Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:71–76
5:71Page 120
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ ظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ أنْ لا يُصِيبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما فَعَلُوا بَلاءٌ وعَذابٌ لِزَعْمِهِمْ - كَما قالَ الزَّجّاجُ - أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ تَعالى وأحِبّاؤُهُ، أوْ لِإمْهالِ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، أوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ، وعَنْ مُقاتِلٍ: تَفْسِيرُ الفِتْنَةِ بِالشِّدَّةِ والقَحْطِ، والأوْلى حَمْلُها عَلى العُمُومِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ المُرادُ مِنها مَعْناها المَعْرُوفَ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ: ( أنْ لا تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّ ( أنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأصْلُهُ أنَّهُ لا تَكُونُ فَخُفِّفَ ( أنَّ ) وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وهو اسْمُها، وتَعْلِيقُ فِعْلِ الحُسْبانِ بِها - وهي لِلتَّحْقِيقِ - لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ العِلْمِ لِكَمالِ قُوَّتِهِ، و( أنْ ) بِما في حَيِّزَها سادَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ ( حَسِبَ ) هُنا بِمَعْنى عَلِمَ، و( أنْ ) لا تُخَفَّفُ إلّا بَعْدَ ما يُفِيدُ اليَقِينَ، وقِيلَ: إنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفٌ، أيْ: وحَسِبُوا عَدَمَ الفِتْنَةِ كائِنًا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ، و( تَكُونَ ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرِ تامَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ( حَسِبُوا ) والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: أمِنُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعالى فَتَمادَوْا في فُنُونِ الغَيِّ والفَسادِ ( وعَمُوا ) عَنِ الدِّينِ بَعْدَما هَداهُمُ الرُّسُلُ إلى مَعالِمِهِ، وبَيَّنُوا لَهم مَناهِجَهُ ﴿وصَمُّوا﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ الَّذِي ألْقَوْهُ إلَيْهِمْ، وهَذا إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الأُولى مِن مَرَّتَيْ إفْسادِ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ خالَفُوا أحْكامَ التَّوْراةِ، ورَكِبُوا المَحارِمَ، وقَتَلُوا شَعْيا، وقِيلَ: أرْمِيا، عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ حِينَ تابُوا، ورَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ
صفحة 206
مِنَ الفَسادِ بَعْدَما كانُوا بِبابِلَ دَهْرًا طَوِيلًا، تَحْتَ قَهْرِ بُخَتُنَصَّرَ، أُسارى في غايَةِ الذُّلِّ والمَهانَةِ، فَوَجَّهَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مَلِكًا عَظِيمًا مِن مُلُوكِ فارِسَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَعَمَّرَهُ، ورَدَّ مَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في أسْرِ بُخَتُنَصَّرَ إلى وطَنِهِمْ، وتَراجَعَ مَن تَفَرَّقَ مِنهم في الأكْنافِ، فاسْتَقَرُّوا وكَثُرُوا، وكانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا ورِثَ بَهْمَنُ بْنُ أسْفَنْدَيارَ المَلِكُ مِن جَدِّهِ كاسِفَ ألْقى اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَرَدَّهم إلى الشّامِ، ومَلَّكَ عَلَيْهِمْ دانْيالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بُخَتُنَصَّرَ، فَقامَتْ فِيهِ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمْ يُسْنِدْ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ إلَيْهِمْ كَسائِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الحُسْبانِ والعَمى والصَّمَمِ؛ تَجافِيًّا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها في ضِمْنِ بَيانِ تَوْبَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ تَمْهِيدًا لِبَيانِ نَقْضِهِمْ إيّاها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ وهو إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الآخِرَةِ مِن مَرَّتَيْ إفْسادِهِمْ، وهو اجْتِراؤُهم عَلى قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى، وقَصْدُهم قَتْلَ عِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ العَمى والصَّمَمَ أوَّلًا إشارَةً إلى ما صَدَرَ مِنهم مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وثانِيًا إشارَةً إلى ما وقَعَ مِنهم مِن طَلَبِهِمُ الرُّؤْيَةَ، وفِيهِ أنَّ عِبادَةَ العِجْلِ - وإنْ كانَتْ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً ناشِئَةً عَنْ كَمالِ العَمى والصَّمَمِ - لَكِنَّها في عَصْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – ولا تَعَلُّقَ لَها بِما حُكِيَ عَنْهم بِما فَعَلُوا بِالرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوهم بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – بِأعْصارٍ، وكَذا القَوْلُ - عَلى زَعْمِهِ - في طَلَبِ الرُّؤْيَةِ عَلى أنَّ طَلَبَ الرُّؤْيَةِ كانَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ تَوَجَّهَ لِلْمُناجاةِ، وعِبادَةُ العِجْلِ كانَتْ مِنَ القَوْمِ المُتَخَلِّفِينَ، فَلا يَتَحَقَّقُ تَأخُّرُهُ عَنْها، وحَمْلُ ( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ دُونَ الزَّمانِيِّ مِمّا لا ضَرُورَةَ إلَيْهِ.
وقِيلَ: إنَّ العَمى والصَّمَمَ أوَّلًا إشارَةٌ إلى ما كانَ في زَمَنِ زَكَرِيّا ويَحْيى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وثانِيًا إشارَةٌ إلى ما كانَ في زَمَنِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، وبَدَأ بِالعَمى لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَعْرِضُ لِلْمُعْرِضِ عَنِ الشَّرائِعِ، فَلا يُبْصِرُ مَن أتى بِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْتَفِتُ إلى مُعْجِزاتِهِ، ثُمَّ لَوْ أبْصَرَهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلامَهُ فَيَكُونُ عُرُوضُ الصَّمَمِ بَعْدَ عُرُوضِ العَمى.
وقُرِئَ: ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالضَّمِّ عَلى تَقْدِيرِ: عَماهُمُ اللَّهُ تَعالى وصَمَّهُمْ، أيْ رَماهم وضَرَبَهم بِالعَمى والصَّمَمِ، كَما يُقالُ: نَزَكْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بِالنَّيْزَكِ، ورَكَبْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ، وقِيلَ: هو فاعِلٌ، والواوُ عَلامَةُ الجَمْعِ لا ضَمِيرٌ، وهَذِهِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، يُعَبِّرُ عَنْها النُّحاةُ بِـ( أكَلُونِي البَراغِيثُ ) أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: العَمى والصَّمُّ كَثِيرٌ مِنهم.
وقِيلَ: أيِ العَمى والصَّمَمُ كَثِيرٌ مِنهُمْ، أيْ: صادِرٌ ذَلِكَ مِنهم كَثِيرًا، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ، وضُعِّفَ بِأنَّ الخَبَرَ الفِعْلِيَّ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المُبْتَدَأِ لِالتِباسِهِ بِالفاعِلِ، ورُدَّ بِأنَّ مَنعَ التَّقْدِيمِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ الفاعِلِ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا إذْ لا التِباسَ فِيما إذا كانَ بارِزًا، والتِباسُهُ بِالفاعِلِ في لُغَةِ ( أكَلُونِي البَراغِيثُ ) لَمْ يَعْتَبِرُوهُ مانِعًا؛ لِأنَّ تِلْكَ اللُّغَةَ ضَعِيفَةٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها، ومِن هُنا صَرَّحَ النُّحاةُ بِجَوازِ التَّقْدِيمِ في مِثْلِ ( الزَّيْدانِ قاما ) لَكِنْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ جَوازِ تَقْدِيمِ الخَبَرِ فِيما يَصْلُحُ المُبْتَدَأُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْفاعِلِ، نَحْوُ: أنا قُمْتُ، فَإنَّ ( أنا ) لَوْ أُخِرَّ لالتَبَسَ بِتَأْكِيدِ الفاعِلِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِثْلُهُ إلّا أنَّ الِالتِباسَ فِيهِ بِتابِعٍ آخَرَ، أعْنِي البَدَلَ، فَتَدَبَّرْ.
وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ بَعْضًا مِنهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِما عَمِلُوا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ؛ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها الفَظِيعَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أُشِيرَ بِهِ إلى بُطْلانِ حُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ، ووُقُوعُ العَذابِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ اكْتُفِيَ بِها تَعْوِيلًا
صفحة 207
عَلى ما فُصِّلَ نَوْعَ تَفْصِيلٍ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولا يَخْفى مَوْقِعُ ( بَصِيرٌ ) هُنا مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( عَمُوا ).
5:72Page 120
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ قَبائِحِ النَّصارى وإبْطالِ أقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ بَعْدَ تَفْصِيلِ قَبائِحِ اليَهُودِ، وقائِلُ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنهم - كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ - وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ عَلى تَفْصِيلِ أقْوالِهِمْ وطَوائِفِهِمْ فِيما تَقَدَّمَ، فَتَذَكَّرْ.
﴿وقالَ المَسِيحُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( قالُوا ) بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) مُفِيدَةٌ لِمَزِيدِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ بِبَيانِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْمَسِيحِ، وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَمّا أصَرُّوا عَلَيْهِ بِما أوْعَدَهم بِهِ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ، وقَدْ قالَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُخاطِبًا لَهم ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ فَإنِّي مَرْبُوبٌ مِثْلُكُمْ، فاعْبُدُوا خالِقِي وخالِقَكم ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: شَيْئًا في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ، كَنِسْبَةِ عِلْمِ الغَيْبِ وإحْياءِ المَوْتى بِالذّاتِ إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ لِأنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ، والمُرادُ يُمْنَعُ مِن دُخُولِها، كَما يُمْنَعُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ مِنَ المُحَرَّمِ، فالتَّحْرِيمُ مَجازٌ مُرْسَلٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْمَنعِ؛ إذْ لا تَكْلِيفَ ثَمَّةَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
﴿ومَأْواهُ النّارُ﴾ فَإنَّها المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِابْتِلائِهِمْ بِالعِقابِ إثْرَ بَيانِ حِرْمانِهِمُ الثَّوابَ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى قُوَّةِ المُقْتَضِي لِإدْخالِهِ النّارَ.
﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ ما لَهم مِن أحَدٍ يَنْصُرُهم بِإنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، وإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، إمّا بِطْرِيقِ المُغالَبَةِ أوْ بِطْرِيقِ الشَّفاعَةِ، والجَمْعُ لِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بِالظّالِمِينَ.
وقِيلَ: لِيُعْلَمَ نَفْيُ النّاصِرِ مِن بابٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَنْصُرْهُمُ الجَمُّ الغَفِيرُ فَكَيْفَ يَنْصُرُهُمُ الواحِدُ مِنهُمْ؟! وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ جارٍ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ لَهم أنْصارًا كَثِيرَةً فَنُفِيَ ذَلِكَ؛ تَهَكُّمًا بِهِمْ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ - والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مِن ) كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها - وإمّا لِلْجِنْسِ، وهم يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ووَضْعُهُ عَلى الأوَّلِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ، وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو إمّا مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى؛ تَأْكِيدًا لِمَقالَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِها.
5:73Page 120
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِ طائِفَةٍ أُخْرى مِنهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ مَن هُمْ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ لا يَكُونُ إلّا مُضافًا - كَما قالَ الفَرّاءُ - وكَذا رابِعُ أرْبَعَةٍ ونَحْوُهُ، ومَعْنى ذَلِكَ أحَدُ تِلْكَ الأعْدادِ لا الثّالِثُ والرّابِعُ خاصَّةً، ولَوْ قُلْتَ: ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ - مَثَلًا - جازَ الأمْرانِ: الإضافَةُ والنَّصْبُ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّجّاجُ أيْضًا.
وعَنَوْا بِالثَّلاثَةِ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - البارِيَ - عَزَّ اسْمُهُ - وعِيسى وأُمَّهُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَكُلٌّ مِنَ الثَّلاثَةِ إلَهٌ بِزَعْمِهِمْ، والإلَهِيَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وهو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ في المَوْجُوداتِ ذاتٌ واجِبٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ لِأنَّهُ مَبْدَأُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ ( إلّا إلَهٌ ) مَوْصُوفٌ بِالوَحْدَةِ، مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الشَّرِكَةِ بِوَجْهٍ؛ إذِ التَّعَدُّدُ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ الأُلُوهِيَّةِ - كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ بُرْهانُ التَّمانُعِ - فَإذا نافَتِ الأُلُوهِيَّةُ مُطْلَقَ التَّعَدُّدِ فَما ظَنُّكَ بِالتَّثْلِيثِ؟! و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، وقالُوا في وجْهِهِ: لِأنَّها في الأصْلِ ( مِنَ ) الِابْتِدائِيَّةُ حُذِفَ مُقابِلُها إشارَةً إلى عَدَمِ التَّناهِي، فَأصْلُ ( لا رَجُلَ ): لا مِن رَجُلٍ، إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
صفحة 208
وهَذا حاصِلُ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الإقْلِيدِ في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ سُبْحانَهُ جَوْهَرٌ واحِدٌ، ثَلاثَةُ أقانِيمَ، أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، ويَعْنُونَ بِالأوَّلِ الذّاتَ، وقِيلَ: الوُجُودَ، وبِالثّانِي العِلْمَ، وبِالثّالِثِ الحَياةَ، وإنَّ مِنهم مَن قالَ بِتَجَسُّمِها، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾ لا إله بِالذّاتِ مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَزْعُمُونَها، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ هَذا المَقامِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فارْجِعْ إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ أيْ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ إلى خِلافِهِ، وهو التَّوْحِيدُ والإيمانُ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ - عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ - والمُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) إمّا الثّابِتُونَ عَلى الكُفْرِ كَما اخْتارَهُ الجُبّائِيُّ والزَّجّاجُ، وإمّا النَّصارى كَما قِيلَ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِتَكْرِيرِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، و( مِن ) عَلى هَذا بَيانِيَّةٌ وعَلى الأوَّلِ تَبْعِيضِيَّةٌ، وإنَّما جِيءَ بِالفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ - بَعْدَ وُرُودِ ما ورَدَ مِمّا يَقْتَضِي القَلْعَ عَنْهُ - كُفْرٌ جَدِيدٌ، وغُلُوٌّ زائِدٌ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أصْلِ الكُفْرِ،
5:74Page 120
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ لِلْإنْكارِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ أوْ عَدَمِ مُبادَرَتِهِمْ إلى التَّوْبَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألا يَنْتَهُونَ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والأقْوالِ الباطِلَةِ، فَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى الحَقِّ ويَسْتَغْفِرُونَهُ بِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ يَسْمَعُونَ هَذِهِ الشَّهاداتِ المُكَرَّرَةَ والتَّشْدِيداتِ المُقَرَّرَةَ فَلا يَتُوبُونَ عَقِيبَ ذَلِكَ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لَهُمْ، ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ إنْ تابُوا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
5:75Page 120
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَيانِ حَقِيقَةِ حالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحالِ أُمِّهِ بِالإشارَةِ أوَّلًا إلى ما امْتازُوا بِهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ حَتّى صارا مِن أكْمَلِ أفْرادِ الجِنْسِ، وآخِرًا إلى الوَصْفِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما وبَيْنَ أفْرادِ البَشَرِ، بَلْ أفْرادِ الحَيَواناتِ، وفي ذَلِكَ اسْتِنْزالٌ لَهم بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ عَنِ الإصْرارِ، وإرْشادٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، أيْ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ لا يَكادُ يَتَخَطّاها إلى ما يَزْعُمُ النَّصارى فِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةُ رَسُولٍ مُنْبِئَةٌ عَنِ اتِّصافِهِ بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، فَإنَّ خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ مُنْذِرٌ بِخُلُوِّهِ، وذَلِكَ مُقْتَضِي لِاسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ، أيْ ما هو إلّا رَسُولٌ كالرُّسُلِ الخالِيَةِ قَبْلَهُ، خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِبَعْضِ الآياتِ كَما خَصَّ كُلًّا مِنهم بِبَعْضٍ آخَرَ مِنها، ولَعَلَّ ما خَصَّ بِهِ غَيْرَهُ أعْجَبُ وأغْرَبُ مِمّا خَصَّهُ بِهِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْ أحْيا مَن ماتَ مِنَ الأجْسامِ الَّتِي مِن شَأْنِها الحَياةُ فَقَدْ أحْيا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – الجَمادَ، وإنْ كانَ قَدْ خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ فَآدَمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ، فَمِن أيْنَ لَكم وصْفُهُ بِالأُلُوهِيَّةِ؟!
﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ وما أُمُّهُ أيْضًا إلّا كَسائِرِ النِّساءِ اللَّواتِي يُلازِمْنَ الصِّدْقَ أوِ التَّصْدِيقَ، ويُبالِغْنَ في الِاتِّصافِ بِهِ، فَمِن أيْنَ لَكم وصْفُها بِما عَرِيَ عَنْ أمْثالِها؟! والمُرادُ بِالصِّدْقِ هُنا صِدْقُ حالِها مَعَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: صِدْقُها في بَراءَتِها مِمّا رَمَتْها بِهِ اليَهُودُ، والمُرادُ بِالتَّصْدِيقِ تَصْدِيقُها بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: تَصْدِيقُها بِالأنْبِياءِ، والصِّيغَةِ كَيْفَما كانَتْ لِلْمُبالَغَةِ كَـ( شِرِّيبٍ ).
صفحة 209
ورُجِّحَ كَوْنُها مِنَ الصِّدْقِ بِأنَّ القِياسَ في صِيَغِ المُبالَغَةِ الأخْذُ مِنَ الثُّلاثِيِّ، ولَكِنْ ما حُكِيَ رُبَّما يُؤَيِّدُ أنَّها مِنَ المُضاعَفِ، والحَصْرُ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ والعَطْفِ - كَما قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي - وتَوَقَّفَ في ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، ولَيْسَ في مَحَلِّهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى عَدَمِ نُبُوَّةِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - وذَلِكَ أنَّهُ - تَعالى شَأْنُهُ - إنَّما ذَكَرَ في مَعْرِضِ الإشارَةِ إلى بَيانِ أشْرَفِ ما لَها الصِّدِّيقِيَّةَ، كَما ذَكَرَ الرِّسالَةَ لِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مِثْلِ ذَلِكَ المَعْرَضِ، فَلَوْ كانَ لَها - عَلَيْها السَّلامُ - مَرْتَبَةُ النُّبُوَّةِ لَذَكَرَها سُبْحانَهُ دُونَ الصِّدِّيقِيَّةِ؛ لِأنَّها أعْلى مِنها بِلا شَكٍّ، نَعَمِ، الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقِيَّةِ مَقامٌ وهَذا أمْرٌ آخَرُ، لا ضَرَرَ لَهُ فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ.
﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، مُبَيِّنٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ، بَلْ أفْرادِ الحَيَوانِ في الِاحْتِياجِ إلى ما يَقُومُ بِهِ البَدَنُ مِنَ الغِذاءِ، فالمُرادُ مِن أكْلِ الطَّعامِ حَقِيقَتُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ قَضاءِ الحاجَةِ؛ لِأنَّ مَن أكَلَ الطَّعامَ احْتاجَ إلى النَّفْضِ، وهَذا أمَرُّ ذَوْقًا في أفْواهِ مُدَّعِي أُلُوهِيَّتِهِما لِما في ذَلِكَ - مَعَ الدَّلالَةِ عَلى الِاحْتِياجِ المُنافِي لِلْأُلُوهِيَّةِ - بَشاعَةٌ عُرْفِيَّةٌ، ولَيْسَ المَقْصُودُ سِوى الرَّدِّ عَلى النَّصارى في زَعْمِهِمُ المُنْتِنِ واعْتِقادِهِمُ الكَرِيهِ.
قِيلَ: والآيَةُ في تَقْدِيمِ ما لَهُما مِن صِفاتِ الكَمالِ، وتَأْخِيرِ ما لِأفْرادِ جِنْسِهِما مِن نَقائِصِ البَشَرِيَّةِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ حَيْثُ قَدَّمَ سُبْحانَهُ العَفْوَ عَلى المُعاتَبَةِ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِئَلّا تُوحِشَهُ مُفاجَأتُهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ لَهُما الرُّبُوبِيَّةَ، ولا يَرْعَوُونَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَما بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ الحالِ بَيانًا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ، والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ لِكُلِّ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ ذَلِكَ، و( كَيْفَ ) مَعْمُولٌ لِـ( نُبَيِّنُ ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، مُعَلِّقَةٌ لِلْفِعْلِ قَبْلَها، والمُرادُ مِنَ الآياتِ الدَّلائِلُ، أيِ: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الدَّلائِلَ القَطْعِيَّةَ الصّاعِدَةَ بِبُطْلانِ ما يَقُولُونَ.
﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإصاخَةِ إلَيْها والتَّأمُّلِ فِيها؛ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ وخَباثَةِ نُفُوسِهِمْ، والكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ فِيما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، و( ثُمَّ ) لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجْبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، أيْ: إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ أمْرٌ بَدِيعٌ في بابِهِ، بالِغٌ لِأقْصى الغاياتِ مِنَ التَّحْقِيقِ والإيضاحِ، وإعْراضُهم عَنْها - مَعَ انْتِفاءِ ما يُصَحِّحُهُ بِالمَرَّةِ وتَعاضُدِ ما يُوجِبُ قَبُولَها - أعْجَبُ وأبْدَعُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى حَقِيقَتِها، والمُرادُ مِنها بَيانُ اسْتِمْرارِ زَمانِ بَيانِ الآياتِ وامْتِدادُهُ، أيْ أنَّهم مَعَ طُولِ زَمانِ ذَلِكَ لا يَتَأثَّرُونَ، ( ويُؤْفَكُونَ ).
5:76Page 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"
﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أمْرٌ بِتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ التَّعْجِيبِ مِن أحْوالِهِمْ، والمُرادُ بِـ( ما لا يَمْلِكُ ) عِيسى، أوْ هو وأُمُّهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ – والمَعْنى: أتَعْبُدُونَ شَيْئًا لا يَسْتَطِيعُ مِثْلَ ما يَسْتَطِيعُهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَلايا، والمَصائِبِ، والصِّحَّةِ، والسَّعَةِ، أوْ أتَعْبُدُونَ شَيْئًا لا اسْتِطاعَةَ لَهُ أصْلًا، فَإنَّ كَلَّ ما يَسْتَطِيعُهُ البَشَرُ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإقْدارِهِ عَلَيْهِ لا بِالذّاتِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ( ما ) نَظَرا إلى ما عَلَيْهِ المُحَدَّثُ عَنْهُ في ذاتِهِ، وأوَّلِ أمْرِهِ وأطْوارِهِ؛ تَوْطِئَةً لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَنْهُ رَأْسًا، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن هَذا الجِنْسِ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مُشارِكَةٌ وجِنْسِيَّةٌ كَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِـ( ما ) كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى كالأصْنامِ وغَيْرِها، فَغُلِّبَ
صفحة 210
ما لا يَعْقِلُ عَلى مَن يَعْقِلُ تَحْقِيرًا، وقِيلَ: أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ .
وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّرَقِّي مِن تَوْبِيخِ النَّصارى عَلى عِبادَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْبِيخِهِمْ عَلى عِبادَةِ الصَّلِيبِ، فَـ( ما ) عَلى بابِها، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وتَقْدِيمُ الضُّرِّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ، ولِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ التَّأْثِيرِ دَفْعُ الشَّرِّ، ثُمَّ جَلْبُ الخَيْرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( أتَعْبُدُونَ ) مُقَرِّرٌ لِلتَّوْبِيخِ، مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ، والواوُ هو الواوُ، أيْ: ( أتَعْبُدُونَ ) غَيْرَ اللَّهِ تَعالى وتُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ولا تَخْشَوْنَهُ، والحالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُخْتَصُّ بِالإحاطَةِ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ.
وقَدْ يُقالُ: المَعْنى: ( أتَعْبُدُونَ ) العاحِزَ ( واللَّهُ ) هو الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَسْمَعَ كُلَّ مَسْمُوعٍ، ويَعْلَمَ كُلَّ مَعْلُومٍ،، ولَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إلّا وهو حَيٌّ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ الضَّرَرُ والنَّفْعُ والمُجازاةُ عَلى الأقْوالِ والعَقائِدِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
وفُرِّقَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِأنَّ ( ما ) عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّحْقِيرِ، والوَصْفِيَّةُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى مَعْنى أنَّ العُدُولَ إلى المُبْهَمِ اسْتِحْقارٌ، إلّا أنَّ ( ما ) لِلْوَصْفِ والحالِ مُقَرِّرَةٌ لِذَلِكَ، وعَلى الأوَّلِ لِلتَّحْقِيرِ المُجَرَّدِ، والحالُ كَما عَلِمْتَ، فافْهَمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences