Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:107–109

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:107–109

5:107Page 125

فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧

But if it is found that those two were guilty of sin [i.e., perjury], let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allāh, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ أيِ اطُّلِعَ يُقالُ عَثَرَ الرَّجُلُ عَلى الشَّيْءِ عُثُورًا إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ

وقالَ الغُورِيُّ: تَقُولُ عَثَرْتُ إذا اطَّلَعْتُ عَلى ما كانَ خَفِيًّا وهو مَجازٌ بِحَسْبِ الأصْلِ مِن قَوْلِهِمْ: عَثَرَ إذا كَبا. وذَلِكَ أنَّ العاثِرَ يَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ عِثارِهِ فَيَعْرِفُهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وقالَ اللَّيْثُ: إنَّ مَصْدَرَ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ العُثُورُ وبِمَعْنى كَبا العِثارُ، وحِينَئِذٍ لا يَخْفى القَوْلُ بِالمَجازِ لِأنَّ اخْتِلافَ المَصْدَرِ يُنافِيهِ فَلا تَتَأتّى تِلْكَ الدَّعْوى إلّا عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ مِنِ اتِّحادِ المَصْدَرَيْنِ، وفي القامُوسِ عَثَرَ كَضَرَبَ ونَصَرَ وعَلِمَ وكَرُمَ عَثْرًا أوْ عَثِيرًا أوْ عِثارًا كَبا. والعُثُورُ الِاطِّلاعُ كالعَثْرِ. وظاهِرُ هَذا أنْ لا مَجازَ. ويُفْهَمُ مِنهُ أيْضًا الِاتِّحادُ في بَعْضِ المَصادِرِ فافْهَمْ، والمُرادُ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ ﴿عَلى أنَّهُما﴾ أيِ الشّاهِدَيْنِ الحالِفَيْنِ ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ فَعَلا ما يُوجِبُهُ مِن تَحْرِيفٍ وكَتْمٍ بِأنْ ظَهَرَ بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ وادَّعَيا اسْتِحْقاقَهُما لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقالَ الجَبائِيُّ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ اسْتَحَقّا عُقُوبَةَ إثْمٍ ﴿فَآخَرانِ﴾ أيْ فَرَجُلانِ آخَرانِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ والفاءُ جَزائِيَّةٌ وهي إحْدى مَصُوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ. ولا مَحْذُورَ في الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ المُبْتَدَإ وصِفَتِهِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، وجُمْلَةُ (يَقُومانِ) صِفَتُهُ والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ أُخْرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ)، وقِيلَ: هو فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِفَتُهُ وضَمِيرُ (مَقامَهُما) في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْجُهِ مُسْتَحِقٌّ لِلَّذِينِ اسْتَحَقّا. ولَيْسَ المُرادُ بِمَقامِهِما مَقامَ أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَوَلَّياها ولَمْ يُؤَدِّياها كَما هي بَلْ هو مَقامُ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ و(اسْتَحَقَّ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ وبِها قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وفاعِلُهُ (الأوْلَيانِ)، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أهْلُ المَيِّتِ ومِنَ الأوْلَيَيْنِ الأقْرَبانِ إلَيْهِ الوارِثانِ لَهُ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقُرْبِهِما واطِّلاعِهِما وهُما في الحَقِيقَةِ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ اللَّذَيْنِ اسْتَحَقّا إثْمًا إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ ضَمِيرِهِما لِلتَّنْبِيهِ عَلى وصْفِهِما بِهَذا الوَصْفِ

صفحة 51

ومَفْعُولُ (اسْتَحَقَّ) مَحْذُوفٌ واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِهِ فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ لِيُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ وصِيَّتَهُما، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ما لَهم وتَرِكَتَهُمْ

وقالَ الإمامُ: أنَّ المُرادَ بِـ (الأوْلَيانِ) الوَصِيّانِ اللَّذانِ ظَهَرَتْ خِيانَتُهُما. وسَبَبُ أوْلَوِيَّتِهِما أنَّ المَيِّتَ عَيَّنَهُما لِلْوَصِيَّةِ فَمَعْنى ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ خانَ في مالِهِمْ وجَنى عَلَيْهِمُ الوَصِيّانِ اللَّذانِ عُثِرَ عَلى خِيانَتِهِما. وعَلى هَذا لا ضَرُورَةَ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ المَفْعُولِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ بِبِناءِ اسْتَحَقَّ لِلْمَفْعُولِ. واخْتَلَفُوا في مَرْجِعِ ضَمِيرِهِ والأكْثَرُونَ أنَّهُ الإثْمُ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ الوَرَثَةُ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الإثْمِ عَلَيْهِمْ كِنايَةً عَنِ الجِنايَةِ عَلَيْهِمْ ولاشَكَّ أنَّ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ وارْتُكِبَ الذَّنْبُ بِالقِياسِ إلَيْهِمْ هُمُ الوَرَثَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ الإيصاءُ، وقِيلَ: الوَصِيَّةُ لِتَأْوِيلِها بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: المالُ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ وكَذا اخْتَلَفُوا في تَوْجِيهِ رَفْعِ (الأوْلَيانِ) فَقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (آخَرانِ) أيِ الأوْلَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الإخْبارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ وهو مِمّا اتُّفِقَ عَلى مَنعِهِ في مِثْلِهِ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مُقَدَّرٍ أيْ هُما الآخَرانِ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن (آخَرانِ)، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ ويَلْزَمُهُ عَدَمُ اتِّفاقِ البَيانِ والمُبِينِ في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ مَعَ أنَّهم شَرَطُوهُ فِيهِ حَتّى جُوِّزَ تَنْكِيرُهُ، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ نَزْرٍ عَدَمُ الِاشْتِراطِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ (يَقُومانِ)

وكَوْنُ المُبْدَلِ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ لَيْسَ مِن كُلِّ الوُجُوهِ حَتّى يَلْزَمَ خُلُوُّ تِلْكَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا أوْ صِفَةً عَنِ الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ لَوْ طُرِحَ وقامَ هَذا مَقامَهُ كانَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فَيَكُونُ رابِطًا، وقِيلَ: هو صِفَةُ (آخَرانِ) وفِيهِ وصْفُ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ، والأخْفَشُ أجازَهُ هُنا لِأنَّ النَّكِرَةَ بِالوَصْفِ قَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، قِيلَ: وهَذا عَلى عَكْسٍ

ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

فَإنَّهُ يُؤَوَّلُ فِيهِ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ، وهَذا أُوِّلَ فِيهِ النَّكِرَةُ بِالمَعْرِفَةِ أوْ جُعِلَتْ في حُكْمِها لِلْوَصْفِ، ويُمْكِنُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ مِنهُ بِأنْ يَجْعَلَ (الأوْلَيانِ) لِعَدَمِ تَعْيِينِهِما كالنَّكِرَةِ

وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ (اسْتَحَقَّ) والمُرادُ عَلى هَذا (اسْتَحَقَّ) عَلَيْهِمُ انْتِدابُ (الأوْلَيَيْنِ) مِنهم لِلشَّهادَةِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْ إثْمُ الأوْلَيَيْنِ كَما قِيلَ وهو تَثْنِيَةُ الأوْلى قُلِبَتْ ألِفُهُ ياءً عِنْدَها، وفي (عَلى) في (عَلَيْهِمْ) أوْجُهٌ الأوَّلُ أنَّها عَلى بابِها، والثّانِي أنَّها بِمَعْنى (فِي)، والثّالِثُ أنَّهُما بِمَعْنى (مِن)، وفَسَّرَ (اسْتَحَقَّ) بِطَلَبِ الحَقِّ وبِحَقٍّ وغَلَبَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وخَلَفٌ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ (اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ الأوَّلِينَ) بِبِناءِ (اسْتُحِقَّ) لِلْمَفْعُولِ والأوَّلِينَ جَمْعُ أوَّلَ المُقابِلِ لِلْآخَرِ وهو مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةُ (الَّذِينَ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ، وقِيلَ: التَّقَدُّمُ في الذِّكْرِ لِدُخُولِهِمْ في (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) .

وقَرَأ الحَسَنُ الأوْلانِ بِالرَّفْعِ وهو كَما قَدَّمْنا في (الأوْلَيانِ) وقُرِئَ (الأوَّلَيْنِ) بِالتَّثْنِيَةِ والنَّصْبِ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ (الأوْلَيَيْنِ) بِياءَيْنِ تَثْنِيَةُ أوْلى مَنصُوبًا وقُرِئَ (الأوْلَيْنِ) بِسُكُونِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ جَمْعُ أوْلى كَأعْلَيْنِ وإعْرابُ ذَلِكَ ظاهِرٌ

(فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ) عُطِفَ عَلى (يَقُومانِ) والسَّبَبِيَّةُ ظاهِرَةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ جَوابُ القَسَمِ والمُرادُ بِالشَّهادَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اليَمِينُ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ وسُمِّيَتِ اليَمِينُ شَهادَةً عَلى ما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ لِأنَّ اليَمِينَ كالشَّهادَةِ عَلى ما يُحْلَفُ عَلَيْهِ أنَّهُ كَذَلِكَ أيْ لِيَمِينِنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ فِيما ادَّعَيا مِنَ الِاسْتِحْقاقِ مَعَ كَوْنِها حَقَّةً صادِقَةً في نَفْسِها أوْلى بِالقَبُولِ مِن يَمِينِهِما مَعَ كَوْنِها كاذِبَةً في نَفْسِها لِما أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِلنّاسِ اسْتِحْقاقُهُما لِلْإثْمِ ويَمِينُنا مُنَزَّهَةٌ عَنِ الرَّيْبِ والرِّيبَةِ

صفحة 52

وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إنَّما هي لِإمْكانِ قَبُولِ يَمِينِهِما في الجُمْلَةِ بِاعْتِبارِ صِدْقِهِما في ادِّعاءِ تَمَلُّكِهِما لِما ظَهَرَ في أيْدِيهِما، وقِيلَ: إنَّ الشَّهادَةَ عَلى مَعْناها المُتَبادِرِ عِنْدَ الِإطْلاقِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ غَيْرُ ذَلِكَ

وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ عُطِفَ عَلى الجَوابِ أيْ ما تَجاوَزْنا في شَهادَتِنا الحَقَّ وما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما بِإبْطالِ حَقِّهِما وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾

701

- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ أيْ إنّا إذا اعْتَدَيْنا فِيما ذُكِرَ لِمَنَ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ أوْ لِمَنَ الواضِعِينَ الحَقَّ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومَعْنى الآيَتَيْنِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحْتَضِرَ إذا أرادَ الوَصِيَّةَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي دِينِهِ أوْ نَسَبِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ فَآخَرانِ مِن غَيْرِهِمْ ثُمَّ إنْ وقَعَ ارْتِيابٌ في صِدْقِهِما أقْسَما عَلى صِدْقِ ما يَقُولانِ بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنَّ اطَّلَعَ عَلى كَذِبِهِما بِأمارَةٍ حَلَفَ آخَرانِ مِن أهْلِ المَيِّتِ، وادُّعِيَ أنَّ الحُكْمَ مَنسُوخٌ إذا كانَ الِاثْنانِ شاهِدَيْنِ فَإنَّهُ يَحْلِفُ الشّاهِدُ ولا يُعارَضُ يَمِينُهُ بِيَمِينِ الوارِثِ، وقِيلَ: إنَّ التَّحْلِيفَ لَمْ يُنْسَخْ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالرِّيبَةِ

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ إذا اتَّهَمَهُما، وفي بَعْضِ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الشّاهِدَ إنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُزَكِّيهِ يَجُوزُ تَحْلِيفُهُ احْتِياطًا، وهَذا خِلافُ المُفْتى بِهِ كَما بُسِطَ في مَحِلِّهِ، وكَذا ادَّعى البَعْضُ النَّسْخَ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشّاهِدَيْنِ في السَّفَرِ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ لِأنَّ شَهادَةَ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ لا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، ورَوى حَدِيثَ النَّسْخِ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ بَعْضُهم: لا نَسْخَ وأجازَ شَهادَةَ الذِّمِّيِّ عَلى المُسْلِمِ في هَذِهِ الصُّورَةِ

ورُوِيَ عَنِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ حَكَمَ لَمّا كانَ والِيًا عَلى الكُوفَةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِشَهادَةِ ذِمِّيَّيْنِ بَعْدَ تَحْلِيفِهِما في وصِيَّةِ مُسْلِمٍ في السَّفَرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وقالَ آخَرُونَ: الِاثْنانِ وصِيّانِ وحُكْمُ تَحْلِيفِهِما إذا ارْتابَ الوَرَثَةُ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وما أفادَتْهُ الآيَةُ مِن رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ لَيْسَ مِن حَيْثُ أنَّهم مُدَّعُونَ وقَدْ ظَهَرَتْ خِيانَةُ الوَصِيَّيْنِ فَرُدَّتِ اليَمِينُ عَلَيْهِما خِلافًا لِلشّافِعِيِّ بَلْ مِن حَيْثُ أنَّهم صارُوا مُدَّعًى عَلَيْهِمْ لِانْقِلابِ الدَّعْوى فَإنَّ الوَصِيَّ المُدَّعى عَلَيْهِ أوَّلًا صارَ مُدَّعِيًا لِلْمِلْكِ والوَرَثَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في التَّأْرِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرُ وخَلْقٌ آخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بِداءٍ وقِيلَ نِداءٍ بِالنُّونِ فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مَخُوصًا بِالذَّهَبِ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاللَّهِ تَعالى ما كَتَمْتُما ولا اطَّلَعْتُما ثُمَّ وجَدَ الجامَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءَ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لَشَهادَتُهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ وأخَذَ الجامَ وفِيهِمْ نَزَلَتْ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ» هَذا وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الشَّهادَةَ هَهُنا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْناها المُتَبادِرِ بِوَجْهٍ ولا تُتَصَوَّرَ لِأنَّ شَهادَتَهُما إمّا عَلى المَيِّتِ ولا وجْهَ لَها بَعْدَ مَوْتِهِ وانْتِقالِ الحَقِّ إلى الوَرَثَةِ وحُضُورِهِمْ أوْ عَلى الوارِثِ المُخاصِمِ، وكَيْفَ يَشْهَدُ الخَصْمُ عَلى خَصْمِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وذُكِرَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ تُحْمَلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ عَلى الحُضُورِ أوِ الإحْضارِ أيْ إذا حَضَرَ المَوْتُ المُسافِرَ فَلْيَحْضُرْ مَن يُوصِي إلَيْهِ بِإيصالِ مالِهِ لِوارِثِهِ مُسْلِمًا فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَكافِرًا، والِاحْتِياطُأنْ يَكُونا اثْنَيْنِ فَإذا جاءا بِما عِنْدَهُما وحَصَلَ رِيبَةٌ في كَتْمِ بَعْضِهِ فَلْيَحْلِفا لِأنَّهُما مُوَدَّعانِ مُصَدَّقانِ بِيَمِينِهِما فَإنْ وجَدَ ما خانا فِيهِ وادَّعَيا أنَّهُما تَمَلَّكاهُ مِنهُ

صفحة 53

بِشِراءٍ ونَحْوِهِ ولا بَيِّنَةَ لَهُما عَلى ذَلِكَ يَحْلِفُ المُدَّعِي عَلَيْهِ عَلى عَدَمِ العِلْمِ بِما ادَّعَياهُ مِنَ التَّمَلُّكِ، وأنَّهُ مَلَكَ لِمُورِثِهِما لا نَعْلَمُ انْتِقالَهُ عَنْ مِلْكِهِ والشَّهادَةُ الثّانِيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ المُشاهَدِ أوْ ما هو بِمَنزِلَتِهِ لِأنَّ الشَّهادَةَ المُعايَنَةُ، فالتَّجَوُّزُ بِها عَنِ العِلْمِ الصَّحِيحِ قَرِيبٌ والشَّهادَةُ الثّالِثَةُ إمّا بِهَذا المَعْنى أوْ بِمَعْنى اليَمِينِ وعَلى هَذا وهو مِمّا أفاضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ بِبَرَكَةِ كَلامِهِ سُبْحانَهُ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ، ولا إشْكالَ وما ذَكَرُوهُ كُلَّهُ تَكَلُّفٌ لَمْ يَصْفُ مِنَ الكَدَرِ لِذَوْقِ ذائِقٍ وسَبَبُ النُّزُولِ وفِعْلُ الرَّسُولِ ﷺ مُبَيِّنٌ لِما ذُكِرَ انْتَهى

ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحْلِفانِ بِأحَقِّيَّةِ شَهادَتِهِما عَلى ما قِيلَ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ وإلّا فَإنْ كانَ الوارِثُ واحِدًا حَلَفَ، وإنْ تَعَدَّدَ حَلَفَ المُتَعَدِّدُ كَما بُيِّنَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ إلَخْ مُبِينٌ لِما قَرَّرَهُ فِيهِ بَعْضُ خَفاءٍ إذْ لَيْسَ في الخَبَرِ أنَّ الوارِثَيْنِ حَلَفا عَلى عَدَمِ العِلْمِ وفي غَيْرِهِ ما هو نَصٌّ في الحَلِفِ عَلى الثَّباتِ فَقَدْ رُوِيَ في خَبَرٍ أطْوَلَ مِمّا تَقَدَّمَ «أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ والمُطَّلِبَ بْنَ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيَّيْنِ قاما فَحَلَفا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ العَصْرِ أنَّهُما أيْ تَمِيمًا وعَدِيًّا كَذَبا وخانا نَعَمْ،» قالَ التِّرْمِذِيُّ في الجامِعِ بَعْدَ رِوايَتِهِ لِذَلِكَ الخَبَرِ: إنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ولَيْسَ إسْنادُهُ بِصَحِيحٍ وأيْضًا في حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ خَفاءٌ وادَّعى هو نَفْسُهُ أنَّ حَمْلَ الشَّهادَةِ عَلى اليَمِينِ بَعِيدٌ لِأنَّها إذا أُطْلِقَتْ فَهي المُتَعارَفَةُ فَتَأمَّلْ فَقَدْ قالالزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ وقالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ وقالَ الإمامُ: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا، وقالَ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْعَبُ ما في القُرْءانِ حُكْمًا وإعْرابًا ونَظْمًا

وقالَ الشِّهابُ: أعْلَمُ أنَّهم قالُوا: لَيْسَ في القُرْآنِ أعْظَمُ إشْكالًا وحُكْمًا وإعْرابًا وتَفْسِيرًا مِن هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها يَعْنِي (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ وقَوْلُهُ تَعالى: (فَإنْ عُثِرَ) إلَخْ حَتّى صَنَّفُوا فِيها تَصانِيفَ مُفْرَدَةً، قالُوا: ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ أحَدٌ مِن عُهْدَتِها، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الآيَتَيْنِ مَن أعْوَصِ القُرْآنِ حُكْمًا ومَعْنًى وإعْرابًا، وافْتَخَرَ بِما أُتِيَ فِيهِما ولَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ، وسُبْحانَ الخَبِيرِ بِحَقائِقِ

5:108Page 125

ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allāh and listen [i.e., obey Him]; and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

﴿ذَلِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مُسْتَتْبَعٌ لِلْمَنافِعِ وارِدٌ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والإشارَةِ إلى الحُكْمِ السّابِقِ تَفْصِيلُهُ، وقِيلَ: إلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ، وقِيلَ: إلى الحَبْسِ بَعْدَ الصَّلاةِ ﴿أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ أقْرَبُ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ الشَّهادَةَ عَلى حَقِيقَتِها مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَها خَوْفًا مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ وهَذِهِ حِكْمَةُ التَّحْلِيفِ الَّذِي تَقَدَّمَ أوَّلًا، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَأْتُوا) والثّانِي بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الشَّهادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾ أيْ إلى الوَرَثَةِ فَيَحْلِفُوا بَعْدَ أيْمانِهِمُ الَّتِي حَلَفُوها عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ مُحَقَّقَةً ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ المُحَرَّمَةِ في سائِرِ الأدْيانِ أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ الأيْمانُ إلى الوَرَثَةِ فَيَحْلِفُوا ويَأْخُذُوا ما في أيْدِيهِمْ فَيَخْجَلُوا مِن ذَلِكَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ فَيَنْزَجِرُوا عَنِ الخِيانَةِ، وهو بَيانٌ لِحِكْمَةِ شَرْعِيَّةِ قِيامِ الآخَرِينَ فَأيُّ هَذَيْنَ الخَوْفَيْنِ وقَعَ حَصَلَ المَقْصِدُ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها وقِيلَ: إنَّهُ عُطِفَ عَلى (يَأْتُوا) أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْرَبُ أنَّ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ وأقْرَبُ إلى خَوْفِ الفَضِيحَةِ، وجَعَلَ الشِّهابُ هَذا العَطْفَ عَلى

صفحة 54

حَدِّ قَوْلِهِ:

عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا

وجَوَّزَ السَّمِينُ كَوْنَ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ كَما جَوَّزَ جَعْلَها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَلى ما هو الأصْلُ فِيها فَتَدَبَّرْ، وجَمْعُ ضَمِيرِ يَأْتُوا ويَخافُوا عَلى ما قِيلَ لِأنَّ المُرادَ ما يَعُمُّ الشّاهِدَيْنِ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِما مِن بَقِيَّةِ النّاسِ، والظَّرْفُ (بَعْدَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تُرَدَّ) كَما هو الظّاهِرُ، وجَوَّزَ السَّمِينُ وهو ضَعِيفٌ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَأيْمانٍ

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ، والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيِ احْفَظُوا أحْكامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ واتَّقُوا واسْمَعُوا سَمْعَ إجابَةٍ وقَبُولِ جَمِيعِ ما تُؤْمَرُونَ بِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

801

- تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ، والمُرادُ فَإنْ لَمْ تَتَّقُوا وتَسْمَعُوا كُنْتُمْ فاسِقِينَ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ واللَّهُ تَعالى لا يَهْدِي القَوْمَ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ إلى ما يَنْفَعُهم أوْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ،

5:109Page 126

۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩

[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ قِيلَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَهْدِي﴾ ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ مِن حَيْثُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَهْدِيهِمْ مُطْلَقًا لا في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا في الدُّنْيا، وهَذا احْتِمالٌ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ونُقِلَ عَنِ المَغْرِبِيِّ أيْضًا، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ وفِيهِ مُراعاةٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ نَفْيَ الهِدايَةِ المُطْلَقَةِ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا ولِذَلِكَ خُصِّصَ المَهْدِيُّ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ (واتَّقُوا) فَهو حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ لا ظَرْفٌ

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمْلَتَيْنِ، وقالَ الحَلَبِيُّ: لا بُعْدَ فَإنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مِن تَمامِ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى وهو عِنْدَ القائِلِينَ بِالبَدَلِيَّةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ العَلَمُ العِراقِيُّ بِأنَّ الإنْصافَ أنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ هَهُنا مُمْتَنِعٌ لِأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنِ اشْتِمالِ البَدَلِ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ أوْ بِالعَكْسِ وهُنا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ الحَلَبِيُّ: لا بُدَّ في هَذا الوَجْهِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ لِيَصِحَّ، والمُرادُ اتَّقُوا عِقابَ اللَّهِ يَوْمَ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ انْتِصابُ اليَوْمِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقالَ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ: وجْهُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ بِغَيْرِ الكُلِّيَّةِ والبَعْضِيَّةِ بِطَرِيقِ اشْتِمالِ المُبْدَلِ مِنهُ عَلى البَدَلِ لا كاشْتِمالِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ، بَلْ بِمَعْنى أنْ يَنْتَقِلَ الذِّهْنُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ ويَقْتَضِيهِ بِوَجْهٍ إجْمالِيٍّ مَثَلًا إذا قِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ يَتَبادَرُ الذِّهْنُ مِنهُ إلى أنَّهُ مِن أيِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِ وأيِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ أفْعالِهِ يَجِبُ الِاتِّقاءُ أيَوْمَ جَمْعِهِ سُبْحانَهُ لِلرُّسُلِ أمْ غَيْرِ ذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ اشْتُرِطَ في ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ ظَرْفِيَّةً وهَذا ظَرْفُ زَمانٍ لَوْ أُبْدِلَ مِنهُ لَأُوهِمَ ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (اتَّقُوا) إلَخْ أيْ واحْذَرُوا أوْ واذْكُرُوا يَوْمَ إلَخْ فَإنَّ تَذْكِيرَ ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ مِمّا يَضْطَرُّهم إلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى وتَلَقِّي أمْرَهُ بِسَمْعِ الإجابَةِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿واسْمَعُوا﴾ بِحَذْفِ مُضافٍ أيْ واسْمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ اليَوْمَ

وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى ضِيقِ العِبارَةِ عَنْ شَرْحِهِ وبَيانِهِ لِكَمالِ فَظاعَةِ ما يَقَعُ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ إلَخْ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ نِطاقُ المَقالِ، وتَخْصِيصُ الرُّسُلِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ لِإبانَةِ شَرَفِهِمْ وأصالَتِهِمْ والإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِجَمْعِ غَيْرِهِمْ بِناءً عَلى ظُهُورِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهم. وقِيلَ ولا يَخْفى لُطْفُهُ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ الآتِيَةِ في الآيَةِ: لِأنَّ المَقامَ مَقامُ ذِكْرِ الشُّهَداءِ، والرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ هُمُ الشُّهَداءُ عَلى أُمَمٍ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ فَفي بَيانِ حالِهِمْ وما يَقَعُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهم هم مَن وعَظَ الشُّهَداءَ الَّذِينَ البَحْثُ فِيهِمْ ما لا يَخْفى، وبِهَذا تَتَّصِلُ الآيَةُ بِما قَبْلَها أتَمَّ اتِّصالٍ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ

صفحة 55

المَهابَةِ وتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ ﴿فَيَقُولُ﴾ لَهم ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا حِينَ بَلَّغْتُمُ الرِّسالَةَ وخَرَجْتُمْ عَنِ العُهْدَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ العُدُولُ عَنْ تَصْدِيرِ الخِطابِ بِهَلْ بَلَّغْتُمْ، وفي العُدُولِ عَنْ ماذا أجابَ أُمَمُكم ما لا يَخْفى مِنَ الإنْباءِ عَنْ كَمالِ تَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ وشَدَّةِ السُّخْطِ والغَيْظِ عَلَيْهِمْ، والسُّؤالُ لِتَوْبِيخِ أُولَئِكَ أيْضًا وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عَلّامُ الغُيُوبِ. و (ماذا) مُتَعَلِّقٌ بِأُجِبْتُمْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَهُ أيْ أيُّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ مِن قِبَلِ أُمَمِكم إجابَةَ قَبُولٍ أوْ إجابَةَ رَدٍّ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ بِماذا أُجِبْتُمْ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ أُجِبْتُمْ عَلى أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنِ الجَوابِ لا الإجابَةُ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وانْتَصَبَ المَجْرُورُ. وضُعِّفَ بِأنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ وانْتِصابَ مَجْرُورِهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِ: تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَمْ تَعُوجُوا

وكَذا تَقْدِيرُهُ مَجْرُورًا. وقالَ العَوْفِيُّ: إنَّ (ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ و(إذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرُهُ و(أُجِبْتُمْ) صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ ما الَّذِي أجَبْتُمْ بِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ العائِدِ المَجْرُورِ إلّا إذا جُرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الحَرْفِ الجارِّ واتَّحَدَ مُتَعَلِّقاهُما، وغايَةُ ما أجابُوا بِهِ عَنْ ذَلِكَ أنَّ الحَذْفَ وقَعَ عَلى التَّدْرِيجِ، وهو كَما تَرى قالُوا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ فَقِيلَ: يَقُولانِ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ كَنَفْخٍ في الصُّورِ وغَيْرِهِ ونَفْيِ العِلْمِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِماذا أُجِيبُوا كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ شَهادَتُهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أُمَمِهِمْ هُنالِكَ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ بَعْضُ الآياتِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ بَلْ هو كِنايَةٌ عَنْ إظْهارِ التَّشَكِّيِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَفْوِيضِ الأمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ لِنَفْيِ العِلْمِ بِماذا أُجِيبُوا عِنْدَ التَّبْلِيغِ ومُدَّةِ حَياتِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ بِما كانَ في عاقِبَةِ الأمْرِ وءاخِرِهِ الَّذِي بِهِ الِاعْتِبارُ واعْتُرِضَ بِأنَّهم يَرَوْنَ آثارَ سُوءِ الخاتِمَةِ عَلَيْهِمْ فَلا يَصِحُّ أيْضًا نَفْيُ العِلْمِ بِحالِهِمْ وبِما كانَ مِنهم بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لَهم وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى سُوءِ الخاتِمَةِ وظُهُورِ الشَّقاوَةِ في العاقِبَةِ لا عَلى حَقِيقَةِ الجَوابِ بَعْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَعَلَّهم أجابُوا إجابَةَ قَبُولٍ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِـ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ نَفْسَ الجَوابِ الَّذِي يَقُولُونَهُ أوِ الإجابَةُ الَّتِي تَحْدُثُ مِنهم بَلْ ما كانُوا عَلَيْهِ في أمْرِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الِامْتِثالِ والِانْقِيادِ أوْ عَكْسِ ذَلِكَ وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ (لا عِلْمَ لَنا) كَعِلْمِكَ لِأنَّكَ تَعْلَمُ باطِنَهم ولَسْنا نَعْلَمُ ذَلِكَ وعَلَيْهِ مَدارُ فَلَكِ الجَزاءِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ النَّفْيِ تَحْقِيقُ فَضِيحَةِ أُمَمِهِمْ أيْ أنْتِ أعْلَمُ بِحالِهِمْ مَنًّا ولا يَحْتاجُ إلى شَهادَتِنا

وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تَأْرِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ نَفْيُ العِلْمِ نَظَرًا إلى خُصُوصِ الزَّمانِ وهو أوَّلُ الأمْرِ حِينَ تَزْفِرُ جَهَنَّمُ فَتَجْثُو الخَلائِقُ عَلى الرَّكْبِ، وتَنْهَمِلُ الدُّمُوعُ وتَبْلُغُ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَطِيشُ الأحْلامُ وتَذْهَلُ العُقُولُ ثُمَّ أنَّهم يُجِيبُونَ في ثانِي الحالِ وبَعْدَ سُكُونِ الرَّوْعِ واجْتِماعِ الحَواسِّ وذَلِكَ وقْتَ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ وبِهَذا أجابَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ حِينَ سَألَهُ عَنِ المُنافاةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما أثْبَتَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ في آية أُخْرى ورُوِيَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُجاهِدٍ وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأنْكَرَهُ الجَبائِيُّ، وقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ القَوْلُ بِذُهُولِهِمْ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الطَّبَرْسِيُّ ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الفَزَعَ الأكْبَرَ دُخُولُ النّارِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾

صفحة 56

إنَّما هو كالبِشارَةِ بِالنَّجاةِ مِن أهْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِثْلَ ما يُقالُ لِلْمَرِيضِ لا بَأْسَ عَلَيْكَ ولا خَوْفَ

وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الذُّهُولَ لَمْ يَكُنْ لِخَوْفٍ ولا حُزْنٍ وإنَّما هو مِن بابِ العَوْمِ في بِحارِ الإجْلالِ لِظُهُورِ ءاثارِ تَجَلِّي الجَلالِ واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ ولا يُلائِمُ ما ذُكِرَ، و (عَلّامٌ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ والمُرادُ الكامِلُ في العِلْمِ و(الغُيُوبُ) جَمْعُ غَيْبٍ وجَمْعٍ وإنْ كانَ مُصَدِّرًا عَلى ما قالَهُ السَّمِينُ لِاخْتِلافِ أنْواعِهِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّيْءُ الغائِبُ أوْ قُلْنا إنَّهُ مُخَفَّفُ غَيْبٍ فالأمْرُ واضِحٌ وقُرِئَ (عَلّامُ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ (إنَّكَ أنْتَ) ونُصِبَ الوَصْفُ عَلى المَدْحِ أوِ النِّداءِ أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ (إنَّ)، ومَعْنى إنَّكَ أنْتَ إنَّكَ المَوْصُوفُ بِصِفاتِكَ المَعْرُوفَةِ والكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ

أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ (الغُيُوبِ) بِكَسْرِ الغَيْنِ حَيْثُ وقَعَ وقَدْ سُمِعَ في كُلِّ جَمْعٍ عَلى وزْنِ فُعُولٍ كَبُيُوتٍ كُسِرَ أوَّلُهُ لِئَلّا يَتَوالى ضَمَّتانِ وواوٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском