Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:61–63
5:61Page 118
وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١
And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.
﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ - في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ، كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ والرِّضا بِما جاءَ بِهِ؛ نِفاقًا، فالخِطابِ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ مَن عِنْدَهُ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أيْ إذا جاءُوكم أظْهَرُوا لَكُمُ الإسْلامَ.
﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِن عِنْدِكَ كَما دَخَلُوا، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحُضُورِهِمْ بَيْنَ يَدَيْكَ، ولَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، والجُمْلَتانِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) عَلى الأظْهَرِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( آمَنّا ) وباءُ ( بِالكُفْرِ ) و( بِهِ ) لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ
صفحة 178
حالانِ مِن فاعِلِ ( دَخَلُوا ) و( خَرَجُوا ) والواوُ الدّاخِلَةُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الحالِيَّةِ لِلْحالِ، ومَن مَنَعَ تَعَدَّدَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ يَقُولُ: إنَّها عاطِفَةٌ، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ أيْضًا، ودُخُولُ ( قَدْ ) في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الماضَوِيَّةِ - كَما قالَ العَلامَةَ الثّانِي - لِتُقَرِّبَ الماضِيَ إلى الحالِ فَتَكْسِرَ سُورَةَ اسْتِبْعادِ ما بَيْنَ الماضِي والحالِ في الجُمْلَةِ، وإلّا ( فَقَدَ ) إنَّما تُقَرِّبُ إلى حالِ التَّكَلُّمِ.
وهَذا إشارَةٌ إلى ما أوْضَحَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ في حاشِيَةِ المُتَوَسِّطِ مِن أنَّهُ قِيلَ: إنَّ الماضِيَ إنَّما يَدُلُّ عَلى انْقِضاءِ زَمانٍ قَبْلَ زَمانِ التَّكَلُّمِ، والحالُ الَّذِي يُبَيِّنُ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ قَيْدٌ لِعامِلِهِ، فَإنْ كانَ العامِلُ ماضِيًا كانَ الحالُ أيْضًا ماضِيًا بِحَسَبِ المَعْنى، وإنْ كانَ حالًا كانَ حالًا، وإنْ كانَ مُسْتَقْبَلًا كانَ مُسْتَقْبَلًا، فَما ذَكَرُوهُ غَلَطٌ نَشَأ مِنِ اشْتِراكِ لَفْظِ الحالِ بَيْنَ الزَّمانِ الحاضِرِ - وهو الَّذِي يُقابِلُ الماضِيَ - وبَيْنَ ما يُبَيِّنُ الحالَةَ المَذْكُورَةَ، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الفِعْلَ إذا وقَعَ قَيْدًا لِشَيْءٍ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ ماضِيًا أوْ حالًا أوْ مُسْتَقْبَلًا بِالنَّظَرِ إلى ذَلِكَ المُقَيَّدِ، فَإذا قِيلَ: ( جاءَنِي زَيْدٌ رَكِبَ ) يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الرُّكُوبَ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى المَجِيءِ، فَلا بُدَّ مِن ( قَدْ ) حَتّى يُقَرِّبَهُ إلى زَمانِ المَجِيءِ فَيُقارِنُهُ، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ العَلّامَةِ الكافَيْجِيُّ في شَرْحِ القَواعِدِ، ثُمَّ قالَ: وأمّا الِاعْتِذارُ بِأنَّ تَصْدِيرَ الماضِي المُثْبَتِ بِلَفْظَةِ ( قَدْ ) لِمُجَرَّدِ اسْتِحْسانٍ لَفْظِيٍّ فَإنَّما هو تَسْلِيمٌ لِذَلِكَ الِاعْتِراضِ، فَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ ولا مَرْضِيٍّ، انْتَهى.
ولِذَلِكَ زِيادَةُ تَفْصِيلٍ في مَحَلِّهِ، وقَدْ ذُكِرَ لَها مَعْنًى آخَرُ في الآيَةِ غَيْرُ التَّقْرِيبِ، وهو التَّوَقُّعُ، فَتُفِيدُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَتَوَقَّعُ دُخُولَ أُولَئِكَ الفَجَرَةِ وخُرُوجَهم مِن خَضِيلَةِ حَضَرْتِهِ - أفْرَغُ مِن يَدٍ تَفُتُّ اليَرْمَعَ - لَمْ يَعْلَقْ بِهِمْ شَيْءٌ مِمّا سَمِعُوا مِن تَذْكِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِآياتِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -لِظَنِّهِ - بِما يَرى مِنَ الأماراتِ اللّائِحَةَ عَلَيْهِمْ - نِفاقَهُمُ الرّاسِخَ، ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ:
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى، وفي الكَشّافِ: إنَّ أماراتِ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَوَقَّعًا لِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى ما كَتَمُوهُ، فَدَخَلَ حَرْفُ التَّوَقُّعِ لِذَلِكَ، واعْتَرَضَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ ( قَدْ ) مَوْضُوعَةٌ لِتَوَقُّعِ مَدْخُولِها، وهو ها هُنا عَيْنُ النِّفاقِ، فَكَيْفَ يُقالُ: لِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى ما كَتَمُوهُ؟! وأجابَ بِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ المُتَوَقَّعَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حاصِلًا، وكَوْنُهم مُنافِقِينَ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ - صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ - بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ( إنَّ أماراتِ النِّفاقِ ) إلَخْ، فَيَجِبُ المَصِيرُ إلى المَجازِ، والقَوْلِ بِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى ما كَتَمُوهُ، وقالَ في الكَشْفِ مُعَرِّضًا بِهِ: إنَّ الدُّخُولَ في الكُفْرِ والخُرُوجَ بِهِ إظْهارٌ لَهُ، فَلِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّوَقُّعِ؛ لا أنَّهُ عَيْنَ النِّفاقِ لِيَحْتاجَ إلى تَجَوُّزٍ في رُجُوعِ التَّوَقُّعِ إلى إظْهارِهِ، وإنَّ ظُهُورَ أمارَتِهِ غَيْرُ إظْهارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِإخْبارِهِ سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، وأنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِالكُفْرِ، مُتَقَلِّبُونَ فِيهِ خُرُوجًا ودُخُولًا، انْتَهى، فَلْيُتَأمَّلْ.
وإنَّما لَمْ يَقِلْ سُبْحانَهُ: ( وقَدْ خَرَجُوا ) عَلى طِرْزِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ إفادَةً لِتَأْكِيدِ الكُفْرِ حالَ الخُرُوجُ؛ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، إذْ كانَ الظّاهِرُ بَعْدَ تَنَوُّرِ أبْصارِهِمْ بِرُؤْيَةِ مَطْلَعِ شَمْسِ الرِّسالَةِ، وتَشَنُّفِ أسْماعِهِمْ بِلَآلِئِ كَلِماتِ بَحْرِ البَسالَةِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَوايَةِ، ويَحُلُّوا جِيادَ قُلُوبِهِمُ العاطِلَةِ عَنْ حَلْيِ الهِدايَةِ، وأيْضًا أنَّهم إذا سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنْكَرُوهُ ازْدادَ كُفْرُهُمْ، وتَضاعَفَ ضَلالُهم.
5:62Page 118
وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢
And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.
﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ اليَهُودِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ - والخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: قَلْبِيَّةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن
صفحة 179
( كَثِيرًا ) المَوْصُوفِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ( تَرى ) والمُسارَعَةُ مُبادَرَةُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، وإيثارُ ( في ) عَلى ( إلى ) لِلْإشارَةِ إلى تَمَكُّنِهِمْ فِيما يُسارِعُونَ إلَيْهِ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، وإحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمْ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالإثْمِ الحَرامُ، وقِيلَ: الكَذِبُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الكَذِبُ بِقَوْلِهِمْ ( آمَنّا ) لِأنَّهُ إمّا إخْبارٌ أوْ إنْشاءٌ مُتَضَمِّنٌ الإخْبارَ بِحُصُولِ صِفَةِ الإيمانِ لَهُمْ، واسْتُدِلَّ عَلى التَّخْصِيصِ بِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفْرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، ولَعَلَّ الدّاعِيَ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ كَوْنُهُ الفَرْدَ الكامِلَ، والمُرادُ مِنَ العُدْوانِ الظُّلْمُ، أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، وقِيلَ: الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِمْ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِوَصْفِهِمْ بِسُوءِ الأعْمالِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِسُوءِ الِاعْتِقادِ.
﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أيِ الحَرامَ مُطْلَقًا، وقالَ الحَسَنُ: الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، والتَّنْصِيصُ عَلى ذَلِكَ بِالذِّكْرِ - مَعَ انْدِراجِهِ في المُتَقَدِّمِ - لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْبِيحِ ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا يَعْمَلُونَهُ هَذِهِ الأُمُورُ، فَـ( ما ) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وقَعَتْ تَمْيِيزًا لِضَمِيرِ الفاعِلِ المُسْتَتِرِ في ( بِئْسَ ) والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - وجُوِّزَ جَعْلُ ( ما ) مَوْصُولَةً فاعِلَ ( بِئْسَ ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
5:63Page 118
لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣
Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.
﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ التَّوْراةِ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلُّهم في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ يَتَّصِلُ بِذِكْرِهِمْ، و( لَوْلا ) الدّاخِلَةُ عَلى المُضارِعِ - كَما قَرَّرَهُ ابْنُ الحاجِبِ وغَيْرُهُ – لِلتَّحْضِيضِ، والدّاخِلَةُ عَلى الماضِي لِلتَّوْبِيخِ، والمُرادُ هُنا تَحْضِيضُ الَّذِينَ يَقْتَدِي بِهِمْ أفَناؤُهم - ويَعْلَمُونَ قَباحَةَ ما هم فِيهِ، وسُوءَ مَغَبَّتِهِ - عَلى نَهْيِ أسافِلِهِمْ.
﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقُبْحِهِما، واطِّلاعِهِمْ عَلى مُباشَرَتِهِمْ لَهُما، وفي البَحْرِ: إنَّ هَذا التَّحْضِيضَ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَهم عَلى السُّكُوتِ وتَرْكِ النَّهْيِ ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ السّابِقِ في نَظِيرِهِ، خَلا أنَّ هَذا أبْلَغُ مِمّا تَقَدَّمَ في حَقِّ العامَّةِ؛ لِما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ أنَّ الفِعْلَ ما صَدَرَ عَنِ الحَيَوانِ مُطْلَقًا، فَإنْ كانَ عَنْ قَصْدٍ سُمِّيَ عَمَلًا، ثُمَّ إنْ حَصَلَ بِمُزاوَلَةٍ وتَكَرُّرٍ حَتّى رَسَخَ وصارَ مَلِكَةً لَهُ سُمِّيَ صُنْعًا وصَنْعَةً وصِناعَةً، فَلِذا كانَ الصُّنْعُ أبْلُغَ لِاقْتِضائِهِ الرُّسُوخَ، ولِذا يُقالُ لِلْحاذِقِ: صانِعٌ، ولِلثَّوْبِ الجَيِّدِ النَّسْجِ: صَنِيعٌ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ أقْبَحُ مِنَ الِارْتِكابِ، ووُجِّهَ بِأنَّ المُرْتَكِبَ لَهُ في المَعْصِيَةِ لَذَّةٌ وقَضاءُ وطَرٍ بِخِلافِ المُقِرِّ لَهُ، ولِذا ورَدَ: إنَّ جُرْمَ الدَّيُّوثِ أعْظَمُ مِنَ الزّانِيَيْنِ.
واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ عَنِ الزِّنا والقَتْلِ أشَدُّ إثْمًا مِنهُما، وهو بَعِيدٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ إثْمُ تَرْكِ النَّهْيِ - مِمَّنْ يُؤَثِّرُ نَهْيُهُ كَفَّ المَنهِيِّ عَنْ فِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ - أشَدَّ مِن إثْمِ المُرْتَكِبِ كَيْفَما كانَ مُرْتَكَبُهُ قَتْلًا أوْ زِنًا أوْ غَيْرَهُما.
وقالَ الشِّهابُ: إنَّ قَيْدَ الأشَدِّيَّةِ يَخْتَلِفُ بِالِاعْتِبارِ، فَكَوْنُهُ أشَدَّ بِاعْتِبارِ ارْتِكابِ ما لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ يُنافِي كَوْنَ المُباشِرَةِ أكْثَرَ إثْمًا مِنهُ، فَتَأمَّلْ.
وفِي الآيَةِ مِمّا يُنْعى عَلى العُلَماءِ تَوانِيهِمْ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ ما لا يَخْفى، ومِن هُنا قالَ الضَّحّاكُ: ما أخْوَفَنِي مِن هَذِهِ الآيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وقُرِئَ: ( لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ العُدْوانَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences