Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:6

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6

5:6Page 108

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِدِينِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُمْ، ووَجْهُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ظاهِرٌ ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها والِاشْتِغالَ بِها، فَعُبِّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ المُسَبَّبِ عَنْها مَجازًا، وفائِدَتُهُ الإيجازُ والتَّنْبِيهُ

صفحة 69

عَلى أنَّ مَن أرادَ العِبادَةَ يَنْبَغِي أنْ يُبادِرَ إلَيْها، بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ الفِعْلُ عَنِ الإرادَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إذا قَصَدْتُمُ الصَّلاةَ فَعُبِّرَ عَنْ أحَدِ لازِمَيِ الشَّيْءِ بِلازِمِهِ الآخَرِ، وظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ الوُضُوءَ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا؛ نَظَرًا إلى عُمُومِ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِالمُحْدِثِينَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ، وإنَّما ذَلِكَ خارِجٌ عَنِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ الإجْماعَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ: ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى الخَمْسَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ»» يَعْنِي بَيانًا لِلْجَوازِ، فاسْتَحْسَنَ الجُمْهُورُ كَوْنَ الآيَةِ مُقَيِّدَةً، والمَعْنى: ( إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ) مُحْدِثِينَ بِقَرِينَةِ دَلالَةِ الحالِ؛ ولِأنَّهُ اشْتُرِطَ الحَدَثُ في البَدَلِ وهو التَّيَمُّمُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ في الوُضُوءِ مَعَ المَدْخَلِيَّةِ في التَّيَمُّمِ لَمْ يَكُنِ البَدَلُ بَدَلًا.

وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ صَرِيحٌ في البَدَلِيَّةِ، وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ في الكَلامِ شَرْطًا أيْ: ( إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا ) إلَخْ، إنْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ؛ لِأنَّهُ يُلائِمُهُ كُلَّ المُلائِمَةِ عَطْفُ ( ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ ) عَلَيْهِ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ، ويُعْلَمُ الوُجُوبُ لِلْمُحْدِثِ مِنَ السُّنَّةِ، واسْتُبْعِدَ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ وُجُوبَ الوُضُوءِ مُسْتَفادٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الِاحْتِياجِ إلى التَّخْصِيصِ بِغَيْرِ المُحْدِثِينَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وأبْعَدُ مِنهُ أنَّهُ نَدْبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ ووُجُوبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ، وقِيلَ: هو لِلْوُجُوبِ، وكانَ الوُضُوءُ واجِبًا عَلى كُلِّ قائِمٍ أوَّلَ الأمْرِ ثُمَّ نُسِخَ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الغَسِيلِ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أُمِرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ طاهِرًا كانَ أمْ غَيْرَ طاهِرٍ، فَلَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أُمِرَ بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، ووُضِعَ عَنْهُ الوُضُوءُ إلّا مِن حَدَثٍ»» ولا يُعارِضُ ذَلِكَ خَبَرُ أنَّ المائِدَةَ آخِرُ القُرْآنِ نُزُولًا إلَخْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُوَّةِ مِثْلَهُ، حَتّى قالَ العِراقِيُّ: لَمْ أجِدْهُ مَرْفُوعًا، نَعَمِ، الِاسْتِدْلالُ عَلى الوُجُوبِ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ نَسْخُ الوُجُوبِ عَنْهم آخِرًا بِمّا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلًا ونَسْخُهُ عَنْهُ آخِرًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، كَما لا يَخْفى.

وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ ( إذا قُمْتُمْ ) مِنَ المَضاجِعِ، يَعْنِي النَّوْمَ ( إلى الصَّلاةِ ) والأمْرُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ويُحْكى عَنْ داوُدَ: أنَّهُ أوْجَبَ الوُضُوءَ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ مِن بَعْدِهِ كانُوا يَتَوَضَّؤُونَ كَذَلِكَ، وكانَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - يَتَوَضَّأُ كَذَلِكَ، ويَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَأْبى اسْتِمْرارَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما ذُكِرَ، والخَبَرُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لَمْ يَثْبُتْ، وفِعْلُ الخُلَفاءِ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وقَدْ ورَدَ: ««مَن تَوَضَّأ عَلى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ»».

﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ: أسِيلُوا عَلَيْها الماءَ، وحَّدُ الإسالَةِ أنْ يَتَقاطَرَ الماءُ ولَوْ قَطْرَةً عِنْدَهُما، وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى – لا يُشْتَرَطُ التَّقاطُرُ، وأمّا الدَّلْكُ فَلَيْسَ مِن حَقِيقَةِ الغَسْلِ، خِلافًا لِمالِكٍ، فَلا يَتَوَقَّفُ حَقِيقَتُهُ عَلَيْهِ، قِيلَ: ومَرْجِعُهم فِيهِ قَوْلُ العَرَبِ: غَسَلَ المَطَرُ الأرْضَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ إلّا الإسالَةُ، ومُنِعَ بِأنَّ وقْعَهُ مِن عُلُوٍّ خُصُوصًا مَعَ الشِّدَّةِ والتَّكَرُّرِ دَلْكٌ أيَّ دَلْكٍ! وهم لا يَقُولُونَهُ إلّا إذا نُظِّفَتِ الأرْضُ، وهو إنَّما يَكُونُ بِدَلْكٍ، وبِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَعْنى المَعْقُولِ مِن شَرْعِيَّةِ الغَسْلِ، وهو تَحْسِينُ هَيْئَةِ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ لِلْقِيامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي لا يَتِمُّ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ

صفحة 70

المُتَوَضِّئِينَ إلّا بِالدَّلْكِ.

وحُكِيَ عَنْهُ أنَّ الدَّلْكَ لَيْسَ واجِبًا لِذاتِهِ، وإنَّما هو واجِبٌ لِتَحَقُّقِ وصُولِ الماءِ، فَلَوْ تَحَقَّقَ لَمْ يُجِبْ، كَما قالَهُ ابْنُ الحاجِّ في شَرْحِ المُنْيَةِ، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّهُ قالَ بِاشْتِراطِ الدَّلْكِ في الغَسْلِ، ولَمْ يَشْتَرَطِ السَّيَلانَ فِيما لَوْ أمَرَّ المُتَوَضِّئُ الثَّلْجَ عَلى العُضْوِ فَإنَّهُ قالَ: يَكْفِي ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَذُبِ الثَّلْجُ ويَسِيلُ، ووافَقَهُ عَلَيْهِ الأوْزاعِيُّ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى غَسْلًا أصْلًا، ويَبْعُدُ قِيامُهُ مَقامَهُ.

وحَدُّ الوَجْهِ عِنْدَنا طُولًا مِن مَبْدَأِ سَطْحِ الجَبْهَةِ إلى أسْفَلِ اللَّحْيَيْنِ، وعَرْضًا ما بَيْنَ شَحْمَتَيِ الأُذُنِ؛ لِأنَّ المُواجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الحالَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنها، واشْتِقاقُ الثُّلاثِيِّ مِنَ المَزِيدِ - إذا كانَ المَزِيدُ أشْهَرَ في المَعْنى الَّذِي يَشْتَرِكانِ فِيهِ – شائِعٌ.

وقالَ العَلّامَةُ أكْمَلُ الدِّينِ: إنَّ ما ذَكَرُوا مِن مَنعِ اشْتِقاقِ الثُّلاثِيِّ مِنَ المَزِيدِ إنَّما هو في الِاشْتِقاقِ الصَّغِيرِ، وأمّا في الِاشْتِقاقِ الكَبِيرِ - وهو أنْ يَكُونَ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ تَناسُبٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى - فَهو جائِزٌ، ويُعْطِي ظاهِرُ التَّحْدِيدِ وُجُوبَ إدْخالِ البَياضِ المُعْتَرِضِ بَيْنَ العِذارِ والأُذُنِ بَعْدَ نَباتِهِ، وهو قَوْلُهُما، خِلافًا لِأبِي يُوسُفَ، ويُعْطِي أيْضًا وُجُوبَ الإسالَةِ عَلى شَعَرِ اللِّحْيَةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ فِيهِ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – وغَيْرِهِ، فَعَنْهُ: يَجِبُ مَسْحُ رُبُعِها، وعَنْهُ: مَسْحُ ما يُلاقِي البَشَرَةَ، وعَنْهُ: لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي يُوسُفَ، وعَنْ أبِي يُوسُفَ: يَجِبُ اسْتِيعابُها، وعَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الكُلِّ، َقِيلَ: -وهُوَ الأصَحُّ - وفي الفَتاوى الظَّهِيرِيَّةِ وعَلَيْهِ الفَتْوى؛ لِأنَّهُ قامَ مَقامَ البَشَرَةِ فَتَحَوَّلَ الفَرْضُ إلَيْهِ كالحاجِبِ.

وقالَ في البَدائِعِ، عَنِ ابْنِ شُجاعٍ: إنَّهم رَجَعُوا عَمّا سِوى هَذا، وكُلُّ هَذا في الكَثَّةِ، أمّا الخَفِيفَةُ الَّتِي تُرى بَشَرَتُها فَيَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تَحْتَها، ولَوْ أمَرَّ الماءَ عَلى شَعَرِ الذَّقَنِ ثُمَّ حَلَقَهُ لا يَجِبُ غَسْلُ الذَّقَنِ.

وفِي البَقّالِ: لَوْ قَصَّ الشّارِبَ لا يَجِبُ تَخْلِيلُهُ، وإنْ طالَ وجَبَ تَخْلِيلُهُ، وإيصالُ الماءِ إلى الشَّفَتَيْنِ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّ قَطْعَهُ مَسْنُونٌ فَلا يُعْتَبَرُ قِيامُهُ في سُقُوطِ ما تَحْتَهُ، بِخِلافِ اللِّحْيَةِ فَإنَّ إعْفاءَها هو المَسْنُونُ، وعَدَّ شَيْخُ الإسْلامِ المَرْغِينانِيُّ في التَّجْنِيسِ إيصالَ الماءِ إلى مَنابِتِ شَعَرِ الحاجِبَيْنِ والشّارِبِ مِنَ الآدابِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ.

وأمّا الشَّفَةُ فَقِيلَ: تَبَعٌ لِلْفَمِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ما انْكَتَمَ عِنْدَ انْضِمامِهِ تَبَعٌ لَهُ، وما ظَهَرَ فَلِلْوَجْهِ، ورُوِيَ هَذا التَّحْدِيدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -وغَيْرِهِمْ.

وقِيلَ: الوَجْهُ كُلُّ ما دُونَ مَنابِتِ الشَّعَرِ مِنَ الرَّأْسِ إلى مُنْقَطَعِ الذَّقَنِ طُولًا، ومِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عَرْضًا، ما ظَهَرَ مِن ذَلِكَ لِعَيْنِ النّاظِرِ، وما بَطَنَ كَداخِلِ الأنْفِ والفَمِ، وكَذا ما أقْبَلَ مِنَ الأُذُنَيْنِ.

ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وعَمّارٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وجَماعَةٍ فَأوْجَبُوا غَسْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ، ولَمْ أرَ لَهم نَصًّا في باطِنِ العَيْنِ، والظّاهِرُ عَدَمُ وُجُوبِ غَسْلِهِ لِمَزِيدِ الحَرَجِ وتَوَقُّعِ الضَّرَرِ، ولِهَذا صَرَّحَ البَعْضُ بِعَدَمِ سُنِّيَّةِ الغَسْلِ أيْضًا، بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ، نَعَمْ، يَخْطُرُ في الذِّهْنِ رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يُوجِبُ غَسْلَ باطِنِ العَيْنِ في الغَسْلِ ويَفْعَلُهُ، وأنَّهُ كانَ سَبَبًا في كَفِّ بَصَرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ جَمْعُ مِرْفَقٍ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أفْصَحُ مِن عَكْسِهِ، وهو مَوْصِلُ الذِّراعِ في العَضُدِ، ولَعَلَّ وجْهَ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أنَّهُ يُرْتَفَقُ بِهِ، أيْ: يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِنَ اليَدِ، وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ عَلى دُخُولِها.

وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ المَرافِقَ يَجِبُ غَسْلُها، ولِذَلِكَ قِيلَ ( إلى ) بِمَعْنى مَعَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ و﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هي إنَّما تُفِيدُ مَعْنى الغايَةِ.

صفحة 71

ومِنَ الأُصُولِ المُقَرَّرَةِ أنْ ما بَعْدَ الغايَةِ إنْ دَخَلَ في المُسَمّى لَوْلا ذِكْرُها دَخَلَ وإلّا فَلا، ولا شَكَّ أنَّ المَرافِقَ داخِلَةٌ في المُسَمّى فَتَدْخُلُ، وما أُورِدَ عَلى هَذا الأصْلِ مِن أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فَلانًا إلى غَدِ لا يَدْخُلُ مَعَ أنَّهُ يَدْخُلُ لَوْ تُرِكَتِ الغايَةُ غَيْرُ قادِحٍ فِيهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ هُنا في مُقْتَضى اللُّغَةِ، والإيمانُ تَبَنّى عَلى العُرْفِ، وجازَ أنْ يُخالِفَ العُرْفُ اللُّغَةَ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ( إلى ) جاءَتْ وما بَعْدَها داخِلٌ في الحُكْمِ فِيما قَبْلَها، وجاءَتْ وما بَعْدَها غَيْرُ داخِلٍ، فَمِنهم مَن حَكَمَ بِالِاشْتِراكِ، ومِنهم مَن حَكَمَ بِظُهُورِ الدُّخُولِ، ومِنهم مَن حَكَمَ بِظُهُورِ انْتِفاءِ الدُّخُولِ، وعَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ، ودُخُولُ المُرافِقِ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ أدارَ الماءَ عَلَيْها.

ونَقَلَ أصْحابُنا حِكايَةَ عَدَمِ دُخُولِها عَنْ زُفَرَ، واسْتَدَلَّ بِتَعارُضِ الأشْباهِ، وبِأنَّ في الدُّخُولِ في المُسَمّى اشْتِباهًا أيْضًا فَلا تَدَخُلُ بِالشَّكِّ، وحَدِيثُ الإدارَةِ لا يَسْتَلْزِمُ الِافْتِراضَ؛ لِجَوازِ كَوْنِهِ عَلى وجْهِ السُّنَّةِ كالزِّيادَةِ في مَسْحِ الرَّأْسِ إلى أنْ يَسْتَوْعِبَهُ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا تَعارُضَ مَعَ غَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ في الأصْلِ المُقَرَّرِ، وأيْضًا عَلى ما قالَ يَثْبُتُ الإجْمالُ في دُخُولِها، فَيَكُونُ اقْتِصارُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى المِرْفَقِ وقَعَ بَيانًا لِلْمُرادِ مِنَ اليَدِ، فَيَتَعَيَّنُ دُخُولُ ما أدْخَلَهُ ( واغْسِلْ يَدَكَ لِلْأكْلِ ) مِن إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ.

وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: دَلَّ عَلى دُخُولِها الِاتِّباعُ والإجْماعُ، بَلْ والآيَةُ أيْضًا بِجَعْلِ ( إلى ) غايَةً لِلتَّرْكِ المُقَدَّرِ، بِناءً عَلى أنَّ اليَدَ حَقِيقَةً إلى المَنكِبِ كَما هو الأشْهَرُ لُغَةً، وكَأنَّهُ عَنى بِالإجْماعِ إجْماعَ أهْلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ، وإلّا فَلا شَكَّ في وُجُودِ المُخالِفِ بَعْدُ، وعَدُّوا داوُدَ، وكَذا الإمامَ مالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن ذَلِكَ، ولِي في عَدِّ الأخِيرِ تَرَدُّدٌ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إجْماعَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ عَلى فَرْضِيَّةِ غَسْلِ اليَدَيْنِ مَعَ المَرْفِقَيْنِ.

قِيلَ: ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الخِلافِ أنَّ فاقِدَ اليَدِ مِنَ المِرْفَقِ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْرارُ الماءِ عَلى طَرَفِ العَظْمِ عِنْدَ القائِلِ بِالدُّخُولِ، ولا يَجِبُ عِنْدَ المُخالِفِ؛ لِأنَّ مَحَلَّ التَّكْلِيفِ لَمْ يَبْقَ أصْلًا، كَما لَوْ فَقَدَ اليَدَ فَما فَوْقَ المِرْفَقِ، نَعَمْ، يُنْدَبُ لَهُ غَسْلُ ما بَقِيَ مِنَ العَضُدِ؛ مُحافَظَةً عَلى التَّحْجِيلِ.

هَذا، واسْتِيعابُ غَسْلِ المَأْمُورِ بِهِ مِنَ الأيْدِي فَرْضٌ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ، فَلَوْ لَزِقَ بِأصْلِ ظُفْرِهِ طِينٌ يابِسٌ أوْ نَحْوُهُ أوْ بَقِيَ قَدْرُ رَأْسِ إبْرَةٍ مِن مَوْضِعِ الغَسْلِ لَمْ يَجُزْ، ولا يَجِبُ نَزْعُ الخاتَمِ وتَحْرِيكُهُ إذا كانَ واسِعًا، والمُخْتارُ في الضَّيِّقِ الوُجُوبُ، وفي الجامِعِ الأصْغَرِ: إنْ كانَ وافِرَ الأظْفارِ وفِيها دَرَنٌ أوْ طِينٌ أوْ عَجِينٌ جازَ في القَرَوِيِّ والمَدَنِيِّ عَلى الصَّحِيحِ المُفْتى بِهِ، كَما قالَ الدَّبُّوسِيُّ وقِيلَ: يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تَحْتَها إلّا الدَّرَنَ؛ لِتَوَلُّدِهِ مِنهُ.

وقالَ الصَّفّارُ: يَجِبُ الإيصالُ مُطْلَقًا إنْ طالَ الظُّفْرُ، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الهُمامِ؛ لِأنَّ الغَسْلَ وإنْ كانَ مَقْصُورًا عَلى الظَّواهِرِ لَكِنْ إذا طالَ الظُّفْرُ يَصِيرُ بِمَنزِلَةِ عُرُوضِ الحائِلِ كَقَطْرَةِ شَمْعَةٍ، وفي النَّوازِلِ: يَجِبُ في المِصْرِيِّ لا القَرْوِيِّ؛ لِأنَّ دُسُومَةَ أظْفارِ المِصْرِيِّ مانِعَةٌ مِن وُصُولِ الماءِ بِخِلافِ القَرْوِيِّ، ولَوْ طالَتْ أظافِرُهُ حَتّى خَرَجَتْ عَنْ رُؤُوسِ الأصابِعِ وجَبَ غَسْلُها قَوْلًا واحِدًا، ولَوْ خُلِقَ لَهُ يَدانِ عَلى المَنكِبِ فالتّامَّةُ هي الأصْلِيَّةُ يَجِبُ غَسْلُها، والأُخْرى زائِدَةٌ، فَما حازى مِنها مَحَلَّ الفَرْضِ وجَبَ غَسْلُهُ، وما لا فَلا، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ بَعْضًا مِنَ النّاسِ أوْجَبَ البِدايَةَ في غَسْلِ الأيْدِي مِنَ المَرافِقِ، فَلَوْ غَسَلَ مِن رُءُوسِ الأصابِعِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوؤُهُ.

وقَدْ حَكى ذَلِكَ الطَّبَرْسِيُّ في مَجْمَعِ البَيانِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا البَعْضَ مِنَ الشِّيعَةِ، ولا أجِدُ لَهم في ذَلِكَ مُتَمَسَّكًا.

﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ قِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ لِتَعَدِّي الفِعْلِ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ مالِكٍ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ أنَّها تَجِيءُ لِذَلِكَ، وأنْشَدَ:

صفحة 72

شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ

وقِيلَ: إنَّ العُرْفَ نَقْلُها إلى التَّبْعِيضِ في المُتَعَدِّي.

والمَفْرُوضُ في المَسْحِ عِنْدَنا مِقْدارُ النّاصِيَةِ، وهو رُبُعُ الرَّأْسِ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ فَوْقَ الأُذُنَيْنِ، لِما رَوى مُسْلِمٌ، عَنِ المُغِيرَةِ: ««أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَوَضَّأ فَمَسَحَ بِناصِيَتِهِ»» والكِتابُ مُجْمَلٌ في حَقِّ الكِمِّيَّةِ، فالتَحِقْ بَيانًا لَهُ، والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَمْنَعُ ذَلِكَ، ويَقُولُ: هو مُطْلَقٌ لا مُجْمَلٌ فَإنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلى كَمِّيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أجْمَلَ فِيها، بَلْ إلى الإطْلاقِ، فَيَسْقُطُ عِنْدَهُ بِأدْنى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَسْحُ الرَّأْسِ، عَلى أنَّ في حَدِيثِ المُغِيرَةِ رِوايَتانِ: عَلى ناصِيَتِهِ، وبِناصِيَتِهِ، والأُولى لا تَقْتَضِي اسْتِيعابَ النّاصِيَةِ؛ لِجَوازِ كَوْنِ ذِكْرِها لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهُ مَسْحٌ عَلى الفَوْدِ أوِ القَذالِ، فَلا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبِكُمْ، ولَوْ دَلَّ مِثْلُ هَذا عَلى الِاسْتِيعابِ لَدَلَّ مَسْحٌ عَلى الخُفَّيْنِ عَلَيْهِ أيْضًا، ولا قائِلَ بِهِ هُناكَ عِنْدَنا وعِنْدَكُمْ، وإذا رَجَعْنا إلى الثّانِيَةِ كانَ مَحَلُّ النِّزاعِ في الباءِ كالآيَةِ، ويَعُودُ التَّبْعِيضُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمُ: الأوْلى أنْ يُسْتَدَلَّ بِرِوايَةِ أبِي داوُدَ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ««رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – يَتَوَضَّأُ، وعَلَيْهِ عِمامَةٌ قَطَرِيَّةٌ، فَأدْخَلَ يَدَهُ مِن تَحْتِ العِمامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ»» وسَكَتَ عَلَيْهِ أبُو داوُدَ، فَهو حُجَّةٌ، وظاهِرُهُ اسْتِيعابُ تَمامِ المُقَدَّمِ، وتَمامُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ هو الرُّبُعُ المُسَمّى بِالنّاصِيَةِ، ومِثْلُهُ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَطاءٍ ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأ فَحَسَرَ العِمامَةَ، ومَسَحَ مُقَدَّمَ رَأسِهِ، أوْ قالَ: ناصِيَتِهِ»» فَإنَّهُ حُجَّةٌ، وإنْ كانَ مُرْسَلًا عِنْدَنا، وكَيْفَ وقَدِ اعْتَضَدَ بِالمُتَّصِلِ؟ بَقِيَ شَيْءٌ وهو أنَّ ثُبُوتَ الفِعْلِ كَذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَوازِ الأقَلِّ، فَلا بُدَّ مِن ضَمِّ المُلازَمَةِ القائِلَةِ لَوْ جازَ الأقَلُّ لِفِعْلِهِ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوازِ، وقَدْ يُمْنَعُ بِأنَّ الجَوازَ إذا كانَ مُسْتَفادًا مِن غَيْرِ الفِعْلِ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ فِيهِ، وهُنا كَذَلِكَ نَظَرًا إلى الآيَةِ، فَإنَّ الباءَ فِيها لِلتَّبْعِيضِ، وهو يُفِيدُ جَوازَ الأقَلِّ، فَيَرْجِعُ البَحْثُ إلى دَلالَةِ الآيَةِ، فَيُقالُ حِينَئِذٍ: إنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ، وهو المَعْنى المُجْمَعُ عَلَيْهِ لَها بِخِلافِ التَّبْعِيضِ؛ فَإنَّ الكَثِيرَ مِن مُحَقِّقِي أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ يَنْفُونَ كَوْنَهُ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا لِلْباءِ بِخِلافِ ما إذا كانَ في ضِمْنِ الإلْصاقِ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ إلْصاقَ الآلَةِ بِالرَّأْسِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ لا يَسْتَوْعِبُ الرَّأْسَ، فَإذا أُلْصِقَ فَلَمْ يَسْتَوْعِبْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ بِذَلِكَ البَعْضِ، وحِينَئِذٍ فَتَعَيَّنَ الرُّبُعُ؛ لِأنَّ اليَدَ إنَّما تَسْتَوْعِبُ قَدْرَهُ غالِبًا، فَلَزِمَ.

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: إنَّ المَفْرُوضَ مِقْدارُ ثَلاثِ أصابِعَ، وصَحَّحَها بَعْضُ المَشايِخِ؛ نَظَرًا إلى أنَّ الواجِبَ إلْصاقُ اليَدِ، والأصابِعُ أصْلُها، ولِذا يَلْزَمُ كَمالُ دِيَةِ اليَدِ بِقَطْعِها، والثَّلاثُ أكْثَرُها، ولِلْأكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ ظاهِرُ الرِّوايَةِ.

وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والإمامُ أحْمَدُ في أظْهَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ إلى أنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعابُ الرَّأْسِ بِالمَسْحِ، والإمامِيَّةُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولَوْ أصابَ المَطَرُ قَدْرَ الفَرْضِ سَقَطَ عِنْدَنا، ولا يُشْتَرَطُ إصابَتُهُ بِاليَدِ؛ لِأنَّ الآلَةَ لَمْ تُقْصَدْ إلّا لِلْإيصالِ إلى المَحَلِّ، فَحَيْثُ وصَلَ اسْتُغْنِيَ عَنِ اسْتِعْمالِها، ولَوْ مَسَحَ بِبَلٍّ في يَدِهِ لَمْ يَأْخُذْهُ مِن عُضْوٍ آخَرَ جازَ، وإنْ أخَذَهُ لا يَجُوزُ، ولَوْ مَسَحَ بِإصْبَعٍ واحِدَةٍ مَدَّها قَدْرَ الفَرْضِ وكَذا بِإصْبَعَيْنِ عَلى ما قِيلَ لا يَجُوزُ خِلافًا لِزُفَرَ، وعَلَّلُوهُ بِأنَّ البِلَّةَ صارَتْ مُسْتَعْمَلَةً، وهو عَلى إشْكالِهِ بِأنَّ الماءَ لا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا قَبْلَ الِانْفِصالِ لِيُسْتَلْزَمَ عَدَمُ جَوازِ مَدِّ الثَّلاثِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ لا يُجْزِئُ أقَلُّ مِنَ الرُّبُعِ، والمَشْهُورُ في ذَلِكَ الجَوازُ.

واخْتارَ شَمْسُ الأئِمَّةِ أنَّ المَنعَ في مَدِّ الإصْبَعِ والِاثْنَتَيْنِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِاسْتِعْمالِ البِلَّةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِإصْبَعَيْنِ في التَّيَمُّمِ لا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ شَيْءٍ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، خُصُوصًا إذا تَيَمَّمَ عَلى الحَجَرِ الصَّلْدِ، بَلِ الوَجْهُ عِنْدَهُ أنّا مَأْمُورُونَ بِالمَسْحِ بِاليَدِ، والإصْبَعانِ مِنها لا تُسَمَّيانِ يَدًا بِخِلافِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما هو الأصْلُ فِيها، وهو حَسَنٌ - كَما قالَ ابْنُ الهُمامِ -

صفحة 73

لَكِنَّهُ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الإصابَةِ بِاليَدِ، وهو مُنْتَفٍ بِمَسْألَةِ المَطَرِ، وقَدْ يُدْفَعُ بِأنَّ المُرادَ تَعَيُّنُها أوْ ما يَقُومُ مَقامَها مِنَ الآلاتِ عِنْدَ قَصْدِ الإسْقاطِ بِالفِعْلِ اخْتِيارًا، غَيْرَ أنَّ لازِمَهُ كَوْنُ تِلْكَ الآلَةِ الَّتِي هي غَيْرُ اليَدِ مَثَلًا قَدْرَ ثَلاثِ أصابِعَ مِنَ اليَدِ حَتّى لَوْ كانَ عُودًا مَثَلًا لا يَبْلُغُ ذَلِكَ القَدْرَ، قُلْنا: بِعَدَمِ جَوازِ مَدِّهِ.

وقَدْ يُقالُ: عَدَمُ الجَوازِ بِالإصْبَعِ بِناءً عَلى أنَّ البِلَّةَ تَتَلاشى وتَفْرُغُ قَبْلَ بُلُوغِ قَدْرِ الفَرْضِ بِخِلافٍ الإصْبَعَيْنِ فَإنَّ الماءَ يُتَحَمَّلُ بَيْنَ الإصْبَعَيْنِ المَضْمُومَتَيْنِ فَضْلَ زِيادَةٍ تَحْتَمِلُ الِامْتِدادَ إلى قَدْرِ الفَرْضِ، وهَذا مُشاهَدٌ أوْ مَظْنُونٌ، فَوَجَبَ إثْباتُ الحُكْمِ بِاعْتِبارِهِ، فَعَلى اعْتِبارِ صِحَّةِ الِاكْتِفاءِ بِقَدْرِ ثَلاثِ أصابِعَ يَجُوزُ مَدُّ الإصْبَعَيْنِ؛ لِأنَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الماءِ يَمْتَدُّ قَدْرَ إصْبَعٍ ثالِثَةٍ، وعَلى اعْتِبارِ تَوَقُّفِ الإجْزاءِ عَلى الرُّبُعِ لا يَجُوزُ لِأنَّ ما بَيْنَهُما لا يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ إيعابُهُ الرُّبُعَ، إلّا أنَّ هَذا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ عَدَمُ جَوازِ التَّيَمُّمِ بِإصْبَعَيْنِ، فَلَوْ أدْخَلَ رَأْسَهُ إناءَ ماءٍ ناوِيًا لِلْمَسْحِ جازَ، والماءُ طَهُورٌ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ؛ لِأنَّهُ لا يُعْطى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمالِ إلّا بَعْدَ الِانْفِصالِ، والَّذِي لاقى الرَّأْسَ مِن أجْزائِهِ لَصِقَ بِهِ فَطَهَّرَهُ، وغَيْرُهُ لَمْ يُلاقِهِ فَلا يُسْتَعْمَلُ.

واتَّفَقَتِ الأئِمَّةُ عَلى أنَّ المَسْحَ عَلى العِمامَةِ غَيْرُ مُجْزِئٍ إلّا أحْمَدَ، فَإنَّهُ أجازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مِنَ العِمامَةِ شَيْءٌ تَحْتَ الحَنَكِ، رِوايَةٌ واحِدَةٌ، وهَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ قَدْ لَبِسَها عَلى طَهارَةٍ فِيهِ رِوايَتانِ، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ أيْضًا في مَسْحِ المَرْأةِ عَلى قِناعِها المُسْتَدِيرِ تَحْتَ حَلْقِها، فَرُوِيَ عَنْهُ جَوازُ المَسْحِ كَعِمامَةِ الرَّجُلِ ذاتِ الحَنَكِ، ورُوِيَ عَنْهُ المَنعُ، ونُقِلَ عَنِ الأوْزاعِيِّ والثَّوْرِيِّ جَوازُ المَسْحِ عَلى العِمامَةِ، ولَمْ أرَ حِكايَةَ الِاشْتِراطِ ولا عَدَمِهِ عَنْهُما، وقَدْ ذُكِرَ لَنا دَلِيلُ الجَوازِ في كِتابِ الأجْوِبَةِ العِراقِيَّةِ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ.

﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ وهُما العَظْمانِ النّاتِئانِ مِنَ الجانِبَيْنِ عِنْدَ مَفْصِلِ السّاقِ والقَدَمِ، ومِنهُ الكاعِبُ - وهي الجارِيَةُ الَّتِي تَبْدُو ثَدْيُها لِلنُّهُودِ - ورَوى هِشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّ الكَعْبَ هو المَفْصِلُ الَّذِي في وسَطِ القَدَمِ عِنْدَ مُعْتَرَكِ الشِّراكِ؛ لِأنَّ الكَعْبَ اسْمٌ لِلْمَفْصِلِ، ومِنهُ كُعُوبُ الرُّمْحِ، والَّذِي في وسَطِ القَدَمِ مَفْصِلٌ دُونَ ما عَلى السّاقِ، وهَذا صَحِيحٌ في المُحْرِمِ إذا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مُرادُ مُحَمَّدٍ، فَأمّا في الطَّهارَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ ما ذَكَرْنا.

وفِي الأرْجُلِ ثَلاثُ قِراءاتٍ:

واحِدَةٌ شاذَّةٌ واثْنَتانِ مُتَواتِرَتانِ، أمّا الشّاذَّةُ فالرَّفْعُ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأمّا المُتَواتِرَتانِ فالنَّصْبُ: وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٍ، والكِسائِيِّ، ويَعْقُوبَ. والجَرُّ: وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةَ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ.

ومِن هُنا اخْتَلَفَ النّاسُ في غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ومَسْحِهِما، قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: فَنَقَلَ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ الواجِبَ فِيها المَسْحُ، وهو مَذْهَبُ الإمامِيَّةِ، وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ والمُفَسِّرِينَ: فَرْضُهُما الغَسْلُ، وقالَ داوُدُ: يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وهو قَوْلُ النّاصِرِ لِلْحَقِّ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ، وحُجَّةُ القائِلِينَ بِالمَسْحِ قِراءَةُ الجَرِّ؛ فَإنَّها تَقْتَضِي كَوْنَ الأرْجُلِ مَعْطُوفَةً عَلى الرُّءُوسِ، فَكَما وجَبَ المَسْحُ فِيها وجَبَ فِيها.

والقَوْلُ إنَّهُ جَرٌّ بِالجِوارِ كَما في قَوْلِهِمْ: هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وقَوْلِهِ:

كَأنَّ ثَبِيرًا في عَرانِينِ وبْلِهِ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَّمَلِ

باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها أنَّ الكَسْرَ عَلى الجِوارِ مَعْدُودٌ في اللَّحْنِ الَّذِي قَدْ يُتَحَمَّلُ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ.

وثانِيها أنَّ الكَسْرَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ حَيْثُ حَصَلَ الأمْنُ مِنَ الِالتِباسِ، كَما فِيما اسْتَشْهَدُوا بِهِ،

صفحة 74

وفِي الآيَةِ الأمْنُ مِنَ الِالتِباسِ غَيْرُ حاصِلٍ.

وثالِثُها أنَّ الجَرَّ بِالجِوارِ إنَّما يَكُونُ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ، وأمّا مَعَ حَرْفِ العَطْفِ فَلَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ العَرَبُ.

ورَدُّوا قِراءَةَ النَّصْبِ إلى قِراءَةِ الجَرِّ فَقالُوا: إنَّها تَقْتَضِي المَسْحَ أيْضًا؛ لِأنَّ العَطْفَ حِينَئِذٍ عَلى مَحَلِّ الرُّءُوسِ لِقُرْبِهِ فَيَتَشارَكانِ في الحُكْمِ، وهَذا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ لِلنُّحاةِ، ثُمَّ قالُوا: أوْ لا يَجُوزُ رَفْعُ ذَلِكَ بِالإخْبارِ؛ لِأنَّها بِأسْرِها مِن بابِ الآحادِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ.

ثُمَّ قالَ الإمامُ: واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا إلّا مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ أنَّ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ ورَدَتْ بِإيجابِ الغَسْلِ، والغَسْلُ مُشْتَمِلٌ عَلى المَسْحِ ولا يَنْعَكِسُ، فَكانَ الغَسْلُ أقْرَبَ إلى الِاحْتِياطِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّ غَسْلَ الأرْجُلِ يَقُومُ مَقامَ مَسْحِها.

والثّانِي أنَّ فَرْضَ الأرْجُلِ مَحْدُودٌ إلى الكَعْبَيْنِ، والتَّحْدِيدُ إنَّما جاءَ في الغَسْلِ لا في المَسْحِ، والقَوْمُ أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ أنَّ الكَعْبَ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمِ الَّذِي تَحْتَ مَفْصِلِ القَدَمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ المَسْحُ عَلى ظَهْرِ القَدَمَيْنِ.

والثّانِي أنَّهم سَلَّمُوا أنَّ الكَعْبَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمَيْنِ النّاتِئَيْنِ مِن جانِبَيِ السّاقِ، إلّا أنَّهُمُ التَزَمُوا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُمْسَحَ ظُهُورُ القَدَمَيْنِ إلى هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى هَذا السُّؤالُ، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ بَحْثَ الغَسْلِ والمَسْحِ مِمّا كَثُرَ فِيهِ الخِصامُ، وطالَما زَلَّتْ فِيهِ أقْدامٌ، وما ذَكَرَهُ الإمامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - يَدُلُّ عَلى أنَّهُ راجِلٌ في هَذا المَيْدانِ وضالِعٌ، لا يُطِيقُ العُرُوجَ إلى شاوِي ضَلِيعٍ تَحْقِيقٌ تَبْتَهِجُ بِهِ الخَواطِرُ والأذْهانُ، فَلْنَبْسُطِ الكَلامَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ رَغْمًا لِأُنُوفِ الشِّيعَةِ السّالِكِينَ مِنَ السُّبُلِ كُلَّ سَبِيلٍ حالِكٍ.

فَنَقُولُ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ، وبِيَدِهِ أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ:

إنَّ القِراءَتَيْنِ مُتَواتِرَتانِ بِإجْماعِ الفَرِيقَيْنِ بَلْ بِإطْباقِ أهْلِ الإسْلامِ كُلِّهِمْ، ومِنَ القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ القِراءَتَيْنِ المُتَواتِرَتَيْنِ إذا تَعارَضَتا في آيَةٍ واحِدَةٍ فَلَهُما حُكْمُ آيَتَيْنِ، فَلا بُدَّ لَنا أنْ نَسْعى ونَجْتَهِدَ في تَطْبِيقِهِما أوَّلًا مَهْما أمْكَنَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الدَّلائِلِ الإعْمالُ دُونَ الإهْمالِ، كَما تَقَرَّرَ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ، ثُمَّ نَطْلُبُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّرْجِيحَ بَيْنَهُما، ثُمَّ إذا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَنا التَّرْجِيحُ بَيْنَهُما نَتْرُكُهُما ونَتَوَجَّهُ إلى الدَّلائِلِ الأُخَرِ مِنَ السُّنَّةِ.

وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ أنَّ الآياتِ إذا تَعارَضَتْ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ ثُمَّ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُما يُرْجَعُ إلى السُّنَّةِ؛ فَإنَّها لَمّا لَمْ يُمْكِنْ لَنا العَمَلُ بِها صارَتْ مَعْدُومَةً في حَقِّنا مِن حَيْثُ العَمَلُ، وإنْ تَعارَضَتِ السُّنَّةُ كَذَلِكَ نَرْجِعُ إلى أقْوالِ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ، أوْ نَرْجِعُ إلى القِياسِ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ قِياسَ المُجْتَهِدِ يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ التَّعارُضِ.

فَلَمّا تَأمَّلْنا في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ في الآيَةِ وجَدْنا التَّطْبِيقَ بَيْنَهُما بِقَواعِدِنا مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ أنْ يُحْمَلَ المَسْحُ عَلى الغَسْلِ، كَما صَرَّحَ بِهِ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، فَيُقالُ لِلرَّجُلِ إذا تَوَضَّأ: تَمَسَّحَ، ويُقالُ: مَسَحَ اللَّهُ تَعالى ما بِكَ، أيْ: أزالَ عَنْكَ المَرَضَ، ومَسَحَ الأرْضَ المَطَرُ إذا غَسَلَها، فَإذا عُطِفَتِ الأرْجُلُ عَلى الرُّءُوسِ في قِراءَةِ الجَرِّ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُها مَمْسُوحَةً بِالمَعْنى الَّذِي يَدَّعِيهِ الشِّيعَةُ.

واعْتُرِضَ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها أنَّ فائِدَةَ اللَّفْظَيْنِ في اللُّغَةِ والشَّرْعِ مُخْتَلِفَةٌ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الأعْضاءِ المَغْسُولَةِ والمَمْسُوحَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْنى الغَسْلِ والمَسْحِ واحِدًا؟!

وثانِيها أنَّ الأرْجُلَ إذا كانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الرُّءُوسِ، وكانَ الفَرْضُ في الرُّءُوسِ المَسْحَ الَّذِي لَيْسَ بِغَسْلٍ بِلا خِلافٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الأرْجُلِ كَذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском