Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Fath 48:1–4, continued
هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ الأزَلِيَّ مَدْلُولُ اللَّفْظِيِّ عَسِيرٌ جِدًّا، وكَذا القَوْلُ بِأنَّ المُتَّصِفَ بِالمُضِيِّ وغَيْرِهِ إنَّما هو اللَّفْظُ الحادِثُ دُونَ المَعْنى القَدِيمِ. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ العُسْرَ لَوْ كانَ دَلالَةُ اللَّفْظِيِّ عَلَيْهِ دَلالَةَ المَوْضُوعِ عَلى المَوْضُوعِ لَهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَهم بَلْ هي دَلالَةُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ، ولا يَلْزَمُ مِنِ اعْتِبارِ شَيْءٍ في الأثَرِ اعْتِبارُهُ في المُؤَثِّرِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الدَّلالَةِ دَلالَةَ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ ابْنُ الصَّدْرِ في ذَلِكَ: إنَّ اشْتِمالَ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ عَلى المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ المُخاطَبِ لا إلى زَمانِ المُتَكَلِّمِ كَما إذا أرْسَلْتَ زَيْدًا إلى عَمْرٍو تَكْتُبُ في مَكْتُوبِكَ إلَيْهِ إنِّي أرْسَلْتُ إلَيْكَ زَيْدًا مَعَ أنَّهُ حِينَ ما تَكْتُبُهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الإرْسالُ فَتُلاحِظُ حالَ المُخاطَبِ، وكَما تُقَدِّرُ في نَفْسِكَ مُخاطِبًا وتَقُولُ: لَمْ تَفْعَلِ الآنَ كَذا وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَذا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المُضِيَّ والحُضُورَ والِاسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الوُجُودِ المُقَدَّرِ لِهَذا المُخاطَبِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ المُتَكَلِّمِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ لِكَوْنِهِ مُتَوَجِّهًا لِمُخاطَبٍ مُقَدَّرٍ لا يُلاحَظُ فِيهِ إلّا أزْمِنَةُ المُخاطَبِينَ المُقَدَّرِينَ، وما اعْتَبَرَهُ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ واعْتِبارِ المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ بِالقِياسِ إلى زَمانِ الفِعْلِ لا زَمانِ التَّكَلُّمِ قَرِيبٌ مِنهُ جِدًّا انْتَهى، ولِلْمُحَقِّقِ مِيرْزاجانَ كَلامٌ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن حَواشِيهِ عَلى الشَّرْحِ العَضُدِيِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ الرُّومِ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ فَإنَّهم غُلِبُوا عَلى الفُرْسِ في عامِ النُّزُولِ، وكَوْنُهُ فَتْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ فَتَحَقَّقَ ما أخْبَرَ بِهِ في ذَلِكَ العامِ ولِأنَّهُ تَفاءَلَ بِهِ لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ المُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ مِن ظُهُورِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما هو بِمَنزِلَةِ الفَتْحِ، قِيلَ: فَفي الفَتْحِ اسْتِعارَةٌ لِتَشْبِيهِ ظُهُورِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: لا تَجُوزُ فِيهِ وإنَّما التَّجَوُّزُ في تَعَلُّقِهِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لا تَجُوزُ أصْلًا والمَعْنى فَتَحْنا عَلى الرُّومِ لِأجْلِكَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ الفَتْحِ عَلى ما ذَكَرَهُ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ جِدًّا.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ فَتْحَ الرُّومِ لَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَلى الجِهادِ ونَحْوِهِ فَلا يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ في تَوْجِيهِ التَّعْلِيلِ الآتِي، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ ( فَتَحْنا ) مِنَ الفُتاحَةِ بِالضَّمِّ وهي الحُكُومَةُ أيْ إنّا قَضَيْنا لَكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ أنْ تَدْخُلَها أنْتَ وأصْحابُكَ مِن قابِلٍ لِتَطُوفُوا بِالبَيْتِ وهو بَعِيدٌ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإسْلامِ والنُّبُوَّةِ والدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّهُ فَتَحَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعُلُومِ والهِداياتِ الَّتِي هي ذَرِيعَةٌ إلى الثَّوابِ والمَقاماتِ المَحْمُودَةِ، وأمْرُهُ في البُعْدِ كَما سَبَقَ، وأيًّا ما كانَ فَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ والإيذانِ بِأنَّ مَناطَ التَّبْشِيرِ نَفْسُ الفَتْحِ الصّادِرِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لا خُصُوصِيَّةُ المَفْتُوحِ، وتَقْدِيمُ ( لَكَ ) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ مَعَ أنَّ الأصْلَ تَقْدِيمُهُ عَلى سائِرِ المَفاعِيلِ كَما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ لِلِاهْتِمامِ بِكَوْنِ ذَلِكَ لِنَفْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَدارُ الفائِدَةِ، و(مُبِينٌ) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ اللّازِمِ أيْ فَتْحًا بَيِّنًا ظاهِرَ الأمْرِ مَكْشُوفَ الحالِ أوْ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
48:2Page 511
لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢
That Allāh may forgive for you what preceded of your sin [i.e., errors] and what will follow and complete His favor upon you and guide you to a straight path
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ اللّامِ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِتَشْبِيهِ مَدْخُولِها بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ في تَرَتُّبِهِ عَلى مُتَعَلِّقِها وتَرَتُّبِ المَغْفَرَةِ عَلى الفَتْحِ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ سَعْيًا مِنهُ ﷺ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِمُكابَدَةِ مَشاقِّ الحُرُوبِ واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ، والسَّلَفُ كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ وغَيْرُهُ يَقُولُونَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي شَرْحِ المَقاصِدِ لِلْعَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ أنَّ مِن بَعْضِ أدِلَّتِهِمْ- أيِ الأشاعِرَةِ- ومَن وافَقَهم عَلى هَذا المَطْلَبِ يُفْهِمُ أنَّهم أرادُوا عُمُومَ السَّلْبِ ومِن بَعْضِها أنَّهم أرادُوا سَلْبَ العُمُومِ، ثُمَّ قالَ: الحَقُّ أنَّ بَعْضَ
صفحة 90
أفْعالِهِ تَعالى مُعَلَّلٌ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ وذَلِكَ ظاهِرٌ والنُّصُوصُ شاهِدَةٌ بِهِ، وأمّا تَعْمِيمُ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَخْلُو فِعْلٌ مِن أفْعالِهِ سُبْحانَهُ مِن غَرَضٍ فَمَحَلُّ بَحْثٍ، وذَكَرَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ الطَّوالِعِ في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وأكْثَرِ الفُقَهاءِ، وأنا أقُولُ: بِما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ لِوُجُودِ التَّعْلِيلِ فِيما يَزِيدُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ آيَةٍ وحَدِيثٍ، والتِزامُ تَأْوِيلِ جَمِيعِها خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ، وما يَذْكُرُهُ الحاضِرُونَ مِنَ الأدِلَّةِ يَدْفَعُ بِأدْنى تَأمُّلٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن طالَعَ كُتُبَ السَّلَفِيِّينَ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ. وفي الكَشّافِ لَمْ يَجْعَلِ الفَتْحَ عِلَّةً لِلْمَغْفِرَةِ لَكِنْ لِاجْتِماعِ ما عَدَّدَ مِنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ وهي المَغْفِرَةُ وإتْمامُ النِّعْمَةِ وهِدايَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ والنَّصْرُ العَزِيزُ كَأنَّهُ قِيلَ: يَسَّرْنا لَكَ فَتْحَ مَكَّةَ ونَصَرْناكَ عَلى عَدُوِّكَ لِنَجْمَعَ لَكَ بَيْنَ عِزِّ الدّارَيْنِ وأغْراضَ العاجِلِ والآجِلِ، وحاصِلُهُ كَما قالَ العَلّامَةُ أنَّ الفَتْحَ لَمْ يُجْعَلْ عِلَّةً لِكُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفاتِ بَعْدَ اللّامِ أعْنِي المَغْفِرَةَ وإتْمامَ النِّعْمَةِ والهِدايَةَ والنَّصْرَ بَلْ لِاجْتِماعِها، ويَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في حُصُولِ البَعْضِ كَإتْمامِ النِّعْمَةِ والنَّصْرِ العَزِيزِ، وتَحْقِيقُهُ كَما قالَ إنَّ العَطْفَ عَلى المَجْرُورِ بِاللّامِ قَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ في مُتَعَلِّقِ اللّامِ مِثْلَ جِئْتُكَ لِأفُوزَ بِلُقْياكَ وأحُوزَ عَطاياكَ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ اللّامِ وعَطْفِ جارٍّ ومَجْرُورٍ عَلى جارٍّ ومَجْرُورٍ، وقَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ في مَعْنى اللّامِ كَجِئْتُكَ لِتَسْتَقِرَّ في مَقامِكَ وتَفِيضَ عَلَيَّ مِن إنْعامِكَ أيْ لِاجْتِماعِ الأمْرَيْنِ، ويَكُونُ مِن قَبِيلِ جاءَنِي غُلامُ زَيْدٍ وعَمْرٍو أيِ الغُلامُ الَّذِي لَهُما. واسْتُظْهِرَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ البَعْضَ فَذِكْرُ الباقِي لَغْوٌ أنْ يُقالَ: لا يَخْلُو كُلٌّ مِنهُما أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ وهو ظاهِرٌ أوِ المَقْصُودُ البَعْضُ وحِينَئِذٍ فَذِكْرُ غَيْرِهِ إمّا لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ أوْ لِشَدَّةِ ارْتِباطِهِ بِهِ أوْ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ فَيُذْكَرُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ وقَوْلُكَ: أعْدَدْتُ الخَشَبَ لِيَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمَهُ ولازَمْتُ غَرِيمِي لِأسْتَوْفِيَ حَقِّي وأُخَلِّيَهُ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المَقْصُودَ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعْلِيلُ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ فَحَسْبُ فَتَأمَّلْ لِتَعْرِفَ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ هو. واعْلَمْ أنَّ المَشْهُورَ كَوْنُ العِلَّةِ ما دَخَلَتْهُ اللّامُ لا ما تَعَلَّقَتْ بِهِ كَما هو ظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ لَكِنْ حُقِّقَ أنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى الغايَةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ ما بَعْدَها عِلَّةٌ ويُرادُ بِحَسَبِ التَّعَقُّلِ وأنْ يُقالَ: ما تَعَلَّقَتْ بِهِ عِلَّةٌ ويُرادُ بِحَسَبِ الوُجُودِ فَلا تَغْفَلْ. وزَعَمَ صاحِبُ الغَنِيّانِ أنَّ اللّامَ هاهُنا هي لامُ القَسَمِ وكُسِرَتْ وحُذِفَ النُّونُ مِنَ الفِعْلِ تَشْبِيهًا بِلامِ كَيْ. ورُدَّ بِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تُكْسَرُ ولا يُنْصَبُ بِها فَإنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ واللَّهِ لَيَقُومُ زَيْدٌ عَلى مَعْنى لَيَقُومَنَّ زَيْدٌ، وانْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ الكَسْرَ قَدْ عُلِّلَ بِتَشْبِيهِها بِلامِ كَيْ.
وأمّا النِّصْفُ فَلَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ: بِأنَّهُ لَيْسَ نَصْبًا وإنَّما هو الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ وُجُودِ النُّونِ بَقِيَتْ بَعْدَ حَذْفِها دَلالَةً عَلى الحَذْفِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُجْدِي نَفْعًا مَعَ عَدَمِ السَّماعِ، هَذا والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَتْبَعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنْ كُلَّ واحِدٍ مِمّا انْتَظَمَ في سِلْكِ الغايَةِ مِن أفْعالِهِ تَعالى صادِرٌ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثِيَّةٍ غَيْرِ حَيْثِيَّةِ الآخَرِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
وقالَ الصَّدْرُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ تَعالى في مَقامِ المَغْفِرَةِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ المُشْعِرِ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ يُشْعِرُ بِسَبْقِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى عَلى عَذابِهِ. وفي البَحْرِ لَمّا كانَ الغُفْرانُ وما بَعْدَهُ يَشْتَرِكُ في إطْلاقِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( يَهْدِي مَن يَشاءُ ) وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ وكانَ الفَتْحُ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسْنَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وأسْنَدَ تِلْكَ الأشْياءَ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وضَمِيرِهِ
صفحة 91
وهُوَ كَما تَرى وإنْ قالَهُ الإمامُ أيْضًا، وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في إسْنادِ المَغْفِرَةِ إلَيْهِ تَعالى بِالِاسْمِ الأعْظَمِ بَعْدَ إسْنادِ الفَتْحِ إلَيْهِ تَعالى بِنُونِ العَظَمَةِ إيماءٌ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مِمّا يَتَوَلّاها سُبْحانَهُ بِذاتِهِ وأنَّ الفَتْحَ مِمّا يَتَوَلّاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِالوَسائِطِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ عادَةَ العُظَماءِ أنْ يُعَبِّرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِأنَّ ما يَصْدُرُ عَنْهم في الأكْثَرِ بِاسْتِخْدامِ تَوابِعِهِمْ، ولا يُعْتَرَضُ بِأنَّ النَّصْرَ كالفَتْحِ وقَدْ أُسْنِدَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما لا يَخْفى عَلَيْكَ، وتَقْدِيمُ ( لَكَ ) عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وما لِلْعُمُومِ والمُتَقَدِّمُ والمُتَأخِّرُ لِلْإحاطَةِ كِنايَةً عَنِ الكُلِّ، والمُرادُ بِالذَّنْبِ ما فَرَّطَ مِن خِلافِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو مِن قَبِيلِ حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ ما هو ذَنْبٌ في نَظَرِهِ العالِي صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَنْبًا ولا خِلافَ الأوْلى عِنْدَهُ تَعالى كَما يَرْمُزُ إلى ذَلِكَ الإضافَةُ.
وقالَ الصَّدْرُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ( لِيَغْفِرَ ) إلَخْ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مِن غَيْرِ تَحَقُّقِ مَعانِي المُفْرَداتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ أنَّهُما قالا: ما تَقَدَّمَ في الجاهِلِيَّةِ وما تَأخَّرَ في الإسْلامِ، وقِيلَ: ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ مارِيَةَ وما تَأخَّرَ مِنِ امْرَأةِ زَيْدٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ مَعَ أنَّ العَكْسَ أوْلى لِأنَّ حَدِيثَ امْرَأةِ زَيْدٍ مُتَقَدِّمٌ. وفي الآيَةِ مَعَ ما عُهِدَ مِن حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كَثْرَةِ العِبادَةِ ما يَدُلُّ عَلى شَرَفِ مَقامِهِ إلى حَيْثُ لا تُحِيطُ بِهِ عِبارَةٌ، وقَدٌّ صَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ صامَ وصَلّى حَتّى انْتَفَخَتْ قَدَماهُ وتَعَبَّدَ حَتّى صارَ كالشَّنِّ البالِي فَقِيلَ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا بِنَفْسِكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ أوْ ما تَأخَّرَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِإعْلاءِ الدِّينِ وانْتِشارِهِ في البِلادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أفاضَهُ تَعالى عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وإقامَةِ الحُدُودِ، قِيلَ: إنَّ أصْلَ الِاسْتِقامَةِ وإنْ كانَ حاصِلًا قَبْلَ الفَتْحِ لَكِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ اتِّضاحِ سُبُلِ الحَقِّ واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ ما لَمْ يَكُنْ حاصِلًا قَبْلُ
48:3Page 511
وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣
And [that] Allāh may aid you with a mighty victory.
﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ النَّصْرِ قِيلَ: لِكَوْنِهِ خاتِمَةَ العِلَلِ أوِ الغاياتِ ولِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ إرْدافُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وقالَ الصَّدْرُ: أظْهَرَ الِاسْمَ في الصَّدْرِ وهُنا لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ والنَّصْرَ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَكَأنَّهُ أُشِيرَ بِإسْنادِ المَغْفِرَةِ والنَّصْرِ إلى صَرِيحِ اسْمِهِ تَعالى إلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ الإمامُ:
أظُهِرَتِ الجَلالَةُ هَنا إشارَةً إلى أنَّ النَّصْرَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ والصَّبْرُ بِاللَّهِ قالَ تَعالى: ﴿وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ لِأنَّهُ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ والعَزِيزُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ هو المَنصُورُ، وحَيْثُ وصَفَ بِهِ النَّصْرَ فَهو إمّا لِلنِّسْبَةِ وإنْ كانَ المَعْرُوفُ فِيها فاعِلًا كَلابِنٍ وفَعّالًا كَبَزّازٍ أيْ نَصْرًا فِيهِ عِزٌّ ومَنَعَةٌ، أوْ فِيهِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ مِن بابِ وصْفِ المَصْدَرِ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ وهو المَنصُورُ هُنا نَحْوَ ( عَذابٌ ألِيمٌ ) في قَوْلٍ لا الفاعِلُ وهو النّاصِرُ لِما قِيلَ مِن عَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ وقِلَّةِ فائِدَتِهِ إذِ الكَلامُ في شَأْنِ المُخاطَبِ المَنصُورِ، لا المُتَكَلِّمِ النّاصِرِ وفِيهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَزِيزٌ صاحِبُهُ وهو المَنصُورُ وفِيهِ تَكَلُّفُ الحَذْفِ والإيصالِ.
وقَدْ يُقالُ: يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ إذْ لا مانِعَ مِن وصْفِ النَّصْرِ بِالعَزِيزِ عَلى ما هو الظّاهِرُ بِناءً عَلى أحَدِ مَعانِي العِزَّةِ
صفحة 92
وهُوَ قِلَّةُ الوُجُودِ وصُعُوبَةُ المَنالِ، والمَعْنى يَنْصُرُكَ اللَّهُ نَصْرًا يَقِلُّ وُجُودُ مِثْلِهِ ويَصْعُبُ مَنالُهُ، وقَدْ قالَ الرّاغِبُ بِهَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ورَأيْتُ ذَلِكَ لِلصَّدْرِ بَعْدَ أنْ كَتَبْتُهُ مِنَ الصَّدْرِ فَتَأمَّلْ ولا تَكُنْ ذا عَجْزٍ.
48:4Page 511
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤
It is He who sent down tranquility into the hearts of the believers that they would increase in faith along with their [present] faith. And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth, and ever is Allāh Knowing and Wise.
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ بَيانٌ لِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ مِن مَبادِئِ الفَتْحِ، والمُرادُ بِالسَّكِينَةِ الطُّمَأْنِينَةُ والثَّباتُ مِنَ السُّكُونِ أيْ أنْزَلَها في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ الصُّلْحِ والأمْنِ إظْهارًا لِفَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَيْسِيرِ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، والمُرادُ بِإنْزالِها خَلْقُها وإيجادُها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالإنْزالِ إيماءٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِها.
وقالَ الرّاغِبُ: إنْزالُ اللَّهِ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى عَبْدٍ إعْطاؤُهُ تَعالى إيّاها وذَلِكَ إمّا بِإنْزالِ الشَّيْءِ نَفْسَهُ كَإنْزالِ القُرْآنِ أوْ بِإنْزالِ أسْبابِهِ والهِدايَةِ إلَيْهِ كَإنْزالِ الحَدِيدِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: ( أنْزَلَ ) مِن نَزَلَ في مَكانِ كَذا حَطَّ رَحْلَهُ فِيهِ وأنْزَلَهُ غَيْرُهُ، فالمَعْنى حَطَّ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ قُلُوبُهم مَنزِلًا لَها ومَأْوًى، وقِيلَ: السَّكِينَةُ مَلَكٌ يَسْكُنُ قَلْبَ المُؤْمِنِ ويُؤَمِّنُهُ كَما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ قالَ: إنَّ السَّكِينَةَ لَتَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ، وأمْرُ الإنْزالِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: السَّكِينَةُ هي الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هي العَقْلُ ويُقالُ لَهُ سَكِينَةٌ إذا سَكَنَ عَنِ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ وعَنِ الرُّعْبِ، وقِيلَ: هي الوَقارُ والعَظَمَةُ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هي مِن سَكَنَ إلى كَذا مالَ إلَيْهِ أيْ أنْزَلَ في قُلُوبِهِمُ السُّكُونَ والمَيْلَ إلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الشَّرائِعِ، وأرْجَحُ التَّفاسِيرِ هُنا عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: الأوَّلُ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ السَّكِينَةَ شَيْءٌ لَهُ رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ فَما أراهُ قَوْلًا يَصِحُّ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ أيْ يَقِينًا مَعَ يَقِينِهِمْ بِرُسُوخِ العَقِيدَةِ واطْمِئْنانِ النُّفُوسِ عَلَيْها عَلى أنَّ الإيمانَ لَمّا ثَبَتَ في الأزْمِنَةِ نَزَلَ تَجَدُّدُ أزْمانِهِ مَنزِلَةَ تَجَدُّدِهِ وازْدِيادِهِ فاسْتُعِيرَ لَهُ ذَلِكَ ورُشِّحَ بِكَلِمَةِ مَعَ، وقِيلَ: ازْدِيادُ الإيمانِ بِازْدِيادِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أوَّلَ ما أتاهم بِهِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ التَّوْحِيدُ ثُمَّ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ثُمَّ الحَجُّ والجِهادُ فازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ، ومَن قالَ: الأعْمالُ مِنَ الإيمانِ قالَ بِأنَّهُ نَفْسُهُ أيِ الإيمانُ المُرَكَّبُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ولَمْ يَحْتَجْ في الآيَةِ إلى تَأْوِيلٍ بَلْ جَعَلَها دَلِيلًا لَهُ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّهُ ذَهَبَ جُمْهُورُ الأشاعِرَةِ والقَلانِسِيُّ والفُقَهاءُ والمُحَدِّثُونَ والمُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ، وقالَ البُخارِيُّ: لَقِيتُ أكْثَرَ مِن ألْفِ رَجُلٍ مِنَ العُلَماءِ بِالأمْصارِ فَما رَأيْتُ أحَدًا مِنهم يَخْتَلِفُ في أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ ويَزِيدُ ويَنْقُصُ، واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَفاوَتْ حَقِيقَةُ الإيمانِ لَكانَ إيمانُ آحادِ الأُمَّةِ المُنْهَمِكِينَ في الفِسْقِ والمَعاصِي مُساوِيًا لِإيمانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَثَلًا واللّازِمُ باطِلٌ فَكَذا المَلْزُومُ، وأمّا الثّانِي فَلِكَثْرَةِ النُّصُوصِ في هَذا المَعْنى، مِنها الآيَةُ المَذْكُورَةُ، ومِنها ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ قالَ: نَعَمْ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ ويَنْقُصَ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ».
ومِنها ما رَوِيَ عَنْ عُمَرَ وجابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا «(لَوْ وُزِنَ إيمانُ أبِي بَكْرٍ بِإيمانِ هَذِهِ الأُمَّةِ لَرَجَحَ بِهِ)».
واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الطّاعاتِ داخِلَةً في مُسَمّاهُ أوْلى وأحَقُّ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ ذَلِكَ إذا كانَ مُسَمّاهُ التَّصْدِيقَ وحْدَهُ.
أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ لا مَرْتَبَةَ فَوْقَ كُلِّ الأعْمالِ لِتَكُونَ زِيادَةً ولا إيمانَ دُونَهُ لِيَكُونَ نَقْصًا، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَكْمِلُ
صفحة 93
الإيمانَ حِينَئِذٍ والزِّيادَةُ عَلى ما لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ مُحالٌ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ القائِلِينَ بِانْتِفاءِ الإيمانِ بِانْتِفاءِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، والجَماعَةُ إنَّما يَقُولُونَ: إنَّها شَرْطُ كَمالٍ في الإيمانِ فَلا يَلْزَمُ عِنْدَ الِانْتِفاءِ إلّا انْتِفاءُ الكَمالِ وهو غَيْرُ قادِحٍ في أصْلِ الإيمانِ.
وقالَ النَّوَوِيُّ وجَماعَةٌ مُحَقِّقُونَ مِن عُلَماءِ الكَلامِ: إنَّ الإيمانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ يَزِيدُ ويَنْقُصُ أيْضًا بِكَثْرَةِ النَّظَرِ ووُضُوحِ الأدِلَّةِ وعَدَمِ ذَلِكَ، ولِهَذا كانَ إيمانُ الصِّدِّيقِينَ أقْوى مِن إيمانِ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ لا تَعْتَرِيهِ الشُّبَهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِهِ يَتَفاضَلُ حَتّى يَكُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ أعْظَمَ يَقِينًا وإخْلاصًا مِنهُ في بَعْضِها فَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ والمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ ظُهُورِ البَراهِينِ وكَثْرَتِها. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مَتى قَبِلَ ذَلِكَ كانَ شَكًّا.
ودُفِعَ بِأنَّ مَراتِبَ اليَقِينِ مُتَفاوِتَةٌ إلى عِلْمِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ مَعَ أنَّها لا شَكَّ مَعَها ومِمَّنْ وافَقَ النَّوَوِيَّ عَلى ما جَزَمَ بِهِ السَّعْدُ في القِسْمِ الثّانِي مِن تَهْذِيبِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ أعْظَمُهُمُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ وتَبِعَهُ أصْحابُهُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: الإيمانُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ البالِغِ حَدَّ الجَزْمِ والإذْعانِ وهَذا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانُ، فالمُصَدِّقُ إذا ضَمَّ إلَيْهِ الطّاعاتِ أوِ ارْتَكَبَ المَعاصِيَ فَتَصْدِيقُهُ بِحالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ أصْلًا وإنَّما يَتَفاوَتُ إذا كانَ اسْمًا لِلطّاعاتِ المُتَفاوِتَةِ قِلَّةً وكَثْرَةً. وأجابُوا عَمّا تَمَسَّكَ بِهِ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ، مِنها ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا مِن أنَّ الزِّيادَةَ بِحَسَبِ الدَّوامِ والثَّباتِ وكَثْرَةِ الزَّمانِ والأوْقاتِ. وإيضاحُهُ ما قالَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ:
النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْضُلُ مَن عَداهُ بِاسْتِمْرارِ تَصْدِيقِهِ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن مُخامَرَةِ الشُّكُوكِ، والتَّصْدِيقُ عَرَضٌ لا يَبْقى بِشَخْصِهِ بَلْ بِتَجَدُّدِ أمْثالِهِ فَتَقَعُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَوالِيَةً ولِغَيْرِهِ عَلى الفَتَراتِ فَثَبَتَتْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْدادٌ مِنَ الإيمانِ لا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إلّا بَعْضُها فَيَكُونُ إيمانُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْثَرَ، والزِّيادَةُ بِهَذا المَعْنى قِيلَ مِمّا لا نِزاعَ فِيها.
واعْتُرِضَ بِأنَّ حُصُولَ المِثْلِ بَعْدَ انْعِدامِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ زِيادَةً فِيهِ كَسَوادِ الجِسْمِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ أعْدادٍ حَصَلَتْ وعَدَمُ البَقاءِ لا يُنافِي ذَلِكَ، ومِنها ما أشَرْنا إلَيْهِ ثانِيًا مِن أنَّ المُرادَ الزِّيادَةُ بِحَسَبِ زِيادَةِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، والصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ آمَنُوا أوَّلًا بِما آمَنُوا بِهِ وكانَتِ الشَّرِيعَةُ لَمْ تَتِمَّ وكانَتِ الأحْكامُ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ ما يَتَجَدَّدُ مِنها ولا شَكَّ في تَفاوُتِ إيمانِ النّاسِ بِمُلاحَظَةِ التَّفاصِيلِ كَثْرَةً وقِلَّةً ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإمْكانِ الِاطِّلاعِ عَلى التَّفاصِيلِ في غَيْرِهِ مِنَ العُصُورِ أيْضًا، ومِنها أنَّ المُرادَ زِيادَةُ ثَمَرَتِهِ وإشْراقُ نُورِهِ في القَلْبِ فَإنَّ نُورَ الإيمانِ يَزِيدُ بِالطّاعاتِ ويَنْقُصُ بِالمَعاصِي، قِيلَ: وهَذا إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ قاطِعٍ عَلى امْتِناعِ قَبُولِ التَّصْدِيقِ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ ومَتى لَمْ يَقُمْ قاطِعٌ عَلى ذَلِكَ كانَ الأوْلى إبْقاءَ الظَّواهِرِ عَلى حالِها، وقالَ الخَطّابِيُّ: الإيمانُ قَوْلٌ وهو لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ وعَمَلٌ وهو يَزِيدُ ويَنْقُصُ واعْتِقادٌ وهو يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ فَإذا نَقَصَ ذَهَبَ، واعْتُرِضَ أنَّهُ إذا زادَ ثُمَّ عادَ إلى ما كانَ فَقَدْ نَقَصَ ولَمْ يَذْهَبْ.
ودُفِعَ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّ الِاعْتِقادَ بِاعْتِبارِ أوَّلِ مَراتِبِهِ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لا أنَّ الِاعْتِقادَ مُطْلَقًا كَذَلِكَ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الإمامُ الرّازِيُّ. وإمامُ الحَرَمَيْنِ إلى أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ وذَلِكَ بِحَمْلِ قَوْلِ النَّفْيِ عَلى أصْلِ الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ فَلا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وحَمْلُ قَوْلِ الأثْباتِ عَلى ما بِهِ كَمالُهُ وهو الأعْمالُ فَيَكُونُ الخِلافُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَرْعَ الخِلافِ في تَفْسِيرِ الإيمانِ، والحَقُّ أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِما سَمِعْتُ عَنِ الإمامِ النَّوَوِيِّ ومَن مَعَهُ مِن أنَّ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ مِن خَواصِّ الحُكْمِ، والتَّصْدِيقُ قِسْمٌ مِنَ العِلْمِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّهُ
صفحة 94
مِن مَقُولَةِ الكَمِّ وإنَّما قِيلَ هو كَيْفٌ أوِ انْفِعالٌ أوْ إضافَةٌ وتَعَلُّقٌ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ أوْ صِفَةٌ ذاتَ إضافَةٍ والأشْهُرُ أنَّهُ كَيْفٌ فَمَتى صَحَّ ذَلِكَ وقُلْنا بِمُغايَرَةِ الشِّدَّةِ والضَّعْفِ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ فَلا بَأْسَ بِحَمْلِهِما في النُّصُوصِ وغَيْرِها عَلى الشِّدَّةِ والضَّعْفِ وذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وإنْكارُ اتِّصافِ الإيمانِ بِهِما يَكادُ يَلْحَقُ بِالمُكابَرَةِ فَتَأمَّلْ، وذَكَرَ بَعْضُهم هُنا أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو مَدْخُولٌ مَعَ هو الإيمانُ الفِطْرِيُّ والإيمانُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ الإيمانُ الِاسْتِدْلالِيُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَزْدادُوا إيمانًا اسْتِدْلالِيًّا مَعَ إيمانِهِمُ الفِطْرِيِّ، وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَها كَيْفَما يُرِيدُ فَيُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضِ تارَةً ويُوقِعُ سُبْحانَهُ بَيْنَها السِّلْمَ أُخْرى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ ما وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأُمُورِ ﴿حَكِيمًا﴾ في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences