Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:48–51

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:48–51

5:48Page 116

وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨

And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ الفَرْدَ الكامِلَ الحَقِيقَ بِأنْ يُسَمّى كِتابًا عَلى الإطْلاقِ؛ لِتَفَوُّقِهِ عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ( أنْزَلْنا ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ ( الكِتابَ ) أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( أنْزَلَنا ) وقِيلَ: حالٌ مِنَ الكافِ في ( إلَيْكَ ).

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أيْ حالَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ تَصْدِيقِهِ لِذَلِكَ، وزَعَمَ أبُو البَقاءِ عَدَمَ جَوازِ كَوْنِهِ حالًا مِمّا ذُكِرَ إذْ لا يَكُونُ حالانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، وأوْجَبَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ بَيانٌ ( لِما ) واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ بِناءً عَلى ادِّعاءِ أنَّ ما عَدا الكُتُبِ

صفحة 152

السَّماوِيَّةِ لَيْسَتْ كِتابًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، ويَجُوزُ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ - أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ؛ نَظَرًا إلى أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلى جِنْسِ مَدْلُولِ لَفْظِ الكِتابِ، بَلْ إلى نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنهُ، هو بِالنَّظَرِ إلى مُطْلَقِ الكِتابِ مَعْهُودٌ بِالنَّظَرِ إلى وصْفِ كَوْنِهِ سَماوِيًّا، غايَتُهُ أنَّ عَهْدِيَّتَهُ لَيْسَتْ إلى حَدِّ الخُصُوصِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ، بَلْ إلى خُصُوصِيَّةِ نَوْعِيَّةٍ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الكِتابِ، وهو ظاهِرٌ، ومِنَ الكِتابِ السَّماوِيِّ أيْضًا، حَيْثُ خُصَّ بِما عَدا القُرْآنِ.

﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أيْ رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ المَحْفُوظَةِ عَنِ التَّغْيِيرِ، حَيْثُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، ويُقَرِّرُ أُصُولَ شَرائِعِها وما يَتَأبَّدُ مِن فُرُوعِها، ويُعَيِّنُ أحْكامَها المَنسُوخَةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: أيْ شاهِدًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ الحَقُّ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ لِلتَّأْكِيدِ، وهاؤُهُ أصْلِيَّةٌ، وفِعْلُهُ هَيْمَنَ، ولَهُ نَظائِرُ بَيْطَرَ وخَيْمَرَ وسَيْطَرَ، وزادَ الزَّجّاجُ: بَيْقَرَ، ولا سادِسَ لَها، وقِيلَ: إنَّها مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ، ومادَّتُهُ مِنَ الأمْنِ، كَـ( هَراقَ ) وقالَ المُبَرِّدَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ المُهَيْمِنَ أصْلُهُ مُؤْمِنٌ، وهو مِن أسْمائِهِ تَعالى، فَصُغِّرَ وأُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً، وتَعَقَّبَهُ السَّمِينُ وغَيْرُهُ بِأنَّ ذَلِكَ خَطَأً، بَلْ كُفْرٌ أوْ شَبِيهٌ بِهِ؛ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى لا تُصَغَّرُ، وكَذا كُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ شَرْعًا.

وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُما قَرَآ ( مُهَيْمَنًا ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِنْيَةِ المَفْعُولِ، فَضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) عَلى هَذا يَعُودُ عَلى الكِتابِ الأوَّلِ، والمَعْنى أنَّهُ حُفِظَ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، والحافِظُ لَهُ هو اللَّهُ تَعالى، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .

﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ بِذَلِكَ الشَّأْنِ مِن مُوجِباتِ الحُكْمِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ إذا كانَ القُرْآنُ كَما ذُكِرَ ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما أنْزَلَهُ إلَيْكَ، فَإنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ، والمُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الباقِيَةِ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وتَقْدِيمُ ( بَيْنَهم ) لِلِاعْتِناءِ بِتَعْمِيمِ الحُكْمِ لَهُمْ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى عِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ، وتَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ، والِالتِفاتُ بِإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ مِرارًا.

﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يُرِيدُ ما حَرَّفُوا وبَدَّلُوا مِن أمْرِ الرَّجْمِ ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، و( عَنْ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( لا تَتَّبِعْ ) عَلى تَضْمِينِ مَعْنى العُدُولِ ونَحْوِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْدِلْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا لَأهْواءَهُمْ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْوائَهم عادِلًا عَمّا جاءَكَ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عادِلَةً عَمّا جاءَكَ، واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّ ما وقَعَ حالًا لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا عامًّا، ولَعَلَّ القائِلَ لا يُسَلِّمُ ذَلِكَ، و( مِن ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَرْفُوعِ ( جاءَكَ ) أوْ مِن ( ما ) ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلْإيماءِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى ما يُوجِبُ كَمالَ الِاجْتِنابِ عَنِ اتِّباعِ الأهْواءِ، والنَّهْيُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمَن لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ وُقُوعُ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ نُهِيَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعْصُومٌ عَنِ ارْتِكابِ ما دُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ سائِرُ الأحْكامِ.

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِحَمْلِ أهْلِ الكِتابِ مِن مُعاصِرِيهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، بِبَيانِ أنَّهُ هو الَّذِي كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ

صفحة 153

مِمّا في كِتابِهِمْ، وإنَّما الَّذِينَ كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ مَن مَضى قَبْلَ النَّسْخِ.

والخِطابُ - كَما قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - لِلنّاسِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ والماضِينَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، و( الشِّرْعَةُ ) - بِكَسْرِ الشِّينِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها – الشَّرِيعَةُ، وهي في الأصْلِ الطَّرِيقُ الظّاهِرُ الَّذِي يُوصَلُ مِنهُ إلى الماءِ، والمُرادُ بِها الدِّينُ، واسْتِعْمالُها فِيهِ لِكَوْنِهِ سَبِيلًا مُوَصِّلًا إلى ما هو سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الماءَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الفانِيَةِ، أوْ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى العَمَلِ الَّذِي يُطَهِّرُ العامِلَ عَنِ الأوْساخِ المَعْنَوِيَّةِ، كَما أنَّ الشَّرِيعَةَ طَرِيقٌ إلى الماءِ الَّذِي يُطَهِّرُ مُسْتَعْمِلَهُ عَنِ الأوْساخِ الحِسِّيَّةِ.

وقالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَ الدِّينُ شَرِيعَةً تَشْبِيهًا بِشَرِيعَةِ الماءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَن شَرَعَ في ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ رُوِيَ وتَطَهَّرَ، وأعْنِي بِالرِّيِّ ما قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: كُنْتُ أشْرَبُ فَلا أُرْوى، فَلَمّا عَرَفْتُ اللَّهَ تَعالى رُوِيتُ بِلا شُرْبٍ، وبِالتَّطَهُّرِ ما قالَ تَعالى: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ .

والمِنهاجُ الطَّرِيقُ الواضِحُ في الدِّينِ، مِن نَهِجَ الأمْرُ إذا وضَحَ، والعَطْفُ بِاعْتِبارِ جَمْعِ الأوْصافِ، وقالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْعَةُ ابْتِداءً الطَّرِيقُ، والمِنهاجُ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو الطَّرِيقُ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، والعَطْفُ مِثْلُهُ في قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ

وقَوْلِ عَنْتَرَةَ:

حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ

وقِيلَ: الشِّرْعَةُ الطَّرِيقُ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ واضِحًا أمْ لا، وقِيلَ: المِنهاجُ الدَّلِيلُ، وقِيلَ: الشِّرْعَةُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمِنهاجُ الكِتابُ، وقِيلَ: الشِّرْعَةُ الأحْكامُ الفَرْعِيَّةُ، والمِنهاجُ الأحْكامُ الِاعْتِقادِيَّةُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( جَعَلْنا ) المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ، وهو إخْبارٌ بِجَعْلٍ ماضٍ لا إنْشاءٍ، وتَقْدِيمُها عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، و( مِنكم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما عَوَّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ ( كُلٍّ ) أيْ ولِكُلِّ أُمَّةٍ كائِنَةٍ مِنكم أيُّها الأُمَمُ الباقِيَةُ والخالِيَةُ عَيَّنّا ووَضَعْنا ( شِرْعَةً ومِنهاجًا ) خاصَّيْنِ بِتِلْكَ الأُمَّةِ، لا تَكادُ أُمَّةٌ تَتَخَطّى شِرْعَتَها.

والأُمَّةُ الَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ مُوسى إلى مَبْعَثِ عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - شِرْعَتُهم ما في التَّوْراةِ، والَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى مَبْعَثِ أحْمَدَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شِرْعَتُهم ما في الإنْجِيلِ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها المَوْجُودُونَ فَشِرْعَتُكم ما في الفُرْقانِ لَيْسَ إلّا فَآمِنُوا بِهِ واعْمَلُوا بِما فِيهِ.

وأوْجَبَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَ ( مِنكم ) بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أعْنِي، ولَمْ يُجَوِّزِ الوَصْفِيَّةَ لِما أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالأجْنَبِيِّ الَّذِي لا تَسْدِيدَ فِيهِ لِلْكَلامِ، ويُوجِبُ أيْضًا أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ ( جَعَلْنا ) ومَعْمُولِهِ وهو شِرْعَةٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ ( جَعَلْنا ) بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلَخْ، والفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ لازِمٌ عَلى كُلِّ حالٍ، وما ذُكِرَ مِن كَوْنِ الخِطابِ لِلْأُمَمِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلْأنْبِياءِ الَّذِينَ أُشِيرَ إلَيْهِمْ في الآياتِ قَبْلُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الخِطابِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا اللِّحاقُ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّ الخِطابَ كَما عَلِمْتَ يَعُمُّ الأُمَمَ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ دِينٌ يَخُصُّها، ولَوْ كانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرِيعَةٍ أُخْرى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ.

وأجابَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بَعْدَ تَسْلِيمِ دَلالَةِ اللّامِ عَلى الِاخْتِصاصِ الحَصْرِيِّ بِمَنعِ المُلازِمَةِ؛ لِجَوازِ أنْ نَكُونَ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا مَعَ زِيادَةِ خُصُوصِيّاتٍ في دِينِنا بِها يَكُونُ الِاخْتِصاصُ، وفِيهِ أنَّهُ لا حاجَةَ في إفادَةِ الحَصْرِ لِما ذُكِرَ مَعَ تَقَدُّمِ المُتَعَلَّقِ، وأيْضًا إنَّ الخُصُوصِيّاتِ المَذْكُورَةَ لا تُنافِي تَعَبُّدَنا بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّ القائِلِينَ بِهِ يَدَّعُونَ أنَّهُ فِيما لَمْ يُعْلَمْ نَسْخُهُ ومُخالَفَةُ دِينِنا لَهُ إلّا مُطْلَقًا، إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ عَلى الإطْلاقِ، ولِذا جَمَعَ المُحَقِّقُونَ بَيْنَ أضْرابِ هَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِلافِ الشَّرائِعِ وبَيْنَ ما يُخالِفُها، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى

صفحة 154

بِهِ نُوحًا﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ بِأنَّ كُلَّ آيَةٍ دَلَّتْ عَلى عَدَمِ الِاخْتِلافِ مَحْمُولَةٌ عَلى أُصُولِ الدِّينِ ونَحْوِها، والتَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ أنّا مُتَعَبَّدُونَ بِأحْكامِ الشَّرائِعِ الباقِيَةِ مِن حَيْثُ أنَّها أحْكامُ شِرْعَتِنا لا مِن حَيْثُ أنَّها شِرْعَةٌ لِلْأوَّلِينَ.

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ في جَمِيعِ الأعْصارِ، أوْ ذِي مِلَّةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، ولا نَسْخَ ولا تَحْوِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ومَفْعُولُ ( شاءَ ) مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى اجْتِماعَكم عَلى الإسْلامِ لَأجْبَرَكم عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوُ ذَلِكَ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرَبِيُّ: المَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ إلَيْكم نَبِيًّا فَتَكُونُونَ مُتَعَبَّدِينَ بِما في العَقْلِ، وتَكُونُونَ أُمَّةً واحِدَةً ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، أيْ ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ الجَعْلَ بَلْ شاءَ غَيْرَهُ لِيُعامِلَكم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم.

﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ؛ لِحِكَمٍ إلَهِيَّةٍ يَقْتَضِيها كُلُّ عَصْرٍ، هَلْ تَعْلَمُونَ بِها مُذْعِنِينَ لَها، مُعْتَقِدِينَ أنَّ في اخْتِلافِها ما يَعُودُ نَفْعُهُ لَكم في مَعاشِكم ومَعادِكُمْ، أوْ تَزِيغُونَ عَنْها، وتَبْتَغُونَ الهَوى، وتَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، وبِهَذا - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - اتَّضَحَ أنَّ مَدارَ عَدَمِ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِابْتِلاءِ، بَلِ العُمْدَةُ في ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنِ انْطِواءِ الِاخْتِلافِ عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَتُهم مَعاشًا ومَعادًا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَسارِعُوا إلى ما هو خَيْرٌ لَكم في الدّارَيْنِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ المُنْدَرِجَةِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وابْتَدَرُوها انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ، وإحْرازًا لِفَضْلِ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ، فالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، و( جَمِيعًا ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ إمّا المَصْدَرُ المُضافُ المُنْحَلُّ إلى فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْفاعِلِ أوْ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وإمّا الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ في الجارِّ، وقِيلَ - وفِيهِ بُعْدٌ -: إنَّ الجُمْلَةَ واقِعَةٌ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ما في ذَلِكَ مِنَ الحُكْمِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّكم سَتُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُحْشَرُونَ إلى دارِ الجَزاءِ الَّتِي تَنْكَشِفُ فِيها الحَقائِقُ، وتَتَّضِحُ الحِكَمُ.

﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ فَيَفْعَلُ بِكم مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ شائِبَةُ شَكٍّ ( فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) في الدُّنْيا مِن أمْرِ الدِّينِ، فالإنْباءُ هُنا مَجازٌ عَنِ المُجازاةِ لِما فِيها مِن تَحَقُّقِ الأمْرِ.

5:49Page 116

وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩

And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وقَوْلَنا: ( احْكم ) أيِ الأمْرُ بِالحُكْمِ لا الحُكْمُ؛ لِأنَّ المُنَزَّلَ الأمْرُ بِالحُكْمِ لا الحُكْمُ، ولِئَلّا يُلْزَمَ إبْطالُ الطَّلَبِ بِالكُلِّيَّةِ، ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ الأمْرَ بِالحُكْمِ مِن أوَّلِ الأمْرِ مِن دُونِ إضْمارِ القَوْلِ، كَما حَقَّقَهُ في الكَشْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الحَقِّ، وفي المَحَلِّ وجْهانِ: الجَرُّ والنَّصْبُ، عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ وأمَرْنا أنِ احْكُمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( أنْ ) هَذِهِ تَفْسِيرِيَّةٌ، ووَجَّهَهُ أبُو البَقاءِ بِأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْناكَ، ثُمَّ فُسِّرَ هَذا الأمْرُ بِالحُكْمِ، ومَنَعَ أبُو حَيّانَ مِن تَصْحِيحِهِ بِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مِن لِسانِهِمْ حَذْفُ المُفَسَّرِ بِـ( أنْ ) والأمْرُ كَما ذَكَرَ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: ولَوْ جُعِلَ هَذا الكَلامُ عَطْفًا عَلى ( فاحْكم )

صفحة 155

مِن حَيْثُ المَعْنى لِيَكُونَ التَّكْرِيرُ لِإناطَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ كانَ أحْسَنَ، ورُدَّ بِأنَّ ( أنْ ) هي المانِعَةُ مِن ذَلِكَ العَطْفِ، وأمْرُ الإناطَةِ مُلْتَزَمٌ عَلى كُلِّ حالٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما كُرِّرَ الأمْرُ بِالحُكْمِ؛ لِأنَّ الِاحْتِكامَ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في زِنا المُحْصَنِ، ومَرَّةً في قَتِيلٍ كانَ بَيْنَهُمْ، فَجاءَ كُلُّ أمْرٍ في أمْرٍ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ، والقاضِي أبِي يَعْلى، ونُونُ ( أنْ ) فِيها الضَّمُّ والكَسْرُ، والمُنْسَبِكُ مِن ( أنْ يَفْتِنُوكَ ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، أيْ: واحْذَرْ فِتْنَتَهم لَكَ وأنْ يَصْرِفُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ، ولَوْ كانَ أقَلَّ قَلِيلٍ، بِتَصْوِيرِ الباطِلِ بِصُورَةِ الحَقِّ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِالكَذِبِ عَلى التَّوْراةِ في أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ لَيْسَ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيِ: احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ، وإعادَةُ ( ما أنْزَلَ اللَّهُ ) تَعالى ( إلَيْكَ ) لِتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، ولَعَلَّ هَذا لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: «اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ، وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَتْنا اليَهُودُ كُلُّهُمْ، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ، فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَنَزَلَتْ»».

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ، وأرادُوا غَيْرَهُ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وهو ذَنْبُ التَّوَلِّي والإعْراضِ، فَهو بَعْضٌ مَخْصُوصٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً، وهَذا - مَعَ كَمالِ عِظَمِهِ - واحِدٌ مِن جُمْلَتِها، وفي هَذا الإبْهامِ تَعْظِيمٌ لِلتَّوَلِّي، كَما في قَوْلِهِ:

تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يُرِيدُ بِالبَعْضِ نَفْسَهُ، أيْ نَفْسًا كَبِيرَةً، ونَفْسًا أيَّ نَفْسٍ، وقالَ الجُبّائِيُّ: ذُكِرَ البَعْضُ وأُرِيدَ الكُلُّ، كَما يُذْكَرُ العُمُومُ ويُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، وقِيلَ: المُرادُ بَعْضٌ مُبْهَمٌ؛ تَغْلِيظًا لِلْعِقابِ، كَأنَّهُ أُشِيرَ إلى أنَّهُ يَكْفِي أنْ يُؤْخَذُوا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أيَّ بَعْضٍ كانَ، ويُهْلَكُوا ويُدَمَّرُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ الكُلِّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الإصابَةِ عُقُوبَةُ الدُّنْيا، وهي تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ، والَّذِي يَعُمُّ إنَّما هو عَذابُ الآخِرَةِ، وهَذِهِ الإصابَةُ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، وقِيلَ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وقِيلَ: هي أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وما عَرى بَنِي قَيْنُقاعَ، وأهْلَ خَيْبَرَ وفَدَكَ، ولَعَلَّهُ الأوْلى.

﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ أيْ مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ، مُصِرُّونَ عَلَيْهِ، خارِجُونَ مِنَ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ، وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيُّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – ما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ يَعْنِي كَتَبْنا حُكْمَ القِصاصِ في التَّوْراةِ، وقَرَّرْناهُ في الإنْجِيلِ، وأنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ مُصَدِّقًا لِما فِيهِما ( وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ) مِنَ الأحْكامِ الإلَهِيَّةِ المُقَرَّرَةِ في الأدْيانِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ العُمُومُ، وقِيلَ: اليَهُودُ.

5:50Page 116

أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، وتَوْبِيخٌ لَهُمْ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَتَوَلَّوْنَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِكَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ فَيَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ؟! وقِيلَ: مَحَلُّ الهَمْزَةِ بَعْدَ الفاءِ وقُدِّمَتْ لِأنَّ لَها الصَّدارَةَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبَ حُكْمٍ آخَرَ مُنْكَرٌ عَجِيبٌ، وطَلَبَ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ أقْبَحُ وأعْجَبُ.

صفحة 156

والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ المِلَّةُ الجاهِلِيَّةِ، الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى، المُوجِبَةُ لِلْمَيْلِ والمُداهَنَةِ في الأحْكامِ، أوِ الأُمَّةُ الجاهِلِيَّةُ، وحُكْمُهُمْ: ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّفاضُلِ فِيما بَيْنَ القَتْلى، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ، وحُكْمُهم ما ذُكِرَ.

فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خُصُومَةِ قَتِيلٍ وقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ طَلَبَ بَعْضُهم مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «القَتْلى بِواءٌ» فَقالَ بَنُو النَّضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ».

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَبْغُونَ ) بِالتّاءِ، وهي إمّا عَلى الِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ( قُلْ لَهم أفَحُكْمَ ) إلَخْ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْرَجُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرُهُمْ: ( أفَحُكْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و( يَبْغُونَ ) خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ صِفَتُهُ، أيْ: حُكْمٌ يَبْغُونَ، واسْتُضْعِفَ حَذْفُ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ، وذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّهُ جاءَ الحَذْفُ مِنهُ كَما جاءَ الحَذْفُ مِنَ الصِّلَةِ والصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ:

قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أصْنَعِ

وقالَ أبُو حَيّانَ: وحُسْنُ الحَذْفِ في الآيَةِ شِبْهُ ( يَبْغُونَ ) بِرَأْسِ الفاصِلَةِ فَصارَ كالمُشارَكَةِ، وزَعْمُ أنَّ القِراءَةَ المَذْكُورَةَ خَطَأٌ خَطَأٌ كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ قَتادَةُ: ( أفَحَكَمَ ) بِفَتْحِ الفاءِ والحاءِ والكافِ، أيْ: أفَحاكِمًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ ( يَبْغُونَ ) وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُسَمّى مِن قَبْلُ - كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ – عالَمِيَّةً، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كانَ في الجاهِلِيَّةِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الجاهِلِيَّةِ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا العُنْوانِ.

﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ حُكْمُهُ أحْسَنُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مُساوٍ لَهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ وإنْكارِها ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ عِنْدَ قَوْمٍ، فاللّامُ بِمَعْنى عِنْدَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وضَعَّفَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، وصَحَّحَ أنَّها لِلْبَيانِ، مُتَعَلِّقَهٌ بِمَحْذُوفٍ، كَما في ( هَيْتَ لَكَ ) و( سَقْيًا لَكَ ) أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ مَضْمُونُ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لِقَوْمٍ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ، ويَتَحَقَّقُونَ الأشْياءَ بِأنْظارِهِمْ، وأمّا غَيْرُهم فَلا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا أحْسَنَ حُكْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ مَن فَسَّرَ بِـ( عِنْدَ ) أرادَ بَيانَ مُحَصِّلِ المَعْنى، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ عَلى أصْلِها، وأنَّها صِلَةٌ، أيْ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ أحْسَنُ الأحْكامِ وأعْدَلُها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى الإنْكارِ السّابِقِ.

5:51Page 117

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ كافَّةَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُخْلِصِينَ وغَيْرِهِمْ، وإنْ كانَ سَبَبُ وُرُودِهِ بَعْضًا كَما سَتَعْرِفُهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ووَصْفُهم بِعُنْوانِ الإيمانِ لِحَمْلِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِانْزِجارِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ تَذْكِيرَ اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ صِفاتِ الفَرِيقَيْنِ مِن أقْوى الزَّواجِرِ عَنْ مُوالاتِهِما، أيْ: لا يَتَّخِذْ أحَدٌ مِنكم ولِيًّا، بِمَعْنى: لا تُصافُوهم مُصافاةَ الأحْبابِ ولا تَسْتَنْصِرُوهم.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ اشْتَدَّ عَلى طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ، وتَخَوَّفُوا أنْ تُدالَ عَلَيْهِمُ الكُفّارُ، فَقالَ رَجُلٌ لِصاحِبِهِ: أمّا أنا فَألْحَقُ بِذَلِكَ اليَهُودِيِّ فَآخُذُ مِنهُ أمانًا وأتَهَوَّدُ مَعَهُ؛ فَإنِّي أخافُ أنْ تُدالَ عَلَيْنا اليَهُودُ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَألْحَقُ بِفُلانٍ النَّصْرانِيِّ بِبَعْضِ أرْضِ الشّامِ، فَآخُذُ مِنهُ أمانًا وأتَنَصَّرُ مَعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما يَنْهاهُما: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ.

صفحة 157

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «جاءَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مَوالِيَ مَن يَهُودَ، كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن وِلايَةِ يَهُودَ، وأتَوَلّى اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ، لا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِيَّ، فَنَزَلَتْ» ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ بَعْضُ اليَهُودِ أوْلِياءُ لِبَعْضٍ مِنهُمْ، وبَعْضُ النَّصارى أوْلِياءُ لِبَعْضٍ مِنهُمْ، وأُوثِرَ الإجْمالُ لِوُضُوحِ المُرادِ بِظُهُورِ أنَّ اليَهُودَ لا يُوالُونَ النَّصارى كالعَكْسِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ قَبْلَها، وتَأْكِيدًا لِإيجابِ اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، مُتَّفِقُونَ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ إجْماعُ الكُلِّ عَلى مُضادَّتِكم ومَضارَّتِكم بِحَيْثُ يَسُومُونَكُمُ السُّوءَ، ويَبْغُونَكُمُ الغَوائِلَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بَيْنَكم وبَيْنَهم مُوالاةٌ، وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ( أوْلِياءُ ) والظّاهِرُ هو الأوَّلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِهِمْ، وحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، كالمُسْتَنْتَجِ مِمّا قَبْلَهُ، وهو مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّشْدِيدِ والمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُتَوَلِّي مِنهم حَقِيقَةً لَكانَ كافِرًا، ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وقِيلَ: المُرادُ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ كافِرٌ مِثْلُهم حَقِيقَةً، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ولَعَلَّ ذَلِكَ إذا كانَ تَوَلِّيهِمْ مِن حَيْثُ كَوْنُهم يَهُودًا أوْ نَصارى، وقِيلَ: بَلْ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، والمُرادُ أنَّهم بِالمُوالاةِ يَكُونُونَ كُفّارًا مُجاهِرِينَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكُفّارِ، أوِ المُؤْمِنِينَ بِمُوالاةِ أعْدائِهِمْ، تَعْلِيلٌ آخَرُ - عَلى ما قِيلَ -: يَتَضَمَّنُ عَدَمَ نَفْعِ مُوالاةِ الكَفَرَةِ، بَلْ تَرَتُّبَ الضَّرَرِ عَلَيْها، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ مَن يَتَوَلّاهم مِنهم أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، بَلْ يُخَلِّيهِمْ وشَأْنَهم فَيَقَعُونَ في الكُفْرِ والضَّلالَةِ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم ظُلْمٌ؛ لِما أنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلنَّفْسِ لِلْعَذابِ الخالِدِ، ووَضْعٌ للِشَيْءٍ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском