Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hujurat 49:9–10
49:9Page 516
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩
And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.
﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أيْ تَقاتَلُوا، وكانَ الظّاهِرُ اقْتَتَلَتا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ أيْ بِالنُّصْحِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ إنْ كانَتْ والدُّعاءِ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعُدُولُ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ لِرِعايَةِ المَعْنى فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ جَماعَةٌ فَقَدْ رُوعِيَ في الطّائِفَتَيْنِ مَعْناهُما أوَّلًا ولَفْظُهُما ثانِيًا عَلى
صفحة 150
عَكْسِ المَشْهُورِ في الِاسْتِعْمالِ، والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّهم أوَّلًا في حالِ القِتالِ مُخْتَلِطُونَ فَلِذا جُمِعَ أوَّلًا ضَمِيرُهم وفي حالِ الصُّلْحِ مُتَمَيِّزُونَ مُتَفارِقُونَ فَلِذا ثُنِّيَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (اقْتَتَلَتا) بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ والتَّأْنِيثِ كَما هو الظّاهِرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (اقْتَتَلا) بِالتَّثْنِيَةِ والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ فَرِيقانِ ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما﴾ تَعَدَّتْ وطَلَبَتِ العُلُوَّ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴿عَلى الأُخْرى﴾ ولَمْ تَتَأثَّرْ بِالنَّصِيحَةِ ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ﴾ أيْ تَرْجِعَ ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ إلى حُكْمِهِ أوْ إلى ما أمَرَ سُبْحانَهُ بِهِ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ حَتّى (تَفِيَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ وفَتْحِ الياءِ وهو شاذٌّ كَما قالُوا في مُضارِعِ جاءَ يَجِيءُ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَإذا أدْخَلُوا النّاصِبَ فَتَحُوا الياءَ أجْرَوْهُ مَجْرى يَفِيَ مُضارِعِ وفِيَ شُذُوذًا، وفي تَعْلِيقِ القِتالِ بِالمَوْصُولِ لِلْإشارَةِ إلى عِلْيَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ فَقاتِلُوها لِبَغْيِها ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ أيْ رَجَعَتْ إلى أمْرِهِ تَعالى وأقْلَعَتْ عَنِ القِتالِ حَذَرًا مِن قِتالِكم ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ بِفَصْلِ ما بَيْنَهُما عَلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ولا تَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ مُتارَكَتِهِما عَسى أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما قِتالٌ في وقْتٍ آخَرَ، وتَقْيِيدُ الإصْلاحِ هُنا بِالعَدْلِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الحَيْفِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ المُقاتِلَةِ وقَدْ أُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسِطُوا﴾ أيِ اعْدِلُوا في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ. وفي الكَشّافِ في الإصْلاحِ بِالعَدْلِ والقِسْطِ تَفاصِيلُ، إنْ كانَتِ الباغِيَةَ مِن قِلَّةِ العَدَدِ بِحَيْثُ لا مَنعَةَ لَها ضَمِنَتْ بَعْدَ الفَيْئَةِ ما جَنَتْ، وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً ذاتَ مَنعَةٍ وشَوْكَةٍ لَمْ تَضْمَن إلّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ فَإنَّهُ كانَ يُفْتِي بِأنَّ الضَّمانَ يَلْزُمُها إذا فاءَتْ، وأمّا قَبْلَ التَّجَمُّعِ والتَّجَنُّدِ أوْ حِينَ تَتَفَرَّقُ عِنْدَ وضْعِ الحَرْبِ أوْزارَها فَما جَنَتْهُ ضَمِنَتْهُ عِنْدَ الجَمِيعِ فَمَحْمَلُ الإصْلاحِ بِالعَدْلِ عَلى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ واضِحٌ مُنْطَبِقٌ عَلى لَفْظِ التَّنْزِيلِ، وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ وجْهُهُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كَوْنِ الفِئَةِ قَلِيلَةَ العَدَدِ، والَّذِي ذَكَرُوا مِن أنَّ الفَرْضَ إماتَةُ الضَّغائِنِ وسَلُّ الأحْقادِ دُونَ ضَمانِ الجِناياتِ لَيْسَ بِحَسَنِ الطِّباقِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِن أعْمالِ العَدْلِ ومُراعاةِ القِسْطِ. قالَ في الكَشْفِ، لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِن إماتَةِ الأضْغانِ داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ لِأنَّهُ مِن ضَرُوراتِ التَّوْبَةِ، فَأعْمالُ العَدْلِ والقِسْطِ إنَّما يَكُونُ في تَدارُكِ الفُرُطاتِ ثُمَّ قالَ: والأوْلى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنْ يُقالَ: الإصْلاحُ بِالعَدْلِ أنَّهُ لا يَضْمَنُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ الباغِيَ مَعْصُومُ الدَّمِ والمالِ مِثَلَ العادِلِ لا سِيَّما وقَدْ تابَ فَكَما لا يَضْمَنُ العادِلُ المُتْلِفُ لا يَضْمَنُهُ الباغِي الفائِيُّ، هَذا مُقْتَضى العَدْلِ لا تَخْصِيصَ الضَّمانِ بِطَرَفٍ دُونَ آخَرَ. والآيَةُ نَزَلَتْ في قِتالٍ وقَعَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ أنَسٍ قالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَوْ أتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فانْطَلَقَ إلَيْهِ ورَكِبَ حِمارًا وانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ وهي أرْضٌ سَبْخَةٌ فَلَمّا انْطَلَقَ إلَيْهِ قالَ: إلَيْكَ عَنِّي فَوَ اللَّهِ لَقَدْ آذانِي رِيحُ حِمارِكَ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: واللَّهِ لَحِمارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أطْيَبُ رِيحًا مِنكَ فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رِجالٌ مِن قَوْمِهِ فَغَضِبَ لِكُلٍّ مِنهُما أصْحابُهُ فَكانَ بَيْنَهم ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ والأيْدِي والنِّعالِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ الآيَةَ» .
وفِي رِوايَةٍ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَوَجِّهًا إلى زِيارَةِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في مَرَضِهِ فَمَرَّ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ فَقالَ ما قالَ فَرَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَغْضَبُ لِكُلِّ أصْحابِهِ فَتَقاتَلُوا فَنَزَلَتْ فَقَرَأها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فاصْطَلَحُوا وكانَ ابْنُ رَواحَةَ خَزْرَجِيًّا وابْنُ أُبَيٍّ أوْسِيًّا.
صفحة 151
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ عُمْرانُ تَحْتَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها أُمُّ زَيْدٍ وأنَّها أرادَتْ أنْ تَزُورَ أهْلَها فَحَبَسَها زَوْجُها وجَعَلَها في عِلْيَةٍ لَهُ لا يَدْخُلُ عَلَيْها أحَدٌ مِن أهْلِها وأنَّ المَرْأةَ بَعَثَتْ إلى أهْلِها فَجاءَ قَوْمُها فَأنْزَلُوها لِيَنْطَلِقُوا بِها وكانَ الرَّجُلُ قَدْ خَرَجَ فاسْتَعانَ أهْلَهُ فَجاءَ بَنُو عَمِّهِ لِيَحُولُوا بَيْنَ المَرْأةِ وأهْلِها فَتَدافَعُوا واجْتَلَدُوا بِالنِّعالِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأصْلَحَ بَيْنَهم وقامُوا إلى أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والخِطابُ فِيها عَلى ما في البَحْرِ لِمَن لَهُ الأمْرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ الإصْلاحُ ويَجِبُ قِتالُ الباغِيَةِ ما قاتَلَتْ وإذا كَفَّتْ وقَبَضَتْ عَنِ الحَرْبِ تُرِكَتْ.
وجاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ حُكْمُها إذا تَوَلَّتْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(يا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ هَلْ تَدْرِي كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَن بَغى مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قالَ: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: لا يُجْهَزُ عَلى جَرِيحِها ولا يُقْتَلُ أسِيرُها ولا يُطْلَبُ هارِبُها ولا يُقْسَمُ فَيْؤُها)».
وذَكَرُوا أنَّ الفِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ إذا اقْتَتَلا عَلى سَبِيلِ البَغْيِ مِنهُما جَمِيعًا فالواجِبُ أنْ يَمْشِيَ بَيْنَهُما بِما يُصْلِحُ ذاتَ البَيْنِ ويُثْمِرُ المُكافَةَ والمُوادَعَةَ فَإنْ لَمْ يَتَحاجَزا ولَمْ يَصْطَلِحا وأقاما عَلى البَغْيِ صَيَّرا إلى مُقاتَلَتِهِما، وأنَّهُما إذا التَحَمَ بَيْنَهُما القِتالُ لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِما وكِلْتاهُما عِنْدَ أنْفُسِهِما مُحِقَّةٌ فالواجِبُ إزالَةُ الشُّبْهَةِ بِالحُجَجِ النَّيِّرَةِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ واطِّلاعِهِما عَلى مَراشِدِ الحَقِّ فَإنْ رَكِبَتا مَتْنَ اللَّجاجِ ولَمْ تَعْمَلا عَلى شاكِلَةٍ ما هَدَيَتا إلَيْهِ ونَصَحَتا بِهِ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ فَقَدْ لَحِقَتا بِاللَّتَيْنِ اقْتَتَلا عَلى سَبِيلِ البَغْيِ مِنهُما جَمِيعًا، والتَّصَدِّي لِإزالَةِ الشُّبْهَةِ في الفِئَةِ الباغِيَةِ إنْ كانَتْ لازِمٌ قَبْلَ المُقاتَلَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِمَن يَتَأتّى مِنهُ الإصْلاحُ ومُقاتَلَةُ الباغِي فَمَتى تَحَقَّقَ البَغْيُ مِن طائِفَةٍ كانَ حُكْمُ إعانَةِ المَبْغِيَّ عَلَيْهِ حُكْمَ الجِهادِ، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما وجَدْتُ في نَفْسِي مِن شَيْءٍ ما وجَدْتُ في نَفْسِي مِن هَذِهِ الآيَةِ يَعْنِي ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ إلَخْ إنِّي لَمْ أُقاتِلْ هَذِهِ الفِئَةَ الباغِيَةَ كَما أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى- يَعْنِي بِها مُعاوِيَةَ ومَن مَعَهُ الباغِينَ- عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وصَرَّحَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ بِأنَّ قِتالَ الباغِينَ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ احْتِجاجًا بِأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ اشْتَغَلَ في زَمانِ خِلافَتِهِ بِقِتالِهِمْ دُونَ الجِهادِ، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ إذا خَشِيَ مِن تَرْكِ قِتالِهِمْ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً دَفْعُها أعْظَمُ مِن مَصْلَحَةِ الجِهادِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الباغِيَ مُؤْمِنٌ لِجَهْلِ الطّائِفَتَيْنِ الباغِيَةِ والمَبْغِيِّ عَلَيْها مِنَ المُؤْمِنِينَ. نَعَمِ الباغِي عَلى الإمامِ ولَوْ جائِرًا فاسِقٌ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ إنْ كانَ بوالإضافَةُ لِمَعْنى الجِنْسِ نَحْوَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، ويَغْلِبُ الأخَوانِ في الصَّداقَةِ والأُخُوَّةُ في النَّسَبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإصْلاحِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى ( فَأصْلِحُوا ) وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هو تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الإصْلاحُ مِن جُمْلَةِ التَّقْوى فَإذا فَعَلْتُمُ التَّقْوى دَخَلَ فِيهِ هَذا التَّواصُلُ، َغْيُهُ بِلا تَأْوِيلٍ أوْ بِتَأْوِيلٍ قَطْعِيِّ البُطَلانِ. والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ في مِثْلِهِ: إنَّهُ فاسِقٌ مُخَلَّدٌ في النّارِ إنْ ماتَ بِلا تَوْبَةٍ، والخَوارِجُ يَقُولُونَ: إنَّهُ كافِرٌ، والإمامِيَّةُ أكْفَرُوا الباغِيَ عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ المُقاتِلَ لَهُ واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ ﷺ لَهُ: «(حَرْبُكَ حَرْبِي)» وفِيهِ بَحْثٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (حَتّى يَفِيئُوا إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاؤُوا فَخُذُوا بَيْنَهم بِالقِسْطِ).
49:10Page 516
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠
The believers are but brothers, so make settlement between your brothers. And fear Allāh that you may receive mercy.
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِالإصْلاحِ، وإطْلاقُ الأُخُوَّةُ عَلى المُؤْمِنِينَ مِن بابِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وشُبِّهُوا بِالأُخُوَّةِ مِن حَيْثُ انْتِسابِهِمْ إلى أصْلٍ واحِدٍ وهو الإيمانُ المُوجِبُ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ وتَشَبُّهُ المُشارَكَةِ في الإيمانِ بِالمُشارَكَةِ في أصْلِ التَّوالُدِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أصْلٌ لِلْبَقاءِ إذِ التَّوالُدُ مَنشَأُ الحَياةِ والإيمانُ مَنشَأُ البَقاءِ الأبَدِيِّ في الجِنانِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ مُوجِبَةٌ لِلْإصْلاحِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مُضافًا لِلْمَأْمُورِينَ لِلْمُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ وُجُوبِ الإصْلاحِ والتَّحْضِيضِ عَلَيْهِ، وتَخْصِيصُ الِاثْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِإثْباتِ
صفحة 152
وُجُوبِ الإصْلاحِ فِيما فَوْقَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ لِتَضاعُفِ الفِتْنَةِ والفَسادِ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأخَوَيْنِ الأوْسُ والخَزْرَجُ اللَّتانِ نَزَلَتْ فِيهِما الآيَةُ سُمِّيَ كُلًّا مِنهُما أخًا لِاجْتِماعِهِمْ في الجَدِّ الأعْلى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ (إخْوانُكُمْ) جَمْعًا عَلى وزْنِ غِلْمانٍ.
وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ (إخْوَتَكُمْ) جَمْعًا عَلى وزْنِ غِلْمَةٍ، ورَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو القِراءاتِ الثَّلاثَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وقِراءَةُ الجَمْعِ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لَفْظُها لَفْظُ التَّثْنِيَةِ ومَعْناها الجَماعَةُ أيْ كُلُّ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا مِنَ المُسْلِمِينَ اقْتَتَلا، والإضافَةُ لِمَعْنى الجِنْسِ نَحْوَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، ويَغْلِبُ الأخَوانِ في الصَّداقَةِ والأُخُوَّةُ في النَّسَبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإصْلاحِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى ( فَأصْلِحُوا ) وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هو تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الإصْلاحُ مِن جُمْلَةِ التَّقْوى فَإذا فَعَلْتُمُ التَّقْوى دَخَلَ فِيهِ هَذا التَّواصُلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ( فَأصْلِحُوا ) أيْ واصِلُوا بَيْنَ أخَوَيْكم بِالصُّلْحِ واحْذَرُوا اللَّهَ تَعالى مِن أنْ تَتَهاوَنُوا فِيهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ تُرْحَمُوا عَلى تَقْواكم أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا عَلَيْها
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences