Al-AlusiAl‑Fath · 48:5–11

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:5–11

48:5Page 511

لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥

[And] that He may admit the believing men and the believing women to gardens beneath which rivers flow to abide therein eternally and remove from them their misdeeds - and ever is that, in the sight of Allāh, a great attainment –

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ جُنُودِ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ مِن مَعْنى التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ أيْ دَبَّرَ سُبْحانَهُ ما دَبَّرَ مِن تَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ لِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ ويَشْكُرُوها فَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ فالعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ وشُكْرُها لَكِنَّها لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ أُقِيمَ المُسَبِّبُ مَقامَ السَّبَبِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفَتَحْنا، وقِيلَ: بِأنْزَلَ، وتَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ مَعَ تَعَلُّقِ اللّامِ الأُخْرى بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ مُطْلَقًا والثّانِي مُقَيَّدًا، وتَنْزِيلُ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتَيْنِ وإلّا فَلا يَتَعَلَّقُ بِعامِلٍ واحِدٍ حَرْفا جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ مِن غَيْرِ اتِّباعٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَنْصُرْكَ“، وقِيلَ: بِـ ”يَزْدادَ“، وقِيلَ: بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ إمّا عَلى التَّنازُعِ والتَّقْدِيرِ أوْ بِتَقْدِيرِ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ كَفَعَلَ سُبْحانَهُ ما ذُكِرَ لِيُدْخِلَ إلَخْ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن لِيَزْدادَ بَدَلَ اشْتِمالٍ فَإنَّ إدْخالَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ الجَنَّةِ وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَلْزِمٌ لِزِيادَةِ الإيمانِ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ يَعْتَمِدُ عَلى مُلابَسَةِ ما بَيْنَ المُبْدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِحَيْثُ يُشْعِرُ أحَدُهُما بِالآخَرِ غَيْرَ الكُلِّيَّةِ والبَعْضِيَّةِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ الوَجْهُ الأوَّلُ، وضَمُّ المُؤْمِناتِ هاهُنا إلى المُؤْمِنِينَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِالذُّكُورِ لِأجْلِ الجِهادِ والفَتْحِ عَلى أيْدِيهِمْ، وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ يُصَرَّحُ بِذِكْرِ النِّساءِ، ويُقالُ نَحْوَ ذَلِكَ فِيما بَعْدُ كَذا قِيلَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «(أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ في مَرْجِعِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فَقالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَلى الأرْضِ ثُمَّ قَرَأها عَلَيْهِمْ فَقالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ماذا يَفْعَلُ بِكَ فَماذا يَفْعَلُ بِنا فَنَزَلَتْ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ حَتّى بَلَغَ فَوْزًا عَظِيمًا)».

﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ يُغَطِّيها ولا يُظْهِرُها، والمُرادُ يَمْحُوها سُبْحانَهُ ولا يُؤاخِذُهم بِها، وتَقْدِيمُ الإدْخالِ في الذِّكْرِ عَلى التَّكْفِيرِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ عَلى العَكْسِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما هو المَطْلُوبُ إلّا عَلى كَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ التَّكْفِيرُ في الجَنَّةِ عَلى أنَّ المَعْنى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ويُغَطِّي سَيِّئاتِهِمْ ويَسْتُرُها عَنْهم فَلا تَمُرُّ لَهم بِبالٍ ولا يَذْكُرُونَها أصْلًا لِئَلّا يَخْجَلُوا فَيَتَكَدَّرَ صَفْوُ عَيْشِهِمْ، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ ذَلِكَ.

﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الإدْخالِ والتَّكْفِيرِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِأنَّهُ مُنْتَهى ما تَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ مِن جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضُرٍّ، و( عِنْدَ اللَّهِ ) حالٌ مِن ( فَوْزًا ) لِأنَّ صِفَةَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَتْ عَلَيْها

صفحة 95

أُعْرِبَتْ حالًا، وكَوْنُهُ يَجُوزُ فِيهِ الحالِيَّةُ إذا تَأخَّرَ عَنْ ( عَظِيمًا ) لا ضَيْرَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ أيْ كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أيْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقَضائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ،

48:6Page 511

وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا ٦

And [that] He may punish the hypocrite men and hypocrite women, and the polytheist men and polytheist women - those who assume about Allāh an assumption of evil nature. Upon them is a misfortune of evil nature; and Allāh has become angry with them and has cursed them and prepared for them Hell, and evil it is as a destination.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ عُطِفَ عَلى يُدْخِلَ أيْ ولِيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إلَخْ لِيَغِيظَهم مِن ذَلِكَ، وهو ظاهِرٌ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ في ﴿لِيُدْخِلَ﴾ حَتّى وجْهِ البَدَلِيَّةِ فَإنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ تُصَحِّحُهُ المُلابَسَةُ كَما مَرَّ، وازْدِيادُ الإيمانِ عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِهِ مِمّا يَغِيظُهم بِلا رَيْبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ عَطْفًا عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم أكْثَرُ ضَرَرًا عَلى المُسْلِمِينَ فَكانَ في تَقْدِيمِ تَعْذِيبِهِمْ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ.

﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أيْ ظَنَّ الأمْرِ الفاسِدِ المَذْمُومِ وهو أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ وسائِرَ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ مِنَ الشِّرْكِ أوْ غَيْرِهِ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ ما يَظُنُّونَهُ ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَهو حائِقٌ بِهِمْ ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (دائِرَةُ السُّوءِ) بِالضَّمِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ( السَّوْءِ ) بِالفَتْحِ عَلى ما في الصِّحاحِ أنَّ المَفْتُوحَ مَصْدَرٌ والمَضْمُومَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى المَساءَةِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى كالكُرْهِ والكَرْهِ عِنْدَ الكِسائِيِّ وكِلاهُما في الأصْلِ مَصْدَرٌ غَيْرَ أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ والمَضْمُومَ جَرى مَجْرى الشَّرِّ، ولَمّا كانَتِ الدّائِرَةُ هُنا مَحْمُودَةً وأُضِيفَتْ إلى المَفْتُوحِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ تَعَيَّنَ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ ذاكَ عَلى تَأْوِيلِ أنَّها مَذْمُومَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن دارَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، واسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ أكْثَرُ وهي مَصْدَرٌ بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ أوِ اسْمِ فاعِلٍ، وإضافَتُها عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْبَيانِ عَلى المُبالَغَةِ، وفي الكَشْفِ الإضافَةُ بِمَعْنى مِن عَلى نَحْوِ دائِرَةِ ذَهَبَ فَتَدَبَّرْ.

والكَلامُ إمّا إخْبارٌ عَنْ وُقُوعِ السُّوءِ بِهِمْ أوْ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وكانَ الظّاهِرُ فَلَعَنَهم فَأُعِدَّ بِالفاءِ في المَوْضِعَيْنِ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقِلٌّ في الوَعِيدِ بِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِلسَّبَبِيَّةِ فِيهِ ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ جَهَنَّمُ

48:7Page 511

وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧

And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ذُكِرَ سابِقًا عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُدَبِّرُ لِأمْرِ المَخْلُوقاتِ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ فَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وهاهُنا أُرِيدَ بِهِ التَّهْدِيدُ بِأنَّهم في قَبْضَةِ قُدْرَةِ المُنْتَقِمِ ولِذا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فَلا تَكْرارَ كَما قالَ الشِّهابُ، وقِيلَ: إنَّ الجُنُودَ جُنُودُ رَحْمَةٍ وجُنُودُ عَذابٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الثّانِي كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِزَّةِ.

48:8Page 511

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٨

Indeed, We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ أيْ عَلى أُمَّتِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ وشاهِدًا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا ﴿ومُبَشِّرًا﴾ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ﴿ونَذِيرًا﴾ بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ

48:9Page 511

لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٩

That you [people] may believe in Allāh and His Messenger and honor him and respect him [i.e., the Prophet (ﷺ)] and exalt Him [i.e., Allāh] morning and afternoon.

﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ وهو مِن بابِ التَّغْلِيبِ غُلِّبَ فِيهِ المُخاطَبُ عَلى الغَيْبِ فَيُفِيدُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِرِسالَتِهِ كالأُمَّةِ وهو كَذَلِكَ، وقالَ الواحِدِيُّ: الخِطابُ في ( أرْسَلْناكَ ) لِلنَّبِيِّ ﷺ وفي ( لِتُؤْمِنُوا ) لِأُمَّتِهِ فَعَلى هَذا إنْ كانَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ يَكُونُ المُعَلَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وكَيْتَ وكَيْتَ فَعَلَ ذَلِكَ الإرْسالُ أوْ لِلْأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) عَلى قِراءَةِ التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ فَقِيلَ هو عَلى مَعْنى قُلْ لَهُمْ: لِتُؤْمِنُوا إلَخْ، وقِيلَ: هو لِلْأُمَّةِ عَلى أنَّ خِطابَهُ ﷺ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ خِطابِهِمْ فَهو عَيْنُهُ ادِّعاءٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا، ولا يُعْتَرَضُ

صفحة 96

عَلَيْهِ بِما قَرَّرَهُ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يُخاطَبَ في كَلامٍ واحِدٍ اثْنانِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ أوْ تَثْنِيَةٍ أوْ جَمْعٍ لِأنَّهُ بَعْدَ التَّنْزِيلِ لا تَعَدُّدَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ غَيْرُ مُخاطَبِينَ في الحَقِيقَةِ فَخِطابُهم في حُكْمِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: الِامْتِناعُ المَذْكُورُ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُخاطَبِينَ مُسْتَقِلًّا، أمّا إذا كانَ أحَدُهُما داخِلًا في خِطابِ الآخَرِ بِرِسالَتِهِ فَلا امْتِناعَ كَما يُعْلَمُ مِن تَتَبُّعِ كَلامِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ خِطابُ الأُمَّةِ أيْضًا مِن غَيْرِ تَغْلِيبٍ، والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ وما ذُكِرَ سابِقًا سالِمٌ عَنِ القالِ والقِيلِ.

﴿وتُعَزِّرُوهُ﴾ أيْ تَنْصُرُوهُ كَما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ونُصْرَتُهُ سُبْحانَهُ بِنُصْرَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﷺ ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ أيْ تُعَظِّمُوهُ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، والضَّمِيرُ لَهُ تَعالى أيْضًا، وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلرَّسُولِ ﷺ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الضَّمِيرِ في ( تُعَزِّرُوهُ ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّعْزِيرَ لا يَكُونُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يَتَعَيَّنُ عِنْدَ الكُلِّ كَوْنُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُسَبِّحُوهُ﴾ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ فِيما تَقَدَّمَ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا لِئَلّا يَلْزَمَ فَكُّ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ أيْ وتُنَزِّهُوا اللَّهَ تَعالى أوْ تُصَلُّوا لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ السُّبْحَةِ ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا، والمُرادُ ظاهِرُهُما أوْ جَمِيعُ النَّهارِ ويُكَنّى عَنْ جَمِيعِ الشَّيْءِ بِطَرَفَيْهِ كَما يُقالُ شَرْقًا وغَرْبًا لِجَمِيعِ الدُّنْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ الظُّهْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الأرْبَعَةَ. أعْنِي لِتُؤْمِنُوا وما بَعْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما قَرَءا (ويُسَبِّحُوا اللَّهَ) بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مَكانَ الضَّمِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (تَعْزُرُوهُ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وضَمِّ الزّايِ مُخَفَّفًا، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ فَتْحُ التّاءِ وكَسْرُ الزّايِ مُخَفَّفًا ورُوِيَ هَذا عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ مُخَفَّفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ اليَمانِيِّ ( تُعَزِّزُوهُ) بِزاءَيْنِ مِنَ العِزَّةِ أيْ تَجْعَلُوهُ عَزِيزًا وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﷺ كَذَلِكَ. وقُرِئَ (وتُوَقِّرُوهُ) مِن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ

48:10Page 512

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٠

Indeed, those who pledge allegiance to you, [O Muḥammad] - they are actually pledging allegiance to Allāh. The hand1 of Allāh is over their hands.2 So he who breaks his word only breaks it to the detriment of himself. And he who fulfills that which he has promised Allāh - He will give him a great reward.

﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى المَوْتِ في نُصْرَتِكَ كَما رُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ وغَيْرِهِ أوْ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا مِن قُرَيْشٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وجابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في تَفْصِيلِ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والمُبايَعَةُ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ، وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ البَيْعِ يُقالُ: بايَعَ السُّلْطانَ مُبايَعَةً إذا ضَمِنَ بِذَلِكَ الطّاعَةَ لَهُ بِما رَضَخَ لَهُ، وكَثِيرًا ما تُقالُ عَلى البَيْعَةِ المَعْرُوفَةِ لِلسَّلاطِينِ ونَحْوِهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ رَضَخَ، وما وقَعَ لِلْمُؤْمِنِينَ قِيلَ يُشِيرُ إلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن بَيْعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإطاعَتِهِ إطاعَةُ اللَّهِ تَعالى وامْتِثالُ أوامِرِهِ سُبْحانَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فَمُبايَعَةُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ مُشاكَلَةٌ أوْ هو صِرْفُ مَجازٍ، وقُرِئَ (إنَّما يُبايِعُونَ لِلَّهِ) أيْ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى ولِوَجْهِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّما يُبايِعُونَكَ لِلَّهِ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المُبايَعَةِ. قالَ في الكَشّافِ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ أكَّدَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ فَقالَ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ وأنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوارِحِ وصِفاتِ الأجْسامِ وإنَّما المَعْنى تَقْرِيرُ أنَّ عَقْدَ المِيثاقِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ كَعَقْدِهِ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنِهِما. وفي المِفْتاحِ أمّا حُسْنُ الِاسْتِعارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ فَبِحَسَبِ حُسْنِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ مَتّى كانَتْ

صفحة 97

تابِعَةً لَها كَما في قَوْلِكَ: فُلانٌ بَيْنَ أنْيابِ المَنِيَّةِ ومَخالِبِها ثُمَّ إذا انْضَمَّ إلَيْها المُشاكَلَةُ كَما في ( يَدُ اللَّهِ ) إلَخْ كانَتْ أحْسَنَ وأحْسَنَ، يَعْنِي أنَّ في اسْمِ اللَّهِ تَعالى اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ تَشْبِيهًا لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمُبايِعِ، واليَدُ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ مَعَ أنَّ فِيها أيْضًا مُشاكَلَةً لِذِكْرِها مَعَ أيْدِي النّاسِ، وامْتِناعُ الِاسْتِعارَةِ في اسْمِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو في الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ دُونَ المَكْنِيَّةِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ إطْلاقُ اسْمِهِ تَعالى عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ كَيْسانَ اليَدُ القُوَّةُ أيْ قُوَّةُ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ أيْ ثِقْ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَكَ لا بِنُصْرَتِهِمْ وإنْ بايَعُوكَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ أوْ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الطّاعَةِ أوْ يَدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في المِنَّةِ عَلَيْهِمْ في الهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الطّاعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَوْفِيقِهِمْ لِمُبايَعَتِكَ فَوْقَ نِعْمَتِهِمْ وهي مُبايَعَتُهم إيّاكَ وأعْظَمُ مِنها، وفِيهِ شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ تَأْوِيلاتٌ ارْتَكَبَها الخَلَفُ وأحْسَنُها ما ذُكِرَ أوَّلًا، والسَّلَفُ يَمُرُّونَ الآيَةَ كَما جاءَتْ مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الجَوارِحِ وصِفاتِ الأجْسامِ وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في جَمِيعِ المُتَشابِهاتِ ويَقُولُونَ: إنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الذّاتِ وأنّى ذَلِكَ وهَيْهاتَ هَيْهاتَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ لِإنَّ، وكَذا جُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ( يُبايِعُونَكَ ) وفي جَوازِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها اسْمِيَّةً غَيْرَ مُقْتَرِنَةٍ بِالواوِ كَلامٌ ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ نَقَضَ العَهْدَ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ فَلا يَعُودُ ضَرَرُ نَكْثِهِ إلّا عَلَيْهِ، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ما نَكَثَ أحَدٌ البَيْعَةَ إلّا جَدَّ بْنَ قَيْسٍ وكانَ مُنافِقًا، والَّذِي نَقَلَهُ الطَّيِّبِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُبايِعْ لا أنَّهُ بايَعَ ونَكَثَ قالَ: سُئِلَ جابِرٌ كَمْ كانُوا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؟ قالَ: كُنّا أرْبَعَ عَشْرَ مِائَةٍ فَبايَعْناهُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ آخِذٌ بِيَدِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وهي سَمُرَةٌ فَبايَعْناهُ غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الأنْصارِيِّ اخْتَفى تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ ولَمْ يَسِرْ مَعَ القَوْمِ، ولَعَلَّ هَذا هو الأوْفَقُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ﴾ .

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يَنْكِثُ) بِكَسْرِ الكافِ ﴿ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجَنَّةُ وما يَكُونُ فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويُقالُ: وفى بِالعَهْدِ وأوْفى بِهِ إذا تَمَّمَهُ وأوْفى لُغَةُ تِهامَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ .

﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ وقُرِئَ (بِما عَهِدَ) ثُلاثِيًّا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلَيْهِ) بِكَسْرِ الهاءِ كَما هو الشّائِعُ وضَمَّها حَفْصٌ هُنا، قِيلَ: وجْهُ الضَّمِّ أنَّها هاءُ هو وهي مَضْمُومَةٌ فاسْتَصْحَبَ ذَلِكَ كَما في لَهُ وضَرَبَهُ، ووَجْهُ الكَسْرِ رِعايَةُ الياءِ وكَذا في إلَيْهِ وفِيهِ وكَذا فِيما إذا كانَ قَبْلَها كَسْرَةٌ نَحْوَ بِهِ ومَرَرْتُ بِغُلامِهِ لِثِقَلِ الِانْتِقالِ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَّمِّ، وحَسَّنَ الضَّمَّ في الآيَةِ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى تَفْخِيمِ لَفْظِ الجَلالَةِ المُلائِمِ لِتَفْخِيمِ أمْرِ العَهْدِ المُشْعِرِ بِهِ الكَلامُ، وأيْضًا إبْقاءُ ما كانَ عَلى ما كانَ مُلائِمٌ لِلْوَفاءِ بِالعَهْدِ وإبْقائِهِ وعَدَمِ نَقْضِهِ، وقَدْ سَألْتُ كَثِيرًا مِنَ الأجِلَّةِ وأنا قَرِيبُ عَهْدٍ بِفَتْحِ فَمِي لِلتَّكَلُّمِ عَنْ وجْهِ هَذا الضَّمِّ هُنا فَلَمْ أُجَبْ بِما يَسْكُنُ إلَيْهِ قَلْبِي ثُمَّ ظَفِرْتُ بِما سَمِعْتَ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى ما هو خَيْرٌ مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ورَوْحٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (فَسَنُؤْتِيهِ) بِالنُّونِ.

48:11Page 512

سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١

Those who remained behind1 of the bedouins will say to you, "Our properties and our families occupied us, so ask forgiveness for us." They say with their tongues what is not within their hearts. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He intended for you harm or intended for you benefit? Rather, ever is Allāh, of what you do, Aware.

﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ ودَخَلَ كَلامُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعَرابِ هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وغِفارٌ وأشْجَعُ والدِّيلُ وأسْلَمُ اسْتَنْفَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

صفحة 98

حِينَ أرادَ المَسِيرَ إلى مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا لِيَخْرُجُوا مَعَهُ حَذِرًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ يَصُدُّوهُ عَنِ البَيْتِ وأحْرَمَ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وساقَ مَعَهُ الهَدْيَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُرِيدُ حَرْبًا ورَأى أُولَئِكَ الأعْرابُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَقْبِلُ عَدَدًا عَظِيمًا مِن قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وكِنانَةَ والقَبائِلِ المُجاوِرِينَ مَكَّةَ وهُمُ الأحابِيشُ ولَمْ يَكُنِ الإيمانُ تَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ فَقَعَدُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخَلَّفُوا وقالُوا: نَذْهَبُ إلى قَوْمٍ قَدْ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ وقَتَلُوا أصْحابَهُ فَنُقاتِلُهم وقالُوا: لَنْ يَرْجِعَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا أصْحابُهُ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وأعْلَمَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ واعْتِذارِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ فَكانَ كَذَلِكَ ( والمُخَلَّفُونَ ) جَمْعُ مُخَلَّفٍ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: هو المَتْرُوكُ في المَكانِ خَلْفَ الخارِجِينَ مِنَ البَلَدِ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ وضِدُّهُ المُقَدَّمُ، ( والأعْرابِ ) في المَشْهُورِ سُكّانُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ لا واحِدَ لَهُ أيْ سَيَقُولُ لَكَ المَتْرُوكُونَ الغَيْرُ الخارِجِينَ مَعَكَ مُعْتَذِرِينَ إلَيْكَ ﴿شَغَلَتْنا﴾ عَنِ الذَّهابِ مَعَكَ ﴿أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ لَنا مَن يَقُومُ بِحِفْظِ ذَلِكَ ويَحْمِيهِ عَنِ الضَّياعِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأهْلِ بَعْدَ الأمْوالِ مِن بابِ التَّرَقِّي لِأنَّ حِفْظَ الأهْلِ عِنْدَ ذَوِي الغَيْرَةِ أهَمُّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ نُوحِ بْنِ بازانَ (شَغَّلَتْنا) بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ اللَّهَ تَعالى لِيَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَكاسُلٍ في طاعَتِكَ بَلْ لِذَلِكَ الدّاعِي ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ كَلامَهم مِن طَرَفِ اللِّسانِ غَيْرُ مُطابِقٍ لِما في الجِنانِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وكَوْنُها بَدَلًا مِن ( سَيَقُولُ ) غَيْرُ ظاهِرٍ، والكَذِبُ راجِعٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الخَبَرِ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِأنَّهُ لِضَرُورَةٍ داعِيَةٍ لَهُ وهو القِيامُ بِمَصالِحِهِمُ الَّتِي لا بُدَّ مِنها وعَدَمُ مَن يَقُومُ بِها لَوْ ذَهَبُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا راجِعٌ لِما تَضَمَّنَهُ (اسْتَغْفِرْ) الإنْشاءَ مِنِ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم مُذْنِبُونَ وأنَّ دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم يُفِيدُهم فائِدَةً لازِمَةً لَهُمْ، أوْ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَذِبًا لَيْسَ لِعَدَمِ مُطابَقَةِ نِسْبَةِ الِاعْتِقادِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ النِّظامُ بَلْ لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ الواقِعَ بِحَسَبِ الِاعْتِقادِ وفُرِّقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عِنْدَ اعْتِذارِهِمْ بِتِلْكَ الأباطِيلِ، والمِلْكُ إمْساكٌ بِقُوَّةٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الضَّبْطِ وهو حِفْظٌ عَنْ حَزْمٍ، ومِنهُ لا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ ومَلَكْتُ العَجِينَ إذا شَدَدْتَ عَجْنَتَهُ، ومَلَكْتُ الشَّيْءَ إذا دَخَلَ تَحْتَ ضَبْطِكَ دُخُولًا تامًّا، وإذا قُلْتَ: لا أمْلِكُ كانَ نَفْيًا لِلِاسْتِطاعَةِ والطّاقَةِ إمْساكًا ومَنعًا، فَأصْلُ المَعْنى هُنا فَمَن يَسْتَطِيعُ لَكم إمْساكَ شَيْءٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ أرادَ بِكم إلَخْ، واللّامُ مِن ( لَكم ) إمّا لِلْبَيانِ أوْ مِن صِلَةِ الفِعْلِ لِأنَّ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ ولِأجْلِهِمْ، و( مِنَ اللَّهِ ) حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ أعْنِي شَيْئًا مُقَدَّمَةٌ، وتَفْسِيرُ المِلْكِ بِالمَنعِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ الإمْساكَ والدَّفْعَ فَلا يُمْكِنُهُ المَنعُ ولَيْسَ ذَلِكَ لِجَعْلِهِ مَجازًا عَنْهُ أوْ مُضَمَّنًا إيّاهُ واللّامُ زائِدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ و( مِنَ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِيَمْلِكُ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِالضُّرِّ والنَّفْعِ ما يَضُرُّ وما يَنْفَعُ فَهُما مَصْدَرانِ مُرادٌ بِهِما الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ أوْ مُؤَوَّلانِ بِالوَصْفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ضُرًّا) بِضَمِّ الضّادِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ قُلْ لَهم إذْ لا أحَدٌ يَدْفَعُ ضُرَّهُ ولا نَفْعَهُ تَعالى فَلَيْسَ الشُّغْلُ بِالأهْلِ والمالِ عُذْرًا فَلا ذاكَ يَدْفَعُ الضُّرَّ إنْ أرادَهُ عَزَّ وجَلَّ ولا مُغافَصَةُ العَدُوِّ تَمْنَعُ

صفحة 99

النَّفْعَ إنْ أرادَ بِكم نَفْعًا، وهَذا كَلامٌ جامِعٌ في الجَوابِ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِمْ مِنَ المُبْطِلِينَ وبِجَلالَةِ مَحَلِّ المُحِقِّينَ ثُمَّ تَرَقّى سُبْحانَهُ مِنهُ إلى ما يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ ﴿خَبِيرًا﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ تَخَلُّفَكم وقَصْدَكم فِيهِ ويُجازِيكم عَلى ذَلِكَ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском