Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:67–68, continued
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وأبِي هارُونَ العُبَيْدِيِّ، ومُوسى بْنِ عُثْمانَ، عَنِ البَراءِ قالَ: ««كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ، فَلَمّا أتَيْنا عَلى غَدِيرِ خُمٍّ كُسِحَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ، ونُودِيَ في النّاسِ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ، ودَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأخَذَ بِيَدِهِ وأقامَهُ عَنْ يَمِينِهِ فَقالَ: ألَسْتُ أوْلى بِكُلٍّ امْرِئٍ مِن نَفْسِهِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَإنَّ هَذا مَوْلى مَن أنا مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: هَنِيئًا لَكَ! أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ»» وهَذا ضَعِيفٌ، فَقَدْ نَصُّوا أنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ، وأبا هارُونَ، ومُوسى ضُعَفاءُ، لا يُعْتَمَدُ عَلى رِوايَتِهِمْ، وفي السَّنَدِ أيْضًا أبُو إسْحاقَ وهو شِيعِيٌّ مَرْدُودُ الرِّوايَةِ.
ورَوى ضِمْرَةُ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ:
صفحة 195
وهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ، ومَن صامَ يَوْمَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن ذِي الحِجَّةِ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صِيامَ سِتِّينَ شَهْرًا،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرًا جِدًّا، ونُصَّ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ عَلى أنَّهُ مَوْضُوعٌ.
وقَدِ اعْتَنى بِحَدِيثِ الغَدِيرِ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَجَمَعَ فِيهِ مُجَلَّدَيْنِ، أوْرَدَ فِيهِما سائِرَ طُرُقِهِ وألْفاظِهِ، وساقَ الغَثَّ والسَّمِينَ، والصَّحِيحَ والسَّقِيمَ، عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ؛ فَإنَّهم يُورِدُونَ ما وقَعَ لَهم في البابِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ صَحِيحٍ وضَعِيفٍ، وكَذَلِكَ الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو القاسِمِ ابْنُ عَساكِرَ أوْرَدَ أحادِيثَ كَثِيرَةً في هَذِهِ الخُطْبَةِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيها ما أشَرْنا إلَيْهِ ونَحْوُهُ مِمّا لَيْسَ فِيهِ خَبَرُ الِاسْتِخْلافِ، كَما يَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ.
وعَنِ الذَّهَبِيِّ أنَّ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» مُتَواتِرٌ، يُتَيَقَّنُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – قالَهُ، وأمّا: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ»» فَزِيادَةٌ قَوِيَّةُ الإسْنادِ، وأمّا: «صِيامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ ذِي الحِجَّةِ» فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولا واللَّهِ نَزَلَتْ تِلْكَ الآيَةُ إلّا يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأيّامٍ.
والشَّيْخانِ لَمْ يَرْوِيا خَبَرَ الغَدِيرِ في صَحِيحَيْهِما لِعَدَمِ وِجْدانِهِما لَهُ عَلى شَرْطِهِما، وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ ذَلِكَ لِقُصُورٍ وعَصَبِيَّةٍ فِيهِما، وحاشاهُما مِن ذَلِكَ.
ووَجْهُ اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِخَبَرِ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، وأوْلَوِيَّةُ التَّصَرُّفِ عَيْنُ الإمامَةِ، ولا يَخْفى أنَّ أوَّلَ الغَلَطِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ جَعْلُهُمُ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ قاطِبَةً، بَلْ قالُوا: لَمْ يَجِئْ مَفْعَلٌ بِمَعْنى أفْعَلَ أصْلًا، ولِمَ يُجَوِّزْ ذَلِكَ إلّا أبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيُّ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ أوْلى بِكم.
ورُدَّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صِحَّةُ: ( فُلانٌ مَوْلًى مِن فُلانٍ ) كَما يَصِحُّ: ( فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ ) واللّازِمُ باطِلٌ إجْماعًا، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وتَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، يَعْنِي: النّارُ مَقَرُّكم ومَصِيرُكُمْ، والمَوْضِعُ اللّائِقُ بِكُمْ، ولَيْسَ نَصًّا في أنَّ لَفْظَ المَوْلى ثَمَّةَ بِمَعْنى الأوْلى.
والثّانِي: أنا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ صِلَتَهُ بِالتَّصَرُّفِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلى بِالمَحَبَّةِ، وأوْلى بِالتَّعْظِيمِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَمْ جاءَ الأوْلى في كَلامٍ لا يَصِحُّ مَعَهُ تَقْدِيرُ التَّصَرُّفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
عَلى أنَّ لَنا قَرِينَتَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوِلايَةِ - مِن لَفْظِ المَوْلى أوِ الأوْلى - المَحَبَّةُ:
إحْداهُما ما رُوِّينا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في شَكْوى الَّذِينَ كانُوا مَعَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في اليَمَنِ كَبُرَيْدٍ الأسْلَمِيِّ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وغَيْرِهِما ولَمْ يَمْنَعْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشّاكِّينَ بِخُصُوصِهِمْ؛ مُبالَغَةً في طَلَبِ مُوالاتِهِ، وتَلَطُّفًا في الدَّعْوَةِ إلَيْها، كَما هو الغالِبُ في شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مِثْلِ ذَلِكَ، ولِلتَّلَطُّفِ المَذْكُورِ افْتَتَحَ الخُطْبَةَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟
وثانِيهُما: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ -: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَإنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَوْلى المُتَصَرِّفُ في الأُمُورِ أوِ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، لَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: اللَّهُمَّ والِ مَن كانَ في تَصَرُّفِهِ وعادِ مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَحَيْثُ ذَكَرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَحَبَّةَ والعَداوَةَ فَقَدْ نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيجابُ مَحَبَّتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والتَّحْذِيرُ عَنْ عَداوَتِهِ وبُغْضِهِ، لا التَّصَرُّفُ وعَدَمُهُ، ولَوْ كانَ المُرادُ الخِلافَةُ لَصَرَّحَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها.
ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الحَسَنِ المُثَنّى بْنِ الحَسَنِ السِّبْطِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم سَألُوهُ عَنْ هَذا الخَبَرِ هَلْ هو نَصٌّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ؟ فَقالَ: لَوْ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أرادَ خِلافَتَهُ لَقالَ: أيُّها النّاسُ هَذا ولِيُّ أمْرِي، والقائِمُ عَلَيْكم بَعْدِي، فاسْمَعُوا وأطِيعُوا، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – لَوْ آثَرا عَلِيًّا لِأجْلِ هَذا الأمْرِ ولَمْ يُقْدِمْ
صفحة 196
عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلَيْهِ لَكانَ أعْظَمَ النّاسِ خَطَأً.
وأيْضًا رُبَّما يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوِلايَةِ المَحَبَّةُ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ بِلَفْظِ ( بَعْدِي ) والظّاهِرُ حِينَئِذٍ اجْتِماعُ الوِلايَتَيْنِ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُتَصَوَّرُ الِاجْتِماعُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلَوِيَّةَ التَّصَرُّفِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المُرادُ المَحَبَّةَ.
وتَمَسَّكَ الشِّيعَةُ في إثْباتِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْلى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِاللَّفْظِ الواقِعِ في صَدْرِ الخَبَرِ عَلى إحْدى الرِّواياتِ، وهو قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟ ونَحْنُ نَقُولُ: المُرادُ مِن هَذا أيْضًا الأوْلى بِالمَحَبَّةِ، يَعْنِي ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ بِالمَحَبَّةِ؟ بَلْ قَدْ يُقالُ: الأوْلى ها هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ، والمَعْنى: ألَسْتُ أحَبَّ إلى المُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ؟ لِيَحْصُلَ تَلاؤُمُ أجْزاءِ الكَلامِ، ويَحْسُنَ الِانْتِظامُ، ويَكُونَ حاصِلُ المَعْنى هَكَذا: يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إنَّكم تُحِبُّونِي أكْثَرَ مِن أنْفُسِكُمْ، فَمَن يُحِبَّنِي يُحِبَّ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أحِبَّ مَن أحَبَّهُ وعادِ مَن عاداهُ.
ويُرْشَدُ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالأوْلى - في تِلْكَ الجُمْلَةِ - الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وهو مَسُوقٌ لِنَفْيِ نَسَبِ الأدْعِياءِ مِمَّنْ يَتَبَنَّوْنَهُمْ، وبَيانُهُ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ ابْنُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأنَّ نِسْبَةَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كالأبِ الشَّفِيقِ، بَلْ أزْيَدُ، وأزْواجُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – أُمَّهاتُهُمْ، والأقْرِباءُ في النَّسَبِ أحَقُّ وأوْلى مِن غَيْرِهِمْ، وإنْ كانَتِ الشَّفَقَةُ والتَّعْظِيمُ لِلْأجانِبِ أزِيدَ، لَكِنْ مَدارُ النَّسَبِ عَلى القَرابَةِ وهي مَفْقُودَةٌ في الأدْعِياءِ، لا عَلى الشَّفَقَةِ والتَّعْظِيمِ، وهَذا ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، أيْ في حُكْمِهِ، ولا دَخْلَ لِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ في المَقْصُودِ أصْلًا، فالمُرادُ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - هو المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ في المَأْخُوذِ مِنهُ، ولَوْ فَرَضْنا كَوْنَ الأوْلى في صَدْرِ الخَبَرِ بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ الخِطابِ؛ لِيَتَوَجَّهُوا إلى سَماعِ كَلامِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَمالَ التَّوَجُّهِ، ويَلْتَفِتُوا إلَيْهِ غايَةَ الِالتِفاتِ، فَيُقَرَّرُ ما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ أتَمَّ تَقَرُّرٍ، وذَلِكَ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِأبْنائِهِ في مَقامِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ: ألَسْتُ أباكُمْ؟ وإذا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ يَأْمُرُهم بِما قَصَدَهُ مِنهُمْ؛ لِيَقْبَلُوا بِحُكْمِ الأُبُوَّةِ والنُّبُوَّةِ ويَعْمَلُوا عَلى طِبْقِهِما.
فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»» مِثْلُ: ألَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى إلَيْكُمْ؟ أوْ: ألَسْتُ نَبِيَّكُمْ؟ ولا يُمْكِنُ إجْراءُ مِثْلِ ذَلِكَ فِيما بَعْدَهُ؛ تَحْصِيلًا لِلْمُناسَبَةِ.
ومِنَ الشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ مَعْنى المَحَبَّةِ، وهو أنَّ مَحَبَّةَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أمْرٌ ثابِتٌ في ضِمْنِ آيَةِ ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فَلَوْ أفادَ هَذا الحَدِيثُ ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا كانَ لَغْوًا، ولا يَخْفى فَسادُهُ، ومَنشَؤُهُ أنَّ المُسْتَدِلَّ لَمْ يَفْهَمْ أنَّ إيجابَ مَحَبَّةِ أحَدٍ في ضِمْنِ العُمُومِ شَيْءٌ، وإيجابَ مَحَبَّتِهِ بِالخُصُوصِ شَيْءٌ آخَرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ ظُهُورًا أنَّهُ لَوْ آمَنَ شَخْصٌ بِجَمِيعِ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخُصُوصِهِ بِالذِّكْرِ لَمْ يَكُنْ إيمانُهُ مُعْتَبَرًا، وأيْضًا لَوْ فَرَضْنا اتِّحادَ مَضْمُونِ الآيَةِ والخَبَرِ لا يَلْزَمُ اللَّغْوُ، بَلْ غايَةُ ما يَلْزَمُ التَّقْرِيرُ والتَّأْكِيدُ، وذَلِكَ وظِيفَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَثِيرًا ما يُؤَكِّدُ مَضامِينَ القُرْآنِ ويُقَرِّرُها، بَلِ القُرْآنُ نَفْسُهُ قَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ المَضامِينُ لِذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّغْوِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - وأيْضًا التَّنْصِيصُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - تَكَرَّرَ مِرارًا عِنْدَ الشِّيعَةِ، فَيَلْزَمُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ - القَوْلُ اللُّغَوِيُّ، ويُجَلُّ كَلامُ الشّارِعِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ ما أشارَ إلَيْهِ الحِمْيَرِيُّ في قَصِيدَتِهِ - الَّتِي أسْرَفَ فِيها - مِن أنَّ الصَّحابَةَ
صفحة 197
- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِهَذِهِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ جاءُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ الإمامَ بَعْدَهُ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ المُؤَرِّخُونَ وأهْلُ السِّيَرِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ - فِيما أعْلَمُ - بَلْ هو مَحْضُ زُورٍ وبُهْتانٍ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ.
ومَن وقَفَ عَلى تِلْكَ القَصِيدَةِ الشَّنِيعَةِ بِأسْرِها وما يَرْوِيهِ الشِّيعَةُ فِيها - وكانَ لَهُ أدْنى خِبْرَةٍ - رَأى العَجَبَ العُجابَ، وتَحَقَّقَ أنَّ قَعاقِعَ القَوْمِ كَصَرِيرِ بابٍ، أوْ كَطَنِينِ ذُبابٍ، ثُمَّ إنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ الدّالَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها وكَوْنِها بِمَرْتَبَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها - لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِالمَعْنى الَّذِي قَرَّرْناهُ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ ذَلِكَ، ومَلْعُونٌ مَن يُنْكِرُهُ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِالذِّكْرِ لِما قَدَّمْناهُ.
وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ: إنَّ الآيَةَ عَلى خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وكَذا خَبَرِ الغَدِيرِ - عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ - عَلى تَقْدِيرِ دَلالَتِهِما عَلى أنَّ المُرادَ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا بُدَّ أنْ يُقَيَّدا بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ في المَآلِ، وحِينَئِذٍ فَمَرْحَبًا بِالوِفاقِ؛ لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قائِلُونَ بِذَلِكَ حِينَ إمامَتِهِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حِينَئِذٍ بِالذِّكْرِ ما عَلِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ مِن وُقُوعِ الفَسادِ والبَغْيِ في زَمَنِ خِلافَتِهِ، وإنْكارِ بَعْضِ النّاسِ لِإمامَتِهِ الحَقَّةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بَعْدَ الوَفاةِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
والخَبَرُ المُصَدَّرُ بِـ( كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ» لَيْسَ نَصًّا في المَقْصُودِ كَما لا يَخْفى، ومِمّا يُبْعِدُ دَعْوى الشِّيعَةِ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُصُوصِ خِلافَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّ المَوْصُولَ فِيها خاصٌّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَإنَّ النّاسَ فِيهِ - وإنْ كانَ عامًّا - إلّا أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكُفّارُ، ويَهْدِيكَ إلَيْهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّهُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِعِصْمَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى أُمْنِيَتِهِمْ فِيكَ، ومَتى كانَ المُرادُ بِهِمُ الكُفّارَ بَعْدَ إرادَةِ الخِلافَةِ؟! بَلْ لَوْ قِيلَ: لَمْ تَصِحَّ لَمْ يَبْعُدْ؛ لِأنَّ التَّخَوُّفَ الَّذِي تَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ مِنهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحاشاهُ - في تَبْلِيغِ أمْرِ الخِلافَةِ إنَّما هو مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - حَيْثُ أنَّ فِيهِمْ - مَعاذَ اللَّهِ تَعالى - مَن يَطْمَعُ فِيها لِنَفْسِهِ، ومَتى رَأى حِرْمانَهُ مِنها لَمْ يَبْعُدْ مِنهُ قَصْدُ الإضْرارِ بِرَسُولِ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتِزامُ القَوْلِ - والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ - بِكُفْرِ مَن عَرَّضُوا بِنِسْبَةِ الطَّمَعِ في الخِلافَةِ إلَيْهِ مِمّا يَلْزَمُهُ مَحاذِيرُ كُلِّيَّةٌ، أهْوَنُها تَفْسِيقُ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهو هُوَ، أوْ نِسْبَةُ الجُبْنِ إلَيْهِ، وهو أسَدُ اللَّهِ تَعالى الغالِبُ، أوِ الحَكَمُ عَلَيْهِ بِالتَّقِيَّةِ، وهو الَّذِي لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا يَخْشى إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ، أوْ نِسْبَةُ فِعْلِ الرَّسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَلِ الأمْرِ الإلَهِيِّ إلى العَبَثِ، والكُلُّ كَما تَرى.
لا يُقالُ: إنَّ عِنْدَنا أمْرَيْنِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الخِلافَةُ:
أحَدُهُما أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ مَأْمُورًا بِأبْلَغِ عِبارَةٍ بِتَبْلِيغِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِها، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ مُخاطِبًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هُنا فَرْدٌ هو أهَمُّ الأفْرادِ وأعْظَمُها شَأْنًا - ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا الخِلافَةُ إذْ بِها يَنْتَظِمُ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا - لَخَلا الكَلامُ عَنِ الفائِدَةِ.
وثانِيهُما أنَّ ابْنَ إسْحاقَ ذَكَرَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ النّاسَ في حَجَّةِ الوَداعِ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيها ما بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «أيُّها النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي؛ فَإنِّي لا أدْرِي لَعَلِّي لا ألْقاكم بَعْدَ عامِي هَذا بِهَذا المَوْقِفِ أبَدًا، أيُّها النّاسُ إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا رَبَّكم كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا، وكَحُرْمَةِ شَهْرِكم هَذا، وإنَّكم سَتَلْقَوْنَ رَبَّكم فَيَسْألَنَّكم عَنْ أعْمالِكُمْ، وقَدْ بَلَّغْتُ» ثُمَّ أوْصى
صفحة 198
- صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – بِالنِّساءِ، ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «فاعْقِلُوا قَوْلِي فَإنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وقَدْ تَرَكْتُ فِيكم ما إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أبَدًا؛ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وسَنَةَ نَبِيِّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» إلى أنْ قالَ - بِأبِي هو وأمِّي، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَذُكِرَ لِي أنَّ النّاسَ قالُوا: «اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اشْهَدِ»» انْتَهى.
فَإنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ ظاهِرَةٌ في أنَّ الخُطْبَةَ كانَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ويَوْمُ الغَدِيرِ كانَ اليَوْمَ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ بَعْدَ أنْ فَرَغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمَ مِن شَأْنِ المَناسِكِ، وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ غَيْرَ ما بَلَّغَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – قَبْلُ، وشَهَّدَ النّاسَ عَلى تَبْلِيغِهِ، وأشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا إلّا الخِلافَةُ الكُبْرى، والإمامَةُ العُظْمى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ كَوْنَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – خَلِيفَتَكَ، وقائِمًا مَقامَكَ بَعْدَكَ، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وإنْ قالَ لَكَ النّاسُ حِينَ قُلْتَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ في الأمْرِ الأوَّلِ - بَعْدَ غَمْضِ العَيْنِ عَمّا فِيهِ - مَمْنُوعَةٌ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ في الآيَتَيْنِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَصالِحِ العِبادِ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، ولا يَلْزَمُ الخُلُوُّ عَنِ الفائِدَةِ؛ إذْ كَمْ آيَةٍ تَكَرَّرَتْ في القُرْآنِ، وأمْرٌ ونَهْيٌ ذُكِرَ مِرارًا لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ فائِدَةَ الأمْرِ هُنا إزالَةُ تَوَهُّمِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَرَكَ أوْ يَتْرُكُ تَبْلِيغَ شَيْءٍ مِنَ الوَحْيِ تَقِيَّةً.
ويَرِدُ عَلى الأمْرِ الثّانِي أمْرانِ:
الأوَّلُ أنَّ كَوْنَ يَوْمِ الغَدِيرِ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لِيَكُونَ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ، بَلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الخُطْبَةِ وقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فِيها: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ يَوْمِي الغَدِيرِ وعَرَفَةَ، وما ورَدَ في غَيْرِما أثَرٍ مِن أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ في حِجَّةِ الوَداعِ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْبَعْدِيَّةِ ولِلْقَبْلِيَّةِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الإيابِ ولا الذَّهابِ، وظاهِرُ حالِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تِلْكَ الحَجَّةِ مِن إراءَةِ المَناسِكِ، ووَضْعِ الرِّبا ودِماءِ الجاهِلِيَّةِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ - يُرْشِدُ إلى أنَّ النُّزُولَ كانَ في الذَّهابِ.
والثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَ النُّزُولِ يَوْمَ الغَدِيرِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ حِينَئِذٍ لُزُومُ التَّكْرارِ، وقَدْ عَلِمْتَ فائِدَتَهُ وكَثْرَةَ وُقُوعِهِ، سَلَّمْنا أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ لَكِنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا الخِلافَةُ، وكَمْ قَدْ بَلَّغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَذى يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والضِّياءُ في المُخْتارَهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيُّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ أشُدُّ عَلَيْكَ؟ فَقالَ: كُنْتُ بِمِنًى أيّامَ مَوْسِمٍ، واجْتَمَعَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأفْناءُ النّاسِ في المَوْسِمِ، فَأُنْزِلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَقُمْتُ عِنْدَ العَقَبَةِ فَنادَيْتُ: يا أيُّها النّاسُ، مَن يَنْصُرُنِي عَلى أنْ أُبَلِّغَ رِسالاتِ رَبِّي ولَكُمُ الجَنَّةُ؟ أيُّها النّاسُ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم تُفْلِحُوا وتَنْجَحُوا ولَكُمُ الجَنَّةُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَما بَقِيَ رَجُلٌ، ولا امْرَأةٌ، ولا أمَةٌ، ولا صَبِيٌّ إلّا يَرْمُونَ عَلَيَّ بِالتُّرابِ والحِجارَةِ، ويَقُولُونَ: كَذّابٌ، صابِئٌ، فَعَرَضَ عَلَيَّ عارِضٌ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ أنْ يُجِيبُونِي إلى طاعَتِكَ، فَجاءَ العَبّاسُ عَمُّهُ فَأنْقَذَهُ مِنهُمْ، وطَرَدَهم عَنْهُ»».
صفحة 199
قالَ الأعْمَشُ: فَبِذَلِكَ تَفْتَخِرُ بَنُو العَبّاسِ، ويَقُولُونَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هَوى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أبا طالِبٍ، وشاءَ اللَّهُ تَعالى عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وأصْرَحُ مِن هَذا ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ( الدَّلائِلِ ) وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – يُحْرَسُ، وكانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأرادَ عَمُّهُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَن يَحْرُسُهُ فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَنِي»» فَإنَّ أبا طالِبٍ ماتَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وحِجَّةَ الوَداعِ بَعْدَها بِكَثِيرٍ، والظّاهِرُ اتِّصالُ الآيَةِ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لَيْلًا؛ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – يُحْرَسُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعالى»» ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ.
والَذى أمِيلُ إلَيْهِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِمّا تَكَرَّرَ نُزُولُهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، والمُرادُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النّاسِ حِفْظُ رُوحِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ القَتْلِ والهَلاكِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شُجَّ وجْهُهُ الشَّرِيفُ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى العُمُومِ، وادَّعى أنَّ الآياتِ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ واسْتُشْكِلَ الأمْرانِ بِأنَّ اليَهُودَ سَمُّوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى قالَ: ««لا زالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي وهَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي»» وأُجِيبَ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ مِنَ القَتْلِ ونَحْوِهِ بِسَبَبِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ، وأمّا ما فُعِلَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَلِلذَّبِّ عَنِ الأمْوالِ والبِلادِ والأنْفُسِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: عِصْمَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِفْظُهم بِما خُصُّوا بِهِ مِن صَفاءِ الجَوْهَرِ، ثُمَّ بِما أوْلاهم مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ، ثُمَّ بِالنُّصْرَةِ وتَثْبِيتِ أقْدامِهِمْ، ثُمَّ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِمْ، وبِحِفْظِ قُلُوبِهِمْ، وبِالتَّوْفِيقِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعِصْمَةِ الحِفْظُ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ، والمَعْنى: بَلِّغْ، واللَّهُ تَعالى يَمْنَحُكَ الحِفْظَ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ مِن بَيْنِ النّاسِ، أيْ يَعْصِمُكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَوْجِيهٌ لَمْ يَصْدُرْ إلّا مِمَّنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَطَأِ.
ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ حَيْثُ قالَ: لا يَهْدِيهِمْ بِالمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والألْطافِ إلى الكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، وزَعَمَ أنَّ الَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى الكُفّارَ إلى الإيمانِ بِأنْ دَلَّهم عَلَيْهِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم مِن خِلافِهِ - وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ المُرادَ بِالآيَةِ - عَلى أنَّ في كَلامِهِ ما لا يَخْفى مِنَ النَّظَرِ.
وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ: أنَّ عَلَيْكَ البَلاغَ لا الهِدايَةَ، فَمَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والوَفاةِ عَلَيْهِ لا يَهْتَدِي أبَدًا، وهو كَما تَرى، فَلْيُفْهَمْ جَمِيعُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولْيُحْفَظْ؛ فَإنِّي لا أظُنُّ أنَّكَ تَجِدُهُ في كِتابٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: ( رِسالاتِهِ ) عَلى الجَمِيعِ، وإيرادُ الآيَةِ في تَضاعِيفِ الآياتِ الوارِدَةِ في أهْلِ الكِتابِ لِما أنَّ الكُلَّ قَوارِعُ يَسُوءُ الكُفّارَ سَماعُها، ويَشُقُّ عَلى الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُشافَهَتُهم بِها، خُصُوصًا ما يَتْلُوها مِنَ النَّصِّ النّاعِي عَلَيْهِمْ كَمالَ ضَلالِهِمْ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الأمْرُ فَقالَ سُبْحانَهُ:
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى - كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ،فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««جاءَ رافِعُ بْنُ حارِثَةَ، وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى
صفحة 200
مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ؟ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى حُقٌّ؟ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بَلى، ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، وكَتَمْتُمْ مِنها ما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئَتْ مِن إحْداثِكُمْ، قالُوا: فَإنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا؛ فَإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ، ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾» أيْ دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلِيقُ بِأنْ يُسَمّى شَيْئًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ووُضُوحِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَّعْبِيرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّحْقِيرِ، ومَن أمْثالُهم أقَلُّ مِن لا شَيْءَ ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ تُراعُوهُما، وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مَن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما وتَوْفِيَةَ حُقُوقِهِما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ لا بِالعَمَلِ بِجَمِيعِ ما فِيهِما مَنسُوحًا كانَ أوَغِيَرَهُ، فَإنَّ مُراعاةَ المَنسُوخِ تَعْطِيلٌ لَهُما ورَدٌّ لِشَهادَتِهِما.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences