Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:45–50
42:45Page 488
وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥
And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."
صفحة 51
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيْ عَلى اَلنّارِ اَلْمَدْلُولِ عَلَيْها بِالعَذابِ، والجُمْلَةُ كالسّابِقَةِ ﴿خاشِعِينَ﴾ مُتَضائِلِينَ مُتَقاصِرِينَ ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ بِسَبَبِ اَلذُّلِّ لِعِظَمِ ما لَحِقَهم فَمِن سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِخاشِعِينَ وهو وكَذا ما بَعْدَهُ حالٌ.
وجُوِّزَ أنْ يُعَلَّقَ اَلْجارُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: (يَنْظُرُونَ) ويُوقَفَ عَلى (خاشِعِينَ ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ، والطَّرْفُ مَصْدَرُ طَرَفَ إذا حَرَّكَ عَيْنَهُ ومِنهُ طَرْفَةُ اَلْعَيْنِ، والمُرادُ بِالخَفِيِّ اَلضَّعِيفُ، ومِنَ اِبْتِدائِيَّةٌ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ بِمُسارَقَةٍ كَما تَرى اَلْمَصْبُورَ يَنْظُرُ إلى اَلسَّيْفِ وهَكَذا نَظَرُ اَلنّاظِرِ إلى اَلْمَكارِهِ لا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنها كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى اَلْمُحابِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بِمَعْنى اَلْباءِ.
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ (خَفِيٍّ) ذَلِيلٍ فالطَّرْفُ عَلَيْهِ جَفْنُ اَلْعَيْنِ، وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا فَلا يَنْظُرُونَ إلّا بِقُلُوبِهِمْ وذاكَ نَظَرٌ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ، وهو تَأْوِيلٌ مُتَكَلِّفٌ، والجُمْلَتانِ اَلسّابِقَتانِ أعْنِي (تَرى اَلظّالِمِينَ. وتَراهم يُعْرَضُونَ) مَعْطُوفانِ عَلى (ومَن يُضْلِلِ) وأصْلُ اَلْكَلامِ والظّالِمُونَ لَمّا رَأوُا اَلْعَذابَ يَقُولُونَ وهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ، ثُمَّ قِيلَ (وتَرى وتَراهُمْ) خِطابًا لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اَلرُّؤْيَةُ ويُعْتَبَرُ بِحالِهِمْ زِيادَةً لِلتَّهْوِيلِ كَأنَّهُ يُعْجِبُهم مِمّا هم فِيهِ لِيَعْتَبِرُوا ويَبْتَهِجُوا، ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأتْباعِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ إنَّهُمُ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ اَلْخالِدِ أوْ عَلى ما مَرَّ في اَلزُّمَرِ، وعُدِلَ عَنْ أنَّهم إلى اَلَّذِينَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأكْمَلِ اَلْخُسْرانِ إذِ اَلْمُرادُ أنَّ اَلْكامِلِينَ في صِفَةِ اَلْخُسْرانِ اَلْمُتَّصِفِينَ بِحَقِيقَتِهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَسِرُوا والقَوْلُ في اَلدُّنْيا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقالَ، والماضِي لِتَحَقُّقِ اَلْوُقُوعِ أيْ ويَقُولُونَ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ اَلصِّفَةِ. وفي اَلْكَشْفِ اَلظّاهِرُ أنَّهُ قَوْلٌ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ كالخُسْرانِ مِن بابِ اَلتَّنازُعِ بَيْنَ اَلْفِعْلَيْنِ، وآثَرَ صاحِبُ اَلْكَشّافِ عَلى ما يُؤْذِنُ بِهِ صَنِيعُهُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالخُسْرانِ وحْدَهُ لِأنَّ اَلْأصْلَ في ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ﴾ إلَخْ هُمُ اَلْخاسِرُونَ كَما أنَّ اَلْأصْلَ في ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ والظّالِمُونَ لَمّا رَأوْا ثَمَّ قِيلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ ﴿وتَرى﴾ إلَخْ وكَما أنَّ اَلرُّؤْيَةَ رُؤْيَةُ اَلدُّنْيا اِسْتِحْضارًا لِعَذابِهِمُ اَلْكائِنِ في اَلْآخِرَةِ تَهْوِيلًا كَذَلِكَ اَلْقَوْلُ كَأنَّهم جَعَلَهم حُضُورًا يُعايَنُ عَذابُهم ويُسْمَعُ ما يَقُولُ اَلْمُؤْمِنُونَ فِيهِمْ ورُدَّ عَلى اَلْخِطابِ في اَلرُّؤْيَةِ والغَيْبَةِ في اَلْقَوْلِ لِأنَّ مُعايَنَةَ اَلْعَذابِ لَمّا كانَتْ أدْخَلَ في اَلتَّهْوِيلِ جَعَلَ اَلْعَذابَ قَرِيبًا مُشاهَدًا وخُصُّوا بِالخِطابِ عَلى سَبِيلِ اِسْتِحْضارِ اَلْحالِ لِمَزِيدِ اَلِابْتِهاجِ ولَمْ يَكُنْ في اَلْخُسْرانِ ذَلِكَ اَلْمَعْنى لِأنَّهُ أمْرٌ مَعْقُولٌ والمَحْسُوساتُ أقْوى لا سِيَّما إذا كُنَّ مُوجِباتِ اَلْخُسْرانَ فَجِيءَ بِهِ عَلى اَلْأصْلِ مِنَ اَلْغَيْبَةِ، وعَدَلَهُ مِنَ اَلْمُضارِعِ إلى اَلْماضِي لِأنَّهُ قَوْلٌ صادِرٌ عَنْ مُقْتَضى اَلْحالِ قَدْ حَقَّ ووَقَعَ تَفَوَّهُوا بِهِ أوْ لا وأُسْنِدَ إلى اَلْمُؤْمِنِينَ دَلالَةً عَلى اَلِابْتِهاجِ اَلْمَذْكُورِ واغْتِباطِهِمْ بِنَجاتِهِمْ عَمّا هم فِيهِ وإلّا فالقَوْلُ والرُّؤْيَةُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اَلْقَوْلُ والرُّؤْيَةُ، وجَعَلَهُ حالًا كَما فَعَلَ اَلطَّيِّبِيُّ عَلى مَعْنى وتَراهم وقَدْ صَدَقَ فِيهِمْ قَوْلُ اَلْمُؤْمِنِينَ في اَلدُّنْيا إنَّ اَلْخاسِرِينَ إلَخْ مِن أُسْلُوبِ قَوْلِهِ:
إذا ما اِنْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ
وفِيهِ أنَّهُ إنَّما يُرْتَكَبُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اَلْحَقِيقَةِ وقَدْ أمْكَنَ اَلْحَمْلُ عَلى اَلتَّنازُعِ فَلا تَعَذُّرَ.
ثُمَّ إنَّهُ عَلى اَلتَّقْدِيرِ لا يَظْهَرُ أنَّهُ قَوْلٌ فِيها إلّا بِدَلِيلٍ خارِجٍ، وهَذا بِخِلافِ ما ذَكَرَهُ جارُ اَللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ مِن تَقْدِيرٍ وقَدْ صَحَّ عِنْدَكم أنِّي قَدَّمْتُ لِأنَّ في اَللَّفْظِ إشْعارًا بِهِ بَيِّنًا اِنْتَهى، ولَعَمْرِي لَقَدْ أبْعَدَ قُدِّسَ سِرُّهُ اَلْمَغْزى في هَذِهِ اَلْآياتِ اَلْعِظامِ وأتى بِما تَسْتَحْسِنُهُ اَلنُّظّارُ مِن ذِي اَلْأفْهامِ فَلْيُفْهَمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 52
﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِ اَلْمُؤْمِنِينَ ويَجْرِي فِيهِ ما سَمِعْتَ مِنَ اَلْأصْلِ ونُكْتَةِ اَلْعُدُولِ أوِ اِسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى تَصْدِيقًا لِذَلِكَ
42:46Page 488
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦
And there will not be for them any allies to aid them other than Allāh. And whoever Allāh sends astray - for him there is no way.
﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾ بِرَفْعِ اَلْعَذابِ عَنْهم ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حَسْبَما يَزْعُمُونَ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ إلى اَلْهُدى أوِ اَلنَّجاةِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ ما لَهُ مِن حُجَّةٍ
42:47Page 488
ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ ٤٧
Respond to your Lord before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. No refuge will you have that Day, nor for you will there be any denial.1
﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ إذا دَعاكم لِما بِهِ اَلنَّجاةُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ﴾ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَرَدٍّ ويُعامَلُ اِسْمُ لا اَلشَّبِيهُ بِالمُضافِ مُعامَلَتَهُ فَيُتْرَكُ تَنْوِينُهُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ مالِكٍ في اَلتَّسْهِيلِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ «(لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ)» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ اَللَّهُ تَعالى بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ.
ومَن لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ قالَ: هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ مِنَ اَللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ مِمَّنْ ذَلِكَ؟ أوْ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلظَّرْفِ اَلْواقِعِ خَبَرَ لا أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ اَلْمُتَبادِرِ مِنَ اَللَّفْظِ والمَعْنى، وقِيلَ: هو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلُ اَلْفائِدَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِيَوْمٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ رَكِيكُ مَعْنًى، والظّاهِرُ أنَّ اَلْمُرادَ بِذَلِكَ اَلْيَوْمِ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ لا يَوْمَ وُرُودِ اَلْمَوْتِ كَما قِيلَ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ مَلاذٍ تَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ فَتَخْلُصُونَ مِنَ اَلْعَذابِ عَلى أنَّ (مَلْجَأٍ) اِسْمُ مَكانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ إنْكارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ اَلْقِياسِ ونَفْيُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ تَنْزِيلًا لِما يَقَعُ مِن إنْكارِهِمْ مُنْزِلَةَ اَلْعَدَمِ لِعَدَمِ نَفْعِهِ وقِيامِ اَلْحُجَّةِ وشَهادَةِ اَلْجَوارِحِ عَلَيْهِمْ أوْ يُقالُ إنَّ اَلْأمْرَيْنِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ اَلْأحْوالِ والمَواقِفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (نَكِيرٍ) اِسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ أيْ ما لَكم مُنْكِرٌ لِأحْوالِكم غَيْرُ مُمَيِّزٍ لَها لِيَرْحَمَكم وهو كَما تَرى
42:48Page 488
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ ٤٨
But if they turn away - then We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a guardian; upon you is only [the duty of] notification. And indeed, when We let man taste mercy from Us, he rejoices in it; but if evil afflicts him for what his hands have put forth, then indeed, man is ungrateful.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تَلْوِينٌ لِلْكَلامِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ خِطابِ اَلنّاسِ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالِاسْتِجابَةِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا وأعْرَضُوا عَمّا تَدْعُوهم إلَيْهِ فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ فَما أرْسَلْناكَ رَقِيبًا ومُحاسِبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ﴾ أيْ ما عَلَيْكَ ﴿إلا البَلاغُ﴾ لا اَلْحِفْظُ وقَدْ فَعَلْتَ.
﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً مِنَ اَلصِّحَّةِ والغِنى والأمْنِ ونَحْوِها ﴿فَرِحَ بِها﴾ أُرِيدَ بِالإنْسانِ اَلْجِنْسُ اَلشّامِلُ لِلْجَمِيعِ وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى اَلْأناسِيِّ أوِ اَلنّاسِ ولِذا جَمَعَ ضَمِيرَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ﴾ ولَيْسَتْ لِلِاسْتِغْراقِ والجَمْعِيَّةُ لا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تُصِبِ اَلنّاسَ أوِ اَلْأناسِيَّ ﴿سَيِّئَةٌ﴾ بَلاءٌ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وخَوْفٍ وغَيْرِها ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِسَبَبِ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ اَلسَّيِّئاتِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بَلِيغُ اَلْكُفْرِ يَنْسى اَلنِّعْمَةَ رَأْسًا ويَذْكُرُ اَلْبَلِيَّةَ ويَسْتَعْظِمُها ولا يَتَأمَّلُ سَبَبَها بَلْ يَزْعُمُ أنَّها أصابَتْهُ مِن غَيْرِ اِسْتِحْقاقٍ لَها.
وألْ فِيهِ أيْضًا لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: هي فِيهِما لِلْعَهْدِ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ اَلْمُجْرِمُونَ، وقِيلَ: هي في اَلْأوَّلِ لِلْجِنْسِ وفي اَلثّانِي لِلْعَهْدِ، وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالإنْسانِ اَلْجَمْعَ لا اَلْواحِدَ لِمَكانِ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ ولَمْ يُرِدْ إلّا اَلْمُجْرِمِينَ لِأنَّ إصابَةَ اَلسَّيِّئَةِ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إنَّما يَسْتَقِيمُ فِيهِمْ، ثُمَّ قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَإنَّهُ لَكَفُورٌ لِيُسَجِّلَ عَلى أنَّ هَذا اَلْجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ اَلنِّعَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: (إنَّ اَلْإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ. إنَّ اَلْإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) فَفَهِمَ مِنهُ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ أنَّها في اَلْأوَّلِ لِلْعَهْدِ
صفحة 53
وأنَّ اَلْمُرادَ اَلْكُفّارُ اَلْمُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم (لِتَرَتُّبِ) فَإنْ أعْرَضُوا (عَلَيْهِ)، ووَضَعَ اَلْمُظْهَرَ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِتَصْمِيمِهِمْ عَلى اَلْكُفْرانِ والإيذانِ بِأنَّهم لا يَرْعَوُونَ مِمّا هم فِيهِ وأنَّها في اَلثّانِي لِلْجِنْسِ لِيَكُونَ اَلْمَعْنى لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن هَذا اَلْإنْسانِ اَلْمَعْهُودِ اَلْإصْرارُ لِأنَّ هَذا اَلْجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ اَلنِّعَمِ فَيَكُونُ ذَمُّ اَلْمُطْلَقِ دَلِيلًا عَلى ذَمِّ اَلْمُقَيَّدِ، وفي اَلْكَشْفِ أنَّهُ أرادَ أنَّ اَلْإنْسانَ أيِ اَلْأوَّلَ لِلْجِنْسِ اَلصّالِحِ لِلْكُلِّ ولِلْبَعْضِ وإذا قامَ دَلِيلٌ عَلى إرادَةِ اَلْبَعْضِ تَعَيَّنَ وقَدْ قامَ لِما سَلَفَ أنَّ اَلْإصابَةَ في غَيْرِ اَلْمُجْرِمِينَ لِلْعِوَضِ? اَلْمُوَفّى ولَمْ يَذْهَبْ إلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ لِلْجِنْسِ لِيَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْمُقَيَّدِ بِطَرِيقِ اَلْأوْلى ومُطابِقًا لِما جاءَ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ مِنَ اَلْكِتابِ اَلْعَزِيزِ ولا بَأْسَ بِأنْ يُجْعَلَ إشارَةً إلى اَلسّالِفِ فَإنَّهُ لِلْجِنْسِ أيْضًا، ويَكُونُ في وضْعِ اَلْمُظْهَرِ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ اَلْفائِدَةُ اَلْمَذْكُورَةُ مِرارًا بَلْ هو أدَلُّ عَلى اَلْقانُونِ اَلْمُمَهَّدِ في اَلْأُصُولِ وبِكَوْنِ كِلَيْهِما لِلْجِنْسِ أقُولُ وإسْنادُ اَلْكُفْرانِ مَعَ أنَّهُ صِفَةُ اَلْكَفَرَةِ إلى اَلْجِنْسِ لِغَلَبَتِهِمْ فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ حَيْثُ أسْنَدَ إلى اَلْجِنْسِ حالَ أغْلَبِ أفْرادِهِ لِمُلابَسَتِهِ اَلْأغْلَبِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ أغْلَبُ اَلْأفْرادِ عَيْنَ اَلْجِنْسِ لِغَلَبَتِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ فَيَكُونُ اَلْمَجازُ لُغَوِيًّا، وكَذا يُقالُ في إسْنادِ اَلْفَرَحِ إذا كانَ بِمَعْنى اَلْبَطَرِ فَإنَّهُ أيْضًا مِن صِفاتِ اَلْكَفَرَةِ بَلْ إنْ كانَ أيْضًا بِمَعْناهُ اَلْمَعْرُوفِ وهو اِنْشِراحُ اَلصَّدْرِ بِلَذَّةٍ عاجِلَةٍ وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في اَللَّذّاتِ اَلْبَدَنِيَّةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن خَواصِّ اَلْكُفّارِ بَلْ يَكُونُ في اَلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا اِضْطِرارًا أوْ شُكْرًا إلّا أنَّهُ لا يَعُمُّ جَمِيعَ أفْرادِ اَلْجِنْسِ وإنْ قُلْتَ بِعُمُومِهِ لَمْ تَحْتَجْ إلى ذَلِكَ كَما إذا فَسَّرْتَهُ بِالبَطَرِ عَلى إرادَةِ اَلْعَهْدِ في اَلْإنْسانِ، وإصابَةُ اَلسَّيِّئَةِ بِالذُّنُوبِ غَيْرُ عامَّةٍ لِلْأفْرادِ أيْضًا فَحالُ إسْنادِها يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وتَصْدِيرُ اَلشَّرْطِيَّةِ اَلْأُولى بِإذا مَعَ إسْنادِ اَلْإذاقَةِ بِلَفْظِ اَلْماضِي إلى نُونِ اَلْعَظَمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيصالَ اَلنِّعْمَةِ مُحَقَّقُ اَلْوُجُودِ كَثِيرُ اَلْوُقُوعِ وأنَّهُ مُرادٌ بِالذّاتِ مِنَ اَلْجَوادِ اَلْمُطْلَقِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أنَّ تَصْدِيرَ اَلثّانِيَةِ بِإنَّ وإسْنادَ اَلْإصابَةِ بِلَفْظِ اَلْمُضارِعِ إلى اَلسَّيِّئَةِ وتَعْلِيلَها بِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ اَلِانْتِظامِ في سَلْكِ اَلْإرادَةِ بِالذّاتِ والقَصْدِ اَلْأوْلى، وإقامَةُ عِلَّةِ اَلْجَزاءِ مَقامَ اَلْجَزاءِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
42:49–50Page 488
لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩
To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He creates what He wills. He gives to whom He wills female [children], and He gives to whom He wills males.
أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٥٠
Or He makes them [both] males and females, and He renders whom He wills barren. Indeed, He is Knowing and Competent.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ اِشْتِراكًا أوِ اِسْتِقْلالًا ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أوْ بَيانٌ لِيَخْلُقُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اَلْبَعْضِ عَلى ما اِخْتارَهُ اَلْقاضِي، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ إذاقَةَ اَلْإنْسانِ اَلرَّحْمَةَ وإصابَتَهُ بِضِدِّها أتْبَعَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ اَلْمُلْكَ وأنَّهُ تَعالى يَقْسِمُ اَلنِّعْمَةَ والبَلاءَ كَما شاءَ بِحِكْمَتِهِ تَعالى اَلْبالِغَةِ لا كَما شاءَ اَلْإنْسانُ بِهَواهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إذاقَةَ اَلرَّحْمَةِ لَيْسَتْ لِلْفَرَحِ والبَطَرِ بَلْ لِلشُّكْرِ لِمُولِيها وإصابَةُ اَلْمِحْنَةِ لَيْسَتْ لِلْكُفْرانِ والجَزَعِ بَلْ لِلرُّجُوعِ إلى مُبْلِيها؛ وتَأْكِيدٌ لِإنْكارِ كُفْرانِهِمْ مِن وجْهَيْنِ: اَلْأوَّلِ أنَّ اَلْمُلْكَ مُلْكُهُ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ ومُشارِكٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ فَلَيْسَ عَلى مَن هو أحْقَرُ جُزْءٍ مِن مُلْكِهِ تَعالى أنْ يَعْتَرِضَ ويُرِيدَ أنْ يُجْرِيَ اَلتَّدْبِيرَ حَسْبَ هَواهُ اَلْفاسِدِ. اَلثّانِي أنَّ هَذا اَلْمُلْكَ اَلْواسِعَ لِذَلِكَ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ جَلَّ جَلالُهُ اَلَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ فَأنّى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ إلّا عَلى وجْهٍ لا يُتَصَوَّرُ أكْمَلُ مِنهُ ولا أوْفَقُ لِمُقْتَضى اَلْحِكْمَةِ والصَّوابِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقى إلّا اَلتَّسْلِيمُ والشُّغُلُ بِتَعْظِيمِ اَلْمُنْعِمِ اَلْمُبْلِي عَنِ اَلْكُفْرانِ والإعْجابِ، وناسَبَ هَذا اَلْمَساقَ أنْ يَدُلَّ في اَلْبَيانِ مِن أوَّلِ اَلْأمْرِ عَلى أنَّهُ تَعالى فِعْلٌ لِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لا مَدْخَلَ لِمَشِيئَةِ اَلْعَبْدِ فِيهِ فَلِذا قُدِّمَتِ اَلْإناثُ وأُخِّرَتِ اَلذُّكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ مِنَ اَلْأناسِيِّ ما لا يَهْواهُ ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ
صفحة 54
مِنهم ما يَهْواهُ فَقَدْ كانَتِ اَلْعَرَبُ تَعُدُّ اَلْإناثَ بَلاءً ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ولَوْ قَدَّمَ اَلْمُؤَخَّرِ لاخْتَلَّ اَلنَّظْمُ، ولَيْسَ اَلتَّقْدِيمُ لِمُجَرَّدِ رِعايَةِ مُناسِبَةِ اَلْقُرْبِ مِنَ اَلْبَلاءِ لِيُعارَضَ بِأنَّ اَلْآيَةَ اَلسّابِقَةَ ذَكَرَتِ اَلرَّحْمَةَ فِيها مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ فَناسَبَ ذَلِكَ تَقْدِيمُ اَلذُّكُورِ عَلى اَلْإناثِ، وفي تَعْرِيفِ اَلذُّكُورِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ اَلِاسْتِدْراكِ لِقَضِيَّةِ اَلتَّأْخِيرِ اَلتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ اَلْمَعْرُوفُ اَلْحاضِرُ في قُلُوبِهِمْ أوَّلَ كُلِّ خاطِرٍ وأنَّهُ اَلَّذِي عَقَدُوا عَلَيْهِ مُناهُمْ، ولَمّا قَضى اَلْوَطَرَ مِن هَذا اَلْأُسْلُوبِ قِيلَ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ أيِ اَلْأوْلادَ ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ يَخْلُقُ ما يَهَبُهم زَوْجًا لِأنَّ اَلتَّزْوِيجَ جَعْلُ اَلشَّيْءِ زَوْجًا فَذُكْرانًا وإناثًا حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ، والواوُ قِيلَ لِلْمَعِيَّةِ لِأنَّ حَقَّهُ اَلتَّأْخِيرُ عَنِ اَلْقِسْمَيْنِ سِياقًا ووُجُودًا فَلا تَتَأتّى اَلْمُقارَنَةُ إلّا بِذَلِكَ، وقِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ اَلْمُرادَ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ ما لا يَهْواهُ ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ما يَهْواهُ أوْ يَهَبُ اَلْأمْرَيْنِ مَعًا لا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ مِن كُلٍّ مِنَ اَلْجِنْسَيْنِ اَلذُّكُورِ والإناثِ عَلى حِيالِهِ زَوْجًا ولَوْلا ذَلِكَ لَتُوُهِّمَ ما ذُكِرَ فَتَأمَّلْهُ، ولِتَرَكُّبِهِ مِنهُما لَمْ يُكَرِّرْ فِيهِ حَدِيثَ اَلْمَشِيئَةِ، وقَدَّمَ اَلْمُقَدَّمَ عَلى ما هو عَلَيْهِ في اَلْأصْلِ ولَمْ يُعَرِّفْ إذْ لا وجْهَ لَهُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ أيْ لا يُولَدُ لَهُ فَقَيَّدَ بِالمَشِيئَةِ لِأنَّهُ قِسْمٌ آخَرُ، وكَأنَّهُ جِيءَ بِأوْ في (أوْ يُزَوِّجُهُمْ) دُونَ اَلْواوِ كَما في سابِقِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ قَسِيمُ اَلِانْفِرادِ اَلْمُشْتَرِكِ بَيْنَ اَلْأوَّلَيْنِ ولَمْ يُؤْتَ في اَلْأخِيرِ لِاتِّضاحِهِ بِأنَّهُ قَسِيمُ اَلْهِبَةِ اَلْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ اَلْأقْسامِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: قَدَّمَ اَلْإناثَ تَوْصِيَةً بِرِعايَتِهِنَّ لِضَعْفِهِنَّ لا سِيَّما وكانُوا قَرِيبِي اَلْعَهْدِ بِالوَأْدِ، وفي اَلْحَدِيثِ «(مَنِ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ اَلْبَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ اَلنّارِ)» وقِيلَ: قُدِّمَتْ لِأنَّها أكْثَرُ لِتَكْثِيرِ اَلنَّسْلِ فَهي مِن هَذا اَلْوَجْهِ أنْسَبُ بِالخَلْقِ اَلْمُرادِ بَيانُهُ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ لِما في تَقْدِيمِهِنَّ مِنَ اَلتَّشْرِيفِ لِأنَّهُنَّ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى، وقالَ اَلثَّعالِبِيُّ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما في تَقَدُّمِ وِلادَتِهِنَّ مِنَ اَلْيُمْنِ حَتّى أنَّ أوَّلَ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ يَكُونُ مَشْؤُومًا فَيَقُولُونَ لَهُ بَكَّرَ بِكْرَيْنِ؛ وعَنْ قَتادَةَ مِن يُمْنِ اَلْمَرْأةِ تَبْكِيرُها بِأُنْثى، وقِيلَ: قُدِّمَتْ وأُخِّرَ اَلذُّكُورُ مُعَرَّفًا لِلْمُحافَظَةِ عَلى اَلْفَواصِلِ، والمُناسِبُ لِلسِّياقِ ما عَلِمْتَ سابِقًا، وقالَ مُجاهِدٌ في ﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ اَلتَّزْوِيجُ أنْ تَلِدَ اَلْمَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً، وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ اَلْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اَلْآيَةَ نَزَلَتْ في اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ وهَبَ سُبْحانَهُ لِشُعَيْبٍ ولُوطٍ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ إناثًا ولِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ذُكُورًا ولِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذُكُورًا وإناثًا وجَعَلَ عِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما اَلسَّلامُ عَقِيمَيْنِ اهـ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ جَلَّ شَأْنُهُ في اَلْعِلْمِ والقُدْرَةِ فَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ بِحِكْمَةٍ واخْتِيارٍ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences