Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:52–53
5:52Page 117
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢
So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأضْرابِهِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَوْلِيَتِهِمْ، وإشْعارٌ بِسَبَبِهِ، وبِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرِهِمْ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى عَدَمِ الهِدايَةِ، وهي لِلسَّبَبِيَّةِ المَحْضَةِ.
وجَوَّزَ الكَرْخِيُّ كَوْنَها لِلْعَطْفِ عَلى ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، مِن حَيْثُ المَعْنى، والخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وإمّا لِكُلِّ مَن لَهُ أهْلِيَّةٌ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ دُونَ ضَمِيرِ القَوْمِ لِيُشارَ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ ما كَمَنَ مِنَ المَرَضِ، والرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ - وهو الأنْسَبُ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ - وإمّا قَلْبِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والمُرادُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ: مُسارِعِينَ في مُوالاتِهِمْ، إلّا أنَّهُ قِيلَ فِيهِمْ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ رَغْبَتِهِمْ فِيها وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها، وإيثارُ كَلِمَةِ ( في ) عَلى كَلِمَةِ ( إلى ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في المُوالاةِ، وإنَّما مُسارَعَتُهم مِن بَعْضِ مَراتِبِها إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها.
وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ المُسارَعَةَ بِالِانْكِماشِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ بِـ( في ) وعَدَلَ عَنْهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا بِالأخْفى، واخْتِيرَ أنْ تُعَدّى المُسارَعَةُ هُنا بِـ( إلى ) لِتَضَمُّنِها مَعْنى الدُّخُولِ، وقُرِئَ ( فَيَرى ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِمَن يَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو المَوْصُولُ، والمَفْعُولُ هو الجُمْلَةُ عَلى حَذْفِ ( أنِ ) المَصْدَرِيَّةِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ فَيَرى القَوْمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مُرْضٌ أنْ يُسارِعُوا فِيهِمْ، فَلَمّا حُذِفَتْ
صفحة 158
( أنِ ) انْقَلَبَ الفِعْلُ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِهِ:
ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( يُسارِعُونَ ) و( الدّائِرَةُ ) مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا يُذْكَرُ مَعَها مَوْصُوفُها، وأصْلُها دَوّارَةٌ؛ لِأنَّها مِن دارَ يَدُورُ، ومَعْناها لُغَةً - عَلى ما في القامُوسِ – ما أحاطَ بِالشَّيْءِ، وفي شَرْحِ المُلَخَّصِ: إنَّ الدّائِرَةَ سَطْحٌ مُسْتَوٍ يُحِيطُ بِهِ خَطٌّ مُسْتَدِيرٌ، يُمْكِنُ أنْ يُفْرَضَ في داخِلِهِ نُقْطَةٌ يَكُونُ البُعْدُ بَيْنَها وبَيْنَهُ واحِدًا في حَدِّ جَمِيعِ الجِهاتِ، وقَدْ تُطْلَقُ الدّائِرَةُ عَلى ذَلِكَ الخَطِّ المُحِيطِ أيْضًا، انْتَهى.
واخْتُلِفَ في أنَّ: أيُّ المَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةٌ، فَقِيلَ: إنَّها حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ مَجازٌ في الثّانِي، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، قالَ البَرَجَنْدِيُّ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ إذا ثُبِّتَ أحَدُ طَرَفَيْ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وأُدِيرَ دَوْرَةً تامَّةً يَحْصُلُ سَطْحُ دائِرَةٍ يُسَمّى بِها؛ لِأنَّ هَيْئَةَ هَذا السَّطْحِ ذاتُ دَوْرٍ، عَلى أنَّ صِيغَةَ الفاعِلِ لِلنِّسْبَةِ، وإذا تُوُهِّمَ حَرَكَةُ نُقْطَةٍ حَوْلَ نُقْطَةٍ ثابِتَةٍ دَوْرَةً تامَّةً بِحَيْثُ لا يَخْتَلِفُ بُعْدُ النُّقْطَةِ المُتَحَرِّكَةِ عَنِ النُّقْطَةِ الثّابِتَةِ يَحْصُلُ مُحِيطُ دائِرَةٍ يُسَمّى بِها؛ لِأنَّ النُّقْطَةَ كانَتْ دائِرَةً، فَسُمِّيَ ما حَصَلَ مِن دَوَرانِها دائِرَةً، فَإنِ اعْتُبِرَ الأوَّلُ ناسَبَ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ الدّائِرَةِ عَلى السَّطْحِ حَقِيقَةً وعَلى المُحِيطِ مَجازًا، وإذا اعْتُبِرَ الثّانِي ناسَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، انْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ بِأنَّهُ لا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ إطْلاقَها بِالِاعْتِبارِ الثّانِي عَلى المُحِيطِ أيْضًا مَجازٌ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِكَوْنِ إطْلاقِها عَلى المُحِيطِ حَقِيقَةً أنَّ إطْلاقَها عَلَيْهِ لَيْسَ مَجازًا بِالوَجْهِ الَّذِي كانَ بِهِ مَجازًا في الِاعْتِبارِ الأوَّلِ، فَإنَّ وجْهَ المَجازِ فِيهِ التَّسْمِيَةُ لِلْمُحِيطِ بِاسْمِ المُحاطِ، وها هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ كَما سَمِعْتَ، لَكِنْ هَذا تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ، ولَوْ قالَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ في اللّاحِقِ: لِأنَّ هَيْئَةَ الخَطِّ ذاتُ دَوْرٍ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ السّابِقِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ هَذا، فَتَدَبَّرْ.
وكَيْفَما كانَ فَقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِنَوائِبِ الزَّمانِ بِمُلاحَظَةِ إحاطَتِها، وقَوْلُهم هَذا كانَ اعْتِذارًا عَنِ المُوالاةِ، أيْ نَخْشى أنْ تَدُورَ عَلَيْنا دائِرَةٌ مِن دَوائِرِ الدَّهْرِ، ودَوْلَةٌ مِن دُوَلِهِ، بِأنْ يَنْقَلِبَ الأمْرُ لِلْكُفّارِ، وتَكُونَ الدَّوْلَةُ لَهم عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَحْتاجُ إلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: نَخْشى أنْ يَدُورَ الدَّهْرُ عَلَيْنا بِمَكْرُوهٍ كالجَدْبِ والقَحْطِ فَلا يُمِيرُونَنا ولا يُقْرِضُونَنا، ولا يَبْعُدُ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّهم يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهم يُرِيدُونَ بِالدّائِرَةِ ما قالَهُ الكَلْبِيُّ، ويُضْمِرُونَ في دَوائِرِ قُلُوبِهِمْ ما قالَهُ الجَماعَةُ، المُنْبِئَ عَنِ الشَّكِّ في أمْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عِلَلَهُمُ الباطِلَةَ، وقَطَعَ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ، وبَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِحُصُولِ أُمْنِيَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ فَإنَّ عَسى مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدٌ مَحْتُومٌ؛ لِما أنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ أطْعَمَ فَما ظَنَّكُ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ؟!
والمُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - وقِيلَ: فَتْحُ بِلادِ الكُفّارِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو القَضاءُ الفَصْلُ بِنَصْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى مَن خالَفَهُ، وإعْزازِ الدِّينِ، و( أنْ يَأْتِيَ ) في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو خَبَرٌ لِـ( عَسى ) عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، ومَفْعُولٌ بِهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، لِئَلّا يَلْزَمَ الإخْبارُ بِالحَدَثِ عَنِ الذّاتِ، والأمْرُ في ذَلِكَ عِنْدَ الأخْفَشِ سَهْلٌ.
﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ وهو القَتْلُ وسَبْيُ الذَّرارِيِّ لَبَنِي قُرَيْظَةُ، والجَلاءُ لَبَنِي النَّضِيرِ عِنْدَ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: إظْهارُ نِفاقِ المُنافِقِينَ مَعَ الأمْرِ بِقَتْلِهِمْ، ورَوِيَ عَنِ الحَسَنِ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: مَوْتُ رَأْسِ النِّفاقِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ.
﴿فَيُصْبِحُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ المُنافِقُونَ، وهو عَطْفٌ عَلى ( يِأْتِيَ ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ
صفحة 159
خَبَرِ ( عَسى ) وفاءُ السَّبَبِيَّةِ لِجَعْلِها الجُمْلَتَيْنِ كَجُمْلَةٍ واحِدَةٍ مُغْنِيَةٌ عَنِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى الِاسْمِ، والمُرادُ فَيَصِيرُوا ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والشَّكِّ في أمْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿نادِمِينَ﴾ خَبَرُ ( يُصْبِحُ )، وبِهِ يَتَعَلَّقُ ﴿عَلى ما أسَرُّوا﴾، وتَخْصِيصُ النَّدامَةِ بِهِ لا بِما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِن مُوالاةِ الكَفَرَةِ لِما أنَّهُ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ المُوالاةِ ويُغْرِيهِمْ عَلَيْها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَدامَتَهم عَلى التَّوَلِّي بِأصْلِهِ وسَبَبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرٍو، أنَّهُ سَمَعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ ( عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُ الفُسّاقُ عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ) قالَ عَمْرٌو: لا أدْرِي أكانَ ذَلِكَ مِنهُ قِراءَةً أمْ تَفْسِيرًا.
5:53Page 117
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣
And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ، عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ؟ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: ( ويَقُولَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( فَيُصْبِحُوا ) وقِيلَ: عَلى ( أنْ يَأْتِيَ ) بِحَسَبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: عَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالفَتْحِ ( ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بِإسْنادِ ( يَأْتِيَ ) إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ دُونَ ضَمِيرِهِ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ لِأنَّ العَطْفَ عَلى خَبَرِ ( عَسى ) أوْ مَفْعُولِها يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى لِيَصِحَّ الإخْبارُ بِهِ، أوْ لِيُجْرى عَلى اسْتِعْمالِهِ، ولا ضَمِيرَ فِيهِ هُنا ولا ما يُغْنِي عَنْهُ، وفي صُورَةِ العَطْفِ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَكُونُ ( عَسى ) تامَّةً لِإسْنادِها إلى ( أنْ ) وما في حَيِّزِها، فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى ضَمِيرٍ، وهَذا - كَما قِيلَ - قَرِيبٌ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ، وكَأنَّهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِذَلِكَ دُونَهُ تَأدُّبًا، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ( أنْ يَأْتِيَ ) بَدَلًا مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، والعَطْفُ عَلى البَدَلِ و( عَسى ) تامَّةٌ أيْضًا - كَما صَرَّحَ بِهِ الفارِسِيُّ - وبَعْضُهم يَجْعَلُ العَطْفَ عَلى خَبَرِ ( عَسى )، ويُقَدِّرُ ضَمِيرًا، أيْ: ( ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بِهِ، وذَهَبَ ابْنُ النَّحّاسِ إلى أنَّ العَطْفَ عَلى الفَتْحِ، وهو نَظِيرُ:
ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ، وهو لا يَجُوزُ، وبِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ عَسى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَ بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ، وهو رَكِيكٌ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الإجْزاءِ بِالفِعْلِ والإجْزاءِ بِالتَّقْدِيرِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُرادَ عَسى اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَأْتِيَ بِما يُوجِبُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ مِنَ النُّصْرَةِ المُظْهِرَةِ لِحالِهِمْ.
واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ - قُدِّسَ سِرُّهُ – ما قَدَّمْناهُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ مَؤُونَةِ تَقْدِيرِ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ ( فَتُصْبِحُوا ) كَما عَلِمْتَ مَعْطُوفٌ عَلى ( يَأْتِيَ ) والفاءُ كافِيَةٌ فِيهِ عَنِ الضَّمِيرِ، فَتَكْفِي عَنِ الضَّمِيرِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّ المُتَعاطِفَيْنِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، ولا حاجَةَ - مَعَ هَذا - إلى القَوْلِ بِأنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ في جَوابِ التَّرَجِّي إجْراءً لَهُ مَجْرى التَّمَنِّي - كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ - لِأنَّ هَذا إنَّما يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ فَقَطْ، بِخِلافِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والمَعْنى: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مُخاطِبِينَ لِلْيَهُودِ، مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ، الَّذِينَ كانُوا يُوالُونَهُمْ، ويَرْجُونَ دَوْلَتَهُمْ، ويُظْهِرُونَ لَهم غايَةَ المَحَبَّةِ، وعَدَمَ المُفارَقَةِ عَنْهم في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ - عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ تَخْيِبَةَ رَجائِهِمْ وانْعِكاسَ تَقْدِيرِهِمْ لِوُقُوعِ ضِدِّ ما كانُوا يَتَرَقَّبُونَهُ ويَتَعالَوْنَ بِهِ - تَعْجِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن حالِهِمْ، وتَعْرِيضًا بِهِمْ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ - كَما قالُوهُ - فِيما حُكِيَ عَنْهُمْ: ( وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم ) فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَعْنى إنْكارُ ما فَعَلُوهُ واسْتِعْبادُهُ، وتَخْطِئَتُهم في ذَلِكَ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وغَيْرُهُ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَعْنى: يَقُولُ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ تَعالى لِلْيَهُودِ ﴿إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ والخِطابُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلْيَهُودِ، إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مِن
صفحة 160
جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى الثّانِي مِن جِهَةِ المُقْسِمِينَ.
وفِي البَحْرِ أنَّ الخِطابَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مَن حالَ المُنافِقِينَ إذْ أغْلَظُوا بِالأيْمانِ لَهُمْ، وأقْسَمُوا أنَّهم مَعَكُمْ، وأنَّهم مُعاضِدُوكم عَلى أعْدائِكُمُ اليَهُودِ، فَلَمّا حَلَّ بِاليَهُودِ ما حَلَّ أظْهَرُوا ما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِن مُوالاتِهِمْ والتَّمالِئِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ عَطاءٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
وجُمْلَةُ ( إنَّهم لَمَعَكم ) لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ لِأنَّها تَفْسِيرٌ وحِكايَةٌ لِمَعْنى ( أقْسَمُوا ) لَكِنْ لا بِألْفاظِهِمْ، وإلّا لَقِيلَ: إنّا مَعَكُمْ، وذَكَرَ السَّمِينُ وغَيْرُهُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ ولَيُفْعَلَنَّ ( وجَهْدَ أيْمانِهِمْ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ( أقْسَمُوا ) مِن مَعْناهُ، والمَعْنى أقْسَمُوا إقْسامًا مُجْتَهَدًا فِيهِ، أوْ هو حالٌ بِتَأْوِيلِ مُجْتَهِدِينَ، وأصْلُهُ يَجْتَهِدُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، فالحالُ في الحَقِيقَةِ الجُمْلَةُ، ولِذا ساغَ كَوْنُهُ حالًا، كَقَوْلِهِمُ: افْعَلْ ذَلِكَ جَهْدَكَ، مَعَ أنَّ الحالَ حَقُّها التَّنْكِيرُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حالًا بِحَسَبِ الأصْلِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا يُبالى بِتَعْرِيفِ الحالِ هُنا؛ لِأنَّها في التَّأْوِيلِ نَكِرَةٌ، وهو مُسْتَعارٌ مِن ( جَهَدَ نَفْسَهُ ) إذا بَلَغَ وُسْعَها، فَحاصِلُ المَعْنى: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أكَّدُوا الأيْمانَ وشَدَّدُوها.
﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ مَآلِ ما صَنَعُوهُ مِنِ ادِّعاءِ الوِلايَةِ والقَسَمِ عَلى المَعِيَّةِ في كُلِّ حالٍ إثْرَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالِاسْتِفْهامِ، وأنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُجْعَلَ خَبَرًا ثانِيًا لِاسْمِ الإشارَةِ، وقَدْ قالَ بِجَوازِ نَحْوِ ذَلِكَ بَعْضُ النُّحاةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ أوْ يُجْعَلَ هو الخَبَرَ، والمَوْصُولُ مَعَ ما في حَيِّزِ صِلَتِهِ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ، فالِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّقْرِيرِ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْبَطَ أعْمالَهُمْ! فَما أخْسَرَهُمْ! والمَعْنى: بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في شَأْنِ مُوالاتِكم وسَعَوْا في ذَلِكَ سَعْيًا بَلِيغًا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَكم دَوْلَةٌ كَما ظَنُّوا فَيَنْتَفِعُوا بِما صَنَعُوا مِنَ المَساعِي وتَحَمَّلُوا مِن مُكابَدَةِ المَشاقِّ، وفِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُنافِقِينَ والتَّقْرِيعِ لِلْمُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ إذا كانَتْ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالقَوْلِ بِتَقْدِيرِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ: ماذا قالَ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ كَلامِهِمْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ( حَبِطَتْ أعْمالُهم ) إلَخْ، والجُمْلَةُ إمّا إخْبارِيَّةٌ وشَهادَةُ المُؤْمِنِينَ بِمَضْمُونِها عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ خُسْرانًا دُنْيَوِيًّا، وذَهابُ الأعْمالِ بِلا نَفْعٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها هو ما أمَّلُوهُ مِن دَوْلَةِ اليَهُودِ مِمّا لا إشْكالَ فِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرًا أُخْرَوِيًّا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ بِاعْتِبارِ ما يَظْهَرُ مِن حالِ المُنافِقِينَ في ارْتِكابِ ما ارْتَكَبُوا، وأنْ تَكُونَ بِاعْتِبارِ إخْبارِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – بِذَلِكَ، وإمّا جُمْلَةٌ دُعائِيَّةٌ ولاضَيْرَ في الدُّعاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وأشْعَرَ كَلامُ البَعْضِ أنَّ في الجُمْلَةِ مَعْنى التَّعَجُّبِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّهُ بَعِيدٌ عِنْدَ مَن يَتَدَبَّرُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences