تَعالى اَلْعَظِيمَةِ، ومَن لَهُ أدْنى إنْصافٍ وشُعُورٍ يَجْزِمُ بِاسْتِحالَةِ صُدُورِها مِنَ اَلطَّبِيعَةِ اَلْعَدِيمَةِ اَلشُّعُورِ.
﴿وما بَثَّ فِيهِما﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿السَّماواتِ﴾ أيْ ومِن آياتِهِ خَلْقُ ما بَثَّ أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿خَلْقُ﴾ أيْ ومِن آياتِهِ ما بَثَّ. وما تَحْتَمِلُ اَلْمَوْصُولِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةُ أظْهَرُ ولا حاجَةَ عَلَيْهِ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ خَلْقُ اَلَّذِي بَثَّ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ حَيَوانٍ لَهُ دَبِيبٌ وحَرَكَةٌ، وظاهِرُ اَلْآيَةِ وُجُودُ ذَلِكَ في اَلسَّمَواتِ وفي اَلْأرْضِ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وفَسَّرَ اَلدّابَّةَ بِالنّاسِ والمَلائِكَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ مَشْيٌ مَعَ اَلطَّيَرانِ، واعْتَرَضَ ذَلِكَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ بِأنَّ إطْلاقَ اَلدّابَّةِ عَلى اَلْأناسِيِّ بَعِيدٌ في عُرْفِ اَللُّغَةِ فَكَيْفَ بِالمَلائِكَةِ وادَّعى أنَّ اَلْأصَحَّ كَوْنُ اَلدَّوابِّ في اَلْأرْضِ لا غَيْرُ وما في أحَدِ اَلشَّيْئَيْنِ يَصْدُقُ أنَّهُ فِيهِما في اَلْجُمْلَةِ، فالآيَةُ عَلى أُسْلُوبِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى في اَلْبَقَرَةِ: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اِخْتِصاصِ اَلدَّوابِّ بِالأرْضِ لِأنَّ مُقامَ اَلْإطْنابِ يَقْتَضِي ذِكْرَهُ لَوْ كانَ لا لِلْعَمَلِ بِمَفْهُومِ اَللَّقَبِ اَلَّذِي لا يَقُولُ بِهِ اَلْجُمْهُورُ والجَوابُ أنَّ اَلَّتِي في اَلْبَقَرَةِ لَمّا كانَتْ كَلامًا مَعَ اَلْغَبِيِّ والفَهِمِ والمُسْتَرْشِدِ والمُعانِدِ جِيءَ فِيهِ بِما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ اَلْكُلِّ وهو بَثُّ اَلدَّوابِّ في اَلْأرْضِ وأمّا هَهُنا فَجِيءَ بِهِ مُدْمَجًا مُخْتَصَرًا لِما تَكَرَّرَ في اَلْقُرْآنِ ولا سِيَّما في هَذِهِ اَلسُّورَةِ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ فَقِيلَ: ﴿ومِن
صفحة 40
آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما﴾ مُؤَثِّرًا عَلى لَفْظِ اَلْخَلْقِ لِيَدُلَّ عَلى اَلتَّكْثِيرِ اَلدّالِّ عَلى كَمالِ اَلْقُدْرَةِ وبُيِّنَ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ تَعْمِيمًا وتَغْلِيبًا لِغَيْرِ ذَوِي اَلْعِلْمِ في اَلسَّماوِيِّ والأرْضِيِّ تَحْقِيقًا لِلْمَخْلُوقِيَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ في صِحاحِ اَلْأحادِيثِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اَلدَّوابِّ في اَلسَّماءِ مِن مَراكِبِ أهْلِ اَلْجَنَّةِ وغَيْرِها، وكَذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ مَلائِكَةٍ كالأوْعالِ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُلِّ سَماءٍ حَيَواناتٌ ومَخْلُوقاتٌ عَلى صُوَرٍ شَتّى وأحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ لا نَعْلَمُها ولَمْ يُذْكَرْ في اَلْأخْبارِ شَيْءٌ مِنها فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأهْلُ اَلْأرْصادِ اَلْيَوْمَ يَتَراءى لَهم بِواسِطَةِ نَظّاراتِهِمْ مَخْلُوقاتٌ في جِرْمِ اَلْقَمَرِ لَكِنَّهم لَمْ يُحَقِّقُوا أمْرَها لِنَقْصِ ما في اَلْآلاتِ عَلى ما يَدَّعُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيما عَدا اَلْقَمَرَ ونَفِيُ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اَلْمَعْلُومِ مِنَ اَلدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لِيَضُرَّ اَلْقَوْلُ بِهِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالسَّماواتِ جِهاتُ اَلْعُلُوِّ اَلْمُسامِتَةُ لِلْأقالِيمِ مَثَلًا وفي جَوِّ كُلٍّ قَلِيمٍ بَلْ كُلِّ بَلْدَةٍ بَلْ كُلِّ قِطْعَةٍ مِنَ اَلْأرْضِ حَيَواناتٌ لا يُحْصِي كَثْرَتَها إلّا اَللَّهُ تَعالى بَعْضُها يُحَسُّ بِها بِلا واسِطَةِ آلَةٍ وبَعْضُها بِواسِطَتِها، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِها اَلسُّحُبُ وفِيها مِنَ اَلْحَيَواناتِ ما فِيها وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، وكَذا لا يَحْتاجُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أنَّ اَلْمُرادَ بِالدّابَّةِ اَلْحَيُّ مَجازًا إمّا مِنَ اِسْتِعْمالِ اَلْمُقَيَّدِ في اَلْمُطْلَقِ أوْ إطْلاقِ اَلشَّيْءِ عَلى لازِمِهِ أوِ اَلْمُسَبَّبِ عَلى سَبَبِهِ لِأنَّ اَلْحَياةَ سَبَبٌ لِلدَّبِيبِ وإنْ لَمْ تَكُنِ اَلدّابَّةُ سَبَبًا لِلْحَيِّ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا تَبَعِيًّا لِأنَّ اَلِاحْتِياجَ إلى ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ اَلظّاهِرِ ولا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى خِلافِهِ وأيْنَ ذَلِكَ اَلدَّلِيلُ؟ بَلْ هو قائِمٌ عَلى وُجُودِ اَلدَّوابِّ في اَلسَّماءِ كَما هي مَوْجُودَةٌ في اَلْأرْضِ.
﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ حَشْرِهِمْ بَعْدَ اَلْبَعْثِ لِلْمُحاسَبَةِ ﴿إذا يَشاءُ﴾ ذَلِكَ ﴿قَدِيرٌ﴾ تامُّ اَلْقُدْرَةِ كامِلُها، و(إذا) مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها لا بِقَدِيرٌ لِأنَّ اَلْمُقَيَّدَ بِالمَشِيئَةِ جَمْعُهُ تَعالى لا قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ وهي كَما تَدْخُلُ عَلى اَلْماضِي تَدْخُلُ عَلى اَلْمُضارِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
وإذا ما أشاءُ أبْعَثُ مِنها آخِرَ اَللَّيْلِ ناشِطًا مَذْعُورًا
وقَوْلُ صاحِبِ اَلْكَشْفِ: لِقائِلٍ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ إذا وإذا ما اَلظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ وقَدْ نَصَّ اَلْخَفاجِيُّ عَلى عَدَمِ اَلْفَرْقِ وجَعَلَ اَلْقَوْلَ بِهِ تَوَهُّمًا، وكَذا نَصَّ عَلى أنَّها تَدْخُلُ عَلى اَلْفِعْلَيْنِ ظَرْفِيَّةً كانَتْ أوْ شَرْطِيَّةً، وقَيَّدَ ذَلِكَ اَلطَّيِّبِيُّ بِما إذا كانَتْ بِمَعْنى اَلْوَقْتِ كَما هُنا، وضَمِيرُ (جَمْعِهِمْ) قِيلَ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما فِيهِما عَلى اَلتَّغْلِيبِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: لِلدَّوابِّ اَلْمَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ وضَمِيرُ اَلْعُقَلاءِ لِلتَّغْلِيبِ اَلْمُناسِبِ لِكَوْنِ اَلْجَمْعِ لِلْمُحاسَبَةِ، وقِيلَ: لِلنّاسِ اَلْمَعْلُومُ مِن ذَلِكَ ولَعَلَّهُ اَلْأوْلى
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences