Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
الأحقاف
Al-Ahqaf
The Wind-Curved Sandhills · Meccan · 35 ayahs
46:1–2Page 502
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
سُورَةُ الأحْقافِ
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَأطْلَقَ غَيْرُ واحِدٍ القَوْلَ بِمَكِّيَّتِها مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ، واسْتَثْنى بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِصَّةِ إسْلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ أنَّهُ قالَ: ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ: إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾» وفي نُزُولِها فِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ إسْلامَهُ فِيها بَلْ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّتِها مِن وجْهٍ آخَرَ، وعِكْرِمَةُ يُنْكِرُ نُزُولَها فِيهِ ويَقُولُ: هي مَكِّيَّةٌ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ وكَذا مَسْرُوقٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ما نَزَلَتْ إلّا بِمَكَّةَ وإنَّما كانَ إسْلامُ ابْنِ سَلامٍ بِالمَدِينَةِ وإنَّما كانَتْ خُصُومَةً خاصَمَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ، واسْتَثْنى بَعْضُهم ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ الآيَتَيْنِ، «وزَعَمَ مَرْوانُ
صفحة 4
مِن لَعْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أباهُ وهو في صُلْبِهِ أنَّهُما نَزَلَتا في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَكَذَّبَتْهُ عائِشَةُ وقالَتْ: كَذَبَ مَرْوانُ مَرَّتَيْنِ واللَّهِ ما هو بِهِ ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ أبا مَرْوانَ ومَرْوانُ في صُلْبِهِ فَمَرْوانُ فَضَضٌ أيْ قِطْعَةٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى، وفي رِوايَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ في فُلانِ بْنِ فُلانٍ وسَمَّتْ رَجُلًا آخَرَ،» واسْتَثْنى آخَرُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ الآياتِ الأرْبَعَ كَما حَكاهُ في جَمالِ القُرّاءِ، وحَكى أيْضًا اسْتِثْناءَ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ﴾ الآيَةَ ونَقَلَهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، وكَذا نُقِلَ فِيهِ عَنْهُما اسْتِثْناءُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ إلَخْ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وآيُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ في الكُوفِيِّ وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ في غَيْرِهِ والِاخْتِلافُ في (حم) وتُسَمّى لِمُجاوَزَتِها الثَّلاثِينَ ثَلاثِينَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةً مِن آلِ حم وهي الأحْقافُ وكانَتِ السُّورَةُ إذا كانَتْ أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ آيَةً سُمِّيَتْ ثَلاثِينَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأها عَلى وجْهَيْنِ».
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُورَةَ الأحْقافِ فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَؤُها خِلافَ ذَلِكَ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَها؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ ذا فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا؟ قالَ: بَلى فَقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا؟ قالَ: بَلى فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ)» .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما تَواتَرَ هو القُرْآنُ. ووَجْهُ اتِّصالِها أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ السُّورَةَ الَّتِي قَبْلَها بِذِكْرِ التَّوْحِيدِ وذَمِّ أهْلِ الشِّرْكِ والوَعِيدِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالتَّوْحِيدِ ثُمَّ بِالتَّوْبِيخِ لِأهْلِ الكُفْرِ مِنَ العَبِيدِ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ):
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي تَقَدَّمَ في مَطْلَعِ السُّورَةِ السّابِقَةِ
46:3Page 502
مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣
We did not create the heavens and earth and what is between them except in truth and [for] a specified term. But those who disbelieve, from that of which they are warned, are turning away.
﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ بِما فِيهِما مِن حَيْثُ الجُزْئِيَّةُ مِنهُما ومِن حَيْثُ الِاسْتِقْرارُ فِيهِما ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّكْوِينِيَّةُ والتَّشْرِيعِيَّةُ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِ كَمالِهِ وابْتِناءِ أفْعالِهِ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ وانْتِهائِها إلى غاياتٍ جَلِيلَةٍ ما لا يَخْفى، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُفَرَّغًا مِن أعَمِّ الأحْوالِ مِن فاعِلِ ( خَلَقْنا ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ ما خَلَقْناها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابَسَتِنا بِالحَقِّ أوْ حالَ مُلابَسَتِها بِهِ ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى (الحَقِّ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وقُدِّرَ لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَلْتَبِسُ بِهِ لا بِالأجَلِ نَفْسِهِ والمُرادُ بِهَذا الأجَلِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ أُمُورُ الكُلِّ وتُبَدَّلُ فِيهِ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، وقِيلَ: مُدَّةُ البَقاءِ المُقَدَّرِ لِكُلِّ واحِدٍ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ فَإنَّ ما أُنْذَرُوهُ يَوْمُ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ والأهْوالِ العامَّةِ لا آخِرُ أعْمارِهِمْ. وجُوِّزَ كَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ عَنْ إنْذارِهِمْ بِذَلِكَ الوَقْتِ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ الأوَّلِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ ما خَلَقْنا الخَلْقَ إلّا بِالحَقِّ وتَقْدِيرُ الأجَلِ الَّذِي يُجازَوْنَ عِنْدَهُ
صفحة 5
والحالُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لِحُلُولِهِ
46:4Page 502
قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤
Say, [O Muḥammad], "Have you considered that which you invoke besides Allāh? Show me what they have created of the earth; or did they have partnership in [creation of] the heavens? Bring me a scripture [revealed] before this or a [remaining] trace of knowledge, if you should be truthful."
﴿قُلْ﴾ تَوْبِيخًا لَهم وتَبْكِيتًا ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي وقُرِئَ (أرَأيْتَكُمْ) ﴿ما تَدْعُونَ﴾ ما تَعْبُدُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ أوْ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ- لِأرَأيْتُمْ- وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرُونِي﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ فَإنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي أيْضًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ جُوِّزَ فِيهِ أنْ تَكُونَ (ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا- لِخَلَقُوا- وذا زائِدَةً وأنْ تَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا مَفْعُولًا مُقَدَّمًا أيْ أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا وأنْ تَكُونَ اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرًا مُقَدَّمًا وذا اسْمَ مَوْصُولٍ خَبَرًا أوْ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا وجُمْلَةُ ( خَلَقُوا ) صِلَةُ المَوْصُولِ أيْ ما الَّذِي خَلَقُوهُ، وعَلى الأوَّلَيْنِ جُمْلَةُ ( خَلَقُوا ) مَفْعُولٌ ثانٍ- لِأرَأيْتُمْ- وعَلى ما بَعْدَهُما جُمْلَةُ (ماذا خَلَقُوا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ الإعْمالِ وقَدْ أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ الأوَّلِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ( أرُونِي ) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ( أرَأيْتُمْ ) وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ ( أرَأيْتُمْ ) وجْهَيْنِ: كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً وما مَفْعُولًا لَها. وكَوْنُها مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى وما اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وهَذا الثّانِي قالَهُ الأخْفَشُ في ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ قِيلَ: والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن أجْزاءِ الأرْضِ وبُقَعِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يُؤَدِّي ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأرْضِ السُّفْلِيّاتِ مُطْلَقًا ولَعَلَّهُ أوْلى ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ﴾ أيْ شِرْكَةٌ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ في خَلْقِها، ولَعَلَّ الأوْلى فِيها أيْضًا أنْ تُفَسَّرَ بِالعُلْوِيّاتِ. ( وأمْ ) جُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً وأنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، والمُرادُ نَفْيُ اسْتِحْقاقِ آلِهَتِهِمْ لِلْمَعْبُودِيَّةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَقَدْ نَفى أوَّلًا مَدْخَلِيَّتَها في خَلْقِ شَيْءٍ مِن أجْزاءِ العالَمِ السُّفْلِيِّ حَقِيقَةً واسْتِقْلالًا، وثانِيًا مَدْخَلِيَّتَها عَلى سَبِيلِ الشِّرْكَةِ في خَلْقِ شَيْءٍ مِن أجْزاءِ العالَمِ العُلْوِيِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نَفْيَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ، وتَخْصِيصُ الشِّرْكَةِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مَعَ أنَّهُ لا شِرْكَةَ فِيها وفي الأرْضِ أيْضًا لِأنَّ القَصْدَ إلْزامُهم بِما هو مُسَلَّمٌ لَهم ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ والشَّرِكَةُ في الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِتَمَلُّكِهِمْ وإيجادِهِمْ لِبَعْضِها بِحَسَبِ الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ. وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ تُجْعَلَ الآيَةُ مِن حَذْفِ مُعادِلِ ( أمِ ) المُتَّصِلَةِ لِوُجُودِ دَلِيلِهِ والتَّقْدِيرُ ألْهُمَ شِرْكٌ في الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ﴾ إلى آخِرِهِ تَبْكِيتٌ لَهم بِتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ نَقْلِيٍّ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِالتَّعْجِيزِ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ عَقْلِيٍّ فَهو مِن جُمْلَةِ القَوْلِ أيِ ائْتُونِي بِكِتابٍ إلَهِيٍّ كائِنٍ ﴿مِن قَبْلِ﴾ هَذا الكِتابِ أيِ القُرْآنُ النّاطِقُ بِالتَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ دالٌّ عَلى صِحَّةِ دِينِكم ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ بَقِيَتْ عَلَيْكم مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ شاهِدَةً بِاسْتِحْقاقِهِمُ العِبادَةَ، فالأثارَةُ مَصْدَرٌ كالضَّلالَةِ بِمَعْنى البَقِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن لَحْمٍ أيْ بَقِيَّةٍ مِنهُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هي بِمَعْنى الإسْنادِ والرِّوايَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ
وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى أوْ خاصَّةٌ مِن عِلْمٍ فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ تَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقِيلَ: هي العَلامَةُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وفُسِّرَ بِعِلْمِ الرَّمْلِ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا
صفحة 6
«(كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ)».
وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ قالَ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ، وهَذا ظاهِرٌ في تَقْوِيَةِ أمْرِ عِلْمِ الرَّمْلِ وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ ويُرْشِدُ إلى بَعْضِ الأُمُورِ، وفي ذَلِكَ كَلامٌ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ. وفي البَحْرِ قِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ عَلى التُّرابِ كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ، والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ ( ومِن عِلْمٍ ) صِفَةٌ أيْ أوِ ائْتُونِي بِأثارَةٍ قَلِيلَةٍ كائِنَةٍ مِن عِلْمٍ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم فَإنَّها لا تَكادُ تَصِحُّ ما لَمْ يَقُمْ عَلَيْها بُرْهانٌ عَقْلِيٌّ أوْ دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وحَيْثُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْها شَيْءٌ مِنهُما وقَدْ قاما عَلى خِلافِها تَبَيَّنَ بُطْلانُها، وقُرِئَ (إثارَةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزِ وفُسِّرَتْ بِالمُناظَرَةِ فَإنَّها تُثِيرُ المَعانِي، قِيلَ: وذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ عَلى تَشْبِيهِ ما يُبْرَزُ ويَتَحَقَّقُ بِالمُناظَرَةِ بِما يَثُورُ مِنَ الغُبارِ الثّائِرِ مِن حَرَكاتِ الفُرْسانِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِخِلافٍ عَنْهُما. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والحَسَنُ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ (أثَرَةٍ) بِغَيْرِ ألِفٍ وهي واحِدَةُ جَمْعُها أُثُرٌ كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ أيْضًا بِإسْكانِ الثّاءِ وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ أيْ قَدْ قَنِعَتْ مِنكم بِخَبَرٍ واحِدٍ أوْ أثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ فَهي اسْمٌ لِلْمِقْدارِ كالغَرْفَةِ لِما يُغْرَفُ بِاليَدِ أيِ ائْتُونِي بِشَيْءٍ ما يُؤْثَرُ مِن عِلْمٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ (إثْرَةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وهي بِمَعْنى الأثَرَةِ بِفَتْحَتَيْنِ
46:5Page 502
وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥
And who is more astray than he who invokes besides Allāh those who will not respond to him until the Day of Resurrection [i.e., never], and they, of their invocation, are unaware.
﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أضَلُّ مِنَ المُشْرِكِينَ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ المُرادَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ يُساوِيهِمْ في الضَّلالَةِ وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ لِنَفْيِ الأضَلِّ، وقَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، أيْ هو أضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ حَيْثُ تَرَكَ دُعاءَ المُجِيبِ القادِرِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ الِاسْمُ الجَلِيلُ ودَعا مَن لَيْسَ شَأْنُهُ الِاسْتِجابَةَ لَهُ وإسْعافَهُ بِمَطْلُوبِهِ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ ما دامَتِ الدُّنْيا، وظاهِرُهُ أنَّهُ بَعْدَها تَقَعُ الِاسْتِجابَةُ ولَيْسَ بِمُرادٍ لِتَحَقُّقِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، فَهَذِهِ الغايَةُ عَلى ما في الِانْتِصافِ مِنَ الغاياتِ المُشْعِرَةِ بِأنَّ ما بَعْدَها وإنْ وافَقَ ما قَبْلَها إلّا أنَّهُ أزْيَدُ مِنهُ زِيادَةً بَيِّنَةً تُلْحِقُهُ بِالمُبايِنِ حَتّى كَأنَّ الحالَتَيْنِ وإنْ كانَتا نَوْعًا واحِدًا لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما كالشَّيْءِ وضِدِّهِ، وذَلِكَ أنَّ الحالَةَ الأُولى الَّتِي جُعِلَتْ غايَتُها القِيامَةَ لا تَزِيدُ عَلى عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، والحالَةَ الثّانِيَةَ الَّتِي في القِيامَةِ زادَتْ عَلى عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ بِالعَداوَةِ وبِالكُفْرِ بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم كَما يَنْطِقُ بِهِ ما بَعْدُ فَهو مِن وادِي قَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ الزُّخْرُفِ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ الآيَةَ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في إبْلِيسَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِهَذِهِ الغايَةِ التَّأْبِيدُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ﴾ وقَوْلِهِمْ: ما دامَ ثَبِيرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا إشْكالَ في الآيَةِ لِأنَّ الغايَةَ مَفْهُومٌ فَلا تُعارِضَ المَنطُوقَ، وفِيهِ بَحْثٌ، فَفي الدُّرَرِ واليَنْبُوعِ عَنِ البَدِيعِ أنَّ الغايَةَ عِنْدَنا مِن قَبِيلِ إشارَةِ النَّصِّ لا المَفْهُومِ.
وقالَ الزَّرْكَشِيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ: ذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرٍ إلى أنَّ الحُكْمَ في الغايَةِ مَنطُوقٌ وادَّعى أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ صَرَّحُوا بِأنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالغايَةِ مَوْضُوعٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَها خِلافُ ما قَبْلَها لِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّها لَيْسَتْ كَلامًا مُسْتَقِلًّا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ لِضَرُورَةِ تَتْمِيمِ الكَلامِ وذَلِكَ أنَّ المُضْمَرَ إمّا ضِدُّ ما قَبْلَهُ أوْ لا والثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيُقَدَّرُ حَتّى يَطْهُرْنَ فاقْرَبُوهُنَّ، حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَتَحِلَّ، قالَ: والمُضْمَرُ بِمَنزِلَةِ المَلْفُوظِ فَإنَّهُ إنَّما
صفحة 7
يُضْمَرُ لِسَبْقِهِ إلى ذِهْنِ العارِفِ بِاللِّسانِ، وعَلَيْهِ جَرى صاحِبُ البَدِيعِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ فَقالَ: هو عِنْدَنا مِن دَلالَةِ الإشارَةِ لا مِنَ المَفْهُومِ، لَكِنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّهُ مَفْهُومٌ ومَنَعُوا وضْعَ اللُّغَةِ لِذَلِكَ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ في التَّلْوِيحِ: إنَّ مَفْهُومَ الغايَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لا يَخْلُو مِنَ الخَلَلِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمَفْعُولِ ( يَدْعُوَ ) أعْنِي ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ والثّانِي لِفاعِلِهِ، والجَمْعُ فِيهِما بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن ) كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها أيْ والَّذِينَ يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم عَنْ دُعائِهِمْ إيّاهم ﴿غافِلُونَ﴾ لا يَسْمَعُونَ ولا يَدْرُونَ، أمّا إنْ كانَ المَدْعُوُّ جَمادًا فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ مِن ذَوِي العُقُولِ فَإنْ كانَ مِنَ المَقْبُولِينَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَلِاشْتِغالِهِ عَنْ ذَلِكَ بِما هو فِيهِ مِنَ الخَيْرِ أوْ كَوْنُهُ في مَحَلٍّ لَيْسَ مِن شَأْنِ الَّذِي فِيهِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَ الدّاعِي لِلْبُعْدِ كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اليَوْمَ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ سَمْعَهُ عَنْ سَماعِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لِكَوْنِهِ مِمّا لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى يُؤْلِمُهُ لَوْ سَمِعَهُ، وإنْ كانَ مِن أعْداءِ اللَّهِ تَعالى كَشَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ الَّذِينَ عُبِدُوا مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَإنْ كانَ مَيِّتًا فَلِاشْتِغالِهِ بِما هو فِيهِ مِنَ الشَّرِّ، وقِيلَ: لِأنَّ المَيِّتَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ ولا يَتَحَقَّقُ مِنهُ سَماعٌ إلّا مُعْجِزَةً كَسَماعِ أهْلِ القَلِيبِ، وفي هَذا كَلامٌ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ وإنْ كانَ حَيًّا فَإنْ كانَ بَعِيدًا مَثَلًا فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ قَرِيبًا سَلِيمَ الحاسَّةِ فَقِيلَ: الكَلامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بَعْدَ تَأْوِيلِ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ السَّماعِ وعَلى التَّغْلِيبِ لِنُدْرَةِ هَذا الصِّنْفِ.
ومِنَ النّاسِ مَن أوَّلَ الغَفْلَةَ بِعَدَمِ الفائِدَةِ وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِوَصْفِهِمْ بِالغَفْلَةِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ التَّغْلِيبَ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ بِمَعْنى أنَّهُ غَلَبَ مَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الغَفْلَةُ حَقِيقَةً عَلى غَيْرِهِ، وهَذا كالتَّغْلِيبِ في التَّعْبِيرِ عَنْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِما هو مَوْضُوعٌ لِأنْ يُسْتَعْمَلَ في العُقَلاءِ، وإنْ كانَتِ الآيَةُ في عَبَدَةِ الأصْنامِ ونَحْوِها مِمّا لا يَعْقِلُ تَجُوزُ في الغَفْلَةِ وكانَ التَّعْبِيرُ بِما هو لِلْعاقِلِ لِإجْراءِ العَبَدَةِ إيّاها مَجْرى العُقَلاءِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: عَلى جَعْلِها في عَبَدَةِ الأصْنامِ. إنْ وصَفَها بِما ذَكَرَ مِن تَرْكِ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ مَعَ ظُهُورِ حالِها لِلتَّهَكُّمِ بِها فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفَلْ
46:6Page 503
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦
And when the people are gathered [that Day], they [who were invoked] will be enemies to them, and they will be deniers of their worship.
﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ﴾ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ ﴿كانُوا﴾ أيِ المَعْبُودُونَ ﴿لَهُمْ﴾ أيِ العابِدِينَ ﴿أعْداءً﴾ شَدِيدِي العَداوَةِ ﴿وكانُوا﴾ أيِ المَعْبُودُونَ أيْضًا ﴿بِعِبادَتِهِمْ﴾ أيْ بِعِبادَةِ الكَفَرَةِ إيّاهم ﴿كافِرِينَ﴾ مُكَذِّبِينَ، والأمْرُ ظاهِرٌ في ذَوِي العُقُولِ. وأمّا في الأصْنامِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ لَها إدْراكًا ويَنْطِقُها فَتَتَبَرَّأُ عَنْ عِبادَتِهِمْ وكَذا تَكُونُ أعْداءً لَهُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُ تَكْذِيبِ الأصْنامِ بِلِسانِ الحالِ لِظُهُورِ أنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِلْعِبادَةِ وأنَّهم لا نَفْعَ لَهم كَما تَوَهَّمُوهُ أوَّلًا حَيْثُ قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ ورَجَوُا الشَّفاعَةَ مِنهم. وفُسِّرَتِ العَداوَةُ بِالضُّرِّ عَلى أنَّها مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْهُ فَمَعْنى ﴿كانُوا لَهم أعْداءً﴾ كانُوا لَهم ضارِّينَ، وما ذَكَرْناهُ في بَيانِ الضَّمائِرِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (هُمُ) المَرْفُوعُ البارِزُ والمُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ لِلْكَفَرَةِ الدّاعِينَ وضَمِيرُ ﴿دُعائِهِمْ﴾ لَهم أوْ لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهم غافِلُونَ لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، وفِيهِ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ ما فِيهِ، وفي الضَّمائِرِ بَعْدَ نَحْوِ ذَلِكَ، والمَعْنى إذا حُشِرَ النّاسُ كانَ الكُفّارُ أعْداءً لِآلِهَتِهِمُ الباطِلَةِ لِما يَرَوْنَ مِن تَرَتُّبِ العَذابِ عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وكانُوا لِذَلِكَ مُنْكِرِينَ أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم
صفحة 8
أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وتُعِقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ حالِ الآلِهَةِ مَعَهم لا عَكْسِهِ، ولِأنَّ كُفْرَهم حِينَئِذٍ إنْكارٌ لِعِبادَتِهِمْ وتَسْمِيَتُهُ كُفْرًا خِلافُ الظّاهِرِ
46:7Page 503
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is obvious magic."
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ واضِحاتٍ أوْ مُبَيِّناتٍ ما يَلْزَمُ بَيانُهُ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيِ الآياتِ المَتْلُوَّةِ، ووُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها تَنْصِيصًا عَلى حَقِّيَّتِها ووُجُوبِ الإيمانِ بِها كَما وُضِعَ المَوْصُوفُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ- بِالحَقِّ- النُّبُوَّةَ أوِ الإسْلامَ فَلَيْسَ فِيهِ مَوْضُوعًا مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالَ عَلى أنَّها لامُ العِلَّةِ أيْ قالُوا لِأجْلِ الحَقِّ وفي شَأْنِهِ وما يُقالُ في شَأْنِ شَيْءٍ مَسُوقٍ لِأجْلِهِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ- بِكَفَرُوا- عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الباءِ أوْ حُمِلَ الكُفْرُ عَلى نَقِيضِهِ وهو الإيمانُ فَإنَّهُ يَتَعَدّى بِاللّامِ نَحْوَ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ في وقْتِ مَجِيئِهِ إيّاهُمْ، ويُفْهَمُ مِنهُ في العُرْفِ المُبادَرَةُ وتَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بادِرُوا أوَّلَ سَماعِ الحَقِّ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ إلى أنْ قالُوا: هَذا ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرٌ كَوْنُهُ سِحْرًا، وحُكْمُهم بِذَلِكَ عَلى الآياتِ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها، وعَلى النُّبُوَّةِ لِما مَعَها مِنَ الخارِقِ لِلْعادَةِ، وعَلى الإسْلامِ لِتَفْرِيقِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ووَلَدِهِ
46:8Page 503
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨
Or do they say, "He has invented it"? Say, "If I have invented it, you will not possess for me [the power of protection] from Allāh at all. He is most knowing of that in which you are involved.1 Sufficient is He as Witness between me and you, and He is the Forgiving, the Merciful."
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ شَناعَتِهِمُ السّابِقَةِ إلى حِكايَةِ ما هو أشْنَعُ مِنها وهو الكَذِبُ عَمْدًا عَلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الكَذِبَ خُصُوصًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مُتَّفَقٌ عَلى قُبْحِهِ حَتّى تَرى كُلَّ أحَدٍ يَشْمَئِزُّ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِ بِخِلافِ السِّحْرِ فَإنَّهُ وإنْ قَبُحَ فَلَيْسَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ حَتّى تَكادَ تُعَدُّ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الأُمُورِ المَرْغُوبَةِ، وما في (أمِ) المُنْقَطِعَةِ مِنَ الهَمْزَةِ مَعْنًى لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعَجُّبِ مِن نِسْبَتِهِ إلى الِافْتِراءِ مَعَ قَوْلِهِمْ: هو سِحْرٌ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( افْتَراهُ ) كَما قالَ أبُو حَيّانَ ﴿لِلْحَقِّ﴾ الَّذِي هو الآياتُ المَتْلُوَّةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لِلْقُرْآنِ الدّالِّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ.
﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ عَلى الفَرْضِ ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ عاجَلَنِي اللَّهُ تَعالى بِعُقُوبَةِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى كَفِّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن مُعالَجَتِي ولا تُطِيقُونَ دَفْعَ شَيْءٍ مِن عِقابِهِ سُبْحانَهُ عَنِّي فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ، فَجَوابُ ( إنْ ) في الحَقِيقَةِ مَحْذُوفٌ وهو عاجَلَنِي وما ذُكِرَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ أُقِيمَ مَقامَهُ أوْ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ بِالَّذِي تَأْخُذُونَ فِيهِ مِنَ القَدْحِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى والطَّعْنِ في آياتِهِ وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا تارَةً وافْتِراءً أُخْرى، واسْتِعْمالُ الإفاضَةِ في الأخْذِ في الشَّيْءِ والشُّرُوعُ فِيهِ قَوْلًا كانَ أوْ فِعْلًا مُجازٌ مَشْهُورٌ، وأصْلُها إسالَةُ الماءِ يُقالُ: أفاضَ الماءَ إذا أسالَهُ، وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن كَوْنِ (ما) مَوْصُولَةً وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ عَلَيْهِ هو الظّاهِرُ وجُوِّزَ كَوْنُ (ما) مَصْدَرِيَّةً وضَمِيرُ ( فِيهِ ) لِلْحَقِّ أوْ لِلْقُرْآنِ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ حَيْثُ يَشْهَدُ لِي سُبْحانَهُ بِالصِّدْقِ والبَلاغِ وعَلَيْكم بِالكَذِبِ والجُحُودِ، وهو وعِيدٌ بِجَزاءِ إفاضَتِهِمْ في الطَّعْنِ في الآياتِ، واسْتُؤْنِفَ لِأنَّهُ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، و( بِهِ ) في مَوْضِعِ الفاعِلِ- بِكَفى- عَلى أصَحِّ الأقْوالِ، ( وشَهِيدًا ) حالٌ ( وبَيْنِي وبَيْنَكم ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِكَفى ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وعَدَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وإشْعارٌ بِحِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إذْ لَمْ يُعاجِلْهم سُبْحانَهُ بِالعُقُوبَةِ وأمْهَلَهم جَلَّ شَأْنُهُ لِيَتَدارَكُوا أُمُورَهُمْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences