Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:83–88
5:83Page 122
وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣
And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.
﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، و(إذا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَرى)، وجُمْلَةُ (تَفِيضُ) في مَوْضِعِ الحالِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ، وأنَّهم إذا سَمِعُوا القُرْآنَ رَأيْتَ أعْيُنَهم فائِضَةً مِنَ الدَّمْعِ، وجَوَّزَ السَّمِينُ وغَيْرُهُ الِاسْتِئْنافَ وأيًّا ما كانَ فَهو بَيانٌ لِرِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وشَدَّةِ خَشْيَتِهِمْ ومُسارَعَتِهِمْ إلى قَبُولِ الحَقِّ وعَدَمِ إبائِهِمْ إيّاهُ، والظّاهِرُ عَوْدُ ضَمِيرِ (سَمِعُوا) لِلَّذِينِ قالُوا إنّا نَصارى
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ فِيهِ العُمُومُ وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ هُنا إرادَةُ البَعْضِ وهو مَن جاءَ مِنَ الحَبَشَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ كُلَّ النَّصارى لَيْسُوا كَذَلِكَ، والفَيْضُ الصُّبابُ عَنِ امْتِلاءٍ ووُضِعَ هُنا مَوْضِعَ الِامْتِلاءِ بِإقامَةِ المُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ أيْ تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ أوْ قُصِدَ المُبالَغَةُ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم بِأنْفُسِها تَفِيضُ مِن أجْلِ الدَّمْعِ قالَهُ في الكَشّافِ، وأرادَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الدَّمْعَ عَلى الأوَّلِ هو الماءُ المَخْصُوصُ وعَلى الثّانِي الحَدَثُ، وهو عَلى الأوَّلِ مَبْدَأٌ مادِّيٌّ وعَلى الثّانِي سَبَبِيٌّ، وفي الانْتِصافِ أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أبْلَغُ العِباراتِ وهي ثَلاثُ مَراتِبَ فالأُولى فاضَ دَمْعُ عَيْنِهِ وهَذا هو الأصْلُ، والثّانِيَةُ مُحَوَّلَةٌ مِن هَذِهِ وهي فاضَتْ عَيْنُهُ دَمْعًا فَإنَّهُ قَدْ حُوِّلَ فِيها الفِعْلُ إلى العَيْنِ مَجازًا ومُبالَغَةً ثُمَّ نَبَّهَ عَلى الأصْلِ والحَقِيقَةِ بِنَصْبِ ما كانَ فاعِلًا عَلى التَّمْيِيزِ، والثّالِثَةُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ وفِيها التَّحْوِيلُ المَذْكُورُ إلّا أنَّها أبْلَغُ مِنَ الثّانِيَةِ بِاطِّراحِ التَّنْبِيهِ عَلى الأصْلِ وعَدَمِ نَصْبِ التَّمْيِيزِ وإبْرازِهِ في صُورَةِ التَّعْلِيلِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ مِن هَذِهِ هي الدّاخِلَةُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مَرْدُودٌ وإنْ كانَ الكُوفِيُّونَ ذَهَبُوا إلى جَوازِ تَعْرِيفِ التَّمْيِيزِ وأنَّهُ يُشْتَرَطُ تَنْكِيرُهُ كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ لِأنَّ التَّمْيِيزَ المَنقُولَ عَنِ الفاعِلِ يَمْتَنِعُ دُخُولُ (مِن) عَلَيْهِ وإنْ كانَتْ مَقْدِرَةً مَعَهُ فَلا يَجُوزُ تَفَقَّأ زَيْدٌ مِن شَحْمٍ فَلْيُفْهَمْ، ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ مِنِ الأوْلى لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الدَّمْعِ أيْ حالَ كَوْنِهِ ناشِئًا مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِـ (تَفِيضُ) أيْ أنْ يَفِيضَ دَمْعُهم بِسَبَبِ عِرْفانِهِمْ
وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها لِلِابْتِداءِ أنْ تَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ أيْضًا لَكِنْ يَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّحادِ مُتَعَلِّقِ (مِن) هَذِهِ و(مِن) في ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ القَوْلُ بِاتِّحادِ مَعْناهُما فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ حَرْفا جَرٍّ بِمَعْنًى بِعامِلٍ واحِدٍ، و(مِنَ) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (عَرَفُوا) عَلى مَعْنى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ فَأبْكاهم فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوهُ كُلَّهُ وقَرَءُوا القُرْآنَ وأحاطُوا بِالسُّنَّةِ أوْ لِبَيانِ (ما) بِناءً عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، ونَصَّ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ ولَمْ يَذْكُرِ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ وقُرِئَ (تُرى أعْيُنُهُمْ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى
صفحة 5
سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِمْ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَقُولُونَ فَأُجِيبَ يَقُولُونَ: (رَبَّنا آمنا) بِما أُنْزِلَ أوْ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ أوْ بِهِما
وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (عَرَفُوا) وقالَ السَّمِينُ: يَجُوزُ الأمْرانِ وكَوْنُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (أعْيُنِهِمْ) لِما أنَّ المُضافَ جُزْؤُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾
فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدَيْنِ 38 أيِ اجْعَلْنا عِنْدَكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِحَقِّيَّةٍ نَبِيِّكَ ﷺ وكِتابِكَ كَما نُقِلَ عَنِ الجَبائِيِّ ورُوِيَ بِمَعْناهُ عَنِ الحَسَنِ.
5:84Page 122
وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤
And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."
﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ جَعَلَهُ جَماعَةٌ ومِنهم شَيْخُ الإسْلامِ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا تَحْقِيقًا لِإيمانِهِمْ وتَقْرِيرًا لَهُ بِإنْكارِ سَبَبِ انْتِفائِهِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى أنَّ (نُؤْمِنَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَنا) والعامِلُ ما فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى السَّبَبِ والمُسَبِّبِ جَمِيعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ونَظائِرُهُ لا إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبِّبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأمْثالُهُ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى مُنْدَرِجٌ مَعَها في حَيِّزِ القَوْلِ أيْ يَقُولُونَ: (رَبَّنا آمَنّا) إلَخْ، ويَقُولُونَ (ما لَنا لا نُؤْمِنُ) إلَخْ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ والتَّقْدِيرُ: ما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وما لنا نُؤْمِنُ نَحْنُ بِاللَّهِ، إلَخْ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ جَوابُ سائِلٍ قالَ: لِمَ آمَنتُمْ ؟ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ
واعْتَرَضَ بِأنَّ عُلَماءَ العَرَبِيَّةِ صَرَّحُوا بِأنَّ الجُمْلَةَ المُسْتَأْنَفَةَ الواقِعَةَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ لا تَقْتَرِنُ بالواوِ وذَكَرَ عُلَماءُ المَعانِي أنَّهُ لا بُدَّ فِيها مِنَ الفَصْلِ إذِ الجَوابُ يُعْطَفُ عَلى السُّؤالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الواوَ زائِدَةٌ وقَدْ نَقَلَ الأخْفَشُ أنَّها تُزادُ في الجُمَلِ المُسْتَأْنَفَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ لا بُدَّ لِذَلِكَ مِن ثَبْتٍ، والحالُ المَذْكُورَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ لازِمَةٌ لا يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِها، قالَ: ولِذا يَصِحُّ اقْتِرانُها بِالواوِ في (ما لَنا) و(ما بالُنا لا نْفَعَلُ) كَذا لِأنَّها خَبَرٌ في المَعْنى وهي المُسْتَفْهَمُ عَنْها
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في الغالِبِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وإنَّمًا هو لِلْإنْكارِ ويَخْتَلِفُ المُرادُ مِنهُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، ومَعْنى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِوَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَإنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُوَحِّدِينَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: بِكِتابِهِ ورَسُولِهِ ﷺ فَإنَّ الإيمانَ بِهِما إيمانٌ بِهِ سُبْحانَهُ والظّاهِرُ هو الأوَّلُ والإيمانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ ﷺ يُفْهِمُهُ العَطْفُ فَإنَّ المَوْصُولَ المَعْطُوفَ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ يَشْمَلُ ذَلِكَ قَطْعًا، و (مِنَ الحَقِّ) عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ وبِما جاءَنا مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنْ يَكُونَ المَوْصُولَةُ مُبْتَدَأً و (مِنَ الحَقِّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ 48 حالٌ أُخْرى عِنْدَ الجَماعَةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُتَقَدِّمِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ يَقْتَرِنُ بِالواوِ والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الأوَّلِ مُقَيَّدٌ بِها فَيَتَعَدَّدُ مَعْنى كَما قِيلَ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ ونَحْنُ نَطْمَعُ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ وهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ ولُزُومُ الأُولى لا يُخْرِجُها عَنِ التَّرادُفِ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (نُؤْمِنُ) عَلى مَعْنى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ عَدَمَ إيمانِهِمْ مَعَ أنَّهم يَطْمَعُونَ في صُحْبَةِ المُؤْمِنِينَ وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى نُؤْمِنُ أوْ عَلى نُؤْمِنُ عَلى مَعْنى وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ
صفحة 6
تَرْكِ الإيمانِ والطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ أوْ عَلى مَعْنى: ما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَ الإيمانِ والطَّمَعِ المَذْكُورِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ لِأنَّ الكافِرَ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَطْمَعَ في تِلْكَ الصُّحْبَةِ ومَوْضِعُ المُنْسَبِكِ مِن (أنْ) وما بَعْدَها إمّا نُصِبَ أوْ جُرَّ عَلى الخِلافِ بَيْنَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والمُرادُ في أنْ يُدْخِلَنا واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ أنَّ (نا) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِيُدْخِلَ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيِ الجَنَّةُ قِيلَ: ولَوْلا إرادَةُ ذَلِكَ لَقالَ سُبْحانَهُ (فِي القَوْمِ) بَدَلَ ”مَعَ القَوْمِ“
5:85Page 122
فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥
So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.
﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ أوْ بِالَّذِي قالُوهُ عَنِ اعْتِقادٍ فَإنَّ القَوْلَ إذا لَمْ يُقَيَّدْ بِالخُلُوِّ عَنِ الِاعْتِقادِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ المُقارِنُ لَهُ كَما قِيلَ هَذا قَوْلُ فَلانٍ لِأنَّ القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عَنْ صاحِبِهِ لِإفادَةِ الِاعْتِقادِ
وقِيلَ: إنَّ القَوْلَ هُنا مَجازٌ عَنِ الرَّأْيِ والِاعْتِقادِ والمَذْهَبِ كَما يُقالُ: هَذا قَوْلُ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَثَلًا أيْ هَذا مَذْهَبُهُ واعْتِقادُهُ وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُرادَ بِهَذا القَوْلِ قَوْلُهم: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ﴾ إلَخْ
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ عُنِيَ بِهِ قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا آمَنّا﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وقَوْلُهم ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا﴾ إلَخْ قالَ الطَّبَرْسِيُّ: فالقَوْلُ عَلى هَذا بِمَعْنى المَسْألَةِ وفِيهِ نَظَرٌ، والإثابَةُ المُجازاةُ وفي البَحْرِ أنَّها أبْلَغُ مِنَ الإعْطاءِ لِأنَّها ما تَكُونُ عَنْ عَمَلٍ بِخِلافِ الإعْطاءِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ: فَآتاهُمُ اللَّهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدَ الآبِدِينَ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ ﴿وذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ مِنَ الأمْرِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ 58 أيْ جَزاؤُهُمْ، وأُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ ضَمِيرِهِمْ مَدْحًا لَهم وتَشْرِيفًا بِهَذا الوَصْفِ الكَرِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجِنْسُ ويَنْدَرِجُونَ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا أيْ جَزاءُ الَّذِينَ اعْتادُوا الإحْسانَ في الأُمُورِ.
5:86Page 122
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦
But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ عَطَفَ التَّكْذِيبَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى الكُفْرِ مَعَ أنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ لِما أنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ حالِ المُكَذِّبِينَ وذَكَرَهم بِمُقابَلَةِ المُصَدِّقِينَ بِها لِيَقْتَرِنَ الوَعِيدُ بِالوَعْدِ وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ إلى أنَّ هَذا أمْرٌ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يُبَلِّغَ رَسُولُهُ ﷺ ما أنْزَلَهُ إلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ العُبُودِيَّةِ ولَمْ يَأْمُرْهُ جَلَّ جَلالُهُ بِأنْ يُعَرِّفَ النّاسَ أسْرارَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَإنَّ ذَرَّةً مِن أسْرارِهِ سُبْحانَهُ تَتَحَمَّلُها السَّمَواتُ والأرْضُ، وهَذِهِ الأسْرارُ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ ما خَصَصْناكَ بِهِ أوْ تَعَرَّفْنا بِهِ إلَيْكَ
وقالَ بَعْضُهم وهو المَنصُورُ: أنَّ المَوْصُولَ عامٌّ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الوَحْيُ والإلْهاماتُ والمَناماتُ والمُشاهَداتُ وسائِرُ المَواهِبِ والرَّسُولُ ﷺ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ كُلِّ ذَلِكَ إلّا أنَّ مَراتِبَ التَّبْلِيغِ مُخْتَلِفَةٌ حَسَبَ اخْتِلافِ الِاسْتِعْداداتِ فَتَبْلِيغٌ بِالعِبارَةِ وتَبْلِيغٌ بِالإشارَةِ وتَبْلِيغٌ بِالهِمَّةِ وتَبْلِيغٌ بِالجَذْبَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ بِما أوْدَعَ فِيكَ مِن أسْرارِ الأُلُوهِيَّةِ فَلا يَقْدِرُونَ أنْ يُوصِلُوا إلَيْكَ ما يَقْطَعُكَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: يَعْصِمُكَ مِنهم أنْ يَكُونَ لَكَ بِهِمُ اشْتِغالٌ، وقِيلَ: يَعْصِمُكَ مِن أنْ تَرى لِنَفْسِكَ فِيهِمْ شَيْئًا بَلْ تَرى الكُلَّ مِنهُ سُبْحانَهُ وبِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ يُعْتَدُّ بِهِ ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ﴾ فَتُعْطُوا الظّاهِرَ حَقَّهُ وتَعْمَلُوا بِالشَّرِيعَةِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ مَعَ
صفحة 7
تَوْحِيدِ الأفْعالِ ﴿والإنْجِيلَ﴾ فَتُعْطُوا الباطِنَ حَقَّهُ وتَعْمَلُوا بِالطَّرِيقَةِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ مَعَ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ فَتُعْطُوا الحَقِيقَةَ حَقَّها وتُشاهِدُوا الكَثْرَةَ في عَيْنِ الوَحْدَةِ والوَحْدَةَ في عَيْنِ الكَثْرَةِ ولا تَحْجُبُكُمُ الكَثْرَةُ عَنِ الوَحْدَةِ ولا الوَحْدَةُ عَنِ الكَثْرَةِ ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ لِجَهْلِهِمْ بِهِ وقِلَّةِ اسْتِعْدادِهِمْ لِمَعْرِفَةِ أسْرارِهِ
وعَنْ بَعْضِ السّادَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ: أنَّ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلى النَّبِيِّ المُرْسَلِ ﷺ ذُو صِفَتَيْنِ؛ صِفَةُ قَهْرٍ وصِفَةُ لُطْفٍ فَمَن تَجَلّى لَهُ القُرْءانُ بِصِفَةِ اللُّطْفِ يَزِيدُ نُورُ بَصِيرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وحَقائِقِ أسْرارِهِ ودَقائِقِ بَيانِهِ ويَزِيدُ بِذَلِكَ ظاهِرُ الخِطابِ وباطِنُهُ، ومَن يَتَجَلّى لَهُ بِصِفَةِ القَهْرِ تَزِيدُ ظُلْمَةُ طُغْيانِهِ ويَنْسَدُّ عَلَيْهِ بابُ عِرْفانِهِ بِحَيْثُ لا يُدْرِكُ سِرَّ الخِطابِ فَتَكْثُرُ عَلَيْهِ الشُّكُوكُ والأوْهامُ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ وشَبَّهَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِنُورِ الشَّمْسِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ مَن يَنْتَفِعُ ويَتَضَرَّرُ بِهِ الخُفّاشُ ونَحْوُهُ
ومِن ذَلِكَ كَتَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَإنَّهُ قَدْ هُدِيَ بِها أرْبابُ القُلُوبِ الصّافِيَةِ وضَلَّ بِها الكَثِيرُ حَتّى تَرَكُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ وعَطَّلُوا الشَّرائِعَ واسْتَحَلُّوا المُحَرَّماتِ وزَعَمُوا والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى أنَّ ذَلِكَ والَّذِي يَقْتَضِيهِ القَوْلُ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ الَّتِي هي مُعْتَقَدُ القَوْمِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِفُتُوحاتِهِمْ، وقَدْ نُقِلَ لِي عَنْ بَعْضِ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالِاشْتِغالِ بِكُتُبِ القَوْمِ مِمَّنْ لَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُدْخِلَ الرَّجُلُ أُصْبَعَهُ في فَمِهِ وبَيْنَ أنْ يُدْخِلَ ذَكَرَهُ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِأنَّ الكُلَّ واحِدٌ، وكَذا لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَتَزَوَّجَ أجْنَبِيَّةً وبَيْنَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهُ أوْ أُخْتَهُ وهَذا كَفَّرٌ صَرِيحٌ عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِنهُ، ومَنشَأُ ذَلِكَ النَّظَرُ في كُتُبِ القَوْمِ مِن دُونِ فَهْمٍ لِمُرادِهِمْ وما دَرى هَذا المِسْكِينُ أنَّ مُراعاةَ المَراتِبِ أمْرٌ واجِبٌ عِنْدَهم وأنَّ تَرْكَ ذَلِكَ زَنْدَقَةٌ وأنَّهم قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الشَّرِيعَةَ مَظْهَرٌ أعْظَمٌ لِأنَّها مَظْهَرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَصِلَ إلى اللَّهِ تَعالى بِإهْمالِها، فَقَدْ جاءَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ العارِفِينَ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى أثَرَ الرَّسُولِ ﷺ، وإذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَطِيرُ في الهَواءِ وقَدْ أخَلَّ بِحُكْمٍ واحِدٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَقُولُوا: إنَّهُ زِنْدِيقٌ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ خِطابًا لِلْحَضْرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ:
وأنْتَ بابُ اللَّهِ أيْ أمْرُهُ أتاهُ مِن غَيْرِكَ يَدْخُلُ
﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿اليَهُودَ﴾ وذَلِكَ لِقُوَّةِ المُبايَنَةِ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ عَنْ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ وتَوْحِيدِ الذّاتِ ولَمْ يَكُنْ لَهم إلّا تَوْحِيدَ الأفْعالِ ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ كَذَلِكَ بَلْ هم أشَدُّ مُبايَنَةً مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ وأقْوى لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ مُطْلَقًا وإنَّما قُدِّمَ اليَهُودُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ البَحْثَ فِيهِمْ وهَذا خِلافُ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِبارَةِ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ لِأنَّهم بَرَزُوا مِن حِجابِ الصِّفاتِ ولَمْ يَبْقَ لَهم إلّا حِجابَ الذّاتِ وإلى هَذا الإشارَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ حَيْثُ مُدِحُوا بِالعِلْمِ والعَمَلِ وعَدَمِ الِاسْتِكْبارِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم وصَلُوا إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ والصِّفاتِ وأنَّهم ما رَأوْا نُفُوسَهم مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ العِلْمِ والعَمَلِ ولا نَسَبُوا عَمَلَهم وعِلْمَهم إلَيْها بَلْ إلى اللَّهِ تَعالى وإلّا لاسْتَكْبَرُوا وأظْهَرُوا العُجْبَ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ مِن أنْواعِ التَّوْحِيدِ الَّتِي
صفحة 8
مِن جُمْلَتِها تَوْحِيدُ الذّاتِ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا﴾ بِالدَّلِيلِ وبِواسِطَةِ الرِّياضَةِ ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ ﷺ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ بِذَلِكَ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ المُعايِنِينَ لِذَلِكَ ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ جَمْعًا ﴿وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ تَفْصِيلًا ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ اسْتَقامُوا بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ مِنَ التَّجَلِّياتِ الثَّلاثِ مَعَ عُلُومِها ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْدَةِ في عَيْنِ الكَثْرَةِ بِالِاسْتِقامَةِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ حُجِبُوا عَنِ الذّاتِ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالُ عَلى التَّوْحِيدِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ لِحِرْمانِهِمُ الكُلِّيِّ واحْتِجابِهِمْ بِنُفُوسِهِمْ وصِفاتِها، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ
5:87Page 122
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧
O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ لَذائِذَ ذَلِكَ وما تَمِيلُ إلَيْهِ القُلُوبُ مِنهُ كَأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ ما سَلَفَ مِن مَدْحِ النَّصارى عَلى الرَّهْبانِيَّةِ تَرْغِيبَ المُؤْمِنِينَ في كَسْرِ النَّفْسِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ عَقَّبَ سُبْحانِهِ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الإفْراطِ في هَذا البابِ أيْ لا تَمْنَعُوها أنْفُسَكم كَمَنعِ التَّحْرِيمِ، وقِيلَ: لا تَلْتَزِمُوا تَحْرِيمَها بِنَحْوِ يَمِينٍ، وقِيلَ: لا تَقُولُوا حَرَّمْناها عَلى أنْفُسِنا مُبالَغَةً مِنكم في العَزْمِ عَلى تَرْكِها تَزَهُّدًا مِنكُمْ، وكَوْنُ المَعْنى لا تُحَرِّمُوها عَلى غَيْرِكم بِالفَتْوى والحُكْمِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا فَذَكَّرَ النّاسَ ووَصَفَ القِيامَةَ فَرَقَّ النّاسُ وبَكَوْا واجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ الجُمَحِيِّ وهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وأبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ومَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ وصاحِبُ البَيْتِ واتَّفَقُوا عَلى أنْ يَصُومُوا النَّهارَ ويَقُومُوا اللَّيْلَ ولا يَنامُوا عَلى الفُرُشِ ولا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ ولا الوَدِكَ ولا يَقْرَبُوا النِّساءَ والطِّيبَ ويَلْبَسُوا المُسُوحَ ويَرْفُضُوا الدُّنْيا ويَسِيحُوا في الأرْضِ وهَمَّ بَعْضُهم أنْ يَجُبَّ مَذاكِيرَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأتى دارَ عُثْمانَ فَلَمْ يُصادِفْهُ فَقالَ لَأمْرَأتْهُ أمِّ حَكِيمٍ: أحَقٌّ ما بَلَغَنِي عَنْ زَوْجِكِ وأصْحابِهِ فَكَرِهَتْ أنْ تُنْكِرَ إذْ سَألَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَرِهَتْ أنْ تُبْدِيَ عَلى زَوْجِها فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَ أخْبَرَكَ عُثْمانُ فَقَدْ صَدَقَكَ وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا دَخَلَ عُثْمانُ فَأخْبَرَتْهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو وأصْحابُهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم: أُنْبِئْتُ أنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلى كَذا وكَذا قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ وما أرَدْنا إلّا الخَيْرَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا فَصُومُوا وأفْطِرُوا وقُومُوا ونامُوا فَإنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ وآتِي النِّساءَ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي“ ثُمَّ جَمَعَ النّاسَ وخَطَبَهم فَقالَ: ”ما بالُ أقْوامٍ حَرَّمُوا النِّساءَ والطَّعامَ والطِّيبَ والنَّوْمَ وشَهَواتِ الدُّنْيا، أما إنِّي لَسْتُ آمُرُكم أنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا فَإنَّهُ لَيْسَ في دِينَيْ تُرْكُ اللَّحْمِ والنِّساءِ ولا اتِّخاذُ الصَّوامِعِ وإنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الصَّوْمُ ورَهْبانِيَّتَهُمُ الجِهادُ، اعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وحُجُّوا واعْتَمِرُوا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وصُومُوا رَمَضانَ واسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ لَكم فَإنَّما هَلَكَ مَن قَبْلَكم بِالتَّشْدِيدِ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ فَأُولَئِكَ بَقاياهم في الدِّيارِ والصَّوامِعِ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وبِلالٍ وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ؛ فَأمّا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ حَلَفَ أنْ لا يَنامَ بِاللَّيْلِ أبَدًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا بِلالٌ
صفحة 9
فَحَلَفَ أنْ لا يُفْطِرَ بِالنَّهارِ أبَدًا، وأمّا عُثْمانُ فَإنَّهُ حَلَفَ أنْ لا يَنْكِحَ أبَدًا. ورُوِيَ أيْضًا غَيْرُ ذَلِكَ ولَمْ نَقِفْ عَلى رِوايَةٍ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ كانَ عَلى الغَيْرِ بِالفَتْوى والحُكْمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا القائِلُ. ومَعَ هَذا يُبْعِدُهُ ما يَأْتِي بَعْدُ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ. ولا يُنافِي هَذا النَّهْيُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ النَّصارى بِالرَّهْبانِيَّةِ فَرُبَّ مَمْدُوحٍ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ مَذْمُومٍ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ السّابِقِ أيْ لا تَتَعَدُّوا حُدُودَ ما أحَلَّ سُبْحانَهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْكم أوْ نَهْىٌ عَنْ تَحْلِيلِ الحَرامِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ تَحْرِيمِ الحَلالِ فَيَكُونُ تَأْسِيسًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ الإسْرافِ في الحَلالِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ: لا تَجُبُّوا أنْفُسَكُمْ، ولا يَخْفى أنَّ الجَبَّ فَرْدٌ مِن أفْرادِ الِاعْتِداءِ وتَجاوُزِ الحُدُودِ، والحَمْلُ عَلى الأعَمِّ أعَمُّ فائِدَةً
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى أنَّ نَفْيَ مَحَبَّةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِشَيْءٍ مُسْتَلْزِمٌ لِبُغْضِهِ لَهُ لِعَدَمِ الواسِطَةِ في حَقِّهِ تَعالى
5:88Page 122
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨
And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.
﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أيْ كُلُوا ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى. فَحَلالًا مَفْعُولٌ بِهِ لِكُلُوا و﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ إمّا حالٌ مِنهُ وقَدْ كانَ في الأصْلِ صِفَةً لَهُ إلّا أنَّ صِفَةَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَتْ صارَتْ حالًا أوْ مُتَعَلِّقٌ بِكُلُوا و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ المَفْعُولِ لِكُلُوا عَلى مَعْنى أنَّهُ صِفَةُ مَفْعُولٍ لَهُ قائِمَةٌ مَقامَهُ أيْ شَيْئًا مِمّا رَزَقَكم أوْ يَجْعَلَهُ نَفْسَهُ مَفْعُولًا بِتَأْوِيلِ بَعْضٍ إلّا أنَّ في هَذا تَكَلُّفًا و ﴿حَلالا﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ أكْلًا حَلالًا وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها الآيَةُ دَلِيلٌ لَنا في شُمُولِ الرِّزْقِ لِلْحَلالِ والحَرامِ إذْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الرِّزْقُ عَلى الحَرامِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الحَلالِ فائِدَةٌ سِوى التَّأْكِيدِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ 88 اسْتِدْعاءُ التَّقْوى وامْتِثالُ الوَصِيَّةِ بِوَجْهٍ حَسَنٍ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ أكْلَ اللَّذائِذِ لا يُنافِي التَّقْوى، وقَدْ أكَلَ ﷺ ثَرِيدَ اللَّحْمِ ومَدَحَهُ وكانَ يُحِبُّ الحَلْوى، وقَدْ فَصَّلَتِ الأخْبارُ ما كانَ يَأْكُلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأوانِي الكُتُبِ مَلْأى مِن ذَلِكَ
ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَأْكُلُ الفالَوْذَجَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَرْقَدُ السَّنَجِيُّ فَقالَ: يا فَرْقَدُ ما تَقُولُ في هَذا فَقالَ: لا آكُلُهُ ولا أُحِبُّ أكْلَهُ فَأقْبَلَ الحَسَنُ عَلى غَيْرِهِ كالمُتَعَجِّبِ وقالَ: لُعابُ النَّحْلِ بِلُعابِ البُرَّ مَعَ سَمْنِ البَقَرِ هَلْ يَعِيبُهُ مُسْلِمٌ. وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى النَّهْيِ عَنِ التَّرَهُّبِ وتَرْكِ النِّكاحَ وقَدْ جاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْنِي بِالرَّهْبانِيَّةِ» وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في خَبَرٍ طَوِيلٍ: «شِرارُكم عُزّابُكم وأراذِلُ مَوْتاكم عُزّابُكم» وعَنْ أنَسٍ قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنا بِالباءَةِ ويَنْهانا عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا»
وعَنْ أبِي نَجِيحٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ مُوسِرًا لِأنْ يَنْكِحُ فَلَمْ يَنْكِحْ فَلَيْسَ مِنِّي» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences