Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:38–44
42:38Page 487
وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٨
And those who have responded to their Lord and established prayer and whose affair is [determined by] consultation among themselves, and from what We have provided them, they spend,
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في اَلْأنْصارِ دَعاهُمُ اَللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ فاسْتَجابُوا لَهُ فَأثْنى عَلَيْهِمْ جَلَّ وعَلا بِما أثْنى، وعَلَيْهِ فَهو مِن ذِكْرِ اَلْخاصِّ بَعْدَ اَلْعامِّ لِبَيانِ شَرَفِهِ لِإيمانِهِمْ دُونَ تَرَدُّدٍ وتَلَعْثُمٍ، والآيَةُ إنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فالأمْرُ ظاهِرٌ وإذا كانَتْ مَكِّيَّةً فالمُرادُ بِالأنْصارِ مَن آمَنَ بِالمَدِينَةِ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ أوِ اَلْمُرادُ بِهِمْ أصْحابُ اَلْعَقَبَةِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى ومُراجَعَةٍ في اَلْآراءِ بَيْنَهم بِناءً عَلى أنَّ اَلشُّورى مَصْدَرٌ كالبُشْرى فَلا يَصِحُّ اَلْإخْبارُ لِأنَّ اَلْأمْرَ مُتَشاوَرٌ فِيهِ لا مُشاوَرَةً إلّا إذا قَصَدَ اَلْمُبالَغَةَ، وأوْرَدَ أنَّهُ يُقالُ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ شَأْنِي اَلْكَرَمُ والأمْرُ هُنا بِمَعْنى اَلشَّأْنِ. نَعَمْ إذا حُمِلَ عَلى اَلْقَضايا اَلْمُتَشاوَرِ فِيها اِحْتاجَ إلى اَلتَّأْوِيلِ أوْ قَصْدِ اَلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ إضافَةَ اَلْمَصْدَرِ لِلْعُمُومِ فَلا يَصِحُّ اَلْإخْبارُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ ورُدَّ بِأنَّ اَلْمُرادَ أمْرُهم فِيما يُتَشاوَرُ فِيهِ لا جَمِيعِ أُمُورِهِمْ وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلْمَشُورَةُ اِسْتِخْراجُ اَلرَّأْيِ بِمُراجَعَةِ اَلْبَعْضِ إلى اَلْبَعْضِ مِن قَوْلِهِمْ: شُرْتُ اَلْعَسَلَ وأشَرْتُهُ اِسْتَخْرَجْتُهُ والشُّورى اَلْأمْرُ اَلَّذِي يُتَشاوَرُ فِيهِ اِنْتَهى، والمَشْهُورُ كَوْنُهُ مَصْدَرًا، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اِسْمِيَّةً مَعَ أنَّ اَلْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اَلتَّشاوُرَ كانَ حالَهُمُ اَلْمُسْتَمِرَّةَ قَبْلَ اَلْإسْلامِ وبَعْدَهُ، وفي اَلْآيَةِ مَدْحٌ لِلتَّشاوُرِ لا سِيَّما عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّ فِيها اَلْإخْبارَ بِالمَصْدَرِ، وقَدْ أخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن أرادَ أمْرًا فَشاوَرَ فِيهِ وقَضى هُدِيَ لِأرْشَدِ اَلْأُمُورِ،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. والبُخارِيُّ في اَلْأدَبِ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنِ اَلْحَسَنِ قالَ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا وأرْشَدَ أمْرُهم ثُمَّ تَلا ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ كانَتِ اَلشُّورى بَيْنَ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ اَلْحُرُوبِ، وكَذا بَيْنَ اَلصَّحابَةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَتْ بَيْنَهم أيْضًا في اَلْأحْكامِ كَقِتالِ أهْلِ اَلرِّدَّةِ ومِيراثِ اَلْجَدِّ وعَدَدِ حَدِّ اَلْخَمْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ ما لَمْ يَكُنْ لَهم فِيهِ نَصٌّ شَرْعِيٌّ وإلّا فالشُّورى لا مَعْنى لَها وكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ اَلْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى آراءِ اَلرِّجالِ واَللَّهُ سُبْحانَهُ هو اَلْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ، ويُؤَيِّدُ ما قُلْنا ما أخْرَجَهُ اَلْخَطِيبُ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اَللَّهِ اَلْأمْرُ يَنْزِلُ بِنا بَعْدَكَ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ ولَمْ يُسْمَعْ مِنكَ فِيهِ شَيْءٌ قالَ: اِجْمَعُوا لَهُ اَلْعابِدَ مِن أُمَّتِي واجْعَلُوهُ بَيْنَكم شُورى ولا تَقْضُوهُ بِرَأْيٍ واحِدٍ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اَلْمُسْتَشارُ عاقِلًا كَما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عابِدًا،» فَقَدْ أخْرَجَ اَلْخَطِيبُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «(اِسْتَرْشِدُوا اَلْعاقِلَ تَرْشَدُوا ولا تَعْصُوهُ فَتَنْدَمُوا)» والشُّورى عَلى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي ذَكَرْناهُ مِن جُمْلَةِ أسْبابِ صَلاحِ اَلْأرْضِ فَفي اَلْحَدِيثِ إذا كانَ أُمَراؤُكم خِيارَكم وأمْرُكم شُورى بَيْنَكم فَظَهْرُ اَلْأرْضِ
صفحة 47
خَيْرٌ لَكم مِن بَطْنِها وإذا كانَ أُمَراؤُكم شِرارَكم وأغْنِياؤُكم بُخَلاءَكم وأمْرُكم إلى نِسائِكم فَبَطْنُ اَلْأرْضِ خَيْرٌ لَكم مِن ظَهْرِها) وإذا لَمْ تَكُنْ عَلى ذَلِكَ اَلْوَجْهِ كانَ إفْسادُها لِلدِّينِ والدُّنْيا أكْثَرَ مِن إصْلاحِها ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ في سَبِيلِ اَلْخَيْرِ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِلْمَدْحِ بِمُجَرَّدِ اَلْإنْفاقِ، ولَعَلَّ فَصْلَهُ عَنْ قَرِينِهِ بِذِكْرِ اَلْمُشاوَرَةِ لِأنَّ اَلِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ تَعالى وإقامُ اَلصَّلاةِ كانا مِن آثارِها، وقِيلَ: لِوُقُوعِها عِنْدَ اِجْتِماعِهِمْ لِلصَّلَواتِ.
42:39Page 487
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ٣٩
And those who, when tyranny strikes them, they retaliate [in a just manner].1
﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ يَنْتَقِمُونَ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِمْ عَلى ما جَعَلَهُ اَللَّهُ تَعالى لَهم ولا يَعْتَدُونَ، ومَعْنى اَلِاخْتِصاصِ أنَّهُمُ اَلْأخِصّاءُ بِالِانْتِصارِ وغَيْرُهم يَعْدُو ويَتَجاوَزُ، ولا يُرادُ أنَّهم يَنْتَصِرُونَ ولا يَغْفِرُونَ لِيَتَناقَضَ هو والسّابِقُ، فَكَأنَّهُ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِأنَّهُمُ اَلْأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ لا يَغُولُ اَلْغَضَبُ أحْلامَهم كَما يَغُولُ في غَيْرِهِمْ وإنَّهُمُ اَلْأخِصّاءُ بِالِانْتِصارِ عَلى ما جُوِّزَ لَهم إنْ كافَؤُوا ولا يَعْتَدُونَ كَغَيْرِهِمْ فَهم مَحْمُودُونَ في اَلْحالَتَيْنِ بَيْنَ حَسَنٍ وأحْسَنَ مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ اَلنّاسِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ كُلًّا مِنَ اَلْوَصْفَيْنِ في مَحَلٍّ وهو فِيهِ مَحْمُودٌ فالعَفْوُ عَنِ اَلْعاجِزِ اَلْمُعْتَرِفِ بِجُرْمِهِ مَحْمُودٌ ولَفْظُ اَلْمَغْفِرَةِ مُشْعِرٌ بِهِ والِانْتِصارُ مِنَ اَلْمُخاصَمِ اَلْمُصِرِّ مَحْمُودٌ، ولَفْظُ اَلِانْتِصارِ مُشْعِرٌ بِهِ ولَوْ أُوقِعا عَلى عَكْسِ ذَلِكَ كانا مَذْمُومَيْنِ وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ:
إذا أنْتَ أكْرَمْتَ اَلْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اَللَّئِيمَ تَمَرَّدا
فَوَضْعُ اَلنَّدى في مَوْضِعِ اَلسَّيْفِ بِالعُلا ∗∗∗ مُضِرٌّ كَوَضْعِ اَلسَّيْفِ في مَوْضِعِ اَلنَّدى
وقَدُ يُحْمَدُ كُلٌّ ويُذَمُّ بِاعْتِباراتٍ أُخَرَ فَلا تَناقُضَ أيْضًا سَواءٌ اِتَّحَدَ اَلْمَوْصُوفانِ في اَلْجُمْلَتَيْنِ أوْ لا، وقالَ بَعْضُ اَلْمُحَقِّقِينَ: اَلْأوْجَهُ أنْ لا يُحْمَلُ اَلْكَلامُ عَلى اَلتَّخْصِيصِ بَلْ عَلى اَلتَّقْوى أيْ يَفْعَلُونَ اَلْمَغْفِرَةَ تارَةً والِانْتِصارَ أُخْرى لا دائِمًا لِلتَّناقُضِ ولَيْسَ بِذاكَ، وعَنِ اَلنَّخْعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ اَلْفُسّاقُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اَلِانْتِصارَ مِنَ اَلْمُخاصِمِ اَلْمُصِرِّ وإلّا فَلا إذْلالَ لِلنَّفْسِ بِالعَفْوِ عَنِ اَلْعاجِزِ اَلْمُعْتَرِفِ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ (هم يَنْتَصِرُونَ) مِنَ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ صِلَةُ اَلْمَوْصُولِ (وإذا) ظَرْفُ (يَنْتَصِرُونَ) وجُوِّزَ كَوْنُها شَرْطِيَّةً والجُمْلَةُ جَوابُ اَلشَّرْطِ وجُمْلَةُ اَلْجَوابِ والشَّرْطِ هي اَلصِّلَةُ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِما مَرَّ آنِفًا، وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ (هُمْ) فاعِلًا لِمَحْذُوفٍ وهو كَما سَمِعْتَ في (وإذا ما غَضِبُوا) إلَخْ. وقالَ اَلْحَوْفِيُّ: يَجُوزُ جَعْلُ (هُمْ) تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (أصابَهُمُ) وفِيهِ اَلْفَصْلُ بَيْنَ اَلْمُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ بِالفاعِلِ ولَعَلَّهُ لا يَمْتَنِعُ، ومَعَ هَذا فالوَجْهُ في اَلْإعْرابِ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا
42:40Page 487
وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
And the retribution for an evil act is an evil one like it, but whoever pardons and makes reconciliation - his reward is [due] from Allāh. Indeed, He does not like wrongdoers.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ بَيانٌ لِما جُعِلَ لِلْمُنْتَصِرِ وتَسْمِيَةُ اَلْفِعْلَةِ اَلثّانِيَةِ وهي اَلْجَزاءُ سَيِّئَةً قِيلَ لِلْمُشاكَلَةِ، وقالَ جارُ اَللَّهِ: تَسْمِيَةُ كِلْتا اَلْفِعْلَتَيْنِ سَيِّئَةً لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، وفِيهِ رِعايَةٌ لِحَقِيقَةِ اَللَّفْظِ وإشارَةٌ إلى أنَّ اَلِانْتِصارَ مَعَ كَوْنِهِ مَحْمُودًا إنَّما يُحْمَدُ بِشَرْطِ رِعايَةِ اَلْمُماثَلَةِ وهي عَسِرَةٌ فَفي مَساقِها حَثٌّ عَلى اَلْعَفْوِ مِن طَرِيقِ اَلِاحْتِياطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا﴾ أيْ عَنِ اَلْمُسِيءِ إلَيْهِ ﴿وأصْلَحَ﴾ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُعادِيهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ عَمّا صَدَرَ مِنهُ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَيَجْزِيهِ جَلَّ وعَلا أعْظَمَ اَلْجَزاءِ، تَصْرِيحٌ بِما لَوَّحَ إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ اَلْحَثِّ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ سُلُوكًا لِطَرِيقِ اَلِاحْتِياطِ يَتَضَمَّنُ مَعَ ذَلِكَ إصْلاحُ ذاتِ اَلْبَيْنِ اَلْمَحْمُودُ حالًا ومَآلًا لِيَكُونَ زِيادَةَ تَحْرِيضٍ عَلَيْهِ، وإبْهامُ اَلْأجْرِ وجَعْلُهُ حَقًّا عَلى اَلْعَظِيمِ اَلْكَرِيمِ جَلَّ شَأْنُهُ اَلدّالُّ عَلى عِظَمِهِ زِيادَةٌ في اَلتَّرْغِيبِ، وجِيءَ بِالفاءِ لِيَرْفَعَهُ عَنِ اَلسّابِقِ أيْ إذا كانَ سُلُوكُ اَلِانْتِصارِ غَيْرَ مَأْمُونِ اَلْعِثارِ فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَهو سالِكٌ اَلطَّرِيقَ
صفحة 48
اَلْمَأْمُونَ اَلْعِثارِ اَلْمَحْمُودَ في اَلدّارَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ اَلْمُتَجاوِزِينَ اَلْحَدَّ في اَلِانْتِقامِ، تَتْمِيمٌ لِذَلِكَ اَلْمَعْنى وتَصْرِيحٌ بِما ضَمِنَ مِن عُسْرِ رِعايَةِ طَرِيقِ اَلْمُماثَلَةِ وأنَّهُ قَلَّما تَخْلُو عَنِ اَلِاعْتِداءِ والتَّجاوُزِ لا سِيَّما في حالِ اَلْحَرْدِ والتِهابِ اَلْحَمِيَّةِ فَيَكُونُ دُخُولًا في زُمْرَةِ مَن لا يُحِبُّهُ اَللَّهُ تَعالى، ولا حاجَةَ عَلى هَذا اَلْمَعْنى إلى جَعْلِ (فَمَن عَفا) إلَخْ اِعْتِراضًا، ثُمَّ لَوْ كانَ كَذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها عَلى أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنهُ فالفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَنْهُ كَما تُوُهِّمَ، وأدْخَلَ غَيْرُ واحِدٍ اَلْمُبْتَدِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ في اَلظّالِمِينَ
42:41Page 487
وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١
And whoever retaliates after having been wronged - those have not upon them any cause [for blame].
﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ بَعْدَ ما ظُلِمَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقُرِئَ بِهِ فالمَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ أوْ هو مَصْدَرُ اَلْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ واللّامُ لِلْقَسَمِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لامَ اَلِابْتِداءِ جِيءَ بِها لِلتَّوْكِيدِ و(مَن) شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وحُمِلَ اِنْتَصَرَ عَلى لَفْظِها وحُمِلَ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ لِلْمُعاقِبِ ولا لِلْعاتِبِ والعائِبِ عَلى مَعْناها، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (فَمَن عَفا) وجِيءَ بِها لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ ما حَضَّ عَلَيْهِ إنَّما حَضَّ عَلَيْهِ إرْشادًا إلى اَلْأصْلَحِ في اَلْأغْلَبِ لا أنَّ اَلْمُنْتَصِرَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ بِوَجْهٍ حالًا أوْ مَآلًا، ولِإيهامِ اَلْحَضِّ خِلافَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن نَفْسِ اَلسَّبِيلِ عَلى اَلْعُمُومِ صُدِّرَتْ بِاللّامِ،
42:42Page 487
إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٢
The cause is only against the ones who wrong the people and tyrannize upon the earth without right. Those will have a painful punishment.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ تَعْيِينٌ لِمَن عَلَيْهِ اَلسَّبِيلُ بَعْدَ نَفْيِ ذَلِكَ عَنِ اَلْمُنْتَصِرِينَ، والمُرادُ بِاَلَّذِينِ يَظْلِمُونَ اَلنّاسَ مِن يَبْتَدِؤُونَهم بِالظُّلْمِ أوْ يَزِيدُونَ في اَلِانْتِقامِ ويَتَجاوَزُونَ ما حُدَّ لَهُمْ، وفَسَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِاَلَّذِينِ يَفْعَلُونَ بِهِمْ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ وهو أعَمُّ.
﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ يَتَكَبَّرُونَ فِيها تَجَبُّرًا وفَسادًا ﴿أُولَئِكَ﴾ اَلْمَوْصُوفُونَ بِالظُّلْمِ والبَغْيِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ اَلظّالِمِينَ اَلْباغِينَ اَلْكَفَرَةُ، وقِيلَ: مَن يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ،
42:43Page 487
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣
And whoever is patient and forgives - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.1
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ اَلظُّلْمِ والبَغْيِ وما يُؤَدِّي إلى اَلْعَذابِ اَلْألِيمِ بِوَجْهٍ، وفِيهِ حَضٌّ عَلى ما حَضَّ عَلَيْهِ أوَّلًا اِهْتِمامًا بِهِ وزِيادَةَ تَرْغِيبٍ فِيهِ، فالصَّبْرُ هُنا هو اَلْإصْلاحُ اَلْمُؤَخَّرُ فِيما تَقَدَّمَ قُدِّمَ هَهُنا، وعُبِّرَ عَنْهُ بِالصَّبْرِ لِأنَّهُ مِن شَأْنِ أُولِي اَلْعَزْمِ وإشارَةً إلى أنَّ اَلْإصْلاحَ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ إنَّما يُحْمَدُ إذا كانَ عَنْ قُدْرَةٍ لا عَنْ عَجْزٍ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى اَلْمَذْكُورِ مِنَ اَلصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ، و(عَزْمِ اَلْأُمُورِ) اَلْأُمُورِ اَلْمَعْزُومَةِ اَلْمَقْطُوعَةِ أوِ اَلْعازِمَةِ اَلصّادِقَةِ، وجُوِّزَ في (مَن) أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وفي اَللّامِ أنْ تَكُونَ اِبْتِدائِيَّةً وأنْ تَكُونَ قَسَمِيَّةً واكْتُفِيَ بِجَوابِ اَلْقَسَمِ عَنْ جَوابِ اَلشَّرْطِ، وإذا جُعِلَتِ اَللّامُ لِلِابْتِداءِ و(مَن) شَرْطِيَّةً فَجُمْلَةُ (إنَّ ذَلِكَ) جَوابُ اَلشَّرْطِ وحُذِفَتِ اَلْفاءُ مِنها، ومَن يَخُصُّ اَلْحَذْفَ بِالشِّعْرِ لا يُجَوِّزُ هَذا اَلْوَجْهَ، وذَكَرَ جَماعَةٌ أنَّ في اَلْكَلامِ حَذْفًا أيْ إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لَمِن عَزْمِ اَلْأُمُورِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اَلْجُمْلَةَ خَبَرٌ فَلا بُدَّ فِيها مِن رابِطٍ و(ذَلِكَ) لا يَصْلُحُ لَهُ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى اَلصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ، وكَوْنُهُ مُغْنِيًا عَنْهُ لِأنَّ اَلْمُرادَ صَبْرُهُ أوْ (ذَلِكَ) رابِطٌ والإشارَةُ لِمِن بِتَقْدِيرِ مِن ذَوِي عَزْمِ اَلْأُمُورِ تَكَلُّفٌ.
هَذا واخْتارَ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ أنَّ تَسْمِيَةَ اَلْفِعْلَةِ اَلثّانِيَةِ اَلَّتِي هي اَلْجَزاءُ سَيِّئَةً مِن بابِ اَلتَّهْجِينِ دُونَ اَلْمُشاكَلَةِ، وزَعَمَ أنَّ اَلْمُجازى مُسِيءٌ وبَنى عَلى ذَلِكَ رَبْطَ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ بِما قَبِلُ فَقالَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَمّا نَسَبَ اَلْمُجازِي إلى اَلْمَساءَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ والمُسِيءُ في هَذا اَلْمَقامِ مُفْسِدًا لِما في اَلْبَيْنِ بِدَلِيلِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ عَلَّلَ مَفْهُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أخْرَجَ نَفْسَهُ
صفحة 49
بِالعَفْوِ والإصْلاحِ مِنَ اَلِانْتِسابِ إلى اَلسَّيِّئَةِ والإفْسادِ كانَ مُقْسِطًا إنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ ومَنِ اِشْتَغَلَ بِالمُجازاةِ وانْتَسَبَ إلى اَلسَّيِّئَةِ وأفْسَدَ ما في اَلْبَيْنِ وحَرَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ اَلْأجْرَ اَلْجَزِيلَ كانَ ظالِمًا نَفْسَهُ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ فالآيَةُ وارِدَةٌ إرْشادًا لِلْمَظْلُومِ إلى مَكارِمِ اَلْأخْلاقِ وإيثارِ طَرِيقِ اَلْمُرْسَلِينَ.
وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ إلَخْ خِطابٌ لِلْوُلاةِ والحُكّامِ وتَعْلِيمُ فِعْلِ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ حَيْثُ أعادَ اَلسَّبِيلَ اَلْمُنَكَّرَ بِالتَّعْرِيفِ وعَلَّقَ بِهِ ﴿يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ إلَخْ تَعْلِيمٌ لَهم أيْضًا طَرِيقَ اَلْحُكْمِ يَعْنِي أنَّ صاحِبَ اَلْحَقِّ إذا عَدَلَ مِنَ اَلْأُولى وانْتَصَرَ مِنَ اَلظّالِمِ فَلا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِ لِما قَدْ رُخِّصَ لَهُ ذَلِكَ وإذا اِخْتارَ اَلْأفْضَلَ فَلا سَبِيلَ لَكم عَلى اَلظّالِمِ لِأنَّ عَفْوَ اَلْمَظْلُومِ مِن عَزْمِ اَلْأُمُورِ فَتَعاوَنُوا عَلى اَلْبِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى اَلْإثْمِ والعُدْوانِ اِنْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ جَعْلَ ما ذُكِرَ خِطابًا لِلْوُلاةِ والحاكِمِ يُوجِبُ اَلتَّعْقِيدَ في اَلْكَلامِ فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْناهُ، وقَدْ جاءَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ اَلْعافِينَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ،
أخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(قالَ مُوسى ابْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يا رَبِّ مَن أعَزُّ عِبادِكَ عِنْدَكَ؟ قالَ: مَن إذا قَدَرَ غَفَرَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في اَلشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إذا وقَفَ اَلْعِبادُ لِلْحِسابِ نادى مُنادٍ لِيَقُمْ مَن أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى فَلْيَدْخُلِ اَلْجَنَّةَ ثُمَّ نادى اَلثّانِيَةَ لِيَقُمْ مَن أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى قالُوا: ومَن ذا اَلَّذِي أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى؟ قالَ: اَلْعافُونَ عَنِ اَلنّاسِ فَقامَ كَذا وكَذا ألْفًا فَدَخَلُوا اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ)» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا شَتَمَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ والنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ فَجَعَلَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْجَبُ ويَتَبَسَّمُ فَلَمّا أكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ: فَغَضِبَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقامَ فَلَحِقَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اَللَّهِ كانَ يَشْتُمُنِي وأنْتَ جالِسٌ فَلَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وقُمْتَ قالَ: إنَّهُ كانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ: وقَعَ اَلشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأقْعُدَ مَعَ اَلشَّيْطانِ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: (ثَلاثٌ مِنَ اَلْحَقِّ ما مِن عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْها لِلَّهِ تَعالى إلّا أعَزَّ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها نَصْرَهُ وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِها صِلَةً إلّا زادَهُ اَللَّهُ تَعالى بِها كَثْرَةً وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ مَسْألَةٍ يُرِيدُ بِها كَثْرَةً إلّا زادَهُ اَللَّهُ تَعالى بِها قِلَّةً)» واسْتَشْكَلَ هَذا اَلْخَبَرُ بِأنَّهُ يُشْعِرُ بِعَتَبِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو نَوْعٌ مِنَ اَلسَّبِيلِ اَلْمَنفِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ ولَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن تَنْبِيهِهِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى تَرْكِ اَلْأوْلى وهو شَيْءٌ والعَتَبُ شَيْءٌ آخَرُ، وكَذا لا يُعَدُّ لَوْمًا كَما لا يَخْفى.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن خَصَّ اَلسَّبِيلَ في اَلْآيَةِ بِالإثْمِ والعِقابِ فَلا إشْكالَ عَلَيْهِ أصْلًا، وقِيلَ: هو باقٍ عَلى اَلْعُمُومِ إلّا أنَّ اَلْآيَةَ في عَوامِّ اَلْمُؤْمِنِينَ ومَن لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّ مِثْلَهُ يُلامُ بِالشَّتْمِ وإنْ كانَ بِحَقٍّ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِهِ قالًا أوْ حالًا بَلْ لاحَ عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُشْعِرُ بِاسْتِحْسانِ اَلسُّكُوتِ عَنْهُ وحَسَناتُ اَلْأبْرارِ سَيِّئاتُ اَلْمُقَرَّبِينَ.
وقَدْ أمَرَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضَ اَلْأشْخاصِ بِرَدِّ اَلشَّتْمِ عَلى اَلشّاتِمِ، أخْرَجَ اَلنَّسائِيُّ. وابْنُ ماجَهْ.
صفحة 50
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها وعِنْدِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ تَسُبُّنِي فَوَزَعَها اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ تَنْتَهِ فَقالَ لِي: سُبِّيها فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها ووَجْهُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ سُرُورًا،» ولَعَلَّهُ كانَ هَذا مِنهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْزِيرًا لِزَيْنَبَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها بِلِسانِ عائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها لِما أنَّ لَها حَقًّا في اَلرُّدُودِ أيِ اَلْمَصْلَحَةُ في ذَلِكَ وقَدْ ذَكَرَ فُقَهاؤُنا أنَّ لِلْقاضِي أنْ يُعَزِّرَ مَنِ اِسْتَحَقَّ اَلتَّعْزِيرَ بِشَتْمٍ غَيْرِ اَلْقَذْفِ وكَذا لِلزَّوْجِ أنْ يُعَزِّرَ زَوْجَتَهُ عَلى شَتْمِها غَيْرَ مَحْرَمٍ إلى أُمُورٍ أُخَرَ فَتَأمَّلْ. وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي رِعايَةَ اَلْمُماثَلَةِ مُطْلَقًا، وفي تَفْسِيرِ اَلْإمامِ أنَّ اَلْآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ اَلْمُماثَلَةِ في كُلِّ اَلْأُمُورِ إلّا فِيما خَصَّهُ اَلدَّلِيلُ لِأنَّهُ لَوْ حُمِلَتِ اَلْمُماثَلَةُ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ فَهو غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيها فَيَلْزَمُ اَلْإجْمالُ وعَلى ما قُلْنا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ اَلتَّخْصِيصِ ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ اَلْإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ اَلتَّخْصِيصِ.
والفُقَهاءُ أدْخَلُوا اَلتَّخْصِيصَ فِيها في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ تارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَصَّ وأُخْرى بِناءً عَلى اَلْقِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ اِدَّعى اَلتَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ اَلْبَيانُ والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِها في جَمِيعِ اَلْمَطالِبِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ. والسُّدِّيِّ إذا قالَ لَهُ: أخْزاهُ اَللَّهُ تَعالى فَلْيَقُلْ أخْزاهُ اَللَّهُ تَعالى وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ اَلْحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلِ اَلْحَدُّ اَلَّذِي أمَرَ اَللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ اَلْجُمْهُورِ أنَّهم قالُوا إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى اَلْإمامِ أوْ نائِبِهِ، وفي مَجْمَعِ اَلْفَتاوى جازَ اَلْمُجازاةُ بِمِثْلِهِ في غَيْرِ مُوجِبِ حَدٍّ لِلْإذْنِ بِهِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ والعَفْوُ أفْضَلُ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وقالَ اِبْنُ اَلْهُمامِ: اَلْأوْلى أنَّ اَلْإنْسانَ إذا قِيلَ لَهُ ما يُوجِبُ اَلتَّعْزِيرَ أنْ لا يُجِيبَهُ قالُوا: لَوْ قالَ لَهُ: يا خَبِيثُ اَلْأحْسَنُ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ ويَرْفَعَهُ إلى اَلْقاضِي لِيُؤَدِّبَهُ بِحُضُورِهِ ولَوْ أجابَ مَعَ هَذا فَقالَ: بَلْ أنْتَ لا بَأْسَ.
وفِي اَلتَّنْوِيرِ وشَرْحِهِ ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وضَرَبَهُ اَلْمَضْرُوبُ أيْضًا يُعَزَّرانِ كَما لَوْ تَشاتَما بَيْنَ يَدَيِ اَلْقاضِي ولَمْ يَتَكافَآ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اَلْآيَةِ ولا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا لِنَصٍّ، وظاهِرُ كَلامِ اَلْعَلّامَةِ اَلطَّيِّبِيِّ أنَّ اَلْمَظْلُومَ إذا عَفا لا يَلْزَمُ اَلظّالِمَ اَلتَّعْزِيرُ بِضَرْبٍ أوْ حَبْسٍ أوْ نَحْوِهِ، وذَكَرَ فُقَهاؤُنا أنَّ اَلتَّعْزِيرَ يُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اَلْعَبْدِ فَيَجُوزُ فِيهِ اَلْإبْراءُ والعَفْوُ واليَمِينُ والشَّهادَةُ عَلى اَلشَّهادَةِ وشَهادَةُ رَجُلٍ واِمْرَأتَيْنِ ويَكُونُ أيْضًا حَقًّا لِلَّهِ تَعالى فَلا عَفْوَ فِيهِ إلّا إذا عَلِمَ اَلْإمامُ اِنْزِجارَ اَلْفاعِلِ إلى آخِرِ ما قالُوا، ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ اَلْإمامَ مَتى رَأى بَعْدَ اَلتَّأمُّلِ والتَّجَرُّدِ عَنْ حُظُوظِ اَلنَّفْسِ تَرْكَ اَلتَّعْزِيرِ لِلْعَفْوِ سَبَبًا لِلْفَسادِ والتَّجاسُرِ عَلى اَلتَّعَدِّي وتَجاوُزِ اَلْحُدُودِ عَزَّرَ بِما تَقْتَضِيهِ اَلْمَصْلَحَةُ اَلْعامَّةُ ولِيَبْذُلْ وُسْعَهُ فِيما فِيهِ إصْلاحُ اَلدِّينِ وانْتِظامُ أُمُورِ اَلْمُسْلِمِينَ وإيّاهُ أنْ يَتَّبِعِ اَلْهَوى فَيَضِلُّ عَنِ اَلصِّراطِ اَلْمُسْتَقِيمِ.
42:44Page 487
وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤
And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ ما لَهُ مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِ اَللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَضَمِيرُ (بَعْدِهِ) لِلَّهِ تَعالى بِتَقْدِيرِ مُضافٍ فِيهِ، وقِيلَ لِلْخِذْلانِ اَلْمَفْهُومِ مِن (يُضْلِلِ) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وكَنّى بِمَن عَنِ اَلظّالِمِ اَلْباغِي تَسْجِيلًا بِأنَّهُ ضالٌّ مَخْذُولٌ أوْ أتى بِهِ مُبْهَمًا لِيَشْمَلَهُ شُمُولًا أوَّلِيًّا فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (ولَمَن صَبَرَ) إلَخْ اِعْتِراضٌ لِما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ حِينَ يَرَوْنَهُ، وصِيغَةُ اَلْماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّحَقُّقِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ﴾ أيْ رَجْعَةٍ إلى اَلدُّنْيا ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ حَتّى نُؤْمِنَ ونَعْمَلَ صالِحًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى هَلْ إلى رَدٍّ لِلْعَذابِ ومَنعٍ مِنهُ مِن سَبِيلٍ، وتَنْكِيرُ (مَرَدٍّ) وكَذا (سَبِيلٍ) لِلْمُبالَغَةِ والجُمْلَةُ حالٌ وقِيلَ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences