Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:6, continued
وثالِثُها أنَّهُ لَوْ كانَ المَسْحُ - بِمَعْنى الغَسْلِ - يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ عَلى الغَسْلِ بِخَبَرِ ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»» لِأنَّهُ عَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَسَحَها فَسَمّى المَسْحَ غَسْلًا.
ورابِعُها أنَّ اسْتِشْهادَ أبِي زَيْدٍ بِقَوْلِهِمْ: تَمَسَّحْتُ لِلصَّلاةِ لا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِاحْتِمالِ أنَّهم لَمّا أرادُوا أنْ يُخْبِرُوا
صفحة 75
عَنِ الطُّهُورِ بِلَفْظٍ مُوجَزٍ ولَمْ يُجَزْ أنْ يَقُولُوا: تَغَسَّلْتُ لِلصَّلاةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ الغُسْلَ قالُوا بَدَلَهُ: تَمَسَّحْتُ؛ لِأنَّ المَغْسُولَ مِنَ الأعْضاءِ مَمْسُوحٌ أيْضًا، فَتَجَوَّزُوا بِذَلِكَ؛ تَعْوِيلًا عَلى فَهْمِ المُرادِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا جَعَلُوا المَسْحَ مِن أسْماءِ الغَسْلِ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنّا لا نُنْكِرُ اخْتِلافَ فائِدَةِ اللَّفْظَيْنِ لُغَةً وشَرْعًا، ولا تَفْرِقَةَ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ المَغْسُولِ والمَمْسُوحِ مِنَ الأعْضاءِ، لَكِنّا نَدَّعِي أنَّ حَمْلَ المَسْحِ عَلى الغَسْلِ في بَعْضِ المَواضِعِ جائِزٌ، ولَيْسَ في اللُّغَةِ والشَّرْعِ ما يَأْباهُ، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.
وعَنِ الثّانِي بِأنّا نُقَدِّرُ لَفْظَ امْسَحُوا قَبْلَ أرْجُلِكم أيْضًا، وإذا تَعَدَّدَ اللَّفْظُ فَلا بَأْسَ بِأنْ يَتَعَدَّدَ المَعْنى، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، فَقَدْ نَقَلَ شارِحُ زُبْدَةِ الأُصُولِ مِنَ الإمامِيَّةِ أنَّ هَذا القِسْمَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ جائِزٌ، بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ اللَّفْظُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وفي المَعْطُوفِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ.
وقالُوا في آيَةِ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾: إنَّ الصَّلاةَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ الشَّرْعِيِّ وهو الأرْكانُ المَخْصُوصَةُ، وفي المَعْطُوفِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ وهو المَسْجِدُ، فَإنَّهُ مَحَلُّ الصَّلاةِ، وادَّعى ذَلِكَ الشّارِحُ أنَّ هَذا نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الآيَةَ جَمْعٌ مِن مُفَسِّرِي الإمامِيَّةِ وفُقَهائِهِمْ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ هَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ في التَّحْقِيقِ، ويَكُونُ المَسْحُ المُتَعَلِّقُ بِالرُّءُوسِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَسْحُ المُتَعَلِّقُ بِالأرْجُلِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، عَلى أنَّ مِن أُصُولِ الإمامِيَّةِ - كالشّافِعِيَّةِ - جَوازُ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وكَذا اسْتِعْمالُ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، ويُحْتَمَلُ هُنا إضْمارُ الجارِّ تَبَعًا لِلْفِعْلِ، فَتَدَبَّرْ.
ولا يُشْكَلُ أنَّ في الآيَةِ حِينَئِذٍ إبْهامًا، ويَبْعُدُ وُقُوعُ ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَما فُرِضَ الوُضُوءُ، وعَلَّمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُوحُ القُدُسِ إيّاهُ في ابْتِداءِ البِعْثَةِ بِسِنِينَ، فَلا بَأْسَ أنْ يُسْتَعْمَلَ فِيها هَذا القِسْمُ مِنَ الإبْهامِ؛ فَإنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا عارِفِينَ بِكَيْفِيَّةِ الوُضُوءِ، ولَمْ تَتَوَقَّفْ مَعْرِفَتُهم بِها عَلى الِاسْتِنْباطِ مِنَ الآيَةِ، ولَمْ تَنْزِلِ الآيَةُ لِتَعْلِيمِهِمْ، بَلْ سَوْقُها لِإبْدالِ التَّيَمُّمِ مِنَ الوُضُوءِ والغَسْلِ في الظّاهِرِ، وذِكْرُ الوُضُوءِ فَوْقَ التَّيَمُّمِ لِلتَّمْهِيدِ، والغالِبُ فِيما يُذْكَرُ لِذَلِكَ عَدَمُ البَيانِ المُشْبِعِ.
وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ حَمْلَ المَسْحِ عَلى الغَسْلِ لِداعٍ لا يَسْتَلْزِمُ حَمْلَ الغَسْلِ عَلى المَسْحِ بِغَيْرِ داعٍ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ؟! سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى، هَذا هو العَجَبُ العُجابُ.
وعَنِ الرّابِعِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ العُدُولَ عَنْ ( تَغَسَّلْتُ ) لِإيهامِهِ الغَسْلَ؛ فَإنَّ ( تَمَسَّحْتُ ) يُوهِمُ ذَلِكَ أيْضًا، بِناءً عَلى ما قالَهُ مِن أنَّ المَغْسُولَ مِنَ الأعْضاءِ مَمْسُوحٌ أيْضًا، سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنّا لَمْ نَقْتَصِرْ في الِاسْتِشْهادِ عَلى ذَلِكَ، ويَكْفِي ( مَسَحَ الأرْضَ المَطَرُ ) في الفَرْضِ.
والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَبْقى المَسْحُ عَلى الظّاهِرِ، وتُجْعَلَ الأرْجُلُ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ مَعْطُوفَةً عَلى المَغْسُولاتِ، كَما في قِراءَةِ النَّصْبِ والجَرِّ لِلْمُجاوَرِهِ، واعْتُرِضَ أيْضًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ والثّانِي والثّالِثُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ مِن عَدِّ الجَرِّ بِالجِوارِ لَحْنًا، وأنَّهُ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ أمْنِ الِالتِباسِ، ولا أمْنَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، وكَوْنُهُ إنَّما يَكُونُ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ.
والرّابِعُ أنَّ في العَطْفِ عَلى المَغْسُولاتِ - سَواءٌ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبَ اللَّفْظِ أوْ مَجْرُورَهُ - الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ أجْنَبِيَّةٍ لَيْسَتِ اعْتِراضِيَّةً، وهو غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ النُّحاةِ، عَلى أنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: ( ضَرَبْتُ زَيْدًا وأكْرَمْتُ خالِدًا وبَكْرًا ) بِجَعْلِ بَكْرٍ عَطْفًا عَلى زَيْدٍ، أوْ إرادَةَ أنَّهُ مَضْرُوبٌ لا مُكْرَمٌ، وهو مُسْتَهْجَنٌ جِدًّا، تَنْفِرُ عَنْهُ الطِّباعُ، ولا تَقْبَلُهُ الأسْماعُ، فَكَيْفَ يُجْنَحُ إلَيْهِ؟! أوْ يُحْمَلُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ؟!
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ إمامَ النُّحاةِ الأخْفَشَ وأبا البَقاءِ وسائِرَ مَهَرَةِ العَرَبِيَّةِ وأئِمَّتَها جَوَّزُوا جَرَّ الجِوارِ، وقالُوا بِوُقُوعِهِ في الفَصِيحِ، كَما سَتَسْمَعُهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ولَمْ يُنْكِرْهُ إلّا الزَّجّاجُ، وإنْكارُهُ مَعَ
صفحة 76
ثُبُوتِهِ في كَلامِهِمْ يَدُلُّ عَلى قُصُورِ تَتَبُّعِهِ، ومِن هُنا قالُوا: المُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي.
وعَنِ الثّانِي بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ أمْنِ الِالتِباسِ، ولا نُقِلَ في ذَلِكَ عَنِ النُّحاةِ في الكُتُبِ المُعْتَمَدَةِ، نَعَمْ، قالَ بَعْضُهُمْ: شَرْطُ حُسْنِهِ عَدَمُ الِالتِباسِ مَعَ تَضَمُّنِ نُكْتَةٍ، وهو هُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الغايَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذا المَجْرُورَ لَيْسَ بِمَمْسُوحٍ، إذِ المَسْحُ لَمْ يُوجَدْ مُغَيًّا في كَلامِهِمْ، ولِذا لَمْ يُغْيَ في آيَةِ التَّيَمُّمِ، وإنَّما يُغْيا الغَسْلُ، ولِذا غُيِيَ في الآيَةِ حِينَ احْتِيجَ إلَيْهِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ لَمْ يُغْيَ غَسْلُ الوَجْهِ لِظُهُورِ الأمْرِ فِيهِ، ولا قَوْلُ المُرْتَضى: إنَّهُ لا مانِعَ مِن تَغْيِيِهِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ الإشارَةُ إلى تَخْفِيفِ الغَسْلِ، حَتّى كَأنَّهُ مَسْحٌ.
وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهم صَرَّحُوا بِوُقُوعِهِ في النَّعْتِ، كَما سَبَقَ مِنَ الأمْثِلَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ بِجَرِّ ( مُحِيطٍ ) مَعَ أنَّهُ نَعْتٌ لِلْعَذابِ، وفي التَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ:
ألا بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجاتِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ أنْ لَيْسَ وصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرى الذَّنَبِ
بِجَرِّ ( كُلِّهِمْ ) عَلى ماحَكاهُ الفَرّاءُ.
وفِي العَطْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ) عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وفي رِوايَةِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ فَإنَّهُ مَجْرُورٌ بِجِوارِ ( أكْوابٍ وأبارِيقَ ) ومَعْطُوفٍ عَلى ( وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) وقَوْلُ النّابِغَةِ:
لَمْ يَبْقَ إلّا أسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ∗∗∗ ومُوثَقٍ في حِبالِ القَدِّ مَجْنُوبِ
بِجَرِّ ( مُوثَقٍ ) مَعَ أنَّ العَطْفَ عَلى ( أسِيرٌ ) وقَدْ عَقَدَ النُّحاةُ لِذَلِكَ بابًا عَلى حِدَةٍ لِكَثْرَتِهِ، ولِما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ، وقَدْ كَثُرَ في الفَصِيحِ حَتّى تَعَدُّوا عَنِ اعْتِبارِهِ في الإعْرابِ إلى التَّثْنِيَةِ والتَّأْنِيثِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَلامُ ابْنِ الحاجِبِ في هَذا المَقامِ لا يُعْبَأُ بِهِ.
وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ لُزُومَ الفَصْلِ بِالجُمْلَةِ إنَّما يُخِلُّ إذا لَمْ تَكُنْ جُمْلَةَ ( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم ) مُتَعَلِّقَةً بِجُمْلَةِ المَغْسُولاتِ، فَإنْ كانَ مَعْناها ( وامْسَحُوا الأيْدِيَ بَعْدَ الغَسْلِ بِرُءُوسِكم ) فَلا إخْلالَ، كَما هو مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ السُّنَّةِ مِن جَوازِ المَسْحِ بِبَقِيَّةِ ماءِ الغَسْلِ، واليَدُ المَبْلُولَةُ مِنَ المَغْسُولاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ مِنَ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ إلى امْتِناعِ الفَصْلِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، أوْ مَعْطُوفٍ ومَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، بَلْ صَرَّحَ الأئِمَّةُ بِالجَوازِ، بَلْ نَقَلَ أبُو البَقاءِ إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ، نَعَمْ، تَوَسُّطُ الأجْنَبِيِّ في كَلامِ البُلَغاءِ يَكُونُ لِنُكْتَةٍ، وهي هُنا ما أشَرْنا إلَيْهِ، أوِ الإيماءُ إلى التَّرْتِيبِ، وكَوْنُ الآيَةِ مِن قَبِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ المِثالِ في حَيِّزِ المَنعِ، ورُبَّما تَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ النَّظْمُ: ( وامْسَحُوا رُءُوسَكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ ) والواقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ أيْضًا وجْهًا آخَرَ في التَّطْبِيقِ، وهو أنَّ قِراءَةَ الجَرِّ مَحْمُولَةٌ عَلى حالَةِ التَّخَفُّفِ، وقِراءَةَ النَّصْبِ عَلى حالٍ دُونَهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الماسِحَ عَلى الخُفِّ لَيْسَ ماسِحًا عَلى الرِّجْلِ حَقِيقَةً ولا حُكْمًا؛ لِأنَّ الخُفَّ اعْتُبِرَ مانِعًا سَرايَةَ الحَدَثِ إلى القَدَمِ فَهي طاهِرَةٌ، وما حَلَّ بِالخُفِّ أُزِيلَ بِالمَسْحِ، فَهو عَلى الخُفِّ حَقِيقَةً وحُكْمًا، وأيْضًا المَسْحُ عَلى الخُفِّ لا يَجِبُ إلى الكَعْبَيْنِ اتِّفاقًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِبَيانِ المَحَلِّ الَّذِي يُجْزِئُ عَلَيْهِ المَسْحُ؛ لِأنَّهُ لا يُجْزِئُ عَلى ساقِهِ، نَعَمْ، هَذا الوَجْهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والقَلْبُ لا يَمِيلُ إلَيْهِ، وإنِ ادَّعى الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّهُ أحْسَنُ ما قِيلَ في الآيَةِ.
ولِلْإمامِيَّةِ في تَطْبِيقِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ أيْضًا، لَكِنِ الفَرْقُ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما سَبَقَ مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ في الغَسْلِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وقِراءَةُ الجَرِّ تُعادُ إلَيْها، وعِنْدَ الإمامِيَّةِ بِالعَكْسِ.
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ تُعْطَفَ الأرْجُلُ في قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى مَحَلِّ ( بِرُءُوسِكم ) فَيَكُونُ حُكْمُ الرُّءُوسِ والأرْجُلِ كِلَيْهِما مَسْحًا.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الواوَ فِيهِ بِمَعْنى ( مَعَ ) مِن قَبِيلِ اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةُ، وفي كِلا الوَجْهَيْنِ بَحْثٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ أنَّ العَطْفَ عَلى المَحَلِّ خِلافُ الظّاهِرِ بِإجْماعِ الفَرِيقَيْنِ، والظّاهِرُ العَطْفُ عَلى المَغْسُولاتِ،
صفحة 77
والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى خِلافِهِ بِلا دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، وإنِ اسْتَدَلُّوا بِقِراءَةِ الجَرِّ قُلْنا: إنَّها لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِما عَلِمْتَ.
والثّانِي إنَّهُ لَوْ عُطِفَ ( وأرْجُلَكم ) عَلى مَحَلِّ ( بِرُءُوسِكم ) جازَ أنْ نَفْهَمَ مِنهُ مَعْنى الغَسْلِ؛ إذْ مِنَ القَواعِدِ المُقَرَّرَةِ في العُلُومِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ فِعْلانِ مُتَغايِرانِ في المَعْنى - ويَكُونُ لِكُلٍّ مِنهُما مُتَعَلِّقٌ - جازَ حَذْفُ أحَدِهِما، وعُطِفَ مُتَعَلِّقُ المَحْذُوفِ عَلى مُتَعَلِّقِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ مُتَعَلِّقُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
فَإنَّ المُرادَ: وحامِلًا رُمْحًا.
ومِنهُ قَوْلُهُ:
إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعَيُونا
فَإنَّهُ أرادَ: وكَحَّلْنَ العَيُونا.
وقَوْلُهُ:
تَراهُ كَأنَّ مَوْلاهُ يَجْدَعُ أنْفَهُ ∗∗∗ وعَيْنَيْهِ إنْ مَوْلاهُ كانَ لَهُ وفْرُ
أيْ: يُفْقِئُ عَيْنَيْهِ، إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً.
والثّالِثُ أنَّ جَعْلَ ( الواوِ ) بِمَعْنى ( مَعَ ) بِدُونِ قَرِينَةٍ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ، ولا قَرِينَةَ ها هُنا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ، كَما قِيلَ: فَعَلَ المَسْحَيْنِ مَعًا بِالزَّمانِ، ولا قائِلَ بِهِ بِالِاتِّفاقِ.
بَقِيَ لَوْ قالَ قائِلٌ: لا أقْنَعُ بِهَذا المِقْدارِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى غَسْلِ الأرْجُلِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِن خارِجٍ ما يُقَوِّي تَطْبِيقَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنَّ كَلامَهَمْ وكَلامَ الإمامِيَّةِ في ذَلِكَ عَسى أنْ يَكُونَ فَرَسا رِهانٍ، قِيلَ لَهُ: إنَّ سُنَّةَ خَيْرِ الوَرى - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وآثارَ الأئِمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - شاهِدَةٌ عَلى ما يَدَّعِيهِ أهْلُ السُّنَّةِ، وهي مِن طَرِيقِهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا مِن طَرِيقِ القَوْمِ، فَقَدْ رَوى العَيّاشِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ قالَ: «سَألَتْ أبا هُرَيْرَةَ عَنِ القَدَمَيْنِ؟ فَقالَ: تُغْسَلانِ غَسْلًا».
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمانِ، عَنْ أبِي بَصِيرٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «إذا نَسِيتَ مَسْحَ رَأْسِكَ حَتّى غَسَلْتَ رِجْلَيْكِ، فامْسَحْ رَأْسَكَ ثُمَّ اغْسِلْ رِجْلَيْكَ» وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ أيْضًا الكَلْبِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَضْعِيفُها، ولا الحَمْلُ عَلى التَّقِيَّةِ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ بِذَلِكَ شِيعِيٌّ خاصٌّ.
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفّارُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: ««جَلَسْتُ أتَوَضَّأُ فَأقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا غَسَلْتُ قَدَمِي قالَ: يا عَلِيُّ خَلِّلْ بَيْنَ الأصابِعِ»».
ونَقَلَ الشَّرِيفُ الرِّضِيُّ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في نَهْجِ البَلاغَةِ حِكايَةَ وُضَوْئِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وذَكَرَ فِيهِ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَفْهُومَ الآيَةِ كَما قالَ أهْلُ السُّنَّةِ، ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ مِنهُمُ النَّسْخَ لِيُتَكَلَّفَ لِإثْباتِهِ كَمْ ظَنَّهُ مَن لا وُقُوفَ لَهُ.
وما يَزْعُمُهُ الإمامِيَّةُ مِن نِسْبَةِ المَسْحِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وغَيْرِهِما كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَيْهِمْ، فَإنَّ أحَدًا مِنهم ما رُوِيَ عَنْهُ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ أنَّهُ جَوَّزَ المَسْحَ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَإنَّهُ قالَ بِطَرِيقِ التَّعَجُّبِ: «لا نَجِدُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا المَسْحَ، ولَكِنَّهم أبَوْا إلّا الغَسْلَ» ومُرادُهُ أنَّ ظاهِرَ الكِتابِ يُوجِبُ المَسْحَ عَلى قِراءَةِ الجَرِّ، الَّتِي كانَتْ قِراءَتَهُ، ولَكِنَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ لَمْ يَفْعَلُوا إلّا الغَسْلَ، فَفي كَلامِهِ هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ قِراءَةَ الجَرِّ مُؤَوَّلَةٌ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ بِعَمَلِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – والصَّحابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
ونِسْبَةُ جَوازِ المَسْحِ إلى أبِي العالِيَةِ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ زُورٌ وبُهْتانٌ أيْضًا، وكَذَلِكَ نِسْبَةُ الجَمْعِ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ أوِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُما إلى الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ومِثْلُهُ نِسْبَةُ التَّخْيِيرِ إلى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ صاحِبِ التّارِيخِ الكَبِيرِ،
صفحة 78
والتَّفْسِيرِ الشَّهِيرِ، وقَدْ نَشَرَ رُواةُ الشِّيعَةِ هَذِهِ الأكاذِيبَ المُخْتَلِفَةَ، ورَواها بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ، مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزِ الصَّحِيحَ والسَّقِيمَ مِنَ الأخْبارِ بِلا تَحَقُّقٍ ولا سَنَدٍ، واتَّسَعَ الخَرْقُ عَلى الرّاقِعِ، ولَعَلَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ القائِلَ بِالتَّخْيِيرِ هو مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ رُسْتُمَ الشِّيعِيُّ صاحِبُ الإيضاحِ لِلْمُتَرَشِّدِ في الإمامَةِ لَأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ غالِبٍ الطَّبَرِيُّ الشّافِعِيُّ، الَّذِي هو مِن أعْلامِ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَذْكُورُ في تَفْسِيرِ هَذا هو الغَسْلُ فَقَطْ لا المَسْحُ ولا الجَمْعُ ولا التَّخْيِيرُ الَّذِي نَسَبَهُ الشِّيعَةُ إلَيْهِ، ولا حُجَّةَ لَهم في دَعْوى المَسْحِ بِما رُوِيَ «عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ مَسَحَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ومَسَحَ رَأْسَهُ ورِجْلَيْهِ، وشَرِبَ فَضْلَ طَهُورِهِ قائِمًا، وقالَ: «إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ الشُّرْبَ قائِمًا لا يَجُوزُ وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُ»»، وهَذا وُضُوءُ مَن لَمْ يُحْدِثْ؛ لِأنَّ الكَلامَ في وضَوْءِ المُحْدِثِ لا في مُجَرَّدِ التَّنْظِيفِ بِمَسْحِ الأطْرافِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما في الخَبَرِ مِن مَسْحِ المَغْسُولِ اتِّفاقًا.
وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عَبّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ بِرِواياتٍ ضَعِيفَةٍ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى قَدَمَيْهِ» فَهو - كَما قالَ الحُفّاظُ -: شاذُّ مُنْكَرٌ لا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ، مَعَ احْتِمالِ حَمْلِ القَدَمَيْنِ عَلى الخُفَّيْنِ ولَوْ مَجازًا، واحْتِمالِ اشْتِباهِ القَدَمَيْنِ المُتَخَفِّفَيْنِ بِدُونِ المُتَخَفِّفَيْنِ مِن بَعِيدٍ.
ومِثْلُ ذَلِكَ - عِنْدَ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أحْوالِ الرُّواةِ - ما رَواهُ الحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ الأهْوازِيُّ، عَنْ فَضالَةَ، عَنْ حَمّادِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ غالِبِ بْنِ هُذَيْلٍ قالَ: سَألْتُ أبا جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ المَسْحِ عَلى الرِّجْلَيْنِ فَقالَ: هو الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ.
وما رُوِيَ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: «سَألْتُ أبا الحَسَنِ مُوسى بْنَ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ المَسْحِ عَلى القَدَمَيْنِ كَيْفَ هُوَ؟ فَوَضَعَ بِكَفَّيْهِ عَلى الأصابِعِ ثُمَّ مَسَحَهُما إلى الكَعْبَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ بِإصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِهِ هَكَذا إلى الكَعْبَيْنِ أيُجْزِئُ؟ قالَ: لا، إلّا بِكَفِّهِ كُلِّها» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَوَتْهُ الإمامِيَّةُ في هَذا البابِ، ومَن وقَفَ عَلى أحْوالِ رُواتِهِمْ لَمْ يُعَوِّلْ عَلى خَبَرٍ مِن أخْبارِهِمْ.
وقَدْ ذَكَرْنا نُبْذَةً مِن ذَلِكَ في كِتابِنا النَّفَحاتِ القُدْسِيَّةِ في رَدِّ الإمامِيَّةِ، عَلى أنَّ لَنا أنْ نَقُولَ: لَوْ فُرِضَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى المَسْحُ - عَلى ما يَزْعُمُهُ الإمامِيَّةُ مِنَ الآيَةِ - فالغَسْلُ يَكْفِي عَنْهُ، ولَوْ كانَ هو الغَسْلَ لا يَكْفِي عَنْهُ، فَبِالغَسْلِ يَلْزَمُ الخُرُوجُ عَنِ العُهْدَةِ بِيَقِينٍ دُونَ المَسْحِ، وذَلِكَ لِأنَّ الغَسْلَ مُحَصِّلٌ لِمَقْصُودِ المَسْحِ مِن وُصُولِ البَلَلِ وزِيادَةٌ، وهَذا مُرادُ مَن عَبَّرَ بِأنَّهُ مَسْحٌ وزِيادَةٌ، فَلا يَرِدُ ما قِيلَ مِن أنَّ الغَسْلَ والمَسْحَ مُتَضادّانِ لا يَجْتَمِعانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ كالسَّوادِ والبَياضِ، وأيْضًا كانَ يَلْزَمُ الشِّيعَةُ الغَسْلَ؛ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالوَجْهِ المَعْقُولِ مِنَ الوُضُوءِ وهو التَّنْظِيفُ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الأرْبابِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ لِأنَّهُ الأحْوَطُ أيْضًا لِكَوْنِ سَنَدِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِلْفَرِيقَيْنِ كَما سَمِعْتَ دُونَ المَسْحِ لِلِاخْتِلافِ في سَنَدِهِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: قَدْ يَلْزَمُهم - بِناءً عَلى قَواعِدِهِمْ - أنْ يُجَوِّزُوا الغَسْلَ والمَسْحَ ولا يَقْتَصِرُوا عَلى المَسْحِ فَقَطْ، وزَعَمَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّهُ لا إشْكالَ في الآيَةِ بِحَسَبِ القِراءَتَيْنِ عِنْدَ المُخَيَّرِينَ، إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُدَّعى لِغَيْرِهِمْ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَشْرُوعًا أوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِتَعْيِينِ الغَسْلِ، وبَقِيَتِ القِراءَتانِ ثابِتَتَيْنِ في الرَّسْمِ، كَما نُسِخَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِدْيَةِ بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ، وبَقِيَ رَسْمُ ذَلِكَ ثابِتًا، ولا يَخْفى أنَّهُ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ.
هَذا، وأمّا قِراءَةُ الرَّفْعِ فَلا تَصْلُحُ في الِاسْتِدْلالِ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ إذْ لِكُلٍّ أنْ يُقَدِّرَ ما شاءَ ومِن هُنا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيها: إنَّها عَلى مَعْنى: ( وأرْجُلُكم مَغْسُولَةٌ أوْ مَمْسُوحَةٌ ) لَكِنْ ذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ تَغْيِيرَ الجُمْلَةِ مِنَ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ وحَذْفَ خَبَرِها يَدُلُّ عَلى إرادَةِ ثُبُوتِها وظُهُورِها، وأنَّ مَضْمُونَها مُسَلَّمُ الحُكْمِ، ثابِتٌ، لا يَلْتَبِسُ، وإنَّما يَكُونُ
صفحة 79
كَذَلِكَ إذا جُعِلَتِ القَرِينَةُ ما عُلِمَ مِن مَنطُوقِ القِراءَتَيْنِ ومَفْهُومِهِما، وشُوهِدَ وتُعُورِفَ مَن فِعْلِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وسُمِعَ مِنهُمْ، واشْتُهِرَ فِيما بَيْنَهم.
وقَدْ قالَ عَطاءٌ: واللَّهِ ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَسَحَ عَلى القَدَمَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ دافِعٌ لِتَفْسِيرِهِ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: ( وأرْجُلُكم ) مَغْسُولَةٌ أوْ مَمْسُوحَةٌ عَلى التَّرْدِيدِ، لاسِيَّما العُدُولُ مِنَ الإنْشائِيَّةِ إلى الإخْبارِيَّةِ المُشْعِرُ بِأنَّ القَوْمَ كَأنَّهم سارَعُوا فِيهِ، وهو يُخْبِرُ عَنْهُ، انْتَهى، فالأوْلى أنْ يُقَدَّرَ ما هو مِن جِنْسِ الغَسْلِ عَلى وجْهٍ يَبْقى مَعَهُ الإنْشاءُ.
وبِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما في كَلامِ الإمامِ الرّازِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - ونَقْلِهِ مِمّا قَدَّمْناهُ، فاعْرِفِ الرِّجالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بِالرِّجالِ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ الآيَةَ هَلْ تَقْتَضِي وُجُوبَ النِّيَّةِ أمْ لا، فَقالَ الحَنَفِيَّةُ: إنَّ ظاهَرَهُ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ، والقَوْلُ بِوُجُوبِها يَقْتَضِي زِيادَةً في النَّصِّ، والزِّيادَةُ فِيهِ تَقْتَضِي النَّسْخَ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ غَيْرُ واقِعٍ، بَلْ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وكَذا بِالقِياسِ عَلى المَذْهَبِ المَنصُورِ لِلشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَما قالَهُ المَرْوَزِيُّ، فَإذَنْ لا يَصِحَّ إثْباتُ النِّيَّةِ.
وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: إنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي الإيجابَ؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ( إذا قُمْتُمْ ) إذا أرَدْتُمُ القِيامَ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ، والغَسْلُ وقَعَ جَزاءً لِذَلِكَ، والجَزاءُ مُسَبَّبٌ عَنِ الشَّرْطِ، فَيُفِيدُ وُجُوبَ الغَسْلِ لِأجْلِ إرادَةِ الصَّلاةِ، وبِذَلِكَ يَثْبُتُ المَطْلُوبُ.
وقالَ آخَرُونَ - وعَلَيْهِ المُعَوَّلُ عِنْدَهم -: وجْهُ الِاقْتِضاءِ أنَّ الوُضُوءَ مَأْمُورٌ بِهِ، وهو ظاهِرٌ، وكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِبادَةً، وإلّا لَما أُمِرَ بِهِ، وكُلُّ عِبادَةٍ لا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ والإخْلاصُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالنِّيَّةِ، وقَدْ جُعِلَ حالًا لِلْعابِدِينَ، والأحْوالُ شُرُوطٌ، فَتَكُونُ كُلُّ عِبادَةٍ مَشْرُوطَةً بِالنِّيَّةِ، وقاسُوا أيْضًا الوُضُوءَ عَلى التَّعْمِيمِ في كَوْنِهِما طِهارَتَيْنِ لِلصَّلاةِ، وقَدْ وجَبَتِ النِّيَّةُ في المَقِيسِ عَلَيْهِ، فَكَذا في المَقِيسِ، ولَنا القَوْلُ بِمُوجِبِ العِلَّةِ، يَعْنِي سَلَّمْنا أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ بِنِيَّةٍ، والوُضُوءُ لا يَقَعُ عِبادَةً بِدُونِها، لَكِنْ لَيْسَ كَلامُنا في ذَلِكَ، بَلْ في أنَّهُ إذا لَمْ يَنْوِ حَتّى لَمْ يَقَعْ عِبادَةٌ سَبَبًا لِلثَّوابِ، فَهَلْ يَقَعُ الشَّرْطُ المُعْتَبَرُ لِلصَّلاةِ حَتّى تَصِحَّ بِهِ أوْ لا؟ لَيْسَ في الآيَةِ ولا في الحَدِيثِ المَشْهُورِ الَّذِي يُورِدُونَهُ في هَذا المَقامِ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِهِ ولا إثْباتِهِ، فَقُلْنا: نَعَمْ، لِأنَّ الشَّرْطَ مَقْصُودُ التَّحْصِيلِ لِغَيْرِهِ لا لِذاتِهِ، فَكَيْفَ حَصَلَ المَقْصُودُ وصارَ كَسَتْرِ العَوْرَةِ؟! وباقِي شُرُوطِ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُفْتَقَرُ اعْتِبارُها إلى أنْ يَنْوِيَ، ومَنِ ادَّعى أنَّ الشَّرْطَ وُضُوءٌ هو عِبادَةٌ فَعَلَيْهِ البَيانُ.
والقِياسُ المَذْكُورُ عَلى التَّيَمُّمِ فاسِدٌ، فَإنَّ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّ شَرْطَ القِياسِ أنْ لا يَكُونَ شَرْعِيَّةُ حُكْمِ الأصْلِ مُتَأخِّرَةً عَنْ حُكْمِ الفَرْعِ، وإلّا لَثَبَتَ حُكْمُ الفَرْعِ بِلا دَلِيلٍ، وشَرْعِيَّةُ التَّيَمُّمِ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الوُضُوءِ فَلا يُقاسُ الوُضُوءُ عَلى التَّيَمُّمِ في حُكْمِهِ.
نَعَمْ، إنْ قُصِدَ الِاسْتِدْلالُ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ بِمَعْنى أنَّهُ لَمّا شُرِعَ التَّيَمُّمُ بِشَرْطِ النِّيَّةِ ظَهَرَ وُجُوبُها في الوُضُوءِ، وكانَ مَعْنى القِياسِ أنَّهُ لا فارِقَ لَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الفَرْقِ بَيْنَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ أنَّ التَّيَمُّمَ يُنْبِئُ لُغَةً عَنِ القَصْدِ، فَلا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ، بِخِلافِ الوُضُوءِ.
والثّانِي أنَّ التُّرابَ جُعِلَ طَهُورًا في حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، والماءُ طَهُورٌ بِنَفْسِهِ، كَما يُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماءً طَهُورًا﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ القِياسُ فاسِدًا أيْضًا.
واعْتُرِضَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّ النِّيَّةَ المُعْتَبَرَةَ لَيْسَتْ نِيَّةَ نَفْسِ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يَنْوِيَ المَقْصُودَ بِهِ الطَّهارَةُ والصَّلاةُ، ولَوْ صَلاةَ الجِنازَةِ وسَجْدَةَ التِّلاوَةِ، عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإنَّما يُنْبِئُ عَنْ قَصْدِ غَيْرِ المُعْتَبَرِ نِيَّةً،
صفحة 80
فَلا يَكُونُ النَّصُّ بِذَلِكَ مُوجِبًا لِلنِّيَّةِ المُعْتَبَرَةِ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ ما في اسْتِدْلالِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ بِآيَةِ الوُضُوءِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهِ السّابِقِ آنِفًا، وذَلِكَ لِأنَّ المُفادَ بِالتَّرْكِيبِ المُقَدَّرِ إنَّما هو وُجُوبُ الغَسْلِ لِأجْلِ إرادَةِ الصَّلاةِ مَعَ الحَدَثِ، لا إيجابُ أنْ يَغْسِلَ لِأجْلِ الصَّلاةِ؛ إذْ عَقْدُ الجَزاءِ الواقِعِ طَلَبًا بِالشَّرْطِ يُفِيدُ طَلَبَ مَضْمُونِ الجَزاءِ إذا تَحَقَّقَ مَضْمُونُ الشَّرْطِ، وأنَّ وُجُوبَهُ اعْتُبِرَ مُسَبَّبًا عَنْ ذَلِكَ، فَأيْنَ طَلَبُهُ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ هو فَعَلَهُ عَلى قَصْدِ كَوْنِهِ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ؟ فَتَأمَّلْ، فَقَدْ خَفِيَ هَذا عَلى بَعْضِ الأجِلَّةِ حَتّى لَمْ يُكافِئْهُ بِالجَوابِ.
والوَجْهُ الثّانِي بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالحالَةِ المَخْصُوصَةِ حالَةُ الصَّلاةِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإرادَةَ مُرادَّةٌ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها جُمْلَةُ التَّيَمُّمِ.
وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ الآنَ أنْ لا دَلالَةَ فِيها عَلى اشْتِراطِ النِّيَّةِ، وإنْ أُرِيدَ حالَةُ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ فَظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي إيجابَ النِّيَّةِ ولا نَفْيَها، واسْتَفادَ كَوْنَ الماءِ طَهُورًا بِنَفْسِهِ مِمّا ذُكِرَ بِأنَّ كَوْنَ المَقْصُودِ مِن إنْزالِهِ التَّطْهِيرُ بِهِ، وتَسْمِيَتُهُ طَهُورًا لا يُفِيدُ اعْتِبارَهُ مُطَهِّرًا بِنَفْسِهِ، أيْ: رافِعًا لِلْأمْرِ الشَّرْعِيِّ بِلا نِيَّةٍ، وهو المَطْلُوبُ، بِخِلافِ إزالَتِهِ الخَبَثَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَحْسُوسُ أنَّهُ مُقْتَضى طَبْعِهِ، ولا تَلازُمَ بَيْنَ إزالَتِهِ حِسًّا صِفَةً مَحْسُوسَةً وبَيْنَ كَوْنِهِ يَرْتَفِعُ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ اعْتِبارٌ شَرْعِيٌّ.
والمُفادُ مَن ( لِيُطَهِّرَكم ) كَوْنُ المَقْصُودِ مِن إنْزالِهِ التَّطْهِيرُ بِهِ، وهَذا يَصْدُقُ مَعَ اشْتِراطِ النِّيَّةِ - كَما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَدَمِهِ كَما قُلْنا، ولا دَلالَةَ لِلْأعَمِّ عَلى أخَصَّ بِخُصُوصِهِ كَما هو المُقَرَّرُ، فَتَدَبَّرْ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في أنَّها هَلْ تَقْتَضِي وُجُوبَ التَّرْتِيبِ أمْ لا؟ فَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ إلى الثّانِي؛ لِأنَّ المَذْكُورَ فِيها الواوُ وهي لِمُطْلَقِ الجَمْعِ عَلى الصَّحِيحِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، والشّافِعِيَّةُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الفاءَ في ( فاغْسِلُوا ) لِلتَّعْقِيبِ، فَتُفِيدُ تَعْقِيبَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ بِغَسْلِ الوَجْهِ، فَيَلْزَمُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الوَجْهِ وغَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ في الكُلِّ لِعَدَمِ القائِلِ بِالفَصْلِ.
وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ إفادَتَها تَعْقِيبَ القِيامِ بِهِ بَلْ جُمْلَةِ الأعْضاءِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُعَقِّبَ طَلَبَ الغَسْلَ ولَهُ مُتَعَلِّقاتٌ وصَلَ إلى أوَّلِها ذِكْرًا بِنَفْسِهِ وإلى الباقِي بِواسِطَةِ الحَرْفِ المُشْتَرَكِ، فاشْتَرَكَتْ كُلُّها فِيهِ مِن غَيْرِ إفادَةِ طَلَبِ تَقْدِيمِ تَعْلِيقِهِ بِبَعْضِها عَلى بَعْضٍ في الوُجُودِ، فَصارَ مُؤَدّى التَّرْكِيبِ طَلَبَ إعْقابِ غَسْلِ جُمْلَةِ الأعْضاءِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: ادْخُلِ السُّوقَ فاشْتَرِ لَنا خُبْزًا ولَحْمًا، حَيْثُ كانَ المُفادُ أعْقابَ الدُّخُولِ بِشِراءِ ما ذُكِرَ كَيْفَما وقَعَ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ إفادَةَ النَّظْمِ لِلتَّرْتِيبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ لَأوْجَبَ تَقْدِيمَ المَمْسُوحِ أوْ تَأْخِيرَهُ عَنِ المَغْسُولِ، ولِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ قُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ أوْلَوِيَّةُ التَّرْتِيبِ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ ذَلِكَ.
وقالَ آخَرُونَ: الدَّلِيلُ عَلى التَّرْتِيبِ فِعْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ «تَوَضَّأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُرَتَّبًا، ثُمَّ قالَ: «هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى الصَّلاةَ إلّا بِهِ»» وفِيهِ أنَّ الإشارَةَ كانَتْ لِوُضُوءٍ مُرَتَّبٍ مُوالًى فِيهِ، فَلَوْ دَلَّ عَلى فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ لَدَلَّ عَلى فَرْضِيَّةِ المُوالاةِ، ولا قائِلَ بِها عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ، نَعَمْ، أقْوى دَلِيلٍ لَهم قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ: ««ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ تَعالى بِهِ»» بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِما أُجِيبَ، إلّا أنَّ الِاحْتِياطَ لا يَخْفى.
وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، والزِّيادَةُ عَلى ذَلِكَ بِبَيانِ سُنَنِ الوُضُوءِ ونَواقِضِهِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ - مِمّا لا تُفْهِمُهُ الآيَةُ كَما فَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - فُضُولٌ لا فَضْلٌ، وإظْهارُ عِلْمٍ يَلُوحُ مِن خِلالِهِ الجَهْلُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences