Al-AlusiAl‑Fath · 48:18–23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:18–23

48:18Page 513

۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨

Certainly was Allāh pleased with the believers when they pledged allegiance to you, [O Muḥammad], under the tree, and He knew what was in their hearts, so He sent down tranquility upon them and rewarded them with an imminent conquest1

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ السَّفَرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ الَّذِينَ سافَرُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وهم أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ إلّا جَدَّ بْنَ قَيْسٍ فَإنَّهُ كانَ مُنافِقًا ولَمْ يُبايِعْ.

وأصْلُ هَذِهِ البَيْعَةِ وتُسَمّى بَيْعَةَ الرِّضْوانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى فِيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ﴾ إلَخْ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعَثَ خِراشًا بِكَسْرِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وألِفٍ بَعْدَها شِينٌ مُعْجَمَةٌ ابْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وحَمَلَهُ عَلى جَمَلٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: الثَّعْلَبُ يُعْلِمُهم أنَّهُ جاءَ مُعْتَمِرًا لا يُرِيدُ قِتالًا فَلَمّا أتاهم وكَلَّمَهم عَقَرُوا جَمَلَهُ وأرادُوا قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ حَتّى أتى الرَّسُولَ ﷺ فَدَعا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَبْعَثَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ القَوْمَ قَدْ عَرَفُوا عَداوَتِي لَهم وغِلَظِي عَلَيْهِمْ وإنِّي لا آمَنُ ولَيْسَ بِمَكَّةَ أحَدٌ مِن بَنِي عَدِيٍّ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيتُ فَأرْسِلْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَإنَّ عَشِيرَتَهُ بِها وهم يُحِبُّونَهُ وأنَّهُ يَبْلُغُ ما أرَدْتَ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُثْمانَ فَأرْسَلَهُ إلى قُرَيْشٍ وقالَ: أخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ بِقِتالٍ وإنَّما جِئْنا عُمّارًا وادْعُهم إلى الإسْلامِ

وأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْتِيَ رِجالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ ونِساءٍ مُؤْمِناتٍ فَيُبَشِّرُهم بِالفَتْحِ ويُخْبِرُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرِيبًا يُظْهِرُ دِينَهُ بِمَكَّةَ فَذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قُرَيْشٍ وكانَ قَدْ لَقِيَهُ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ فَنَزَلَ عَنْ دابَّتِهِ وحَمَلَهُ عَلَيْها وأجارَهُ فَأتى قُرَيْشًا فَأخْبَرَهم فَقالُوا لَهُ: إنْ شِئْتَ فَطُفْ بِالبَيْتِ وأمّا دُخُولُكم عَلَيْنا فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ بِهِ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاحْتَبَسُوهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَ القَوْمَ. ونادى مُنادِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّ رُوحَ القُدُسِ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأمَرَهُ بِالبَيْعَةِ فاخْرُجُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى فَبايَعُوهُ فَثارَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبايَعُوهُ»، قالَ جابِرٌ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: بايَعْناهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنْ لا نَفِرَّ ولَمْ نُبايِعْهُ عَلى المَوْتِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: بايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ تُبايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: عَلى المَوْتِ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ كانَ آخِذًا بِأغْصانِ الشَّجَرَةِ عَنْ وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يُبايِعُ النّاسَ وكانَ أوَّلُ مَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ أبا سِنانٍ وهو وهْبُ بْنُ مِحْصَنٍ أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وقِيلَ: سِنانُ بْنُ أبِي سِنانٍ، ورَوى الأوَّلَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وأنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبايِعْكَ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلامَ تُبايِعُنِي؟ قالَ: عَلى ما في نَفْسِكَ». وفي حَدِيثِ جابِرٍ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أنَّهُ قالَ: بايَعْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ آخِذٌ بِيَدِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَبْدَأِ البَيْعَةِ وإلّا فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ نافِعٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إلى

صفحة 107

فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَأْتِيَ بِهِ لِيُقاتِلَ عَلَيْهِ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وعُمَرُ لا يَدْرِي بِذَلِكَ فَبايَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلى الفَرَسِ فَجاءَ بِهِ إلى عُمَرُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتالِ فَأخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فانْطَلَقَ فَذَهَبَ مَعَهُ حَتّى بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وصَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ضَرَبَ بِيَدِهِ اليُمْنى عَلى يَدِهِ الأُخْرى وقالَ: هَذِهِ بَيْعَةُ عُثْمانَ ولَمّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ بِالبَيْعَةِ خافُوا وبَعَثُوا عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ وكانَتْ عِدَّةُ المُؤْمِنِينَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ عَلى الأصَحِّ عِنْدَ أكْثَرِ المُحَدِّثِينَ» ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْ جابِرٍ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَتادَةَ قالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ بَلَغَنِي أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كانَ يَقُولُ: كانُوا أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً فَقالَ لِي سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي جابِرٌ كانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتابَعَهُ أبُو داوُدَ. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أوْفى قالَ: كانَ أصْحابُ الشَّجَرَةِ ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ، وعِنْدَ أبِي شَيْبَةَ مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ أنَّهم كانُوا ألْفًا وسَبْعَمِائَةٍ، وجَزَمَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ بِأنَّهم كانُوا ألْفًا وسِتَّمِائَةٍ، وحَكى ابْنُ سَعْدٍ أنَّهم ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، وجَمَعَ بَيْنَ الرِّواياتِ بِأنَّها بِناءً عَلى عَدِّ الجَمِيعِ أوْ تَرْكِ الأصاغِرِ والأتْباعِ والأوْساطِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: إنَّهم كانُوا سَبْعَمِائَةٍ فَلَمْ يُوافِقْهُ أحَدٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قالَهُ اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ جابِرٍ: تُنْحَرُ البَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ وكانُوا نَحَرُوا سَبْعِينَ بَدَنَةً، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا نَحَرُوا غَيْرَ البُدْنِ مَعَ أنَّ بَعْضَهم كَأبِي قَتادَةَ لَمْ يَكُنْ أحْرَمَ أصْلًا، والشَّجَرَةُ كانَتْ سَمُرَةً، والمَشْهُورُ أنَّ النّاسَ كانُوا يَأْتُونَها فَيُصَلُّونَ عِنْدَها فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأمَرَ بِقَطْعِها خَشْيَةَ الفِتْنَةِ بِها لِقُرْبِ الجاهِلِيَّةِ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ طارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: انْطَلَقْتُ حاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: ما هَذا المَسْجِدُ؟ قالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ فَأتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبَ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ كانَ مِمَّنْ بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: فَلَمّا كانَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ نَسِيناها فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْها ثُمَّ قالَ سَعِيدٌ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوها وعَلِمْتُمُوها أنْتُمْ فَأيُّكم أعْلَمُ، والرِّضا يُقابِلُ السَّخَطَ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ والباءِ ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وهو مَعَ عَنْ إنَّما يَدْخُلُ عَلى العَيْنِ لا المَعْنى ولَكِنْ بِاعْتِبارِ صُدُورِ مَعْنًى مِنهُ يُوجِبُ الرِّضا وما في الآيَةِ مِن هَذا القِسْمِ، والمَعْنى المُوجِبُ لِلرِّضا فِيها هو المُبايَعَةُ، وإذا ذُكِرَ مَعَ العَيْنِ مَعْنًى بِالباءِ فَقِيلَ رَضِيتُ عَنْ زَيْدٍ بِإحْسانِهِ كانَتِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وجازَ أنْ تَكُونَ صِلَةً وتَتَعَيَّنُ لِلسَّبَبِيَّةِ مَعَ مُقابَلَةِ نَحْوِ سَخِطْتُ عَلَيْهِ بِإساءَتِهِ وهو مَعَ الباءِ نَحْوَ رَضِيتُ بِهِ يَجِبُ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى إلّا إذا دَخَلَ عَلى الذّاتِ تَمْهِيدًا لِلْمَعْنى لِيَكُونَ أبْلَغَ فَتَقُولُ: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ورَضِيتُ بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا وقاضِيًا، وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ جازَ دُخُولُهُ عَلى الذّاتِ نَحْوَ رَضِيتُ زَيْدًا وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّهُ مَرْضِيٌّ بِتِلْكَ الخَصْلَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجازَ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى كَرَضِيتُ إمارَةَ فُلانٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وإذا اسْتُعْمِلَ مَعَ اللّامِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ لَكَ التِّجارَةَ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ إمّا لِجَعْلِ الرِّضا مَجازًا عَنِ الِاسْتِحْمادِ وإمّا لِأنَّكَ جَعَلْتَ كَوْنَهُ مُرْضِيًا لَهُ بِمَنزِلَةِ كَوْنِهِ مُرْضِيًا لَكَ مُبالَغَةً في أنَّهُ في نَفْسِهِ مَرْضِيٌّ مَحْمُودٌ وأنَّكَ تَخْتارُ لَهُ ما تَخْتارُ لِنَفْسِكَ وهَذا أبْلَغُ، ثُمَّ هو في حَقِّ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ مُحالٌ عِنْدَ الخُلْفِ قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا تَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ عَقِيبَ أمْرٍ البَتَّةَ، فَهو عِنْدَهم مَجازٌ إمّا مِن أسْماءِ الصِّفاتِ إذا فُسِّرَ بِإرادَةِ أنْ يُثِيبَهم إثابَةَ مَن رَضِيَ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ، وإمّا مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذا فُسِّرَ بِالإثابَةِ وكَذا إذا أُرِيدَ الِاسْتِحْمادُ وفي البَحْرِ أنَّ العامِلَ بِإذْ في الآيَةِ هو رَضِيَ وهو

صفحة 108

هُنا بِمَعْنى إظْهارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ لا صِفَةُ ذاتٍ لِيَتَقَيَّدَ بِالزَّمانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّلَفَ لا يُؤَوِّلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ ويُثْبِتُونَهُ لَهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ سُبْحانَهُ ويَصْرِفُونَ الحُدُوثَ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ التَّقْيِيدُ بِالزَّمانِ إلى التَّعَلُّقِ، ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَ الرِّضا بِزَمانِ المُبايَعَةِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِها لَهُ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ إذْ لِلتَّعْلِيلِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ المُبايَعَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِيُبايِعُونَكَ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، وفي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ وقْعِ تِلْكَ المُبايَعَةِ وأنَّها لَمْ تَكُنْ عَنْ خَوْفٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذا اسْتَوْجَبَتْ رِضا اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يُعادِلُهُ شَيْءٌ ويَسْتَتْبِعُ ما لا يَكادُ يَخْطِرُ عَلى بالٍ ويَكْفِي فِيما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ. ومُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ بَشَرٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)».

وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ عِنْدَ حَفْصَةَ فَقالَتْ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فانْتَهَرَها فَقالَتْ: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾».

وصَحَّ بِرِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما في أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم: أنْتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ

فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ حُبُّهم وتَعْظِيمُهم والرِّضا عَنْهم وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ لا يَضُرُّهم بَعْدَ رِضا اللَّهِ تَعالى عَنْهم، وعُثْمانُ مِنهم بَلْ كانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَما قالَ أنَسٌ - خَيْرًا مِن أيْدِيهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ في مُبايَعَتِهِمْ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ وعَنِ الفَرّاءِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مِنَ الإيمانِ وصِحَّتِهِ وحُبِّ الدِّينِ والحِرْصِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مِنَ الهَمِّ والأنَفَةِ مِن لِينِ الجانِبِ لِلْمُشْرِكِينَ وصُلْحِهِمْ، واسْتَحْسَنَهُ أبُو حَيّانَ والأوَّلُ عِنْدِي أحْسَنُ.

وهُوَ عَطْفٌ عَلى ( يُبايِعُونَكَ ) لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ بِمَعْنى بايَعُوكَ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ( رَضِيَ ) بِتَأْوِيلِهِ بِظَهْرِ عِلْمِهِ فَيَصِيرُ مُسَبَّبًا عَنِ الرِّضا مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الطُّمَأْنِينَةَ والأمْنَ وسُكُونَ النَّفْسِ والرَّبْطَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالتَّشْجِيعِ، وقِيلَ: بِالصُّلْحِ ولَيْسَ بِذاكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( فَعَلِمَ) .

وفِي الإرْشادِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( رَضِيَ ) وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ الأوَّلُ وحَيْثُ اسْتَحْسَنَ تَفْسِيرَ ما في القُلُوبِ بِما سَمِعْتَ آنِفًا قالَ: إنَّ السَّكِينَةَ هُنا تَقْرِيرُ قُلُوبِهِمْ وتَذْلِيلُها لِقَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ مُقاتِلٌ: فَعَلِمَ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المَوْتِ فَأنْزَلَ السِّكِّينَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى بايَعُوا وتُفَسَّرُ ( السَّكِينَةَ ) بِتَذْلِيلِ قُلُوبِهِمْ ورَفْعِ كَراهَةِ البَيْعَةِ عَنْها، ولَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَعْرِفْ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَقَّهم وحَمَلَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وغَيْرُهم: هو فَتْحُ خَيْبَرَ وكانَ غَبَّ انْصِرافِهِمْ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وقالَ الحَسَنُ: فَتْحُ هَجَرَ، والمُرادُ هَجَرُ البَحْرَيْنِ وكانَ فُتِحَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِدَلِيلِ كِتابِهِ إلى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ في الصَّدَقاتِ والدِّياتِ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صالَحَ أهْلَ البَحْرَيْنِ وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ والفَتْحُ لا يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الغَزْوِ كَما عَلِمْتَ مِمّا سَبَقَ في تَفْسِيرِهِ فَسَقَطَ قَوْلُ الطَّيِّبِيِّ مُعْتَرِضًا عَلى الحَسَنِ: إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَزا هَجَرًا. نَعَمْ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ قَلِيلٌ غَيْرُ شائِعٍ بَلْ قِيلَ هو مَعْنًى مَجازِيٌّ لَهُ، وقِيلَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ والقُرْبُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ، وقَرَأ الحَسَنُ. ونُوحٌ القارِّيُّ (وآتاهُمْ) أيْ أعْطاهم.

48:19Page 513

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩

And much war booty which they will take. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ هي مَغانِمُ خَيْبَرَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وقَسَّمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما

صفحة 109

فِي حَدِيثِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ فَأعْطى لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ وكانَ مِنهم ثَلاثُمِائَةِ فارِسٍ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا، وقِيلَ: مَغانِمُ هَجَرَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، ودُلْبَةُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ورْشٍ وأبُو دِحْيَةَ وسِقْلابٌ عَنْ نافِعٍ والأنْطاكِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ (تَأْخُذُونَها) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِتَشْرِيفِهِمْ في الِامْتِنانِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالِبًا ﴿حَكِيمًا﴾ مُراعِيًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في أحْكامِهِ تَعالى وقَضاياهُ جَلَّ شَأْنُهُ

48:20Page 513

وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢٠

Allāh has promised you much booty that you will take [in the future] and has hastened for you this [victory] and withheld the hands of people from you - that it may be a sign for the believers and [that] He may guide you to a straight path.

﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِنَ المَغانِمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿تَأْخُذُونَها﴾ في أوْقاتِها المُقَدَّرَةِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ أيْ مَغانِمَ خَيْبَرَ ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ وحُلَفائِهِمْ مَن بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ حِينَ جاءُوا لِنُصْرَتِهِمْ فَقَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَنَكَصُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: كَفَّ أيْدِيَ أهْلِ مَكَّةَ بِالصُّلْحِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: كَفَّ اليَهُودَ عَنِ المَدِينَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الحُدَيْبِيَةِ وإلى خَيْبَرَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ: المَغانِمُ الكَثِيرَةُ المَوْعُودَةُ مَغانِمُ خَيْبَرَ والمُعَجَّلَةُ البَيْعَةُ والتَّخَلُّصُ مِن أمْرِ قُرَيْشٍ بِالصُّلْحِ، والجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُناسَبَةُ لِما مَرَّ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَرِيقِ الخِطابِ وغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ﴾ تَقْتَضِي عَلى ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الأفاضِلِ أنَّ هَذا جارٍ عَلى نَهْجِ التَّغْلِيبِ وإنِ احْتَمَلَ تَلْوِينَ الخِطابِ فِيهِ، وذَكَرَ الجَلْبِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ إلَخْ أنَّهُ إنْ كانَ نُزُولُها بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ كَما هو الظّاهِرُ لا تَكُونُ السُّورَةُ بِتَمامِها نازِلَةً في مَرْجِعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وإنْ كانَ قَبْلَهُ عَلى أنَّها مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ فالإشارَةُ بِهَذِهِ لِتَنْزِيلِ المَغانِمِ مَنزِلَةَ الحاضِرَةِ المُشاهَدَةِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضِيِّ لِلتَّحَقُّقِ انْتَهى، واخْتِيرَ الشِّقُّ الأوَّلُ، وقَوْلُهم: نَزَلَتْ في مَرْجِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ أوْ عَلى ظاهِرِهِ لَكِنْ يُجْعَلُ المَرْجِعُ اسْمَ زَمانٍ مُمْتَدٍّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ظاهِرَ الأخْبارِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِامْتِدادِ وأنَّها نَزَلَتْ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَلَعَلَّ الأوْلى اخْتِيارُ الشِّقِّ الثّانِي، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى المَغانِمِ الَّتِي أثابَهم إيّاها المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ وهي مَغانِمُ خَيْبَرَ، وإذا جُعِلَتِ الإشارَةُ إلى البَيْعَةِ كَما سُمِعَتْ عَنْ زَيْدٍ وابْنِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَأْوِيلِ نُزُولِها في مَرْجِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ، قِيلَ: لِلْكَفِّ المَفْهُومِ مِن ﴿كَفَّ﴾ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، وقِيلَ: لِلْكِفَّةِ فَأمْرُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِمَغانِمِ خَيْبَرَ المُشارِ إلَيْها بِهَذِهِ والآيَةُ الأمارَةُ أيْ ولِتَكُونَ أمارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ أوْ يَعْرِفُونَ بِها صِدْقَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في وعْدِهِ إيّاهم فَتْحَ خَيْبَرَ وما ذَكَرَ مِنَ المَغانِمِ وفَتْحَ مَكَّةَ ودُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ ولِتَكُونَ آيَةٌ لَهم فَعَلَ ما فَعَلَ أوْ بِما تُعَلِّقُ بِهِ عِلَّةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ مِن أحَدِ الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ أيْ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ أوْ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ ولِتَكُونَ آيَةً، فالواوُ كَما في الإرْشادِ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضِيَّةٌ وعَلى الثّانِي عاطِفَةٌ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ الواوُ زائِدَةٌ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَفَّ أوْ بِعَجَّلَ ﴿ويَهْدِيَكُمْ﴾ بِتِلْكَ الآيَةِ ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ هو الثِّقَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ.

48:21Page 513

وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢١

And [He promises] other [victories] that you were [so far] unable to [realize] which Allāh has already encompassed.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

صفحة 110

﴿وأُخْرى﴾ عَطْفٌ عَلى ( هَذِهِ ) في ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ المَغانِمَ وعَجَّلَ لَكم مَغانِمَ أُخْرى وهي مَغانِمُ هَوازِنَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، والتَّعْجِيلُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدُ فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ المُعَجَّلِ كالِابْتِداءِ بِشَيْئَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ ووَصَفَها بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها لِما كانَ فِيها مِنَ الجَوْلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَرْغِيبِهِمْ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ في مَوْضِعِ صِفَةٍ أُخْرى - لِأُخْرى - مُفِيدَةٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّيها بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ بَيانِ صُعُوبَةِ مَنالِها بِالنَّظَرِ إلى قُدْرَتِهِمْ، والإحاطَةُ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِيلاءِ التّامِّ أيْ قَدْ قَدَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها واسْتَوْلى فَهي في قَبْضِ قُدْرَتِهِ تَعالى يُظْهِرُ عَلَيْها مَن أرادَ، وقَدْ أظْهَرَكم جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْها وأظْفَرَكم بِها، وقِيلَ:

مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ أيْ قَدْ حَفِظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم، والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ أوْفَقُ بِالأوَّلِ، وعُمُومُ قُدْرَتِهِ تَعالى لِكَوْنِها مُقْتَضى الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ أنْ تَتَغَيَّرَ ولا أنْ تَتَخَلَّفَ وتَزُولَ عَنِ الذّاتِ بِسَبَبٍ ما كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، فَتَكُونُ نِسْبَتُها إلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عَلى سَواءٍ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِبَعْضٍ مِنها دُونَ بَعْضٍ وإلّا كانَتْ مُتَغايِرَةً بَلْ مُخْتَلِفَةً، وجُوِّزَ كَوْنُ ( أُخْرى ) مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها مِثْلَ قَضى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْبارَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ انْدِراجِها في جُمْلَةِ الغَنائِمِ المَوْعُودِ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ وإنَّما الفائِدَةُ في بَيانِ تَعْجِيلِها، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المَغانِمَ الكَثِيرَةَ المَوْعُودَةَ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً لِيَدْخُلَ فِيها الأُخْرى، ولَوْ سَلِمَ فَلَيْسَ المَقْصُودُ بِالإفادَةِ كَوْنَها مَقْضِيَّةً بَلْ ما بَعْدَهُ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَرْفُوعَةً بِالِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِفَةٌ وجُمْلَةُ قَدْ أحاطَ إلَخْ خَبَرُها، واسْتَظْهَرَ هَذا الوَجْهَ أبُو حَيّانَ، وقالَ بَعْضٌ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ثَمَّتْ أوْ نَحْوُهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها مَجْرُورَةً بِإضْمارِ رُبَّ كَما في قَوْلِهِ: ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخى سُدُولَهُ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ غَرابَةً لِأنَّ رُبَّ لَمْ تَأْتِ في القُرْآنِ العَظِيمِ جارَّةً مَعَ كَثْرَةِ وُرُودِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ فَكَيْفَ تُضْمَرُ هُنا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الغَرابَةِ لا تَضُرُّ، هَذا وتَفْسِيرُ الأُخْرى بِمَغانِمِ هَوازِنَ قَدْ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هي مَكَّةُ وقَدْ حاوَلُوها عامَ الحُدَيْبِيَةَ ولَمْ يُدْرِكُوها فَأُخْبِرُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُظْفِرُهم بِها ويُظْهِرُهم عَلَيْها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، ورُوِيَتْ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها بِلادُ فارِسَ والرُّومِ وما فَتَحَهُ المُسْلِمُونَ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى تَفْسِيرِ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ المَوْعُودَةِ فِيما سَبَقَ بِما وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ المُسْلِمِينَ مِنَ المَغانِمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا تَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنْ ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِ مُحاوَلَةٍ لِتِلْكَ البِلادِ وفَواتِ دَرْكِها المَطْلُوبِ مَعَ أنَّهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ مُحاوَلَةٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي خَيْبَرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وإسْحَقَ وابْنِ زَيْدٍ أيْضًا، وفِيهِ خَفاءٌ فَلا تَغْفُلْ

48:22Page 513

وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٢٢

And if those [Makkans] who disbelieve had fought you, they would have turned their backs [in flight]. Then they would not find a protector or a helper.

﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ يُصالِحُوكم كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم حَلِيفا أهْلِ خَيْبَرَ أسَدٌ: وغَطَفانُ، وقِيلَ: اليَهُودُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ أيْ لانْهَزَمُوا فَتَوْلِيَةُ الدُّبُرِ كِنايَةٌ عَنِ الهَزِيمَةِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يَحْرُسُهم، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ الحارِسَ أحَدُ مَعانِي الوَلِيِّ، وتَفْسِيرُهُ هُنا بِذَلِكَ لِمُناسَبَتِهِ لِلْمُنْهَزِمِ، وقالَ الرّاغِبُ: كُلُّ مِن ولِيَ أمْرَ آخَرَ فَهو ولِيُّهُ، وعَلَيْهِ فالحارِسُ ولِيٌّ لِأنَّهُ يَلِي أمْرَ المَحْرُوسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ لا يَجِدُونَ فَرْدًا ما مِنَ الأوْلِياءِ ﴿ولا نَصِيرًا﴾ ولا فَرْدًا ما مِنَ النّاصِرِينَ يَنْصُرُهم، وقالَ الإمامُ: أُرِيدَ بِالوَلِيِّ: مَن يَنْفَعُ بِاللُّطْفِ وبِالنَّصِيرِ

صفحة 111

مَن يَنْفَعُ بِالعُنْفِ

48:23Page 513

سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٢٣

[This is] the established way of Allāh which has occurred before. And never will you find in the way of Allāh any change.

﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ سَنَّ سُبْحانَهُ غَلَبَةَ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ سُنَّةً قَدِيمَةً فِيمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ عَلى ما هو المُتَبادَرُ مِن مَعْناهُ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ سُنَّتَهُ تَعالى أنْ تَكُونَ العاقِبَةُ لِأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ لا أنَّهم كُلَّما قاتَلُوا الكُفّارَ غَلَبُوهم وهَزَمُوهم ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ تَغْيِيرًا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском