Al-AlusiAl‑Ahqaf · 46:11–16

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahqaf 46:11–16

46:11Page 503

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١

And those who disbelieve say of those who believe, "If it had [truly] been good, they would not have preceded us to it." And when they are not guided by it, they will say, "This is an ancient falsehood."

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخِرِهِ، وهو حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ. وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِاسْتِكْبارِهِمْ أيْ وقالَ كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ وفي شَأْنِهِمْ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ كَما سَمِعْتَ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ .

وقِيلَ: هي لامُ المُشافَهَةِ والتَّبْلِيغِ والتَفَتُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ ما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: الإيمانُ ﴿خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ ولَوْلاهُ لَقالُوا: سَبَقْتُمُونا بِالخِطابِ أوْ لِما سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً أُخْرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ قالُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مُواطِنِ الِالتِفاتِ، وكَوْنُهم قَصَدُوا تَحْقِيرَ المُؤْمِنِينَ بِالغِيبَةِ لا وجْهَ لَهُ، وكَوْنُ المُشافِهِينَ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُخْبَرِ عَنْهم طائِفَةً أُخْرى خِلافُ الظّاهِرِ، فالأوْلى كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ وقالُوا ذَلِكَ لِما رَأوْا أنَّ أكْثَرَ المُؤْمِنِينَ كانُوا فُقَراءَ ضُعَفاءَ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الخَيْرَ الدِّينِيَّ يَتْبَعُ الخَيْرَ الدُّنْيَوِيَّ وأنَّهُ لا يَتَأهَّلُ لِلْأوَّلِ إلّا مَن كانَ لَهُ القَدَحُ المُعَلّى مِنَ الثّانِي، ولِذا قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وخَطَؤُهم في ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ يُقالُ لَها زَنِيرَةُ فَكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَضْرِبُها عَلى إسْلامِها وكانَ كَفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زَنِيرَةُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِها ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، ولَعَلَّهم لَمْ يُرِيدُوا زَنِيرَةَ بِخُصُوصِها بَلْ مَن شابَهَها أيْضًا.

وفِي الآيَةِ تَغْلِيبُ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ َبُو ذَرٍّ ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارُ فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: قالَ ذَلِكَ بَنُو عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وغَطَفانُ وأسَدٌ وأشْجَعُ لَمّا أسْلَمَ أسْلَمُ وجُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وغِفارُ وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ، وأصْحابُهُ مِنهُمْ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وعَدَّها في المُسْتَثْنَياتِ أوْ كَوْنُ ( قالَ ) فِيها كَنادى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ وهَذا كَما تَرى والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، و( إذْ ) عَلى ما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ أيْ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظَهَرَ عِنادُهم واسْتِكْبارُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أيْ يَتَحَقَّقُ مِنهم هَذا القَوْلُ والطَّعْنُ حِينًا فَحِينًا كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ صِيغَةُ المُضارِعِ مُسَبَّبٌ عَنِ العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وإذا جازَ مِثْلُ حِينَئِذٍ الآنَ أيْ كانَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ واسْمَعِ الآنَ بِدَلِيلِ قَرِينَةِ الحالِ فَهَذا أجْوَزُ، والإشارَةُ إلى القُرْآنِ العَظِيمِ، وقَوْلُهُمْ: ذَلِكَ فِيهِ كَقَوْلِهِمْ: ( أساطِيرُ الأوَّلِينَ ) ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَكُونَ ( فَسَيَقُولُونَ ) عامِلًا في الظَّرْفِ لِتَدافُعِ دَلالَتَيِ المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ، وإنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ مِن قَبِيلِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ﴾ نَظْمًا لِلْمُسْتَقْبَلِ في سِلْكِ المَقْطُوعِ كَما اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ في الأمالِي لِأنَّ المَعْنى هاهُنا- كَما في الكَشْفِ- عَلى أنَّ عَدَمَ الهِدايَةِ مُحَقَّقٌ واقِعٌ لا أنَّهُ سَيَقَعُ البَتَّةَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَعْدَما بَيَّنَ اسْتِكْبارَهم وعِنادَهم كَيْفَ يَنُصُّ عَلى

صفحة 15

أنَّهم مُجادِلُونَ مُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ غَيْرَ مُهْتَدِينَ بِبَشائِرِهِ ونُذُرِهِ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الظَّرْفُ مَعْمُولٌ- لِسَيَقُولُونَ- والفاءُ لا تَمْنَعُ عَنْ عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها كَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ، والتَّسَبُّبُ المُشْعِرَةُ بِهِ عَنْ كُفْرِهِمْ، و(سَيَقُولُونَ) بِمَعْنى قالُوا، والعُدُولُ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِالِاسْتِمْرارِ وتُعِقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَعَ السِّينِ بَعِيدٌ، وقِيلَ: إذْ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْقَوْلِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ كَما آذَنَتْ بِهِ الفاءُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ المَحْذُوفَ قالُوا ما قالُوا، ورَجَّحَهُ عَلى التَّقْدِيرِ السّابِقِ ولَيْسَ بِراجِحٍ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى راجِحٍ

46:12Page 503

وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢

And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.

﴿ومِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ القُرْآنِ وهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَ ( كِتابُ ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿شاهِدٌ﴾ والظَّرْفُ فاصِلٌ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ، والمَعْنى وشَهِدَ كِتابُ مُوسى مِن قَبْلِهِ، وجُعِلَ ضَمِيرُ ( قَبْلِهِ ) لِلْقُرْآنِ أيْضًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ أوْ مِن ( كِتابُ ) عِنْدَ مَن جَوَّزَ الحالَ مِنَ المُبْتَدَأِ، وقِيلَ: حالٌ مِن مَحْذُوفٍ والعامِلُ كَذَلِكَ أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا وهو كَما تَرى.

والمَعْنى وكائِنٌ مِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يُقْتَدى بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ كَما يُقْتَدى بِالإمامِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِمُوجِبِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا﴾ أيِ القُرْآنُ الَّذِي يَقُولُونَ في شَأْنِهِ ما يَقُولُونَ ﴿كِتابُ﴾ مُبْتَدَأُ خَبَرٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ نَعْتُ ( كِتابُ ) وهو مَصَبُّ الفائِدَةِ أيْ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ قُرِئَ (مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها وهي حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ وإبْطالٌ لَهُ، والمَعْنى كَيْفَ يَصِحُّ كَوْنُهُ إفْكًا قَدِيمًا وقَدْ سَلَّمُوا كِتابَ مُوسى والقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لَهُ مُتَّحِدٌ مَعَهُ في المَعْنى أوْ لِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( كِتابُ ) المُسْتَتِرِ في ( مُصَدِّقٌ ) أوْ مِنهُ نَفْسِهِ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، وعامِلُهُ عَلى الأوَّلِ ( مُصَدِّقٌ ) وعَلى الثّانِي ما في هَذا مِن مَعْنى الفِعْلِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ مَعَ أنَّ عَرَبِيَّتَهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ الإشْعارُ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ دَلَّ عَلى أنَّهُ وحْيٌ وتَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَعَ كُفّارِ مَكَّةَ فَلِأنَّهم قَدْ يُسَلِّمُونَ التَّوْراةَ ونَحْوَها مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ السّابِقَةِ وإنْ كانُوا أحْيانًا يُنْكِرُونَ إنْزالَ الكُتُبِ وإرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُطْلَقًا. وفي الكَشْفِ وجْهُ تَقْدِيمِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ كائِنٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَمِن قَبْلِ إنْزالِ القُرْآنِ إمامًا ورَحْمَةً كانَ إنْزالُ التَّوْراةِ كَذَلِكَ، ولَيْسَ مِن تَقْدِيمِ الِاخْتِصاصِ بَلْ لِأنَّ العِنايَةَ والِاهْتِمامَ بِذِكْرِهِ، ولَمّا ألْزَمَ الكَفّارَ بِنُزُولِ مِثْلِهِ وشَهادَةِ أعْلَمِ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ مِن حالِ كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ ما يُطابِقُهُ يَكُونُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ لا مَحالَةَ وتُوِصِّلَ مِنهُ إلى أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مُصَدِّقَهُ بَلْ مُصَدِّقَ سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وجَبَ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُتَلَقّى بِالقَبُولِ وهو بِالحَقِيقَةِ إعادَةٌ لِلدَّعْوى الأُولى عَلى وجْهٍ أخْصَرَ وأشْمَلَ إذْ دَلَّ فِيهِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا كافٍ شَهِدَ شاهِدُ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ لا، وإنْ قِيلَ: نَزَلُوا لِعِنادِهِمْ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْرِفُ أنَّ كِتابَ مُوسى قَبْلَهُ إذْ لَوْ عَرَفُوا وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُ مِثْلُهُ لَأذْعَنُوا فَقِيلَ: ( ومِن قَبْلِهِ ) لا مِن بَعْدِهِ لَكانَ وجْهًا مُوَفًّى فِيهِ حَقُّ الِاخْتِصاصِ كَما آثَرَهُ السَّكّاكِيُّ مِن أنَّهُ لازِمُ التَّقْدِيمِ انْتَهى. وهو ظاهِرٌ في أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ حالِيَّةً.

صفحة 16

وجُوِّزَ كَوْنُ ( لِسانًا ) مَفْعُولًا لِمُصَدِّقٌ. والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ وهو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَصْدِيقُهُ إيّاهُ بِمُوافَقَتِهِ كِتابَ مُوسى أوِ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ مُطْلَقًا وإعْجازُهُ، وجُوِّزَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ كَوْنُ ( هَذا ) إشارَةً إلى كِتابِ مُوسى فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ويُرادُ بِلَسانًا عَرَبِيًّا: القُرْآنُ، ووُضِعَتِ الإشارَةُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ، والأصْلُ وهو مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ مُصَدِّقٌ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ والكُلُّ كَما تَرى. وقَرَأ الكَلْبِيُّ (ومَن قَبْلَهُ) بِفَتْحِ المِيمِ (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، وخَرَجَتْ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ مَعْمُولَةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وكَذا ( كِتابُ ) أيْ وآتَيْنا الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كِتابَ مُوسى.

﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُصَدِّقٌ. وفِيهِ ضَمِيرٌ لِلْكِتابِ أوْ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ قِراءَةُأبِي رَجاءٍ وشَيْبَةَ والأعْرَجِ وأبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ ونافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ (لِتُنْذِرَ) بِتاءِ الخِطابِ فَإنَّهُ لا يَصْلُحُ بِدُونِ تَكَلُّفٍ لِغَيْرِ الرَّسُولِ، والتَّعْلِيلُ صَحِيحٌ عَلى الكُلِّ، ولا يُتَوَهَّمُ لُزُومُ حَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكِتابِ لِوُجُودِ شَرْطِ النَّصْبِ لِأنَّهُ شَرْطُ الجَوازِ ﴿وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَصْدَرِ الحاصِلِ مِن أنْ والفِعْلِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: هو في مَحَلِّ النَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّ المَحَلَّ لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ وهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذِ الأصْلُ في المَفْعُولِ لَهُ الجَرُّ، والنَّصْبُ ناشِئٌ مِن نَزْعِ الخافِضِ لَكِنَّهُ كَثُرَ بِشَرْطِهِ، وحَكى في إعْرابِهِ أوْجُهًا فَقالَ: قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُصَدِّقٌ ) وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو بُشْرى، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى (يُنْذِرَ) أيْ ويُبَشِّرَ بُشْرى، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ ولِبُشْرى، والظّاهِرُ أنَّ المُحْسِنِينَ في مُقابَلَةِ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) والمُرادُ بِالأوَّلِ الكَفَرَةُ وبِالثّانِي المُؤْمِنُونَ. وفي شَرْحِ الطَّيِّبِيِّ إنَّما عَدَلَ عَنِ العادِلِينَ إلى المُحْسِنِينَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى البِشارَةِ بِنَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ لِمَن قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، وقِيلَ: المُحْسِنِينَ دُونَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لِيَكُونَ المَعْنى لِيُنْذَرَ الَّذِينَ وجَدَ مِنهُمُ الظُّلْمَ ويُبَشِّرَ الَّذِينَ ثَبَتُوا واسْتَقامُوا عَلى الصِّراطِ السَّوِيِّ فَيُناسِبَ تَعْلِيلَ البِشارَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

46:13Page 503

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣

Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh," and then remained on a right course - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ إلى آخِرِهِ أيْ إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو خُلاصَةُ العِلْمِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ الَّتِي هي مُنْتَهى العَمَلِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فالعَمَلُ مُتَراخِي الرُّتْبَةِ عَنِ التَّوْحِيدِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ مَعَ بَقاءِ مَعْنى الِابْتِداءِ فَلا تَدْخُلُ في خَبَرِ لَيْتَ ولَعَلَّ وكانَ وإنْ كانَتْ أسْماؤُها مَوْصُولاتٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ السَّجْدَةِ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ ما ذَكَرْنا فَلْيُراجَعْ

46:14Page 503

أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤

Those are the companions of Paradise, abiding eternally therein as reward for what they used to do.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( أصْحابُ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ وإمّا بِمَعْنى ما تَقَدَّمَ عَلى ما قِيلَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ في مَعْنى جازَيْناهم ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الحَسَناتِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.

46:15Page 504

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥

And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."

﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ نَزَلَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ

صفحة 17

إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ .

( وإحْسانًا ) قِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لَوَصَّيْنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى أحْسَنّا أيْ أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا، وقِيلَ: صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إيصاءً ذا إحْسانٍ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ أيْ وصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ ( وبِوالِدَيْهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِهِ وكَأنَّهُ عَنى يُحْسِنُ إحْسانًا وهو حَسَنٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ تَجْوِيزَهُ تَعَلُّقَ الجارِّ بِإحْسانًا بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ وإنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ، وفِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُقَدَّرَ بِشَيْءٍ يُشارِكُ ما قُدِّرَ بِهِ في جَمِيعِ الأحْكامِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أحْكامِهِ مُخْتَصًّا بِصَرِيحِ لَفْظِهِ مَعَ أنَّ الظَّرْفَ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ ولِذا يَعْمَلُ الِاسْمُ الجامِدُ فِيهِ بِاعْتِبارِ لَمْحِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ، وقالَ قالُوا: إنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ ما لا يَتَصَرَّفُ في غَيْرِهِ لِاحْتِياجِ مُعْظَمِ الأشْياءِ إلَيْهِ.

والجارُّ والمَجْرُورُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وقَدْ كَثُرَ ما ظاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ نَكِرَةً كَـ ﴿”ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ“﴾ ومَعْرِفَةً نَحْوَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وتَأْوِيلُ كُلِّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ، وأيْضًا قَوْلُهُ: لِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ إلَخْ فِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الفِعْلَ قَبْلَ الجارِّ فَقالَ: وصَّيْنا الإنْسانَ بِأنْ يُحْسِنَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا، ولَعَلَّ التَّنْوِينَ لِلتَّفْخِيمِ أيْ إحْسانًا عَظِيمًا، والإيصاءُ والوَصِيَّةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِما يَعْمَلُ بِهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ واصِيَةٌ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ، فَفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ الإحْسانَ بِهِما أمْرٌ مُعْتَنًى بِهِ، وقَدْ عُدَّ في الحَدِيثِ ثانِي أفْضَلِ الأعْمالِ وهو الصَّلاةُ لِأوَّلِ وقْتِها، وعُدَّ عُقُوقُهُما ثانِي أكْبَرِ الكَبائِرِ وهو الإشْراكُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والأحادِيثُ في التَّرْغِيبِ في الأوَّلِ والتَّرْهِيبِ عَنِ الثّانِي كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي الآياتِ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (حُسْنًا) بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ أيْ فِعْلًا ذا حُسْنٍ أوْ كَأنَّهُ في ذاتِهِ نَفْسُ الحُسْنِ لِفَرْطِ حُسْنِهِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ فِيهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ( إحْسانًا ) فالأقْوالُ السّابِقَةُ تَجْرِي فِيهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. والسُّلَمِيُّ. وعِيسى (حَسَنًا) بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ، وعَنْ عِيسى (حُسُنًا) بِضَمِّهِما.

﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أيْ ذاتَ كُرْهٍ أوْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ وهو المَشَقَّةُ كَما قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ، ولَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ تَجِدُ لَهُ ثِقَلًا. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والحَرَمِيّانِ (كَرْهًا) بِفَتْحِ الكافِ وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ كالفَقْرِ والفُقْرِ والضَّعْفِ والضُّعْفِ، وقِيلَ: المَضْمُومُ اسْمٌ والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ.

وقالَ الرّاغِبُ: قِيلَ الكَرْهُ أيْ بِالفَتْحِ المَشَقَّةُ الَّتِي تَنالُ الإنْسانَ مِن خارِجٍ مِمّا يُحْمَلُ عَلَيْهِ بِإكْراهٍ والكُرْهُ ما يَنالُهُ مِن ذاتِهِ وهو ما يَعافُّهُ مِن حَيْثُ الطَّبْعُ أوْ مِن حَيْثُ العَقْلُ أوِ الشَّرْعُ. وطَعَنَ أبُو حاتِمٍ في هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَ: لا تَحْسُنُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ الكَرْهَ بِالفَتْحِ الغَصْبُ والغَلَبَةُ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّها في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ فَلا مَعْنى لِلطَّعْنِ فِيها، وقَدْ كانَ هَذا الرَّجُلُ يَطْعَنُ في بَعْضِ القِراءاتِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾ أيْ مُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وبِتَقْدِيرِ هَذا المُضافِ يَصِحُّ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ عَلى المُبْتَدَأِ مِن غَيْرِ كُرْهٍ.

والفِصالُ الفِطامُ وهو مَصْدَرٌ فاصِلٌ فَكَأنَّ الوَلَدَ فاصِلُ أُمِّهِ وأُمَّهُ فاصِلَتُهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ

صفحة 18

ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ (وفَصْلُهُ) أيْ فَطْمُهُ فالفَصْلُ والفِصالُ كالفَطْمِ والفِطامِ بِناءً ومَعْنًى وقِيلَ: الفِصالُ بِمَعْنى وقْتِ الفَصْلِ أيِ الفَطْمِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مُدَّةِ الحَمْلِ، والمُرادُ بِالفِصالِ الرِّضاعُ التّامُّ المُنْتَهِي بِالفِطامِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفِصالِ عَنْهُ أوْ عَنْ وقْتِهِ دُونَ الرِّضاعِ المُطْلَقِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، وفي الوَصْفِ تَطْوِيلٌ، والآيَةُ بَيانٌ لِما تُكابِدُهُ الأُمُّ وتُقاسِيهِ في تَرْبِيَةِ الوَلَدِ مُبالَغَةً في التَّوْصِيَةِ لَها، ولِذا اعْتَنى الشّارِعُ بِبِرِّها فَوْقَ الِاعْتِناءِ بِبَرِّ الأبِ، فَقَدْ رُوِيَ «(أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِرُّ؟ قالَ: أُمَّكُ قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: أُمَّكَ قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: أُمَّكَ قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: أباكَ)».

وقَدْ أُشِيرَ في الآيَةِ إلى ما يَقْتَضِي البِرَّ بِها عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثِ مَراتِبَ فَتَكُونُ الأوامِرُ في الخَبَرِ كالمَأْخُوذَةِ مِن ذَلِكَ. واسْتَدَلَّ بِها عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ لِما أنَّهُ إذا حَطَّ عَنِ الثَّلاثِينَ لِلْفِصالِ حَوْلانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ يَبْقى لِلْحَمْلِ ذَلِكَ وبِهِ قالَ الأطِبّاءُ، قالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مِقْدارِ زَمَنِ الحَمْلِ فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وادَّعى ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ.

وأمّا أكْثَرُ مُدَّةِ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ العَظِيمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وقالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنَّيِ الحَمْلِ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ، وحُكِيَ عَنْ أرِسْطُو أنَّهُ قالَ: أزْمِنَةُ الحَمْلِ لِكُلِّ حَيَوانٍ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ فَرُبَّما وضَعَتِ المَرْأةُ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ ورُبَّما وضَعَتْ لِثَمانِيَةٍ وقَلَّما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ أقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرِّضاعِ بِالبَيانِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ الصَّراحَةِ والدَّلالَةِ دُونَ أكْثَرِ الحَمْلِ وأقَلِّ الرِّضاعِ وأوْسَطِهِما لِانْضِباطِهِما بِعَدَمِ النَّقْصِ والزِّيادَةِ بِخِلافِ ما ذُكِرَ، وتَحَقَّقُ ارْتِباطِ حُكْمِ النَّسَبِ بِأقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ حَتّى لَوْ وضَعَتْهُ فِيما دُونَهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنهُ وبَعْدَهُ يَثْبُتُ وتَبْرَأُ مِنَ الزِّنا، ولَوْ أرْضَعَتْ مُرْضِعَةً بَعْدَ حَوْلَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ أحْكامُ الرِّضاعِ في التَّناكُحِ وغَيْرِهِ وفي هَذا خِلافٌ لا يُعْبَأُ بِهِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ فَعاشَ أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى إذا اكْتَهَلَ واسْتَحْكَمَ قُوَّتُهُ وعَقْلُهُ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ بُلُوغُ الأشُدِّ والعَطْفُ لِلتَّأْكِيدِ.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الإنْسانَ إذا بَلَغَ هَذا القَدْرَ يَتَقَوّى جِدًّا خُلُقُهُ الَّذِي هو عَلَيْهِ فَلا يَكادُ يُزايِلُهُ بَعْدُ، وفي الحَدِيثِ «(إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ بِأبِي وجْهٌ لا يَفْلَحُ)» وأخْرَجَ أبُو الفَتْحِ الأزْدِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «(مَن أتى عَلَيْهِ الأرْبَعُونَ سَنَةً فَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ فَلْيَتَجَهَّزْ إلى النّارِ)»

وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

إذا المَرْءُ وافى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ

فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ

وقِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ، وذَهَبَ الفَخْرُ إلى خِلافِهِ مُسْتَدِلًّا بِأنَّ عِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ أُرْسِلا صَبِيِّيْنِ لِظَواهِرِ ما حُكِيَ في الكِتابِ الجَلِيلِ عَنْهُما، وهو ظاهِرُ كَلامِ السَّعْدِ حَيْثُ قالَ: مِن شُرُوطِ النُّبُوَّةِ الذُّكُورَةُ وكَمالُ العَقْلِ والذَّكاءُ والفِطْنَةُ وقُوَّةُ الرَّأْيِ ولَوْ في الصِّبا كَعِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ إلى آخِرِ ما قالَ.

وذَهَبَ ابْنُ العَرَبِيِّ في آخَرِينَ إلى أنَّهُ يَجُوزُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْثُ الصَّبِيِّ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ وتَأوَّلُوا آيَتَيْ عِيسى ويَحْيى ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ .

﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ بِأنَّهُما إخْبارٌ عَمّا سَيَحْصُلُ لَهُما

صفحة 19

لا عَمّا حَصَلَ بِالفِعْلِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الآياتِ وغَيْرِها، والواقِعُ عِنْدَ هَؤُلاءِ البَعْثُ بَعْدَ البُلُوغِ. وحَكى اللَّقّانِيُّ عَنْ بَعْضِ اشْتِراطِهِ فِيهِ ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي اشْتِراطُهُ فِيهِ دُونَ أصْلِ النُّبُوَّةِ لِما أنَّ النُّفُوسَ في الأغْلَبِ تَأْنَفُ عَنِ اتِّباعِ الصَّغِيرِ وإنْ كَبُرَ فَضْلًا كالرَّقِيقِ والأُنْثى، وصَرَّحَ جَمْعٌ بِأنَّ الأعَمَّ الأغْلَبَ كَوْنُ البَعْثَةِ عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ كَما وقَعَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ رَغِّبْنِي ووَفِّقْنِي مِن أوْزَعْتُهُ بِكَذا أيْ جَعَلْتُهُ مُولَعًا بِهِ راغِبًا في تَحْصِيلِهِ. وقَرَأ البَزِّيُّ (أوْزِعْنِيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ نِعْمَةَ الدِّينِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أسْلَمَ هو وأبَواهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ سِواهُ كَذا قِيلَ، وإسْلامُ أبِيهِ بَعْدَ الفَتْحِ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ بِالنِّسْبَةِ إلى أبَوَيْهِ دُعاءٌ بِتَوْفِيقِهِما لِلْإيمانِ وهو كَما تَرى. واعْتُرِضَ عَلى التَّعْلِيلِ بِابْنِ عُمَرَ وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِما، ونُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ أنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو ابْنُ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً في سَفَرٍ لِلشّامِ في التِّجارَةِ فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَمُرَةٍ وقالَ لَهُ الرّاهِبُ: إنَّهُ لَمْ يَسْتَظِلَّ بِها أحَدٌ بَعْدَ عِيسى غَيْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوَقَعَ في قَلْبِهِ تَصْدِيقُهُ فَلَمْ يَكُنْ يُفارِقُهُ في سِفْرٍ ولا حَضَرٍ فَلَمّا نُبِئَّ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ آمَنَ بِهِ وهو ابْنُ ثَمانِيَةٍ وثَلاثِينَ فَلَمّا بَلَغَ الأرْبَعِينَ قالَ: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ إلَخْ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُرْضِيًا لَهُ تَعالى مَعَ أنَّ الرِّضا عَلى ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ الحَقِّ الإرادَةُ مَعَ تَرْكِ الِاعْتِراضِ وكُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ كَذَلِكَ أنْ يَكُونَ سالِمًا مِن غَوائِلِ عَدَمِ القَبُولِ كالرِّياءِ والعُجْبِ وغَيْرِهِما، فَحاصِلُهُ اجْعَلْ عَمَلِي عَلى وفْقِ رِضاكَ: وقِيلَ المُرادُ بِالرِّضا هُنا ثَمَرَتُهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيِ اجْعَلِ الصَّلاحَ سارِيًا في ذُرِّيَّتِي راسِخًا فِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ:

فَإنْ تَعْتَذِرْ في المَحَلِّ مِن ذِي ضُرُوعِها ∗∗∗ لَدى المَحَلِّ يُجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي

عَلى أنَّ ( أصْلِحْ ) نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ثُمَّ عُدِّيَ بِفي لِيُفِيدَ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن سَرَيانِ الصَّلاحِ فِيهِمْ وكَوْنِهِمْ كالظَّرْفِ لَهُ لِتَمَكُّنِهِ فِيهِمْ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ وأصْلِحْ لِي ذُرِّيَّتِي، وقِيلَ: عُدِّيَ بِفي لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اللُّطْفِ أيِ الطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أحْسَنُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي بَكْرٍ فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم بِلالٌ وعامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ودَعا أيْضًا فَقالَ ( أصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي ) فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ إلّا آمَنُوا جَمِيعًا فاجْتَمَعَ لَهُ إسْلامُ أبَوَيْهِ وأوْلادِهِ جَمِيعًا، وقَدْ أدْرَكَ أبُوهُ ووَلَدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ووَلَدُهُ أبُو عَتِيقٍ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ عَمّا لا تَرْضاهُ أوْ يَشْغَلُ عَنْكَ ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ الَّذِينَ أخْلَصُوا أنْفُسَهم لَكَ

46:16Page 504

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦

Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الإنْسانِ، والجَمْعُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ المُتَّصِفُ بِالمَعْنى المَحْكِيِّ عَنْهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ أيْ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ.

﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِنَ الطّاعاتِ فَإنَّ المُباحَ حَسَنٌ لا يُثابُ عَلَيْهِ ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمُ المُشارِ إلَيْها بِأنِّي تُبْتُ وإلّا فَعِنْدَ أهْلِ الحَقِّ أنَّ مَغْفِرَةَ الذَّنْبِ مُطْلَقًا لا تَتَوَقَّفُ عَلى تَوْبَةِ ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾

صفحة 20

كائِنِينَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمِينَ في سَلْكِهِمْ، وقِيلَ: ( في ) بِمَعْنى مَعَ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( نَتَقَبَّلُ ونَتَجاوَزُ ) وعْدٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ.

﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقُرِئَ (يُتَقَبَّلُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و(أحْسَنُ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ مَنابَ الفاعِلِ وكَذا (يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ) .

وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وعِيسى بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيَّيْنِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى شَأْنُهُ و(أحْسَنَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском