Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:32–40
44:32Page 497
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢
And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.
﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ أيِ اِصْطَفَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ وشَرَّفْناهم ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ عالِمِينَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ أوْ مَعَ عِلْمٍ مِنّا بِما يَفْرُطُ مِنهم في بَعْضِ اَلْأحْوالِ، وقِيلَ: عالِمِينَ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ اَلْعَدْلِ والإحْسانِ والعِلْمِ والإيمانِ، ويَرْجِعُ هَذا إلى ما قِيلَ أوَّلًا فَإنَّ اَلْعَدْلَ وما مَعَهُ مِن أسْبابِ اَلِاسْتِحْقاقِ، وقِيلَ: لِأجْلِ عِلْمٍ فِيهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ رَكِيكٌ لِأنَّ تَنْكِيرَ اَلْعِلْمِ لا يُصادَقُ مِحَزُّهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ ويَحْسُنُ اِعْتِبارُهُ عِلَّةً لِلِاخْتِيارِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ كَما قالَ مُجاهِدٌ. وقَتادَةُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أوِ اَلِاسْتِغْراقِ اَلْعُرْفِيِّ فَلا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهم عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلَّذِينَ هم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ
صفحة 126
عَلى اَلْإطْلاقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ اَلْحَقِيقِيِّ والتَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ فِيهِمْ لا مِن كُلِّ اَلْوُجُوهِ حَتّى يَلْزَمَ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ اَلْأُمَّةِ اَلْمُحَمَّدِيَّةِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ اِخْتَرْناهم لِلْإيحاءِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي وقَعَ وخَصَصْناهم بِهِ دُونَ اَلْعالَمِينَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في اَلْآيَةِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ لِأنَّ اَلْأوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا والثّانِيَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ كَقَوْلِهِ:
ويَوْمًا عَلى ظَهْرِ اَلْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةٌ لَمْ تُحَلَّلِ
وقِيلَ: لِأنَّ كُلَّ حَرْفٍ بِمَعْنًى
44:33Page 497
وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣
And We gave them of signs that in which there was a clear trial.
﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ كَفَلْقِ اَلْبَحْرِ وتَظْلِيلِ اَلْغَمامِ وإنْزالِ اَلْمَنِّ والسَّلْوى وغَيْرِها مِن عَظائِمِ اَلْآياتِ اَلَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها في غَيْرِهِمْ، وبَعْضُها وإنْ أُوتِيَها مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم أُوتُوهُ لِأنَّ ما لِلنَّبِيِّ لِأُمَّتِهِ ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيْ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ أوِ اِخْتِبارٌ ظاهِرٌ لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ، وفي (فِيهِ) إشارَةٌ إلى أنَّ هُناكَ أُمُورًا أُخْرى كَكَوْنِهِ مُعْجِزَةً
44:34–35Page 497
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤
Indeed, these [disbelievers] are saying,
إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥
"There is not but our first death, and we will not be resurrected.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ كُفّارَ قُرَيْشٍ لِأنَّ اَلْكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اِسْتِطْرادِيٌّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مِثْلُهم في اَلْإصْرارِ عَلى اَلضَّلالَةِ والإنْذارِ عَنْ مَثَلِ ما حَلَّ بِهِمْ، وفي اِسْمِ اَلْإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ أيْ ما اَلْعاقِبَةُ ونِهايَةُ اَلْأمْرِ إلّا اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى اَلْمُزِيلَةُ لِلْحَياةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَها، وتَوْصِيفُها بِالأُولى لَيْسَ لِقَصْدِ مُقابَلَةِ اَلثّانِيَةِ كَما في قَوْلِكَ: حَجَّ زَيْدٌ اَلْحُجَّةَ اَلْأُولى، وماتَ.
قالَ اَلْإسْنَوِيُّ في اَلتَّمْهِيدِ: اَلْأوَّلُ في اَللُّغَةِ اِبْتِداءُ اَلشَّيْءِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ وقَدْ لا يَكُونُ، كَما تَقُولُ: هَذا أوَّلُ ما اِكْتَسَبْتُهُ فَقَدْ تَكْتَسِبُ بَعْدَهُ شَيْئًا وقَدْ لا تَكْتَسِبُ كَذا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ اَلْواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ والزَّجّاجُ.
ومِن فُرُوعِ اَلْمَسْألَةِ ما لَوْ قالَ: إنْ كانَ أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأنْتِ طالِقٌ تُطَلَّقُ إذا ولَدَتْهُ، وإنْ لَمْ تَلِدْ غَيْرَهُ بِالِاتِّفاقِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اِتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ أوَّلًا أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ آخَرُ، وإنَّما اَلشَّرْطُ أنْ لا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ اَلْأوَّلَ يُضايِفُ اَلْآخَرَ والثّانِي ويَقْتَضِي وُجُودَهُ بِلا شُبْهَةٍ، والمِثالُ إنْ صَحَّ فَإنَّما هو فِيمَن نَوى تَعَدُّدَ اَلْحَجِّ فاخْتَرَمَتْهُ اَلْمَنِيَّةُ فَلِحَجِّهِ ثانٍ بِاعْتِبارِ اَلْعَزْمِ مِن قُصُورِ اَلِاطِّلاعِ وأنَّهُ لا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: إنَّها أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَها مِن حَياةِ اَلْآخِرَةِ بَلْ هو في حَدِّ ذاتِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِما قالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ مِن أنَّ اَلْأُولى إنَّما يُقابِلُها أُخْرى تُشارِكُها في أخَصِّ مَعانِيها، فَكَما لا يَصِحُّ أوْ لا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: جاءَنِي رَجُلٌ واِمْرَأةٌ أُخْرى لا يُقالُ اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى بِالنِّسْبَةِ لِحَياةِ اَلْآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ قِيلَ لَهم إنَّكم تَمُوتُونَ مَوْتَةً تَتَعَقَّبُها حَياةٌ كَما تَقَدَّمَتْكم مَوْتَةٌ قَدْ تَعَقَّبَتْها حَياةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فَقالُوا ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ يُرِيدُونَ ما اَلْمَوْتَةُ اَلَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَتَعَقَّبَها حَياةٌ، إلّا اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى دُونَ اَلثّانِيَةِ وما هَذِهِ اَلصِّفَةُ اَلَّتِي تَصِفُونَ بِها اَلْمَوْتَةَ مِن تَعَقُّبِ اَلْحَياةِ لَها إلّا لِلْمَوْتَةِ اَلْأُولى خاصَّةً، وهَذا ما اِرْتَضاهُ جارُ اَللَّهِ وأرادَ أنَّ اَلنَّفْيَ والإثْباتَ لَمّا كانَ لِرَدِّ اَلْمُنْكِرِ اَلْمُصِرِّ إلى اَلصَّوابِ كانَ مُنَزَّلًا عَلى إنْكارِهِمْ، لا سِيَّما والتَّعْرِيفُ في اَلْأُولى تَعْرِيفُ عَهْدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المَوْتَةَ الأُولى﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ وهي عَلى نَحْوِ هي اَلْعَرَبُ تَقُولُ كَذا فَيَتَطابَقانِ والمَعْهُودُ اَلْمَوْتَةُ اَلَّتِي تَعَقَّبَتْها اَلْحَياةُ اَلدُّنْيَوِيَّةُ، ولِذَلِكَ اِسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ إلَخْ فَلَيْسَ اِعْتِبارُ اَلْوَصْفِ عُدُولًا عَنِ اَلظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ كَما قالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ. وقَوْلُهُ في اَلِاعْتِراضِ أيْضًا: إنَّ اَلْمَوْتَ اَلسّابِقَ عَلى اَلْحَياةِ
صفحة 127
اَلدُّنْيَوِيَّةِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَوْتَةِ لِأنَّ (فِيها) لِمَكانِ بِناءِ اَلْمَرَّةِ إشْعارًا بِالتَّجَدُّدِ والمَوْتُ اَلسّابِقُ مُسْتَصْحِبٌ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ حَياةٌ مَدْفُوعٌ كَما قالَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَفْسِيرِ اَلْمَوْتَةِ اَلْأُولى بِما بَعْدَ اَلْحَياةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ تَفْسِيرُها بِذَلِكَ هُنا لِأنَّ إيقاعَ اَلذَّوْقِ عَلَيْها هُناكَ قَرِينَةٌ أنَّها اَلَّتِي بَعْدَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا لِأنَّ ما قَبْلَ اَلْحَياةِ غَيْرُ مَذُوقٍ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ اَلْإنْصافُ أنَّ حَمْلَ اَلْمَوْتَةِ اَلْأُولى هُنا أيْضًا عَلى اَلَّتِي بَعْدَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا أظْهَرُ مِن حَمْلِها عَلى ما قَبْلَ اَلْحَياةِ مِنَ اَلْعَدَمِ بَلْ هي اَلْمُتَبادِرَةُ إلى اَلْفَهْمِ عِنْدَ اَلْإطْلاقِ اَلْمَعْرُوفَةُ بَيْنَهُمْ، وأمْرُ اَلْوَصْفِ بِالأُولى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا.
وقِيلَ: إنَّهم وُعِدُوا بَعْدَ هَذِهِ اَلْمَوْتَةِ مَوْتَةَ اَلْقَبْرِ وحَياةَ اَلْبَعْثِ فَقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ رَدٌّ لِلْمَوْتَةِ اَلثّانِيَةِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ نَفْيٌ لِحَياةِ اَلْقَبْرِ ضِمْنًا إذْ لَوْ كانَتْ بِدُونِ اَلْمَوْتَةِ اَلثّانِيَةِ لَثَبَتَ اَلنَّشْرُ ضَرُورَةً
44:36Page 497
فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦
Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ خِطابٌ لِمَن وعَدَهم بِالنُّشُورِ مِنَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ أيْ فَأتَوْا لَنا بِمَن ماتَ مِن آبائِنا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في وعْدِكم لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى صِدْقِكم ودَلالَةُ اَلْإيقانِ إمّا لِمُجَرَّدِ اَلْإحْياءِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ وإمّا بِأنْ يَسْألُوا عَنْهُ، قِيلَ: طَلَبُوا مِنَ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَدْعُوَ اَللَّهَ تَعالى فَيُحْيِيَ لَهم قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ لِيُشاوِرُوهُ في صِحَّةِ اَلنُّبُوَّةِ والبَعْثِ إذْ كانَ كَبِيرَهم ومُسْتَشارَهم في اَلنَّوازِلِ
44:37Page 497
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧
Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.
﴿أهم خَيْرٌ﴾ في اَلْقُوَّةِ والمَنَعَةِ ﴿أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تُبَّعُ اَلْأكْبَرُ اَلْحِمْيَرِيُّ واسْمُهُ أسْعَدُ بِهَمْزَةٍ، وفي بَعْضِ اَلْكُتُبِ سَعْدٌ بِدُونِها وكُنْيَتُهُ أبُو كَرْبٍ وكانَ رَجُلًا صالِحًا. أخْرَجَ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ تُبَّعُ رَجُلًا صالِحًا ألا تَرى أنَّ اَللَّهَ تَعالى ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لا يَشْتَبِهَنَّ عَلَيْكم أمْرُ تُبَّعٍ فَإنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، وأخْرَجَ أحْمَدُ. والطَّبَرانِيُّ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ اَلسّاعِدِيِّ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ كَعْبًا عَنْ تُبَّعٍ فَإنِّي أسْمَعُ اَللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ في اَلْقُرْآنِ قَوْمَ تُبَّعٍ ولا يَذْكُرُ تُبَّعًا فَقالَ: إنَّ تُبَّعًا كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ اَلْيَمَنِ مَلِكًا مَنصُورًا فَسارَ بِالجُيُوشِ حَتّى اِنْتَهى إلى سَمَرْقَنْدَ فَرَجَعَ فَأخَذَ طَرِيقَ اَلشّامِ فَأسَرَ بِها أحْبارًا فانْطَلَقَ بِهِمْ نَحْوَ اَلْيَمَنِ حَتّى إذا دَنا مِن مُلْكِهِ طارَ في اَلنّاسِ أنَّهُ هادِمُ اَلْكَعْبَةِ فَقالَ لَهُ: اَلْأحْبارُ: ما هَذا اَلَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ فَإنَّ هَذا اَلْبَيْتَ لِلَّهِ تَعالى وإنَّكَ لَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ فَقالَ: إنَّ هَذا لِلَّهِ تَعالى وأنا أحَقُّ مَن حَرَّمَهُ فَأسْلَمُ مِن مَكانِهِ وأحْرَمَ فَدَخَلَها مُحْرِمًا فَقَضى نُسُكَهُ ثُمَّ اِنْصَرَفَ نَحْوَ اَلْيَمَنِ راجِعًا حَتّى قَدِمَ عَلى قَوْمِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أشْرافُهم فَقالُوا: يا تُبَّعُ أنْتَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا خَرَجْتَ مِن عِنْدِنا عَلى دِينٍ وجِئْتَ عَلى غَيْرِهِ فاخْتَرْ مِنّا أحَدَ أمْرَيْنِ إمّا أنْ تُخَلِّيَنا ومُلْكَنا وتَعْبُدَ ما شِئْتَ وإمّا أنْ تَذَرَ دِينَكَ اَلَّذِي أحْدَثْتَ وبَيْنَهم يَوْمَئِذٍ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ اَلسَّماءِ فَقالَ اَلْأحْبارُ عِنْدَ ذَلِكَ: اِجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمُ اَلنّارَ فَتَواعَدَ اَلْقَوْمُ جَمِيعًا عَلى أنْ يَجْعَلُوها بَيْنَهم فَجِيءَ بِالأحْبارِ وكُتُبِهِمْ وجِيءَ بِالأصْنامِ وعُمّارِها وقُدِّمُوا جَمِيعًا إلى اَلنّارِ وقامَتِ اَلرِّجالُ خَلْفَهم بِالسُّيُوفِ فَهَدَرَتِ اَلنّارُ هَدِيرَ اَلرَّعْدِ ورَمَتْ شُعاعًا لَها فَنَكَصَ أصْحابُ اَلْأصْنامِ وأقْبَلَتِ اَلنّارُ وأحْرَقَتِ اَلْأصْنامَ وعُمّارَها وسَلِمَ اَلْآخَرُونَ فَأسْلَمَ قَوْمٌ واسْتَسْلَمَ قَوْمٌ فَلَبِثُوا بَعْدَ ذَلِكَ عُمْرَ تُبَّعٍ حَتّى إذا نَزَلَ بِتُبَّعٍ اَلْمَوْتُ اِسْتَخْلَفَ أخاهُ وهَلَكَ فَقَتَلُوا أخاهُ وكَفَرُوا صَفْقَةً واحِدَةً، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ تُبَّعًا لَمّا أقْبَلَ مِنَ اَلشَّرْقِ بَعْدَ أنْ حَبَرَ اَلْحِيرَةَ أيْ بَناها ونَظَمَ أمْرَها. وهي بِكَسْرِ اَلْحاءِ اَلْمُهْمَلَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ اَلْكُوفَةِ.
صفحة 128
وبَنى سَمَرْقَنْدَ وهي مَدِينَةٌ بِالعَجَمِ مَعْرُوفَةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ هَدَمَها وقَصَدَ اَلْمَدِينَةَ وكانَ قَدْ خَلَّفَ بِها حِينَ سافَرَ اِبْنًا لَهُ فَقُتِلَ غِيلَةً فَأجْمَعَ عَلى خَرابِها واسْتِئْصالِ أهْلِها فَجَمَعَ لَهُ اَلْأنْصارُ وخَرَجُوا لِقِتالِهِ وكانُوا يُقاتِلُونَهُ بِالنَّهارِ ويُقْرُونَهُ بِاللَّيْلِ فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَكِرامٌ فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ جاءَهُ كَعْبٌ. وأسَدٌ اِبْنا عَمٍّ مِن قُرَيْظَةَ حَبْرانِ وأخْبَراهُ أنَّهُ يُحالُ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تُرِيدُ فَإنَّها مُهاجَرُ نَبِيٍّ مِن قُرَيْشٍ اِسْمُهُ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ فَثَناهُ قَوْلُهُما عَمّا يُرِيدُ ثُمَّ دَعَواهُ إلى دِينِهِما فاتَّبَعَهُما وأكْرَمَهُما فانْصَرَفُوا عَنِ اَلْمَدِينَةِ ومَعَهم نَفَرٌ مِنَ اَلْيَهُودِ فَقالَ لَهُ في اَلطَّرِيقِ نَفَرٌ مِن هُذَيْلٍ: نَدُلُّكَ عَلى بَيْتٍ فِيهِ كَنْزٌ مِن لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ بِمَكَّةَ وأرادَتْ هُذَيْلٌ هَلاكَهُ لِأنَّهم عَرَفُوا أنَّهُ ما أرادَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ إلّا هَلَكَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْحِبْرَيْنِ فَقالا: ما نَعْلَمُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَيْتًا في اَلْأرْضِ اِتَّخَذَهُ لِنَفْسِهِ غَيْرَ هَذا فاِتَّخِذْهُ مَسْجِدًا وانْسُكْ عِنْدَهُ واحْلِقْ رَأْسَكَ وما أرادَ اَلْقَوْمُ إلّا هَلاكَكَ فَأكْرَمَهُ وكَساهُ وهو أوَّلُ مَن كَسى اَلْبَيْتَ وقَطَعَ أيْدِيَ أُولَئِكَ اَلنَّفَرِ مِن هُذَيْلٍ وأرْجُلَهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وصَلَبَهم. وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ لِلْحِبْرَيْنِ حِينَ قالا لَهُ ما قالا: وأنْتُما ما يَمْنَعُكُما مِن ذَلِكَ؟ فَقالا: أما واَللَّهِ إنَّهُ لَبَيْتُ أبِينا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وإنَّهُ لَكَما أخْبَرْناكَ ولَكِنَّ أهْلَهُ حالُوا بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالأوْثانِ اَلَّتِي نَصَبُوها حَوْلَهُ وبِالدِّماءِ اَلَّتِي يُرِيقُونَها عِنْدَهُ وهم نَجَسٌ أهْلُ شِرْكٍ فَعَرَفَ صِدْقَهُما ونَصَحَهُما فَطافَ بِالبَيْتِ ونَحَرَ وحَلَقَ رَأسَهُ وأقامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أيّامٍ فِيما يَذْكُرُونَ يَنْحَرُ لِلنّاسِ ويُطْعِمُ أهْلَها ويَسْقِيهِمُ اَلْعَسَلَ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ تَخْرِيبَ اَلْبَيْتِ فَرُمِيَ بِداءٍ عَظِيمٍ فَكَفَّ عَنْهُ وكَساهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّ تُبَّعًا أُرِيَ في مَنامِهِ أنْ يَكْسُوَ اَلْبَيْتَ فَكَساهُ اَلْخَصْفَ ثُمَّ أُرِيَ أنْ يَكْسُوَهُ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ فَكَساهُ اَلْمَعافِرَ ثُمَّ أُرِيَ أنْ يَكْسُوَهُ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ فَكَساهُ اَلْوَصائِلَ وصائِلَ اَلْيَمَنِ فَكانَ فِيما ذُكِرَ لِي أوَّلَ مَن كَساهُ وأوْصى بِها وُلاتَهُ مِن جُرْهُمٍ وأمَرَ بِتَطْهِيرِهِ وجَعَلَ لَهُ بابًا ومِفْتاحًا. وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ أيْضًا: «ولا تُقَرِّبُوهُ دَمًا ولا مَيِّتًا ولا تَقْرَبُهُ حائِضٌ،» وفي نِهايَةِ اِبْنِ اَلْأثِيرِ في اَلْحَدِيثِ أنَّ تُبَّعًا كَسى اَلْبَيْتَ اَلْمُسُوحَ فانْتَفَضَ اَلْبَيْتُ مِنهُ ومَزَّقَهُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ كَساهُ اَلْخَصْفَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ثُمَّ كَساهُ اَلْأنْطاعَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها أنَّ أوَّلَ مَن كَسى اَلْكَعْبَةَ كُسْوَةً كامِلَةً تُبَّعٌ كَساها اَلْأنْطاعَ ثُمَّ كَساها اَلْوَصائِلَ والخَصْفَ فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ اَلْخَصْفِ وهو ضَمُّ اَلشَّيْءِ إلى اَلشَّيْءِ والمُرادُ شَيْءٌ مَنسُوجٌ مِنَ اَلْخُوصِ عَلى ما هو اَلظّاهِرُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ هَهُنا اَلثِّيابُ اَلْغِلاظُ جِدًّا تَشْبِيهًا بِالخَصْفِ اَلْمَذْكُورِ، والمُعافِرُ بُرُودٌ مِنَ اَلْيَمَنِ مَنسُوبَةٌ إلى مُعافِرَ قَبِيلَةٍ بِها، والمِيمُ زائِدَةٌ، والوَصائِلُ ثِيابٌ حُمْرٌ مُخَطَّطَةٌ يَمانِيَةٌ، والمُسُوحُ جَمْعُ مِسْحٍ بِكَسْرِ اَلْمِيمِ وسُكُونِ اَلْمُهْمَلَةِ أثْوابٌ مِن شَعَرٍ غَلِيظَةٌ، والأنْطاعُ جَمْعُ نِطَعٍ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ وبِالتَّحْرِيكِ بُسُطٌ مِن أدِيمٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ. وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ تُبَّعُ اَلْمَدِينَةَ ونَزَلَ بِفِنائِها بَعَثَ إلى أحْبارِ يَهُودَ فَقالَ: إنِّي مُخَرِّبٌ هَذا اَلْبَلَدَ حَتّى لا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ ويَرْجِعَ اَلْأمْرُ إلى دِينِ اَلْعَرَبِ فَقالَ لَهُ شامُولُ اَلْيَهُودِيُّ وهو يَوْمَئِذٍ أعْلَمُهُمْ: أيُّها اَلْمَلِكُ إنَّ هَذا بَلَدٌ يَكُونُ إلَيْهِ مُهاجَرُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْماعِيلَ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ اِسْمُهُ أحْمَدُ وهَذِهِ دارُ هِجْرَتِهِ إلى أنْ قالَ: قالَ وما صِفَتُهُ؟ قالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالقَصِيرِ ولا بِالطَّوِيلِ في عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ يَرْكَبُ اَلْبَعِيرَ ويَلْبَسُ اَلشَّمْلَةَ سَيْفُهُ عَلى عاتِقِهِ لا يُبالِي مَن لاقى حَتّى يَظْهَرَ أمْرُهُ فَقالَ تُبَّعٌ: ما إلى هَذا اَلْبَلَدِ مِن سَبِيلٍ وما كانَ لِيَكُونَ خَرابُها عَلى يَدَيَّ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ اَلرِّياشِيُّ أنَّهُ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ألْفُ سَنَةٍ، والقَوْلانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَبْلَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا في تُبَّعٍ إلّا خَيْرًا فَإنَّهُ قَدْ حَجَّ اَلْبَيْتَ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، والأوَّلُ أشْهَرُ.
صفحة 129
ومِن حَدِيثِ عَبّادِ بْنِ زِيادٍ اَلْمُرِّيِّ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ اَلْيَهُودُ أنَّهُ سَيَخْرُجُ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ يَكُونُ قَرارُهُ بِهَذا اَلْبَلَدِ. يَعْنِي اَلْمَدِينَةَ اِسْمُهُ أحْمَدُ وأخْبَرُوهُ أنَّهُ لا يُدْرِكُهُ قالَ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ: أقِيمُوا بِهَذا اَلْبَلَدِ فَإنْ خَرَجَ فِيكم فَوازِرُوهُ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ فَأوْصُوا بِذَلِكَ أوْلادَكُمْ، وقالَ في شِعْرِهِ:
حُدِّثْتُ أنَّ رَسُولَ اَلْمَلِي كِ يَخْرُجُ حَقًّا بِأرْضِ اَلْحَرَمْ
ولَوْ مُدَّ دَهْرِي إلى دَهْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنَ عَمْ
وفِي اَلْبَحْرِ بَدَلَ اَلْبَيْتِ اَلْأوَّلِ:
شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ ∗∗∗ رَسُولٌ مِنَ اَللَّهِ بارِي اَلنِّسَمْ
وفِيهِ أيْضًا رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّهُ كَتَبَ أيْضًا كِتابًا وكانَ فِيهِ: أمّا بَعْدُ فَإنِّي آمَنتُ بِكَ وبِكِتابِكَ اَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ وأنا عَلى دِينِكَ وسُنَّتِكَ وآمَنتُ بِرَبِّكَ ورَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وآمَنتُ بِكُلِّ ما جاءَ مِن رَبِّكَ مِن شَرائِعِ اَلْإسْلامِ فَإنْ أدْرَكْتُكَ فَبِها ونِعْمَتْ وإنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فاشْفَعْ لِي ولا تَنْسَنِي يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فَإنِّي مِن أُمَّتِكَ اَلْأوَّلِينَ وتابِعِيكَ قَبْلَ مَجِيئِكَ وأنا عَلى مِلَّتِكَ ومِلَّةِ أبِيكَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، ثُمَّ خَتَمَ اَلْكِتابَ ونَقَشَ عَلَيْهِ لِلَّهِ اَلْأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، وكَتَبَ عُنْوانَهُ إلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ نَبِيِّ اَللَّهِ ورَسُولِهِ خاتَمِ اَلنَّبِيِّينَ ورَسُولِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تُبَّعٍ اَلْأوَّلِ ودَفَعَهُ إلى عَظِيمٍ مِنَ اَلْأوْسِ والخَزْرَجِ وأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ أدْرَكَهُ.
ويُقالُ: إنَّهُ بَنى لَهُ دارًا في اَلْمَدِينَةِ يَسْكُنُها إذا أدْرَكَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدِمَ إلَيْها وأنَّ تِلْكَ اَلدّارَ دارُ أبِي أيُّوبَ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ وأنَّ اَلشِّعْرَ والكِتابَ وصَلا إلَيْهِ وأنَّهُ مِن ولَدِ ذَلِكَ اَلرَّجُلِ اَلَّذِي دُفِعا إلَيْهِ أوَّلًا، ولَمّا ظَهَرَ اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دَفَعُوا اَلْكِتابَ إلَيْهِ فَلَمّا قُرِئَ عَلَيْهِ قالَ: «مَرْحَبًا بِتُبَّعٍ اَلْأخِ اَلصّالِحِ ثَلاثَ مَرّاتٍ».
وجاءَ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى عَلَيْهِ صَلاةَ اَلْجِنازَةِ وكَذا عَلى اَلْبَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ بَعْدَ وفاتِهِ بِشَهْرٍ يَوْمَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اَلْمَدِينَةَ كَما قالَ اَلنَّجْمُ اَلْغَيْطِيُّ وكانَتْ صَلاةُ اَلْجِنازَةِ قَدْ فُرِضَتْ تِلْكَ اَلسَّنَةَ، وكَوْنُ هَذا هو تُبَّعًا اَلْأوَّلَ ويُقالُ لَهُ اَلْأكْبَرُ هو اَلْمَذْكُورُ في غَيْرِ ما كِتابٍ، وذَكَرَ عَبْدُ اَلْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بَدْرُونَ في شَرْحِهِ لِقَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ أنَّ أسْعَدَ هَذا هو تُبَّعٌ اَلْأوْسَطُ وذَكَرَ أيْضًا أنَّ مُلْكَهُ ثَلاثُمِائَةٍ وعِشْرُونَ سَنَةً ومَلَكَ بَعْدَهُ عَمْرٌو أرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وقالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ حَسّانُ وهو اَلَّذِي قَتَلَ زَرْقاءَ اَلْيَمامَةِ وأبادَ جُدَيْسًا وكانَ مُلْكُهُ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً والتَّوارِيخُ ناطِقَةٌ بِتَقَدُّمُ تَبابِعَةٍ عَلَيْهِ فَإنَّ تُبَّعًا يُقالُ لِمَن مَلَكَ اَلْيَمَنَ مُطْلَقًا كَما يُقالُ لِمَلِكِ اَلتُّرْكِ خاقانُ، والرُّومِ قَيْصَرُ، والفُرْسِ كِسْرى أوْ لا يُسَمّى بِهِ إلّا إذا كانَتْ لَهُ حِمْيَرُ وحَضْرَمَوْتُ كَما في اَلْقامُوسِ أوْ إلّا إذا كانَتْ لَهُ حِمْيَرُ وسَبَأٌ وحَضْرَمَوْتُ كَما ذَكَرَهُ اَلطَّيِّبِيُّ، والمُتَّصِفُ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِالتَّوارِيخِ. وما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ أنَّهُ هَدَمَ سَمَرْقَنْدَ ذَكَرَ عَبْدُ اَلْمَلِكِ خِلافَهُ ونَسَبَ هَدْمَها إلى شَمَرَ بْنِ إفْرِيقِيسَ بْنِ أبَرْهَةَ أحَدِ اَلتَّبابِعَةِ أيْضًا كانَ قَبْلَ تُبَّعٍ اَلْمَذْكُورِ بِكَثِيرٍ قالَ: إنَّ شَمَرَ خَرَجَ نَحْوَ اَلْعِراقِ ثُمَّ تَوَجَّهَ يُرِيدُ اَلصِّينَ ودَخَلَ مَدِينَةَ اَلصَّغْدِ فَهَدَمَها وسُمِّيَتْ شَمَرَ كَنْدَ أيْ شَمَرَ خَرَّبَها وعُرِّبَتْ بَعْدُ فَقِيلَ سَمَرْقَنْدُ اهـ. وحِكايَةُ اَلْبِناءِ يُمْكِنُ نِسْبَتُها إلى شَمَرَ هَذا فَإنَّ كَنْدَ في لُغَةِ أهْلِ أذَرَبِيجانَ ونَواحِيها عَلى ما قِيلَ بِمَعْنى اَلْقَرْيَةِ فَسَمَرْقَنْدُ بِمَعْنى قَرْيَةِ شَمَرَ وهو أوْفَقُ بِالبِناءِ، وذَكَرَ عَلّامَةُ عَصْرِهِ اَلْمُلّا أمِينُ أفَنْدِي اَلْعُمَرِيُّ اَلْمَوْصِلِيُّ تَغَمَّدَهُ اَللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ في كِتابِهِ شَرْحِ ذاتِ اَلشِّفاءِ أنَّ تُبَّعًا اَلَّذِي ذُكِرَ سابِقًا هو اِبْنُ حَسّانَ وأنَّهُ مَلَكَ اَلدُّنْيا كُلَّها وأنَّهُ يُقالُ لَهُ اَلرّائِشُ لِأنَّهُ راشَ اَلنّاسَ بِالعَطاءِ، ولَعَلَّ ما قالَهُ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ وإلّا فَقَدَ قالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ اِبْنُ كَلِيكَرْبَ.
صفحة 130
وفِي شَرْحِ قَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ أنَّ اَلرّائِشَ لَقَبُ اَلْحارِثِ بْنِ بَدْرٍ أحَدِ اَلتَّبابِعَةِ، وهو قَبْلَ أسْعَدَ اَلْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ جِدًّا، وهو أيْضًا مِمَّنْ ذَكَرَ نَبِيَّنا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شِعْرِهِ فَقالَ:
ويَمْلُكُ بَعْدَهم رَجُلٌ عَظِيمٌ ∗∗∗ نَبِيٌّ لا يُرَخِّصُ في اَلْحَرامِ
يُسَمّى أحَمَدًا يا لَيْتَ أنِّي ∗∗∗ أعَمَّرُ بَعْدَ مَخْرَجِهِ بِعامِ
ثُمَّ إنَّ مُلْكَهُ اَلدُّنْيا كُلِّها غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وبِالجُمْلَةِ اَلْأخْبارُ مُضْطَرِبَةٌ في أمْرِ اَلتَّبابِعَةِ وأحْوالِهِمْ وتَرْتِيبِ مُلُوكِهِمْ بَلْ قالَ صاحِبُ تَوارِيخِ اَلْأُمَمِ: لَيْسَ في اَلتَّوارِيخِ أسْقَمُ مِن تارِيخِ مُلُوكِ حِمْيَرَ لِما يُذْكَرُ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ سِنِينِهِمْ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ مُلُوكِهِمْ فَإنَّ مُلُوكَهم سِتَّةٌ وعِشْرُونَ ومُدَّتَهم ألِفانِ وعِشْرُونَ سَنَةً.
وقالَ بَعْضٌ: إنَّ مُدَّتَهم ثَلاثَةُ آلافٍ واثْنانِ وثَمانُونَ سَنَةً ثُمَّ مَلَكَ مِن بَعْدِهِمُ اَلْيَمَنَ اَلْحَبَشَةُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ اَلْحالِ، والقَدْرُ اَلْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هَهُنا أنَّ تُبَّعًا اَلْمَذْكُورَ هو أسْعَدُ أبُو كَرْبٍ وأنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وحِكايَةُ نُبُوَّتِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تَصِحُّ، وإخْبارُهُ بِمَبْعَثِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَقْتَضِيها لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ مِن أحْبارِ اَلْيَهُودِ وهم عَرَفُوهُ مِنَ اَلْكُتُبِ اَلسَّماوِيَّةِ.
وما رُوِيَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ما أدْرِي أكانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أوْ غَيْرَ نَبِيٍّ لَمْ يَثْبُتْ، نَعَمْ رَوى أبُو داوُدَ. والحاكِمُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «(ما أدْرِي أذُو اَلْقَرْنَيْنِ هو أمْ لا)» ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى اَلتَّرَدُّدِ في نَبُّوتِهِ وعَدَمِها فَإنَّ ذا اَلْقَرْنَيْنِ لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى اَلصَّحِيحِ، ثُمَّ إنَّ اَلظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دَرى بَعْدُ أنَّهُ لَيْسَ ذا اَلْقَرْنَيْنِ.
وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ اَلْمُرادُ بِتُبَّعٍ هَهُنا رَجُلًا واحِدًا إنَّما اَلْمُرادُ مُلُوكُ اَلْيَمَنِ، وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ والأخْبارُ تُكَذِّبُهُ، ومَعْنى تُبَّعٍ مَتْبُوعٌ فَهو فُعَّلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَدْ يَجِيءُ هَذا اَللَّفْظُ بِمَعْنى فاعِلٍ كَما قِيلَ لِلظِّلِّ تُبَّعٌ لِأنَّهُ يَتْبَعُ اَلشَّمْسَ، ويُقالُ لِمُلُوكِ اَلْيَمَنِ أقْيالُ مِن يَقِيلُ فُلانٌ أباهُ إذا اِقْتَدى بِهِ لِأنَّهم يُقْتَدى بِهِمْ، وقِيلَ: سُمِّيَ مَلِكُهم قِيلًا لِنُفُوذِ أقْوالِهِ وهو مُخَفَّفُ قَيِّلٍ كَمَيِّتٍ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ قَبْلَ قَوْمِ تُبَّعٍ كَعادٍ وثَمُودَ أوْ قَبْلَ قُرَيْشٍ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ هَدَّدَ بِهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلصِّلَةِ أوْ خَبَرٌ عَنِ اَلْمَوْصُولِ إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً ولَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ أيْ أهْلَكْناهم بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ فَلْيَحْذَرْ كُفّارُ قُرَيْشٍ اَلْإهْلاكَ لِإجْرامِهِمْ.
44:38Page 497
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨
And We did not create the heavens and earth and that between them in play.
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ ما بَيْنَ اَلْجِنْسَيْنِ وهو شامِلٌ لِما بَيْنَ اَلطَّبَقاتِ.
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (وما بَيْنَهُنَّ) فالضَّمِيرُ لِمَجْمُوعِ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ ﴿لاعِبِينَ﴾ أيْ عابِثِينَ وهو دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ اَلْحَشْرِ كَما مَرَّ في اَلْأنْبِياءِ وغَيْرِها
44:39Page 497
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩
We did not create them except in truth, but most of them do not know.
﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ وما بَيْنَهُما ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما خَلَقْناهُما مُلْتَبِسِينَ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِنَ اَلْفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِنَ اَلْمَفْعُولِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ فِيهِما، وجُوِّزَ أنْ
صفحة 131
تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأسْبابِ أيْ ما خَلَقْناهُما بِسَبَبٍ مِنَ اَلْأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ اَلْحَقِّ اَلَّذِي هو اَلْإيمانُ والطّاعَةُ والبَعْثُ والجَزاءُ والمُلابَسَةُ أظْهَرُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ وتَجْهِيلٌ فَخِيمٌ لِمُنْكِرِي اَلْحَشْرِ وتَوْكِيدٌ لِأنَّ إنْكارَهم يُؤَدِّي إلى إبْطالِ اَلْكائِناتِ بِأسْرِها ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ ولِهَذا قالَ اَلْمُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾
44:40Page 498
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠
Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أيْ فَصْلِ اَلْحَقِّ عَنِ اَلْباطِلِ والمُحِقِّ عَنِ اَلْمُبْطِلِ بِالجَزاءِ أوْ فَصْلِ اَلشَّخْصِ عَنْ أحْبابِهِ وذَوِي قَرابَتِهِ ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ وقْتُ وعْدِهِمْ ﴿أجْمَعِينَ﴾ وقُرِئَ (مِيقاتَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ اِسْمُ إنَّ والخَبَرُ (يَوْمُ اَلْفَصْلِ) أيْ إنَّ مِيعادَ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ في يَوْمِ اَلْفَصْلِ ولَيْسَ مِثْلَ إنَّ حُرّاسُنا أسَدًا
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences