Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Fath 48:12–15
48:12Page 512
بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٢
But you thought that the Messenger and the believers would never return to their families, ever, and that was made pleasing in your hearts. And you assumed an assumption of evil and became a people ruined."
ثُمَّ خَتَمَ جَلَّ وعَلا بِمَكْنُونِ ضَمائِرِهِمْ ومَخْزُونِ ما أُعِدَّ لَهم عِنْدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُورًا﴾ وفي الِانْتِصافِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ﴾ إلَخْ لَفًّا ونَشْرًا والأصْلُ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضُرًّا أوْ مَن يَحْرِمُكُمُ النَّفْعَ إنْ أرادَ بِكم نَفْعًا لِأنَّ مَن يَمْلِكُ يُسْتَعْمَلُ في الضُّرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ﴾ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهُ شَيْئًا﴾ ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَعْضِ الحَدِيثِ: «(إنِّي لا أمْلِكُ لَكم شَيْئًا)». يُخاطِبُ عَشِيرَتَهُ وأمْثالُهُ كَثِيرٌ، وسِرُّ اخْتِصاصِهِ بِدَفْعِ المَضَرَّةِ أنَّ المِلْكَ مُضافٌ في هَذِهِ المَواضِعِ بِاللّامِ، ودَفْعُ المَضَرَّةِ نَفْعٌ يُضافُ لِلْمَدْفُوعِ عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ حِرْمانُ المَنفَعَةِ فَإنَّهُ ضَرَرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ لا لَهُ فَإذا ظَهَرَ ذَلِكَ فَإنَّما انْتَظَمَتِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ كَذَلِكَ لِأنَّ القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما نَفْيٌ لِدَفْعِ المَقْدُورِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَلَمّا تَقارَبا أُدْرِجا في عِبارَةٍ واحِدَةٍ، وخُصَّ عِبارَةُ دَفْعِ الضُّرِّ لِأنَّهُ هو المُتَوَقَّعُ لِهَؤُلاءِ إذِ الآيَةُ في سِياقِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ وهي نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ فَإنَّ العِصْمَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ السُّوءِ لا مِنَ الرَّحْمَةِ، فَهاتانِ الآيَتانِ تَوْأمَتانِ في التَّقْرِيرِ المَذْكُورِ انْتَهى، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في الآيَةِ، وفي تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذا لَفًّا ونَشْرًا نَظَرٌ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عُمُومُ الضُّرِّ والنَّفْعِ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِالضُّرِّ ما يَضُرُّ مِن هَلاكِ الأهْلِ والمالِ وضَياعِهِما وبِالنَّفْعِ ما يَنْفَعُ مِن حِفْظِ المالِ والأهْلِ وتَعْمِيمِهِما يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَإنَّهُ إضْرابٌ عَمّا قالُوهُ وبَيانٌ لِكَذِبِهِ بَعْدَ بَيانِ فَسادِهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِهِ انْتَهى، وهو كَلامٌ أوْهى مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ لِأنَّ في التَّعْمِيمِ إفادَةً لِما ذُكِرَ وزِيادَةً تُفِيدُ قُوَّةً وبَلاغَةً، والظّاهِرُ أنَّ كُلًّا مِنَ الإضْراباتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ إلَخْ بَدَلٌ مِن ( كانَ اللَّهُ ) إلَخْ مُفَسِّرٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. وفي البَحْرِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْعِلَّةِ في تَخَلُّفِهِمْ أيْ بَلْ ظَنَنْتُمْ ﴿أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ أيْ لَنْ يَرْجِعَ مِن ذَلِكَ السَّفَرِ ﴿الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ﴾ أيْ عَشائِرِهِمْ وذَوِي قُرْباهم ﴿أبَدًا﴾ بِأنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالمَرَّةِ فَحَسِبْتُمْ إنْ كُنْتُمْ مَعَهم أنْ يُصِيبَكم ما يُصِيبُهم فَلِأجْلِ ذَلِكَ تَخَلَّفْتُمْ لا لِما ذَكَرْتُمْ مِنَ المَعاذِيرِ الباطِلَةِ. والأهْلُونَ جَمْعُ أهْلٍ وجَمْعُهُ جَمْعُ السَّلامَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِعَلَمٍ ولا صِفَةٍ مِن صِفاتِ مَن يَعْقِلُ ويُجْمَعُ عَلى إهَلاتٍ بِمُلاحَظَةِ تاءِ التَّأْنِيثِ في مُفْرَدِهِ تَقْدِيرًا فَيُجْمَعُ كَتَمْرَةٍ وتَمَراتٍ ونَحْوَهُ أرْضٌ وأرْضاتٌ، وقَدْ جاءَ عَلى ما في الكَشّافِ أهِلَّةٌ بِالتّاءِ ويَجُوزُ تَحْرِيكُ عَيْنِهِ أيْضًا فَيُقالُ: إهَلاتٌ بِفَتْحِ الهاءِ، وكَذا يُجْمَعُ عَلى أهالٍ كَلَيالٍ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ اسْمَ الجَمْعِ وقِيلَ: وهو إطْلاقٌ مِنهُ في الجَمْعِ الوارِدِ عَلى خِلافِ القِياسِ وإلّا فاسْمُ الجَمْعِ شَرْطُهُ عِنْدَ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ المُفْرَداتِ سَواءٌ كانَ لَهُ مُفْرَدٌ أمْ لا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إلى أهْلِهِمْ) بِغَيْرِ ياءِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ ( لَنْ ) لَيْسَتْ لِلتَّأْبِيدِ ومَن زَعَمَ إفادَتَها إيّاهُ جَعَلَ ﴿أبَدًا﴾ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وزُيِّنَ﴾ أيْ حَسَّنَ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الظَّنُّ المَفْهُومُ مِن ظَنَنْتُمْ ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فَلَمْ تَسْعَوْا في إزالَتِهِ فَتَمَكَّنَ فِيكم فاشْتَغَلْتُمْ بِشَأْنِ أنْفُسِكم غَيْرَ مُبالِينَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى
صفحة 100
عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المَظْنُونِ وهو عَدَمُ انْقِلابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا أيْ حُسِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم فَأحْبَبْتُمُوهُ والمُرادُ مِن ذَلِكَ تَقْرِيعُهم بِبُغْضِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، والمُناسِبُ لِلسِّياقِ ما تَقَدَّمَ. وقُرِئَ: ( زَيَّنَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى الشَّيْطانِ ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وهو ظَنُّهُمُ السّابِقُ فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ الذِّكْرى وأُعِيدَ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِ بِالسَّوْءِ أوْ هو عامٌّ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ الظَّنَّ وسائِرَ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الظَّنُّ بِعَدَمِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ الجازِمَ بِصِحَّتِها لا يَحُومُ فِكْرُهُ حَوْلَ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ.
﴿وكُنْتُمْ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ هالِكِينَ لِفَسادِ عَقِيدَتِكم وسُوءِ نِيَّتِكم مُسْتَوْجِبِينَ سَخَطَهُ تَعالى وعِقابَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: أيْ فاسِدِينَ في أنْفُسِكم وقُلُوبِكم ونِيّاتِكم لا خَيْرَ فِيكُمْ، والظّاهِرُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّ بُورًا في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالهَلَكِ ولِذا وُصِفَ بِهِ المُفْرَدُ المُذَكَّرُ في قَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرى:
يا رَسُولَ اللَّهِ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ
والمُؤَنَّثُ حَكى أبُو عُبَيْدَةَ امْرَأةٌ بُورٌ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ كَحائِلٍ وحُولٍ وعائِذٍ وعُوذٍ وبازِلٍ وبُزْلٍ، وعَلى المَصْدَرِيَّةِ هو مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كانَ بِمَعْنى صارَ أيْ وصِرْتُمْ بِذَلِكَ الظَّنِّ قَوْمًا هالِكِينَ مُسْتَوْجِبِينَ السَّخَطَ والعِقابَ والظّاهِرُ إبْقاؤُها عَلى بابِها والمُضِيُّ بِاعْتِبارِ العِلْمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: أيْ كُنْتُمْ قَبْلَ الظَّنِّ فاسِدِينَ،
48:13Page 512
وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَعِيرٗا ١٣
And whoever has not believed in Allāh and His Messenger - then indeed, We have prepared for the disbelievers a Blaze.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلَخْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ مُقَرِّرٌ لِبَوارِهِمْ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ أيْ ومَن لَمْ يُصَدِّقْ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ ﴿فَإنّا أعْتَدْنا﴾ هَيَّأْنا ﴿لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ نارًا مَسْعُورَةً مُوقَدَةً مُلْتَهِبَةً وكانَ الظّاهِرُ - لَهم - فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ما ذَكَرَ إيذانًا مَن لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو كافِرٌ وأنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلسَّعِيرِ بِكُفْرِهِ لِمَكانِ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ.
وتَنْكِيرُ سَعِيرٍ لِلتَّهْوِيلِ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّها لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها واكْتِناهُ كُنْهِها، وقِيلَ: لِأنَّها نارٌ مَخْصُوصَةٌ فالتَّنْكِيرُ لِلتَّنْوِيعِ ( ومَن ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والعائِدُ مِنَ الخَبَرِ أوْ مِن جَوابِ الشَّرْطِ هو الظّاهِرُ القائِمُ مَقامَ المُضْمَرِ
48:14Page 512
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٤
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو عَزَّ وجَلَّ المُتَصَرِّفُ في الكُلِّ كَما يَشاءُ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾
أنْ يَغْفِرَ لَهُ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِن غُفْرانِهِ تَعالى وتَعْذِيبِهِ جَلَّ وعَلا وُجُودًا وعَدَمًا ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ لِمَن يَشاءُ ولا يَشاءُ سُبْحانَهُ إلّا لِمَن تَقْتَضِي الحِكْمَةُ المَغْفِرَةَ لَهُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ سُبْحانَهُ ورَسُولِهِ ﷺ وأمّا مَن عَداهُ مِنَ الكافِرِينَ المُجاهِرِينَ والمُنافِقِينَ فَهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ قَطْعًا وفي تَقْدِيمِ المَغْفِرَةِ والتَّذْيِيلِ بِكَوْنِهِ تَعالى غَفُورًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ وضَمِّ رَحِيمًا إلَيْهِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ أيْضًا دُونَ التَّذْيِيلِ بِما يُفِيدُ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُعَذِّبًا مِمّا يَدُلُّ عَلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ ما فِيهِ.
وفِي الحَدِيثِ: «كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»
وهَذا السَّبْقُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ في أنْوارِ التَّنْزِيلِ ذاتِيٌّ وذَلِكَ لِأنَّ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ بِحَسَبِ الذّاتِ والتَّعْذِيبَ بِالعَرَضِ وتَبَعِيَّتِهِ لِلْقَضاءِ والعِصْيانِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الخَيْرَ هو المَقْضِيُّ بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ إذْ لا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ إلّا وهو
صفحة 101
مُتَضَمِّنٌ لِخَيْرٍ كُلِّيٍّ، وفُصِّلَ ذَلِكَ في شَرْحِ الهَياكِلِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِالسَّبْقِ في الحَدِيثِ كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وشُمُولُها وكَذا المُرادُ بِالغَلَبَةِ الواقِعَةِ في بَعْضِ الرِّواياتِ، وذَلِكَ نَظِيرُ ما يُقالُ: غَلَبَ عَلى فُلانٍ الكَرَمُ، ومَن جَعَلَ الرَّحْمَةَ والغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِ أمْرُ السَّبْقِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى جَعْلِهِ ذاتِيًّا كَما لا يَخْفى، والآيَةُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لِتَرْجِيَةِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ بَعْضَ التَّرْجِيَةِ إذا آمَنُوا حَقِيقَةً، وقِيلَ: لِحَسْمِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ( مَن يَشاءُ ) الأوَّلَ بِالتّائِبِ والثّانِيَ بِالمُصِرِّ، ثُمَّ قالَ: يُكَفِّرُ سُبْحانَهُ السَّيِّئاتِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، ويَغْفِرُ الكَبائِرَ بِالتَّوْبَةِ وهو اعْتِزالٌ مِنهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، وقالَ الطِّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ﴾ إلَخْ مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ عَلى أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ ومَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعَتَدْنا لِلْمُؤْمِنِينَ الجِنانَ مَثَلًا فَلا يُقَيَّدُ شَيْءٌ مِمّا قَيَّدَهُ لِيُؤْذِنَ بِالتَّصَرُّفِ التّامِّ والمَشِيئَةِ النّافِذَةِ والغُفْرانِ الكامِلِ والرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
48:15Page 512
سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥
Those who remained1 behind will say when you set out toward the war booty to take it, "Let us follow you." They wish to change the words of Allāh. Say, "Never will you follow us. Thus did Allāh say before." So they will say, "Rather, you envy us." But [in fact] they were not understanding except a little.2
﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ المَذْكُورُونَ مِنَ الأعْرابِ فاللّامُ لِلْعَهْدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ ظَرْفٌ لِما قَبْلَهُ لا شَرْطَ لِما بَعْدَهُ، والمُرادُ بِالمَغانِمِ مَغانِمُ خَيْبَرَ كَما عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، ولَمْ نَقِفْ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وأُيِّدَ بِأنَّ السِّينَ تَدُلُّ عَلى القُرْبِ وخَيْبَرُ أقْرَبُ المَغانِمِ الَّتِي انْطَلَقُوا إلَيْها مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ، فَإرادَتُها كالمُتَعَيَّنَةِ، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يُعَوِّضَهم مِن مَغانِمِ مَكَّةَ خَيْبَرَ إذا قَفَلُوا مُوادِعِينَ لا يُصِيبُونَ شَيْئًا، وخَصَّ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِهِمْ أيْ سَيَقُولُونَ عِنْدَ إطْلاقِكم إلى مَغانِمِ خَيْبَرَ لِتَأْخُذُوها حَسْبَما وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاها وخَصَّكم بِها طَمَعًا في عَرَضِ الدُّنْيا لِما أنَّهم يَرَوْنَ ضَعْفَ العَدُوِّ ويَتَحَقَّقُونَ النُّصْرَةَ ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خَيْبَرَ ونَشْهَدْ مَعَكم قِتالَ أهْلِها ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ بِأنْ يُشارِكُوا في الغَنائِمِ الَّتِي خَصَّها سُبْحانَهُ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وحاصِلُهُ يُرِيدُونَ الشَّرِكَةَ الَّتِي لا تَحْصُلُ لَهم دُونَ نُصْرَةِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مُرادِهِمْ بِذَلِكَ القَوْلِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُخَلَّفِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا يُنافِي خَبَرَ التَّخْصِيصِ إعْطاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْضَ مُهاجِرِي الحَبَشَةِ القادِمِينَ مَعَ جَعْفَرٍ وبَعْضَ الدَّوْسِيِّينَ والأشْعَرِيِّينَ مِن ذَلِكَ وهم أصْحابُ السَّفِينَةِ كَما في البُخارِيِّ، فَإنَّهُ كانَ اسْتِنْزالًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِهِمْ لَهم أوْ أنَّ بَعْضَها فُتِحَ صُلْحًا وما أعْطاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو بَعْضٌ مِمّا صالَحَ عَلَيْهِ، وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في السِّيَرِ لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ المُحَدِّثُونَ أنَّهُ لا صُلْحَ فِيها.
وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّما أعْطاهم ﷺ بِرِضا أصْحابِ الوَقْعَةِ أوْ أعْطاهم مِنَ الخُمُسِ الَّذِي هو حَقُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَيْلُ البُخارِيِّ إلى الثّانِي وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى وعْدِهِ بِتِلْكَ الغَنائِمِ لَهم خاصَّةً هو الَّذِي عَلَيْهِ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَلامُ اللَّهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ) ووافَقَهُ الجِبائِيُّ عَلى ذَلِكَ وشَنَّعَ عَلَيْهِما غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ ذَلِكَ نازِلٌ في المُخَلَّفِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ وكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ يَوْمَ الخَمِيسِ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ بِلا خِلافٍ كَما قالَ القَسْطَلانِيُّ والحُدَيْبِيَةُ في سَنَةِ سِتٍّ كَما قالَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ وغَيْرُهُ، وهَذِهِ إنَّما نَزَلَتْ بُعَيْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ، وأيْضًا قالَ في البَحْرِ: قَدْ غَزَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَضَّلَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَمِيمٍ وغَطَفانَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، وفي الكَشْفِ لَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ أرادَ أنَّ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ لَمّا كانُوا مُنافِقِينَ مِثْلَ المُخَلَّفِينَ عَنْ تَبُوكَ كانَ
صفحة 102
حُكْمُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ واحِدًا، ألا تَرى أنَّ المَعْنى المُوجِبَ مُشْتَرِكٌ وهو رِضاهم بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَكَلامُ اللَّهِ تَعالى أُرِيدَ بِهِ حُكْمُهُ السّابِقُ وهو أنَّ المُنافِقَ لا يُسْتَصْحَبُ في الغَزْوِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ هَذا الحُكْمَ مُنْقاسٌ عَلى ذَلِكَ الأصْلِ أوِ الآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ أيْضًا فَهَذا ما يُمْكِنُ في تَصْحِيحِهِ انْتَهى، ويُقالُ عَمّا في البَحْرِ: إنَّ الَّذِينَ غَزَوْا بَعْدُ لَمْ يَغْزُوا حَتّى أخْلَصُوا ولَمْ يَبْقُوا مُنافِقِينَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَلَمَ اللَّهِ) وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ كَلِمَةٌ ﴿قُلْ﴾ إقْناطًا لَهم ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ أيْ لا تَتْبَعُونا فَإنَّهُ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاتِّباعِ فِيما أرادُوا الِاتِّباعَ فِيهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ وهو الِانْطِلاقُ إلى خَيْبَرَ كَما نُقِلَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: المُرادُ ولا تَتَّبِعُونا ما دُمْتُمْ مَرْضى القُلُوبِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ المَوْعِدُ أيِ المَوْعِدُ الَّذِي تَغْيِيرُهُ تَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهو مَوْعِدُهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلّا مُتَطَوِّعِينَ لا نَصِيبَ لَهم في المَغْنَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ تَتَّبِعُونا إلّا مُتَطَوِّعِينَ، وقِيلَ: المُرادُ التَّأْبِيدُ، وظاهِرُ السِّياقِ الأوَّلُ ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ تَهَيَّأْتُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَنا وذَلِكَ عِنْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِ هَذا النَّهْيِ ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أنْ نُشارِكَكم في الغَنائِمِ، وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ بَلْ إنَّما ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم حَسَدًا. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (تَحْسِدُونَنا) بِكَسْرِ السِّينِ ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يَفْهَمُونَ ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وهو فَهْمُهم لِأُمُورِ الدُّنْيا، وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ في المُؤْمِنِينَ ووَصْفٌ لَهم بِما هو أعْظَمُ مِنَ الحَسَدِ وأطَمُّ وهو الجَهْلُ المُفْرِطُ وسُوءُ الفَهْمِ في أُمُورِ الدِّينِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَدِّهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى وإثْباتِهِمُ الحَسَدَ لِأُولَئِكَ السّادَةِ مِنَ الجَهْلِ وقِلَّةِ التَّفَكُّرِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences