Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Fath 48:24–25
48:24Page 514
وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٢٤
And it is He who withheld their hands from you and your hands from them within [the area of] Makkah after He caused you to overcome them. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ أيْ أيْدِيَ كُفّارِ مَكَّةَ، وفي التَّعْبِيرِ- بِكَفَّ- دُونَ مَنَعَ ونَحْوِهِ لُطْفٌ لا يَخْفى ﴿وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ يَعْنِي الحُدَيْبِيَةَ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَها مِن حَرَمِ مَكَّةَ، وإنْ لَمْ يَسْلَمْ فالقُرْبُ التّامُّ كافٍ ويَكُونُ إطْلاقُ (بَطْنِ مَكَّةَ) عَلَيْها مُبالَغَةً ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ﴾ مُظْهِرًا لَكم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فَتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ ما يَتَعَدّى بِهِ وهو الإظْهارُ والإعْلاءُ أيْ جَعَلَكم ذَوِي غَلَبَةٍ تامَّةٍ. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في آخَرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ هَبَطَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ ثَمانُونَ رَجُلًا مِن أهْلِمَكَّةَ في السِّلاحِ مِن قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ يُرِيدُونَ غِرَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَأُخِذُوا فَعَفا عَنْهم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ﴾ إلَخْ،
وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ إلى أنْ قالَ: فَبَيْنا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا عَلَيْهِمِ السِّلاحُ فَثارُوا إلى وُجُوهِنا فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخَذَ اللَّهُ تَعالى بِأسْماعِهِمْ - ولَفْظُ الحاكِمِ بِأبْصارِهِمْ - فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهم فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدِ أحَدٍ أوْ هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟ فَقالُوا: لا فَخَلّى سَبِيلَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ إلَخْ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «قَدِمْنا الحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَحْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ راسَلُونا إلى الصُّلْحِ فَلَمّا اصْطَلَحْنا واخْتَلَطَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أتَيْتُ شَجَرَةً فاضْطَجَعْتُ في ظِلِّها فَأتانِي أرْبَعَةٌ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يَقَعُونَ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأبْغَضْتُهم وتَحَوَّلْتُ الى شَجَرَةٍ أُخْرى فَعَلَّقُوا سِلاحَهم واضْطَجَعُوا فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ نادى مُنادٍ مِن أسْفَلِ ما لِلْمُهاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زَنِيمٍ فاخْتَرَطْتُ سَيْفِي فاشْتَدَّتْ عَلى أُولَئِكَ الأرْبَعَةِ وهم رُقُودٌ فَأخَذْتُ سِلاحَهم وجَعَلْتُهُ في يَدِي ثُمَّ قُلْتُ: والَّذِي كَرَّمَ وجْهَ مُحَمَّدٍ لا يَرْفَعُ أحَدٌ مِنكم رَأْسَهُ إلّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْناهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أسُوقُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجاءَ عَمِّي عامِرٌ بِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ مُكَرَّزٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُودُهُ حَتّى وقَفْنا بِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَبْعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: دَعُوهم يَكُونُ لَهم بَدْءُ الفُجُورِ وثَناهُ فَعَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ﴾ إلَخْ،» وهَذا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبْزى قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالهَدْيِ وانْتَهى إلى ذِي الحُلَيْفَةِ قالَ لَهُ عَمِّي: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَدْخُلُ عَلى قَوْمٍ لَكَ حَرْبٌ بِغَيْرِ سِلاحٍ ولا كُراعٍ فَبَعَثَ إلى المَدِينَةِ فَلَمْ يَدَعْ فِيها كُراعًا ولا سِلاحًا إلّا حَمَلَهُ فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ مَنَعُوهُ أنْ يَدْخُلَ فَسارَ حَتّى أتى مِنًى فَنَزَلَ بِها فَأتاهُ عَيْنُهُ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ قَدْ جَمَعَ عَلَيْكَ في
صفحة 112
خَمْسِمِائَةٍ فَقالَ لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: يا خالِدُ هَذا ابْنُ عَمِّكَ قَدْ أتاكَ في الخَيْلِ فَقالَ خالِدٌ: أنا سَيْفُ اللَّهِ وسَيْفُ رَسُولِهِ فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ سَيْفَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ارْمِ بِي إنْ شِئْتَ فَبَعَثَهُ عَلى خَيْلٍ فَلَقِيَهُ عِكْرِمَةُ في الشِّعْبِ فَهَزَمَهُ حَتّى أدْخَلَهُ حِيطانَ مَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي﴾ الآيَةَ». وفي البَحْرِ أنَّ خالِدًا هَزَمَهم حَتّى دَخَلُوا بُيُوتَ مَكَّةَ وأسَرَ مِنهم جُمْلَةً فَسِيقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَمَنَّ عَلَيْهِمْ وأطْلَقَهم، والخَبَرُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إسْلامَ خالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وقِيلَ بَعْدَها وهي في السَّنَةِ السّابِعَةِ.
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ خالِدًا كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى خَيْلِ قُرَيْشٍ في مِائَتَيْ فارِسٍ قَدِمَ بِهِمْ إلى كُراعٍ الغَمِيمِ فَدَنا حَتّى نَظَرَ إلى أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَتَقَدَّمَ بِخَيْلِهِ فَقامَ بِإزائِهِ وصَفَّ أصْحابَهُ وحانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أرْسَلُوا جُمْلَةً مِنَ الفَوارِسِ في الحُدَيْبِيَةَ يُرِيدُونَ الوَقِيعَةَ بِالمُسْلِمِينَ فَأظْهَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالحِجارَةِ حَتّى أدْخَلُوهُمُ البُيُوتَ، وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ.
وقِيلَ: كانَ هَذا الكَفُّ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، واسْتَشْهَدَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ بِما في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ﴾ بِناءً عَلى هَذا القَوْلِ لِفَتْحِ مَكَّةَ عَنْوَةً. واعْتَرَضَ القَوْلُ المَذْكُورُ والِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ بِناءً عَلَيْهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّها نَزَلَتْ بِتَمامِها قَبْلَهُ فَلَيْسَ بِثابِتٍ بَلْ بَعْضُ الآثارِ يُشْعِرُ بِخِلافِهِ وإلّا فَلا يُفِيدُ مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في غَيْرِهِ مِن بَعْضِ آياتِ السُّورَةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ دَلالَتَها عَلى العَنْوَةِ مَمْنُوعَةٌ، فَقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَتْحُ هو الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ سَواءٌ كانَ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا، والفَرْقُ بَيْنَ الظَّفَرِ عَلى الشَّيْءِ والظَّفَرِ بِهِ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْلاءُ وهو كائِنٌ لِأنَّهُمُ اصْطَلَحُوا وهم مُضْطَرُّونَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ مُخْتارُونَ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى وكَذا فِيما تُعُقِّبَ بِهِ الأوَّلُ. وبِالجُمْلَةِ هَذا القَوْلُ وكَذا الِاسْتِشْهادُ بِما في الآيَةِ بِناءٌ غَيْرُ بَعِيدٍ إلّا أنَّ أكْثَرَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ وكَذا ما بَعْدُ يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ أوَّلًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ بِعَمَلِكم أوْ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَهُ ومِنهُ العَفْوُ بَعْدَ الظَّفَرِ ﴿بَصِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ فالكَلامُ عَلَيْهِ تَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.
48:25Page 514
هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ٢٥
They are the ones who disbelieved and obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām while the offering1 was prevented from reaching its place of sacrifice. And if not for believing men and believing women whom you did not know - that you might trample [i.e., kill] them and there would befall you because of them dishonor without [your] knowledge - [you would have been permitted to enter Makkah]. [This was so] that Allāh might admit to His mercy whom He willed. If they had been apart [from them], We would have punished those who disbelieved among them with painful punishment
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أنْ تَصِلُوا إلَيْهِ وتَطُوفُوا بِهِ ﴿والهَدْيَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿صَدُّوكُمْ﴾ أيْ وصَدُّوا الهَدْيَ وهو ما يُهْدى إلى البَيْتِ، قالَ الأخْفَشُ: الواحِدَةُ هَدْيَةٌ ويُقالُ لِلْأُنْثى هَدْيٌ كَأنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. وفي البَحْرِ إسْكانُ دالِهِ لُغَةُ قُرَيْشٍ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ والحَسَنُ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ واللُّؤْلُؤِيُّ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ وذَلِكَ لُغَةٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكانَ هَذا الهَدْيُ سَبْعِينَ بَدَنَةً عَلى ما هو المَشْهُورُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ مِائَةَ بَدَنَةٍ. وقَرَأ الجُعْفِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (الهَدْيِ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ ونَحْرَ الهَدْيِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ وصَدِّ الهَدْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَعْكُوفًا﴾ حالٌ مِنَ ( الهَدْيَ ) عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الهَدْيُ ) مُبْتَدَأٌ والكَلامُ نَحْوَ حُكْمُكَ مَسْمَطًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ونَحْنُ عُصْبَةٌ ) عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ وهو كَما تَرى، والمَعْكُوفُ المَحْبُوسُ يُقالُ: عَكَفْتُ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ حَبَسْتُهُ عَنْها، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ تَعْدِيَةَ عَكَفَ وحَكاها ابْنُ سِيدَهْ والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، وظاهِرُ ما في الآيَةِ
صفحة 113
مَعَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ ( الهَدْيَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: وصَدُّوا بُلُوغَ الهَدْيِ مَحَلَّهُ أوْ صَدُّوا عَنْ بُلُوغِ الهَدْيِ أوْ وصَدَّ بُلُوغَ الهَدْيِ حَسَبَ اخْتِلافِ القِراءاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ لِلصَّدِّ أيْ كَراهَةَ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ مَجْرُورًا بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ. لِمَعْكُوفًا. أيْ مَحْبُوسًا لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ويَكُونُ الحَبْسُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ وهو مِن أوْ عَنْ أيْ مَحْبُوسًا مِن أوْ عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَيَكُونُ الحَبْسُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، ومَحِلُّ الهَدْيِ مَكانٌ يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ أيْ يَسُوغُ أوْ مَكانُ حُلُولِهِ أيْ وُجُوبِهِ ووُقُوعِهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ، والمُرادُ مَكانُهُ المَعْهُودُ وهو مِنًى، أمّا عَلى رَأْيِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلِأنَّ مَكانَهُ لِمَن مَنَعَ حَيْثُ مَنَعَ فَيَكُونُ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ ولِذا نَحَرُوا هُناكَ أعْنِي في الحُدَيْبِيَةِ، وأمّا عَلى رَأْيِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلِأنَّ مَكانَهُ الحَرَمُ مُطْلَقًا وبَعْضُ الحُدَيْبِيَةِ حَرَمٌ عِنْدِهِ وقَدْ رَوَوْا أنَّ مَضارِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ في الحِلِّ مِنها ومُصَلّاهُ في الحَرَمِ والنَّحْرُ قَدْ وقَعَ فِيما هو حَرَمٌ فَيَكُونُ الهَدْيُ بالِغًا مَحِلَّهُ غَيْرَ مَعْكُوفٍ عَنْ بُلُوغِهِ فَلا بُدَّ مِن إرادَةِ المَعْهُودِ لِيَتَسَنّى ذَلِكَ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ عَلى أنَّ المَمْنُوعَ مَحِلُّ هَدْيِهِ الحَرَمُ ثُمَّ تَكَلَّمَ بِما لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن راجَعَهُ. ومِنَ النّاسِ مَن قَرَّرَ الِاسْتِدْلالَ بِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ يَكُونُ بِمَعْنى الحَرَمِ وهَمَّ لَمّا صَدُّوهم عَنْهُ ومَنَعُوا هَدْيَهم أنْ يَدْخُلَهُ فَيَصِلَ إلى مَحِلِّهِ دَلَّ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ مَحِلُّهُ، ثُمَّ قالَ: ولا يُنافِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَحَرَ في طَرَفٍ مِنهُ كَما لا يُنافى الصَّدُّ عَنْهُ كَوْنَ مُصَلّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ لِأنَّهم مَنَعُوهم فَلَمْ يَمْتَنِعُوا بِالكُلِّيَّةِ وهو كَما تَرى.
والإنْصافُ أنَّهُ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ أصْلًا. وطَعَنَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ في كَوْنِ شَيْءٍ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ مِنَ الحَرَمِ فَقالَ: إنَّهُ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وحُدُودُ الحَرَمِ مَشْهُورَةٌ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُعْتَدُّ بِرِوايَةٍ شَذَّبَها الواقِدِيُّ كَيْفَ وقَدْ صَرَّحَ بِخِلافِها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ الثِّقاتِ، والرِّوايَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَيْسَتْ بِثَبْتٍ انْتَهى، ولَعَلَّ مَن قالَ: بِأنَّ بَعْضَها مِنَ الحَرَمِ اسْتَنَدَ في ذَلِكَ إلى خَبَرٍ صَحِيحٍ. ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ صِفَةُ ( رِجالٌ ونِساءٌ ) عَلى تَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ. وكانُوا عَلى ما أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. وغَيْرُهُ عَنْ أبِي جُمُعَةَ جُنْبُذِ بْنِ سَبُعٍ تِسْعَةَ نَفَرٍ سَبْعَةَ رِجالٍ وهو مِنهم وامْرَأتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهم وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ، والوَطْءُ الدَّوْسُ واسْتُعِيرَ هُنا لِلْإهْلاكِ وهي اسْتِعارَةٌ حَسَنَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِهِمْ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الذُّهْلِيُّ:
ووَطِئَتْنا وطْأً عَلى حَنَقٍ وطْءَ المُقَيَّدِ نابِتِ الهَرَمِ
وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَدِيثِ: «(وإنَّ آخِرَ وطْأةٍ وطِئَها اللَّهُ تَعالى بِوَجٍّ)».
وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ)»
﴿فَتُصِيبَكم مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِمْ ﴿مَعَرَّةٌ﴾ أيْ مَكْرُوهٌ ومَشَقَّةٌ مَأْخُوذٌ مِنَ العَرِّ والعَرَّةِ وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللّازِمُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي مَفْعَلَةٌ مِن عَرَّهُ إذا عَراهُ ودَهاهُ ما يَكْرَهُ، والمُرادُ بِها هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ تَعْيِيرُ الكُفّارِ وقَوْلُهم في المُؤْمِنِينَ: إنَّهم قَتَلُوا أهْلَ دِينِهِمْ، وقِيلَ: التَّأسُّفُ عَلَيْهِمْ وتَألُّمُ النَّفْسِ مِمّا أصابَهم.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَأْثَمُ بِقَتْلِهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: الدِّيَةُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكِلا القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا إثْمَ ولا دِيَةَ
صفحة 114
فِي قَتْلِ مُؤْمِنٍ مَسْتُورِ الإيمانِ بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ: وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي الكَفّارَةُ. وتَعَقَّبَ بَعْضُهم هَذا أيْضًا بِأنَّ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ خِلافًا بَيْنَ الأئِمَّةِ. وفي الفُصُولِ العِمادِيَّةِ ذِكْرٌ في تَأْسِيسِ النَّظائِرِ في الفِقْهِ قالَ أصْحابُنا: دارُ الحَرْبِ تَمْنَعُ وُجُوبَ ما يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهاتِ لِأنَّ أحْكامَنا لا تَجْرِي في دارِهِمْ وحُكْمَ دارِهِمْ لا يَجْرِي في دارِنا. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ دارُ الحَرْبِ لا تَمْنَعُ وُجُوبَ ما يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهاتِ، بَيانُ ذَلِكَ حَرْبِيٌّ أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ وقَتَلَ مُسْلِمًا دَخَلَ دارَهم بِأمانٍ لا قِصاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنا ولا دِيَةَ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ القِصاصُ وعَلى هَذا لَوْ أنَّ مُسْلِمَيْنِ مُتَسامِنَيْنِ دَخَلا دارَ الحَرْبِ وقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ لا قِصاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْألَةً مُخْتَلَفًا فِيها بَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ فَقالَ: إذا قَتَلَ أحَدُ الأسِيرَيْنِ صاحِبَهُ في دارِ الحَرْبِ لا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ إلّا الكَفّارَةَ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَهم فَصارَ كَواحِدٍ مِن أهْلِ الحَرْبِ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجِبُ الدِّيَةُ لِأنَّ لَهُ حُكْمَ نَفْسِهِ فاعْتُبِرَ حُكْمُ نَفْسِهِ عَلى حِدَةٍ انْتَهى.
ونُقِلَ عَنِ الكافِي أنَّ مَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يُهاجِرْ إلَيْنا وقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أوْ خَطَأً ولَهُ ورَثَةٌ مُسْلِمُونَ ثُمَّ لا يَضْمَنُ شَيْئًا إنْ كانَ عَمْدًا وإنْ كانَ خَطَأً ضَمِنَ الكَفّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ انْتَهى وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ في مَحَلِّهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ المَعَرَّةَ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ وسُوءِ قالَةِ المُشْرِكِينَ والمَأْثَمِ إذا جَرى مِنهم بَعْضُ التَّقْصِيرِ وهو كَما نَرى.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ قِيلَ ولا تَكْرارَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ سَواءٌ كانَ ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ( رِجالٌ ونِساءٌ ) أوْ بَدَلًا مِنَ المَنصُوبِ في ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ حاصِلَ المَعْنى ولَوْلا مُؤْمِنُونَ لَمْ تَعْلَمُوا وطْأتَهم وإهْلاكَهم وأنْتُمْ غَيْرُ عالِمِينَ بِإيمانِهِمْ لِأنَّ احْتِمالَ أنَّهم يَهْلَكُونَ مِن غَيْرِ شُعُورٍ مَعَ إيمانِهِمْ سَبَبُ الكَفِّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ العِلْمانِ فَمُتَعَلِّقُ العِلْمِ في الأوَّلِ الوَطْأةُ وفي الثّانِي أنْفُسُهم بِاعْتِبارِ الإيمانِ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) لِما كانَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ كانَ العِلْمُ بِهِمْ راجِعًا إلى العِلْمِ بِاعْتِبارِ الإهْلاكِ كَما تَقُولُ أهْلَكْتُهُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ فَلا الإهْلاكُ مِن غَيْرِ شُعُورٍ ولا العِلْمُ بِإيمانِهِمْ حاصِلٌ والأمْرانِ لِكَوْنِهِما مَقْصُودَيْنِ بِالذّاتِ صَرَّحَ بِهِما وإنْ تَقارَبا أوْ تَلازَما في الجُمْلَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَجْعَلَ ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ كِنايَةً عَنِ الِاخْتِلاطِ كَما يُلَوِّحُ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ، وفِيهِ ما يَدْفَعُ التَّكْرارَ أيْضًا، وفي ذَلِكَ بَحْثٌ يُدْفَعُ بِالتَّأمُّلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( مِنهم ) وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تُصِيبَكم )، أوْ صِفَةً لِمَعَرَّةٍ قِيلَ: وهو عَلى مَعْنى فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ الَّذِي يُعَيِّرُكم ويَعِيبُ عَلَيْكم، يَعْنِي إنْ وطِئْتُمُوهم غَيْرَ عالِمِينَ لَزِمَكم سُبَّةٌ مِنَ الكُفّارِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أيْ لا يَعْلَمُونَ أنَّكم مَعْزُورُونَ فِيهِ أوْ عَلى مَعْنى لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تطئوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنكم أيْ فَتَقْتُلُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنكم أوْ تُؤْذُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ. وجَوابُ ( لَوْلا ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لَوْلا كَراهَةُ أنْ تُهْلِكُوا أُناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهَرانَيِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِهِمْ فَيُصِيبَكم بِإهْلاكِهِمْ مَكْرُوهٌ لَمّا كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى ولَوْ لَمْ يَكُفَّ أيْدِيَكم عَنْهم لانْجَرَّ الأمْرُ إلى إهْلاكِ مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ فَيُصِيبَكم مِن ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وهو عَزَّ وجَلَّ يَكْرَهُ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بِأُناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وظاهِرُ الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ أنَّ عِلَّةَ الكَفِّ صَوْنُ المُخاطَبِينَ عَنْ إصابَةِ المَعَرَّةِ، وظاهِرُ هَذا أنَّ عِلَّتَهُ صَوْنُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَطْءِ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ عِلَّةٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَوابُ المَحْذُوفُ عَلى ما اخْتارَهُ في الإرْشادِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ كَفَّها عَنْهم لِيُدْخِلَ بِذَلِكَ الكَفِّ المُؤَدِّي إلى الفَتْحِ بِلا مَحْذُورٍ في رَحْمَتِهِ
صفحة 115
الواسِعَةِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ وهم أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ وذَلِكَ بِأمْنِهِمْ وإزالَةِ اسْتِضْعافِهِمْ تَحْتَ أيْدِي المُشْرِكِينَ وبِتَوْفِيقِهِمْ لِإقامَةِ مَراسِمِ العِبادَةِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن يَشاءُ دُونَ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: لِيُدْخِلَهُمُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عِلَّةَ الإدْخالِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ الجَمَّةِ والمَصالِحِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عِلَّةً لِما يُفْهَمُ مِن صَوْنِ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والرَّحْمَةُ تَوْفِيقُهم لِزِيادَةِ الخَيْرِ والطّاعَةِ بِإبْقائِهِمْ عَلى عَمَلِهِمْ وطاعَتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن يَشاءُ، بَعْضُ المُشْرِكِينَ ويُرادُ بِالرَّحْمَةِ الإسْلامُ فَإنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ إذا صانَهُمُ الكَفُّ المَذْكُورُ أظْهَرُوا إيمانَهم لِمُعايَنَةِ قُوَّةِ الدِّينِ فَيَقْتَدِي بِهِمُ الصّائِرُونَ لِلْإسْلامِ، واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم كَوْنَهُ عِلَّةً لِلْكَفِّ المُعَلَّلِ بِالصَّوْنِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن يَشاءُ، المُؤْمِنُونَ فَيُرادُ بِالرَّحْمَةِ التَّوْفِيقُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، والمُشْرِكُونَ فَيُرادُ بِها الإسْلامُ، وبَيَّنَ وجْهَ التَّعْلِيلِ بِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَنعَ تَعْذِيبِهِمْ بَعْدَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِلاطِ المُؤْمِنِينَ بِهِمِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِمْ رَغِبُوا في الإسْلامِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ المَرْحُومَيْنِ وأنَّ المُؤْمِنَيْنِ إذا عَلِمُوا مَنعَ تَعْذِيبِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِلاطِهِمْ بِهِمْ أظْهَرُوا إيمانَهم فَيُقْتَدى بِهِمْ، وقالَ: لا وجْهَ لِجَعْلِ اللّامِ مُسْتَعارَةً مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّيْءِ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ المُتَبادَرَةِ مِن غَيْرِ داعٍ، وما يُظَنُّ مِن أنَّ تَعْلِيلَ الكَفِّ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالصَّوْنِ فاسِدٌ لِما فِيهِ مِنِ اجْتِماعِ عِلَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ شَخْصِيٍّ فاسِدٍ لِأنَّ العِلَلَ إذا لَمْ تَكُنْ تامَّةً حَقِيقَةً لا يَضُرُّ تَعَدُّدُها وما هُنا كَذَلِكَ.
هَذا وجَعْلُ ذَلِكَ عِلَّةً لِما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أوْلى عِنْدِي لِما فِيهِ مِن شِدَّةِ التِحامِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، وحَمْلُ ( مَن يَشاءُ ) عَلى المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ دُونَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ والتَّزَيُّلُ التَّفَرُّقُ والتَّمَيُّزُ، وجُوِّزَ في ضَمِيرِ ﴿تَزَيَّلُوا﴾ كَوْنُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ فِيما سَبَقَ أيْ لَوْ تَفَرَّقَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ وتَمَيَّزُوا عَنِ الكُفّارِ وخَرَجُوا مِن مَكَّةَ ولَمْ يَبْقَوْا بَيْنَهم لَعَذَّبْنا إلَخْ، وكَوْنُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ أيْ لَوِ افْتَرَقَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ولَمْ يَبْقَوْا مُخْتَلِطِينَ لَعَذَّبْنا إلَخْ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ الأوَّلَ فَمِنهم لِلْبَيانِ، والمُرادُ تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ وإلّا لَمْ يَكُنْ- لِـ لَوْ- مَوْقِعٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَوْلا رِجالٌ ) لِأنَّ مَرْجِعَهُما في المَعْنى شَيْءٌ واحِدٌ ويَكُونُ لَعَذَّبْنا هو الجَوا - لِـ لَوْلا - السّابِقَةِ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّغايُرَ ظاهِرٌ فَلا يَكُونُ تَكْرارًا ولا مُشابِهًا. وأُجِيبُ بِأنَّ كَراهَةَ وطْئِهِمْ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِمْ عَنِ الكَفّارِ الَّذِي هو مَدْلُولُ الثّانِي فَيَكُونُ كَبَدَلِ الِاشْتِمالِ ويَكْفِي ذَلِكَ في كَوْنِهِ كالتَّكْرارِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّما كانَ مَرْجِعُهُما واحِدًا وإنْ كانَتْ ( لَوْلا ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِوُجُودٍ ( ولَوْ ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ وبَيْنَ هَذَيْنِ تَنافٍ ظاهِرٌ لِأنَّ (لَوْلا) هاهُنا دَخَلَتْ عَلى وُجُودٍ ولَوْ دَخَلَتْ عَلى ﴿تَزَيَّلُوا﴾ وهو راجِعٌ إلى عَدَمِ وُجُودِهِمْ وامْتِناعُ عَدَمِ الوُجُودِ ثُبُوتٌ فَآلا إلى أمْرٍ واحِدٍ مِن هَذا الوَجْهِ قالَ: وكانَ جَدِّي يَخْتارُ هَذا الوَجْهَ ويُسَمِّيهِ تَطْرِيَةً وأكْثَرُ ما يَكُونُ إذا تَطاوَلَ الكَلامُ وبَعُدَ عَهْدُ أوَّلِهِ واحْتِيجَ إلى بِناءِ الآخِرِ عَلى الأوَّلِ فَمَرَّةً يَطْرى بِلَفْظِهِ ومَرَّةً بِلَفْظٍ آخَرَ يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في حَذْفِ الجَوابِ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَوْلا حَقُّ المُؤْمِنِينَ لَفَعَلَ بِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ولا يُقاسُ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الوَجْهَ أرْجَحُ مِن جَعْلِ ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ بِمَنزِلَةِ التَّكْرارِ لِلتَّطْرِيَةِ فَتَطْرِيَةُ الجَوابِ وتَقْوِيَتُهُ أوْلى وأوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، واخْتارَ الطِّيبِيُّ الأوَّلَ أيْضًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَرِّبُ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسُ لِأنَّ التَّقْدِيرَ لَوْلا وُجُودُ مُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالمُشْرِكِينَ غَيْرَ مُتَمَيِّزِينَ مِنهم لَوَقَعَ ما كانَ جَزاءً لِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ ولَوْ حَصَلَ
صفحة 116
التَّمْيِيزُ وارْتَفَعَ الِاخْتِلاطُ لَحَصَلَ التَّعْذِيبُ، ثُمَّ إنَّ تَقْدِيرَ الجَوابِ ما تَقَدَّمَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالحَذْفِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ لَعَجَّلَ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ:
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا واسْتَحَقُّوا التَّعْجِيلَ في إهْلاكِهِمْ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ إلَخْ لَعَجَّلَ لَهم ذَلِكَ وهو أيْضًا أوْلى مِن حَدِيثِ التَّكْرارِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ عَوْنٍ (لَوْ تَزايَلُوا) عَلى وزْنِ تَفاعَلُوا.
وفِي الآيَةِ عَلى ما قالَ الكِيا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ خَرْقُ سَفِينَةِ الكُفّارِ إذا كانَ فِيها أسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ وكَذَلِكَ رَمْيُ الحُصُونِ إذا كانُوا بِها والكُفّارُ إذا تَتَرَّسُوا بِهِمْ، وفِيهِ كَلامٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences