Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:67–68
5:67–68Page 119
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧
O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ إلى الثَّقَلَيْنِ كافَّةً، وهو نِداءُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ مِنَّةُ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، وكَرامَتُهُ الكُبْرى، وفي هَذا العُنْوانِ إيذانٌ أيْضًا بِما يُوجِبُ الإتْيانَ بِما أُمِرَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن تَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ.
﴿بَلِّغْ﴾ أيْ أوْصِلِ الخَلْقَ ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ كائِنًا ما كانَ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِكَ ومُبَلِّغِكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ، وفِيهِ عِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِحِفْظِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – وكِلاءَتِهِ، أيْ: بَلِّغْهُ غَيْرَ مُراقَبٍ في ذَلِكَ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ أبَدًا ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أيْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ
صفحة 189
﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ أيْ فَما أدَّيْتَ شَيْئًا مِن رِسالَتِهِ؛ لِما أنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ غَيْرُها، وكَوْنِها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ، ولِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها يُضَيِّعُ ما أُدِّيَ مِنها - كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ - فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يُنْتَقَضُ بِهِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِنَفْيِ أوْلَوِيَّةِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ بِالأداءِ بِأنَّ الأوْلَوِيَّةَ ثابِتَةٌ بِاعْتِبارِ الوُجُوبِ قَطْعًا وظَنًّا، وجَلاءً وخَفاءً، أصْلًا وفَرْعًا، وأجابَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ نَفى الأوْلَوِيَّةَ نَظَرًا إلى أصْلِ الوُجُوبِ، وأيْضًا إنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى المُبَلَّغِ والكَلامِ في التَّبْلِيغِ، وهو غَيْرُ مُخْتَلَفِ الوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ نَظَرًا إلى ذاتِهِ، ثُمَّ كِتْمانُ البَعْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ، بَلْ إلى ما في المُبَلَّغِ مِنَ المَصْلَحَةِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ هَذا الأمْرَ أصْلًا، فَلَمْ يُبَلِّغْ، وإنْ أعْلَمَ النّاسَ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّهُ مُخْبِرٌ إذْ ذاكَ لا مُبَلِّغٌ، ونُوقِشَ في التَّعْلِيلِ الثّانِي بِأنَّ الصَّلاةَ اعْتَبَرَها الشّارِعُ أمْرًا واحِدًا بِخِلافِ التَّبْلِيغِ، وهي مُناقَشَةٌ غَيْرُ وارِدَةٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى ألْزَمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَبْلِيغَ الجَمِيعِ، فَقَدْ جَعَلَها كالصَّلاةِ بِلا رَيْبٍ.
ومِمّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الشَّرْطِيَّةِ يُعْلَمُ أنَّ لا اتِّحادَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ومَنِ ادَّعاهُ بِناءً عَلى أنَّ المَآلَ إنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ جَعَلَهُ نَظِيرَ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي.
حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ بِلا مَزِيدٍ في اللَّفْظِ، وشِعْرِي شِعْرِي المَشْهُورُ بَلاغَتُهُ، والمُسْتَفِيضُ فَصاحَتُهُ، ولَكِنَّهُ أخَبَرَ بِالسُّكُوتِ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي بِها تَحْصُلُ الفائِدَةُ أنَّها مِن لَوازِمِ شِعْرِهِ في أفْهامِ النّاسِ السّامِعِينَ لِاشْتِهارِهِ بِها، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها وذِياعِها، وكَذَلِكَ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ: - أُرِيدَ في الآيَةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ النّاسِ، مُسْتَقِرٌّ في الأفْهامِ أنَّهُ عَظِيمٌ شَنِيعٌ يُنْعى عَلى مُرْتَكِبِهِ، ألا تَرى أنَّ عَدَمَ نَشْرِ العِلْمِ مِنَ العالِمِ أمْرٌ فَظِيعٌ؟! فَكَيْفَ كِتْمانُ الرِّسالَةِ مِنَ الرَّسُولِ؟! فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ الزِّياداتِ الَّتِي يَتَفاوَتُ بِها الشَّرْطُ والجَزاءُ لِلُصُوقِها بِالجَزاءِ في الأفْهامِ، وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فَهِمَ ما وراءَهُ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وحُسِّنَ هَذا الأُسْلُوبُ في الكِتابِ العَزِيزِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ عامًّا، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ( ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ ) ولَمْ يَقِلْ: وإنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ فَما بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ لِيَتَغايَرا لَفْظًا وإنِ اتَّحَدا مَعْنًى، وهَذا أحْسَنُ رَوْنَقًا وأظْهَرُ طَلاوَةً مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ الواحِدِ في الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهَذِهِ الذُّرْوَةُ انْحَطَّ عَنْها أبُو النَّجْمِ بِذِكْرِ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِ الخَبَرِ، وحُقَّ لَهُ أنْ تَتَضاءَلَ فَصاحَتُهُ عِنْدَ فَصاحَةِ المُعْجِزِ، فَلا مَعابَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَكَ ما يُوجِبُهُ كِتْمانُ الوَحْيِ كُلِّهِ فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، ويُعَضِّدُهُ ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ راهُويَهْ في مُسْنَدِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ حِبّانَ في تَفْسِيرِهِ مِن مُرْسَلِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِالرِّسالَةِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي عَذَّبْتُكَ، وضَمِنَ لِي العِصْمَةَ فَقَوِيتُ»».
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: إنْ تَرَكْتَ تَبْلِيغَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ حُكِمَ عَلَيْكَ بِأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغْ أصْلًا، وقِيلَ - ولَيْتَهُ ما قِيلَ – المُرادُ بِما أُنْزِلَ القُرْآنُ، وبِما في الجَوابِ بَقِيَّةُ المُعْجِزاتِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ، ونُسِبَ إلى الشِّيعَةِ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَتَمَ البَعْضَ تَقِيَّةً.
وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُرادَ تَبْلِيغُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِدَ بِإنْزالِهِ اطِّلاعُهم عَلَيْهِ، وأمّا ما خُصَّ بِهِ مِنَ الغَيْبِ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصالِحُ أُمَّتِهِ فَلَهُ - بَلْ عَلَيْهِ – كِتْمانُهُ، ورَوى السُّلَمِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ قالَ: أوْحى بِلا واسِطَةٍ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ سِرًّا إلى قَلْبِهِ،
صفحة 190
ولا يَعْلَمُ بِهِ أحَدٌ سِواهُ إلّا في العُقْبى حِينَ يُعْطِيهِ الشَّفاعَةَ لِأُمَّتِهِ، وقالَ الواسِطِيُّ: ألْقى إلى عَبْدِهِ ما ألْقى، ولَمْ يُظْهِرْ ما الَّذِي أوْحى؛ لِأنَّهُ خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وما كانَ مَخْصُوصًا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مَسْتُورًا، وما بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ إلى الخَلْقِ كانَ ظاهِرًا، قالَ الطِّيبِيُّ: وإلى هَذا يُنْظَرُ مَعْنى ما رُوِّينا في صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وِعاءَيْنِ: فَأمّا أحَدَهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ مِنِّي هَذا البُلْعُومُ»»، أرادَ عُنُقَهُ وأصْلُ مَعْناهُ مَجْرى الطَّعامِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ البُخارِيُّ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ عِلْمَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وعِلْمَ الحَقِيقَةِ، وإلى ذَلِكَ أشارَ رَئِيسُ العارِفِينَ عَلِيٌّ زَيْنُ العابِدِينَ حَيْثُ قالَ:
إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ ∗∗∗ كَيْلا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا
وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ وأوْصى قَبْلَهُ الحَسَنا
فَرُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لى: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا
ولاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنًا
ومِن ذَلِكَ عِلْمُ وِحْدَةِ الوُجُودِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ طَوْرُ ما وراءِ طَوْرِ العَقْلِ، وقالُوا: إنَّهُ مِمّا تَعْلَمُهُ الرُّوحُ بِدُونِ واسِطَةِ العَقْلِ، ومِن هُنا قالُوا بِالعِلْمِ الباطِنِ عَلى مَعْنى أنَّهُ باطِنٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْبابِ الأفْكارِ وذَوِي العُقُولِ المُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ العَوائِقِ والعَلائِقِ، لا المُتَجَرِّدِينَ العارِجِينَ إلى حَضائِرِ القُدْسِ، ورِياضِ الأنْوارِ.
وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرانِيُّ - رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ - في كِتابِهِ الدُّرَرِ المَنثُورَةِ في بَيانِ زُبَدِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ ما نَصُّهُ: وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمُ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ كَما تَكَلَّمُوا، وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامُهُ عَلى الأفْهامِ، حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدِقُّ عَلى فَهْمِي! فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ، فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا الفُقَهاءَ ونَحْوَهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِعِلْمِ الباطِنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ؛ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، وأمّا جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ الخَلْقَ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِن عِلْمِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ، فاعْلَمْ ذَلِكَ، انْتَهى.
وقَدْ فَهِمَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ تَبْلِيغَ الأحْكامِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَصالِحِ دُونَ ما يَشْمَلُ عِلْمَ الأسْرارِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما أنْزَلْنا إلَيْكَ ) دُونَ: ما تَعَرَّفْنا بِهِ إلَيْكَ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَ الأسْرارِ لَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا بِالوَحْيِ بَلْ بِطَرِيقِ الإلْهامِ والمُكاشَفَةِ، وقِيلَ: يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ الرِّسالَةِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ ما يُرْسَلُ إلى الغَيْرِ.
وقَدْ أطالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ - الكَلامَ في هَذا المَقامِ، والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ ما عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وغَيْرِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ المُنَزَّلُ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ وقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ: ««سَتَكُونُ فِتَنٌ، قِيلَ: وما المَخْرَجُ مِنها؟ قالَ: كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فِيهِ نَبَأُ ما قَبْلَكُمْ، وخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ، وحُكْمُ ما فِيكم»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، ولَكِنْ عِلْمُنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ» .
وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: جَمِيعُ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مِمّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن حَدِيثِ
صفحة 191
عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إنِّي لا أُحِلُّ إلّا ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، ولا أُحَرِّمُ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ»».
وقالَ المُرْسِي: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – وأعْلامُهُمْ، مِثْلُ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ، ومِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - حَتّى قالَ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ، ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ، وفَتَرَتِ العَزائِمُ، وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ، وضَعُفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ، فَنَوَّعُوا عُلُومَهُ، وقامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ بِفَنٍّ مِن فُنُونِهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنَ القُرْآنِ لِمَن فَهَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، حَتّى إنَّ البَعْضَ اسْتَنْبَطَ عُمُرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثَلاثًا وسِتِّينَ سَنَةً مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المُنافِقِينَ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ فَإنَّها رَأْسُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سُورَةً، وعَقَّبَها بِالتَّغابُنِ لِيَظْهَرَ التَّغابُنُ في فَقْدِهِ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهَذا مِمّا لا يَكادُ يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ في القُرْآنِ كانَ تَبْلِيغُ القُرْآنِ تَبْلِيغًا لَهُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ التَّوْقِيفَ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ سِرًّا سِرًّا، وحُكْمًا حُكْمًا لَمْ يَثْبُتْ بِصَرِيحِ العِبارَةِ لِكُلِّ أحَدٍ، وكَمْ مِن سِرٍّ وحُكْمٍ نَبَّهَتْ عَلَيْهِما الإشارَةُ، ولَمْ تُبَيِّنْهُما العِبارَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ هُناكَ أسْرارًا خارِجَةً عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَلَقّاها الصُّوفِيَّةُ مِن رَبِّهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ، وجاءَ بِالضَّلالِ ابْنِ السَّبَهْلَلِ بِلا مِرْيَةٍ.
وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ عَنِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الزَّعْمِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الأخْذُ مِنَ القُرْآنِ بِواسِطَةِ فَهْمٍ قُدْسِيٍّ، أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ الآخِذِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما صَحَّ «عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «هَلْ عِنْدَكم كِتابٌ خَصَّكم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ قالَ: لا، إلّا كِتابٌ اللَّهِ تَعالى، أوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أوْ ما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ - وكانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقَبْضَةِ سَيْفِهِ - قالَ: قُلْتُ: وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، ولا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ»».
ويُفْهَمُ مِنهُ - كَما قالَ القَسْطَلّانِيُّ - جَوازُ اسْتِخْراجِ العالِمِ مِنَ القُرْآنِ بِفَهْمِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَنقُولًا عَنِ المُفَسِّرِينَ إذا وافَقَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ، وما عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ - عَلى ما أقُولُ - كُلُّهُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ بَعْضَ كَلِماتِهِمْ مُخالِفٌ ظاهِرُها لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ، لَكِنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى اصْطِلاحاتٍ فِيما بَيْنَهم إذا عُلِمَ المُرادُ مِنها يَرْتَفِعُ الغُبارُ، وكَوْنُهم مُلامِينَ عَلى تِلْكَ الِاصْطِلاحاتِ - لِقَوْلِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ««حَدِّثُوا النّاسَ بِما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»» - أوْ غَيْرَ مُلامِينَ لِوُجُودِ داعٍ لَهم إلى ذَلِكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ بَحْثٌ آخَرُ لَسْنا بِصَدَدِهِ.
وقَرِيبٌ مِن خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ ناسًا يَأْتُونا فَيُخْبِرُونا أنَّ عِنْدَكم شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – لِلنّاسِ! فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ واللَّهِ ما ورَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَوْداءَ في بَيْضاءَ.
وحَمْلُ وِعاءِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلى عِلْمِ الأسْرارِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أخْبارُ الفِتَنِ وأشْراطِ السّاعَةِ، وما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن فَسادِ الدِّينِ عَلى أيْدِي أغُلَيْمَةٍ مِن سُفَهاءِ قُرَيْشٍ، وقَدْ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ: «لَوْ شِئْتُ أنَّ أُسَمِّيَهم بِأسْمائِهِمْ لَفَعَلْتُ».
صفحة 192
أوِ المُرادُ الأحادِيثُ الَّتِي فِيها تَعْيِينُ أسْماءِ أُمَراءِ الجَوْرِ وأحْوالِهِمْ وذَمِّهِمْ، وقَدْ كانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُكَنِّي عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ ولا يُصَرِّحُ؛ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهُمْ، بِقَوْلِهِ: «أعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن رَأْسِ السِّتِّينَ وإمارَةِ الصِّبْيانِ» يُشِيرُ إلى خِلافَةِ يَزِيدَ الطَّرِيدِ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رَغْمِ أنْفِ أوْلِيائِهِ - لِأنَّها كانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الهِجْرَةِ، واسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَماتَ قَبْلَها بِسَنَةٍ.
وأيْضًا قالَ القَسْطَلّانِيُّ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وسِعَ أبا هُرَيْرَةَ كِتْمانُهُ مَعَ ما أخْرَجَ عَنْهُ البُخارِيُّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ الحَدِيثَ، ولَوْلا آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾» إلى آخِرِ ما قالَ، فَإنَّ ما تَلاهُ دالٌّ عَلى ذَمِّ كِتْمانِ العِلْمِ، لا سِيَّما العِلْمُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ الأسْرارِ، فَإنَّ الكَثِيرَ مِنهم يَدِّعِي أنَّهُ لُبُّ ثَمَرَةِ العِلْمِ، وأيْضًا إنَّ أبا هُرَيْرَةَ نَفى بَثَّ ذَلِكَ الوِعاءِ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ لِذَلِكَ؟! وأبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَكْشِفْ مَسْتُورَهُ فِيما أعْلَمُ، فَمِن أيْنَ عُلِمَ أنَّ الَّذِي عَلِمَهُ هو هَذا؟! ومَنِ ادَّعى فَعَلَيْهِ البَيانُ، ودُونَهُ قَطْعُ الأعْناقِ.
فالِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ لِطَرِيقِ القَوْمِ فِيهِ ما فِيهِ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – نَعَمْ، لِلْقَوْمِ مُتَمَسَّكٌ غَيْرُ هَذا مُبِينٌ في مَوْضِعِهِ، لَكِنْ لا يُسَلَّمُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِمّا خَلا عَنْهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلُ، أوْ أنَّهُ أمْرٌ وراءَ الشَّرِيعَةِ، ومَن بَرْهَنَ عَلى ذَلِكَ بِزَعْمِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، فَقَدْ قالَ الشَّعْرانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الأجْوِبَةِ المَرْضِيَّةِ عَنِ الفُقَهاءِ والصُّوفِيَّةِ: سَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا المَرْصِفِيَّ يَقُولُ: لا يَكْمُلُ الرَّجُلُ في مَقامِ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ حَتّى يَرى الحَقِيقَةَ مُؤَيِّدَةً لِلشَّرِيعَةِ، وأنَّ التَّصَوُّفَ لَيْسَ بِأمْرٍ زائِدٍ عَلى السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وإنَّما هو عَيْنُها.
وسَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا الخَوّاصَ يَقُولُ مِرارًا: مَن ظَنَّ أنَّ الحَقِيقَةَ تَخالِفُ الشَّرِيعَةِ أوْ عَكْسَهُ فَقَدْ جَهِلَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ شَرِيعَةٌ تُخالِفُ حَقِيقَةً أبَدًا، حَتّى قالُوا: شَرِيعَةٌ بِلا حَقِيقَةٍ عاطِلَةٌ، وحَقِيقَةٌ بِلا شَرِيعَةٍ باطِلَةٌ، خِلافُ ما عَلَيْهِ القاصِرُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والفُقَراءِ، وقَدْ يَسْتَنِدُ مَن زَعَمَ المُخالَفَةَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والشَّرِيعَةِ إلى قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يَسْتَطِيعُ المُخالِفُ مَعَهُ عَلى فَتْحِ شَفَةٍ.
ومِمّا نَقَلْنا عَنِ القَسْطَلّانِيِّ في خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ في الِاعْتِراضِ عَلى الصُّوفِيَّةِ، مِن أنَّ ما عِنْدَهم إنْ كانَ مُوافِقًا لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ فَهُما بَيْنَ أيْدِينا، وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُما فَهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.
والجَوابُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ وكَوْنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بَيْنَ أيْدِينا لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إمْكانِ اسْتِنْباطِ شَيْءٍ مِنهُما بَعْدُ، ولا يَقْتَضِي انْحِصارَ ما فِيهِما فِيما عَلِمَهُ العُلَماءُ قَبْلُ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْطِي اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ خَواصِّ عِبادِهِ فَهْمًا يُدْرِكُ بِهِ مِنهُما ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ المُجْتَهِدِينَ في الدِّينِ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخِرِ، وحَيْثُ سُلِّمَ لِلْأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ مَثَلًا اجْتِهادُهم واسْتِنْباطُهم مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ مَعَ مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَما المانِعُ مِن أنْ يُسَلَّمَ لِلْقَوْمِ ما فُتِحَ لَهم مِن مَعانِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ خالَفَ ما عَلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ لَكِنْ لَمْ يُخالِفْ ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ الصَّرِيحُ مِنَ الأُمَّةِ المَعْصُومَةِ؟! وأرى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مَعَ ثُبُوتِ عِلْمِ كُلٍّ في القَبُولِ والرَّدِّ تَحَكُّمًا بَحْتًا، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.
وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ المُرادَ بِـ( ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ) خِلافَةُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ رَوَوْا بِأسانِيدِهِمْ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْتَخْلِفَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَكانَ يَخافُ أنَّ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلى جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ؛ تَشْجِيعًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أمَرَهُ بِأدائِهِ».
صفحة 193
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حَيْثُ أمَرَ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِوِلايَتِهِ، فَتَخَوَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولُوا: حابى ابْنَ عَمِّهِ، وأنْ يَطْعَنُوا في ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقامَ بِوِلايَتِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ، وأخَذَ بِيَدِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»».
وأخْرَجَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، عَنْ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدُويَهْ، وابْنِ عَساكِرَ، راوِينَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ»».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ - إنَّ عَلِيًّا ولِيُّ المُؤْمِنِينَ - وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ»».
وخَبَرُ الغَدِيرِ عُمْدَةُ أدِلَّتِهِمْ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وقَدْ زادُوا فِيهِ - إتْمامًا لِغَرَضِهِمْ - زِياداتٍ مُنْكَرَةً، ووَضَعُوا في خِلالَهِ كَلِماتٍ مُزَوَّرَةً، ونَظَمُوا في ذَلِكَ الأشْعارَ، وطَعَنُوا عَلى الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِزَعْمِهِمْ أنَّهم خالَفُوا نَصَّ النَّبِيِّ المُخْتارِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ إسْماعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحِمْيَرِيُّ - عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ - مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ:
عَجِبْتُ مِن قَوْمٍ أتَوْا أحَمَدا ∗∗∗ بِخُطَّةٍ لَيْسَ لَها مَوْضِعُ
قالُوا لَهُ: لَوْ شِئْتَ أعْلَمْتَنا ∗∗∗ إلى مَنِ الغايَةُ والمَفْزَعُ
إذا تُوُفِّيتَ وفارَقْتَنا ∗∗∗ وفِيهِمْ في المُلْكِ مَن يَطْمَعُ
فَقالَ: لَوْ أعْلَمْتُكم مَفْزَعًا ∗∗∗ كُنْتُمْ عَسَيْتُمْ فِيهِ أنْ تَصْنَعُوا
كَصُنْعِ أهْلِ العِجْلِ إذْ فارَقُوا ∗∗∗ هارُونَ فالتَّرْكُ لَهُ أوْرَعُ
ثُمَّ أتَتْهُ بَعْدَهُ عَزْمَةٌ ∗∗∗ مِن رَبِّهِ لَيْسَ لَها مَدْفَعُ
أبْلِغْ وإلّا لَمْ تَكُنْ مُبَلِّغا ∗∗∗ واللَّهُ مِنهم عاصِمٌ يَمْنَعُ
فَعِنْدَها قامَ النَّبِيُّ الَّذِي ∗∗∗ كانَ بِما يَأْمُرُهُ يَصْدَعُ
يَخْطُبُ مَأْمُورًا وفي كَفِّهِ ∗∗∗ كَفُّ عَلِيٍّ نُورُها يَلْمَعُ
رافِعَها أكْرِمْ بِكَفِّ الَّذِي ∗∗∗ يَرْفَعُ والكَفِّ الَّتِي تُرْفَعُ
مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا لَهُ ∗∗∗ مَوْلًى فَلَمْ يَرْضَوْا ولَمْ يَقْنَعُوا لَهُ
وظَلَّ قَوْمٌ غاظَهم قَوْلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما آنافُهم تُجْدَعُ
حَتّى إذا وارَوْهُ في لَحْدِهِ ∗∗∗ وانْصَرَفُوا عَنْ دِينِهِ ضَيَّعُوا
ما قالَ بِالأمْسِ وأوْصى بِهِ ∗∗∗ واشْتَرَوُا الضُّرَّ بِما يَنْفَعُ
وقَطَّعُوا أرْحامَهم بَعْدَهُ ∗∗∗ فَسَوْفَ يُجْزَوْنَ بِما قَطَّعُوا
وأزْمَعُوا مَكْرًا بِمَوْلاهُمُ ∗∗∗ تَبًّا لِما كانُوا بِهِ أزْمَعُوا
لا هم عَلَيْهِ يَرِدُوا حَوْضَهُ ∗∗∗ غَدًا ولا هو لَهم يَشْفَعُ
إلى آخَرِ ما قالَ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَثْرَتَهُ وأقالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أخْبارَ الغَدِيرِ الَّتِي فِيها الأمْرُ بِالِاسْتِخْلافِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، ولا مُسَلَّمَةٌ لَدَيْهِمْ أصْلًا، ولْنُبَيِّنْ ما وقَعَ هُناكَ أتَمَّ تَبْيِينٍ ولْنُوَضِّحِ الغَثَّ مِنهُ والسَّمِينَ، ثُمَّ نَعُودُ عَلى اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِالإبْطالِ، ومِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ الِاسْتِمْدادُ، وعَلَيْهِ الِاتِّكالُ.
صفحة 194
فَنَقُولُ: إنِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ في مَكانٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ - عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن حَجَّةِ الوَداعِ - قَرِيبٍ مِنَ الجُحْفَةِ يُقالُ لَهُ: غَدِيرُ خُمٍّ، فَبَيَّنَ فِيها فَضْلَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وبَراءَةَ عِرْضِهِ مِمّا كانَ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ مَن كانَ مَعَهُ بِأرْضِ اليَمَنِ بِسَبَبِ ما كانَ صَدَرَ مِنَ المَعْدَلَةِ الَّتِي ظَنَّها بَعْضُهم جَوْرًا وتَضْيِيقًا وبُخْلًا، والحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في ذَلِكَ، وكانَتْ يَوْمَ الأحَدِ ثامِنَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُناكَ.
فَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ قالَ: ««لَمّا أقْبَلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِنَ اليَمَنِ لِيَلْقى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ تَعَجَّلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واسْتَخْلَفَ عَلى جُنْدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، فَعَمَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَكَسا كُلَّ رَجُلٍ حُلَّةً مِنَ البَزِّ الَّذِي كانَ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَلَمّا دَنا جَيْشُهُ خَرَجَ لِيَلْقاهُمْ، فَإذا عَلَيْهِمُ الحُلَلُ، قالَ: ويْلَكَ! ما هَذا؟ قالَ: كَسَوْتُ القَوْمَ لِيَتَجَمَّلُوا بِهِ إذا قَدِمُوا في النّاسِ، قالَ: ويْلَكَ! انْتَزِعْ قَبْلَ أنْ نَنْتَهِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: فانْتَزَعَ الحُلَلَ مِنَ النّاسِ، فَرَدَّها في البَزِّ، وأظْهَرَ الجَيْشُ شَكَواهُ لِما صَنَعَ بِهِمْ»».
وأخْرَجَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ - وكانَتْ عِنْدَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ««اشْتَكى النّاسُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِينا خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ لا تَشْكُوا عَلِيًّا؛ فَواللَّهِ إنَّهُ لَأخْشَنُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ.
ورَوى - أيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ اليَمَنَ، فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَغَيَّرَ، فَقالَ: «بُرَيْدَةُ ! ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» وكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ رِجالُهُ كُلُّهم ثِقاتٌ، ورُوِيَ بِإسْنادٍ آخَرَ تَفَرَّدَ بِهِ.
وقالَ الذَّهَبِيُّ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: ««لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حَجَّةِ الوَداعِ، ونَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أمَرَ بِدَوْحاتٍ فَغُمِّمْنَ، ثُمَّ قالَ: كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، أنّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِما، فَإنَّهُما لَمْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ، اللَّهُ تَعالى مَوْلايَ، وأنا ولِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا ولِيُّهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَما كانَ في الدَّوْحاتِ أحَدٌ إلّا رَآهُ بِعَيْنِهِ وسَمِعَهُ بِأُذُنَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences